تبنى تنظيم داعش التفجير الانتحاري الدامي الذي استهدف تجمعاً سياسياً في منطقة باجور شمال غربي باكستان، وأسفر التفجير في حصيلة شبه نهائية عن مقتل 60 شخصاً وإصابة المئات بجروح.
استهدف التفجير تجمعا سياسيا لحزب "جمعية علماء المسلمين"، وكانت الغاية فيما يبدو إيقاع أكبر حصيلة ممكنة من الضحايا، إذ قال النائب الإقليمي للمفتش العام لمكافحة الإرهاب سهيل خالد لوكالة الصحافة الفرنسية، إن الانتحاري استخدم نحو 40 كيلوغراما من المتفجرات المتصلة بكرات حديد صغيرة لإحداث مجزرة كبيرة.
وتتزايد المخاوف من تحول باكستان إلى منطقة "منكوبة" بالمجازر الجماعية في سياق تنافس تنظيم داعش وحركة "طالبان باكستان" على تصدر المشهد واستعراض القوة.
"طالبان باكستان"
تبدو عملية "باجور" نسخة مقلدة لنمط العمليات التي تنفذها حركة "طالبان باكستان" منذ تأسيسها سنة 2007. ومن أهدافها المفضلة المساجد والمدارس والتجمعات السياسية والمناسبات الدينية التي تشهدها جموع غفيرة من الناس.
ومع أن عناصر تنظيم القاعدة الهاربين إلى الحدود القبلية الفاصلة بين أفغانستان وباكستان كانوا ضمن المجموعات المسلحة التي ساهمت مع 13 كيانا متطرفا آخر في تأسيس حركة "طالبان باكستان"، إلا أن قادة كبارا في القاعدة أعربوا عن معارضتهم لـ"النهج الدموي المفرط الذي تبنته الحركة".
وفي وثائق "أبوت أباد" التي صادرتها القوات الأميركية في منزل أسامة بن لادن عام 2011، يعترف القيادي في القاعدة آدم يحيى غدن المعروف بـ"عزام الأميركي"، بـ"فظاعة الجرائم التي تنفذها حركة طالبان باكستان، وطالب أسامة بن لادن بالتدخل بشكل حاسم وإنهاء العلاقة بين التنظيم والحركة".
ووصفها بـ"اللوثة التي يجب إزالتها وتطهير وتمحيص الصفوف منها". ولإقناع أسامة بن لادن بوجاهة رأيه، استعرض غدن ما اعتبرها "السيرة السوداء لطالبان باكستان" وسرد عددا من العمليات الدامية التي استهدفت الأسواق والمساجد والتجمعات المكتضة بالناس وخلفت مئات القتلى.
الملفت أن عزام الأميركي عقد مقارنة بين تنظيم داعش في نسخته الأولى "تنظيم دولة العراق الإسلامية" التي بدأت حينها في استهداف الكنائس في العراق وبين حركة "طالبان باكستان"، وحث بن لادن على قطع العلاقة بشكل علني مع التنظيمين.
غير أن تنظيم القاعدة استمر في توثيق علاقته بحركة "طالبان باكستان"، وتحالف معها في حربها ضد الحكومة الباكستانية، ولم يصدر عنه أي استنكار أو إدانة لمجازرها الجماعية، وكان آخرها تفجير انتحاري استهدف مسجدا قرب مقر للشرطة بمدينة بيشاور عاصمة إقليم خيبر بختونخوا شمال غربي البلاد في يناير الماضي، وأسفر عن مقتل 100 شخص وإصابة مئات آخرين.
تحتفظ "طالبان باكستان" في سجلها الدموي بعشرات الهجمات المميتة التي تؤكد أن القتل الجماعي ليس تكتيكا حربيا بالنسبة لها فقط، لكنه أيضا طقس ديني وممارسة شعائرية تؤكد به عقيدتها المناهضة لكل المخالفين الغارقين في "الكفر والجاهلية"، استنادا إلى أدبياتها وإصداراتها المنشورة.
ومن أبرز العمليات التي نفذتها الحركة:
مذبحة مدرسة بيشاور في 16 ديسمبر 2014: حين هاجمت مدرسة يديرها الجيش في بيشاور، أسفر عن مقتل أكثر من 130 شخصاً معظمهم أطفال.
تفجير مسجد للطائفة الشيعية في 9 يناير 2015: وذلك في مدينة روالبندي، حيث أسفر عن مقتل وإصابة العشرات.
تفجير مستشفى كويتة المدني في 8 أغسطس 2016: استهدف انتحاري قسم الطوارئ ما أسفر عن مقتل حوالي 70 شخصاً على الأقل.
