زعيم تنظيم داعش السابق أبو بكر البغدادي

يختار قادة التنظيمات المتطرفة عادة الاستماتة في القتال، عندما يتم تحديد أماكنهم، إلى أن يقتلوا. وقد يسملون أنفسهم عندما تنفد ذخيرتهم. حدث هذا أكثر من مرة في الحملات الأمنية الناجحة التي استهدفت خلايا القاعدة، خاصة في السعودية.

لكن نهاية قادة داعش كانت مختلفة تماما. فعندما حاصرت القوات الأميركية منزل أبي بكر البغدادي زعيم داعش الأول، في بلدة باريشا شمال غربي سوريا، لم يحاول حتى المقاومة، أو فتح خط للتفاوض لتأمين عائلته وأطفاله الصغار. عوض ذلك سحب أطفاله إلى آخر نقطة في مجمعه السكني، وفجر حزامه الناسف وسط الجميع. الملفت أنه لم يفجر نفسه حتى في موقع يمكن أن تطال فيه موجة الانفجار أحدا من مهاجميه، بل أراد فقط أن يضع حدا لحياته وحياة عائلته.

كان يمكن أن تكون نهاية زعيم داعش مجرد حالة خاصة، لو لم يتكرر المشهد ذاته بكل تفاصيله مع الزعيم الثاني للتنظيم، أبو إبراهيم الهاشمي (عبد الله قرداش). ففي عملية إنزال جوي في بلدة أطمة في ريف إدلب شمال سوريا، اختار قرداش تجاهل نداءات القوات الأميركية له بتسليم نفسه وتأمين عائلته، وقرر بدلا من ذلك تفجير نفسه وسط زوجته وأطفاله الصغار في الطابق الثاني من منزله ناثرا أشلاءهم على مسافة أمتار خارج المنزل.

مع تكرار السيناريو ذاته مع "الخليفة" الثالث الذي وضع حدا لحياته وسط عائلته وهو محاصر من قبل مجموعات مسلحة في منطقة درعا جنوب سوريا، ثم مع "الخليفة" الرابع الذي انتحر أيضا بنفس الطريقة، على الأقل حسب الرواية التركية (تقول داعش إنه قتل متأثرا بجراحه)، تتخذ هذه النهاية طابعا مثيرا للاهتمام أكثر من كونها مجرد حوادث فردية معزولة.

الملفت أن هذه الظاهرة لا تؤطرها نصوص "العمليات الاستشهادية" المعروفة في "الأدبيات الجهادية"، ولكنها نمط جديد من الإرهاب الانتحاري، ضحاياه هم أقرب المقربين إلى الجاني نفسه. ولمحاولة فهم هذه الظاهرة، لابد من رحلة في أدبيات الإرهاب، بحثا عن نصوص تسوغ هذا النوع من الانتحار.

 

فتوى "الاستئسار"

 

تعترف الدراسات السيكولوجية التي تناولت ظاهرة الإرهاب الانتحاري بعدم قدرتها على تقديم تفسير علمي مقنع، لما تنطوي عليه من تعقيد. في هذا السياق يقول الباحثان أبدش كومار وماناس ماندال في كتابهما "الانتحاريون.. دراسة نفسية حول فهم الإرهاب الانتحاري": "تَحدَّتْ هذه الظاهرة أي تفسير لها حتى الآن على الرغم من الجهود السياسية والاستراتيجية والمستويات العلمية المشتغلة بها".

هذا على الرغم من أن الانتحار المقصود هنا هو ذلك الانتحار الهجومي الشائع في الأنشطة الحربية للجماعات المتشددة، والذي عرفه الكاتبان بأنه "هجوم عنيف بدوافع سياسية نفذ بشكل متعمد وفي وعي تام ومعرفة كاملة بموت منفذه".

لكن نوع الانتحار الذي استحدثه قادة داعش ليس انتحارا هجوميا ولا يتوخى تحقيق النكاية، بل انتحار الهدف منه إزهاق روح المنفذ وأرواح المقربين منه فقط. وبالتالي ينبغي البحث عن مسوغاته خارج النصوص والفتاوى التي تجيز العمليات الانتحارية كما مارستها داعش والقاعدة وحماس وغيرها.

تزامنت ثورة مواقع التواصل الاجتماعي مع الصعود السريع لتنظيم داعش عام 2013.
"داعش".. خلافة رقمية يطوقها مارد الذكاء الاصطناعي
الشركات التكنولوجية الكبيرة شرعت منذ 2017 في الاعتماد كليا على خوارزميات الذكاء الاصطناعي لرصد وحذف المواد التي تروج للتطرف العنيف على منصاتها، بينما اقتصر دورها في السابق على تكميل جهود فرق بشرية يقع على عاتقها عبء هذه العملية برمتها.

من الفتاوى التي يمكن أن تفسر مصائر قادة داعش فتوى "الاستئسار"، وهي شائعة في أدبيات التيار الجهادي، ولها أيضا امتدادات في التراث الفقهي الإسلامي، لكن ليس بالصيغة التي يطرحها به التيار الجهادي.