تفجير حديقة لاهور في 27 مارس 2016: حيث استهدف انتحاري الحديقة، وقتل نحو 75 شخصا معظمهم من النساء والأطفال.
داعش.. طفرة الإرهاب
تأثر تنظيم داعش فرع "ولاية خراسان" بالتقليد الدموي الذي أسسته "طالبان باكستان" في استهداف الأسواق ودور العبادة والتجمعات الانتخابية، وزادت الأجندة الطائفية لداعش من فظاعة هجماتها، إذ تركز في كثير من عملياتها على مساجد الشيعة واحتفالاتهم الموسمية التي تشهدها حشود غفيرة من أبناء الطائفة في كل من أفغانستان وباكستان.
الكثير من قادة تنظيم داعش في باكستان وأفغانستان هم في الواقع أعضاء سابقون في "طالبان باكستان"، ووجدوا في وحشية التنظيم وعدائه المستحكم للطوائف الأخرى فرصاً أكثر في ممارسة نشاطاتهم المروعة.
رغم السجل الدموي الحافل لـ"طالبان باكستان" في الستة عشر سنة الماضية، إلا أن لـ"داعش خراسان"، بصمته الخاصة، وإضافاته التي تميز هجماته. إذ وسع التنظيم عملياته لتشمل كل المساجد بما فيها مساجد الطائفة السنية التي يرى تنظيم داعش أن روادها هم من "عوام المسلمين الذين لا يجوز قتلهم قصدا"، لذلك تجنب الإعلام الرسمي لداعش تبني هذه العمليات ودأب على تجاهلها.
ومنذ استيلاء حركة طالبان على السلطة في غشت 2022 ومساجد البلاد تشهد عمليات تفجير انتحارية خصوصا أثناء صلوات الجمعة التي يشهدها مئات المصلين.
وصعّد تنظيم داعش خلال العام الماضي 2022 هجماته المميتة التي استهدفت المساجد في أفغانستان، أبرزها الهجوم الذي استهدف مسجد "خليفة صاحب" في 29 أبريل، وأسفر عن مقتل أكثر من 70 مصليا، وقبله بأسبوع استهدف داعش مسجدا شيعيا في مزار الشريف أسفر عن مقتل 31 شخصا وإصابة حوالي 90 آخرين.
في باكستان وسعت داعش بنك أهدافها ليشمل الأضرحة والأسواق والمزارات، مثل هجومها على ضريح سيهوان شريف في 16 فبراير 2017، حيث قام انتحاري بتفجير نفسه في ضريح لآل شهباز قلندر في سيهوان شريف، ما أسفر عن مقتل 90 شخصًا على الأقل، وإصابة مئات آخرين.
وفي 23 يونيو 2017، نفذ داعش تفجيرات مزدوجة في سوق للخضار في باراشينار، أودى بحياة أكثر من 70 شخصا وإصابة أكثر من 200 آخرين.
وفي 13 يوليو 2018، أسفر تفجير انتحاري خلال تجمع انتخابي قرب بلدة ماستونج التي تبعد 50 كيلومترا عن كويتة، عن مقتل أكثر من 150 شخصا وإصابة مئات آخرين.
لماذا المجازر الجماعية
تخدم المجازر الجماعية أجندة داعش باعتبارها شكلا من أشكال التوحش الذي يسبق التمكين ويكرّس الصورة المرعبة للتنظيم في خيال خصومه.
وقد شرحت رانيا مكرم، الباحثة في مركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية، الأهداف التي يتوخاها داعش في عمليات القتل الجماعي التي يقف خلفها ولخصتها في ستة أهداف يمكن إجمالها في:
1) إحداث وتأجيج الانقسامات الطائفية في المجتمعات وجرها إلى مربع الصراعات والحروب الأهلية.
2) إضعاف السلطات الحاكمة في البلاد، وتشتيت جهودها وإنهاكها اقتصاديا، وإحداث فجوة بين السلطة الحاكمة وجموع الناس الذين لا تستطيع حمايتهم في مساجدهم وأسواقهم ومواسمهم الدينية.
3) إحداث تغيير ديمغرافي في بعض المناطق حيث يقوم بإفراغ المناطق ذات الأهمية الإستراتيجية من سكانها، ليتسنى له الانحياز إليها والتمركز فيها، كما يفعل في أفغانستان من خلال تركيز هجماته على ولاية قندز بهدف السيطرة علي ثرواتها الطبيعية والاستفادة منها في تمويل عملياته.
4) المساجد والأسواق والتجمعات الانتخابية تعتبر خواصر رخوة لا تتطلب مجهودا عسكريا وأمنيا لاستهدافها ولا تحظى بالحماية الكافية، بالتالي يتم إيقاع أكبر حصيلة من الضحايا مقابل مجهود أقل.