و"الاستئسار" يعني الاستسلام. وتنص الفتوى على "تفضيل الموت على الأسر لما يترتب على ذلك من مفاسد". وقد كتب عبد العزيز الطويلعي، أحد قادة القاعدة في السعودية كتابا، بعنوان "أيها المجاهدون.. المنية ولا الدنية"، حشد فيه نصوصا دينية واقتباسات تراثية شدد من خلالها على "حرمة الاستئسار" وأن الأفضل للمقاتل أن يقتل نفسه، حتى لا يصبح تحت ولاية "كافر"، على حد قوله.

حظي كتاب الطويلعي بإشادة واسعة في أوساط الجهاديين، وكانت توصياته معتمَدة من قبل أجيال من المتشددين. فالكتاب كان من أول الوثائق التي تم نشرها على الأنترنت، وظهرت في المواقع الأولى التابعة للقاعدة، وكان له دور في تكريس قناعة لدى عناصر المنظمات المتشددة تحرم الاستسلام للقوات الأمنية وتحض على مقاومتها حتى الموت.

اعتقل الطويلعي في السعودية منتصف 2005 بعد إصابته بطلق ناري في وجهه، وحكم عليه بالإعدام، ونفذ الحكم في يناير 2016.

 

الانتحار كتما للأسرار

 

من الفتاوى المتداولة في أدبيات "التيار الجهادي" فتوى تجيز الانتحار عندما يكون المعني بالأمر مسؤولا أو مستأمنا على أسرار التنظيم، ويخاف أن يدلي بما عنده من معلومات. ومن أول الكتابات التي تناولت هذه المسألة كتاب "المختار في حكم الانتحار خوف إفشاء الأسرار" لعبد العزيز الجربوع.

ومع أن الكاتب يعترف أن هذه المسألة شائكة ومستجدة، ولم تكن موضوع اهتمام الفقهاء قديما، إلا أنه اعتمد على مجموعة من القواعد الأصولية، ومبدأ القياس، ليؤكد في النهاية أن انتحار "المجاهد" جائز.

بل ذهب أبعد من ذلك عندما قرر أن الانتحار قد يكون واجبا، إذا كان المعني حائزا للأسرار ويغلب على ظنه أنه لن يصمد أمام ضغط المحققين، بمعنى أن الإثم يقع عليه عندما لا يقدم على الانتحار.

رأى الكاتب أن الفتاوى الصادرة عن الهيئات العلمية الإسلامية وبعض شيوخ الأزهر، وشخصيات علمية في الأردن والسعودية التي أجازت "العمليات الانتحارية" المعروفة يمكنها أيضا أن تكون أساسا شرعيا لجواز الانتحار خوفا من إفشاء الأسرار.

وخلص بعد سرد موسع لما اعتبرها أدلة شرعية أنه "يلزم لزوما حتميا جميع من أفتى بجواز العمليات الاستشهادية أن يفتي بجواز وفضل من قتل نفسه فداء للمسلمين، وخوفا عليهم من أي يفشي سرهم وذلك لأن الحفاظ على أرواح المؤمنين أولى بكثير من قتل بعض الكافرين في عملية استشهادية قد لا يقتل فيها أحد سوى بعض الدمار لبعض المنشآت".

هكذا، يبدو حفظ أسرار التنظيم من الدوافع الرئيسية لانتحار قادة داعش، خصوصا مع اقتناعهم أنهم "خلفاء" في دولة إسلامية.

نقطة أخرى ملفتة، وهي أن مفاهيم الموت والانتحار والقتل والذبح والفناء لا يتعامل معها العقل الداعشي كمفاهيم استثنائية أو تصورات فلسفية غامضة تبعث على القلق والتفكير. إنها بالنسبة إليه مجرد كلمات يعبر بواسطتها عن روتينه اليومي، فالموت والقتل والذبح والانتحار ممارسات عادية بالنسبة له، بل قد تحمل أبعادا رومانسية في خياله. وقد شاهدنا كيف كان يتغزل أحدهم بسيارته المفخخة، وكيف كانوا ينظمون قرعة لحسم التنافس على تنفيذ العمليات الانتحارية. وبالتالي، فأن يسحب الداعشي حلقة الأمان لحزامه الناسف، ويفجر نفسه وسط أسرته، لن يكون بالنسبة إليه حدثا استثنائيا. لقد أرسل البغدادي ابنه ذا الـ13 عام ليفجر نفسه في سوريا، ولم يكن مجبرا لفعل ذلك، فماذا سيصنع وقد نفدت خياراته؟!

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

اعتمد رجال الدين في نظام طالبان أحد "أكثر تفسيرات الشريعة تشددا"
اعتمد رجال الدين في نظام طالبان أحد "أكثر تفسيرات الشريعة تشددا"

ثلاث سنوات من حكم طالبان لأفغانستان كانت كفيلة بـ"جر البلاد لعزلة دولية، وتعميق الأزمات الداخلية، وتغذية التطرف وقمع الحريات، وفرض تفسيرات دينية متشددة موجهة ضد النساء بشكل كبير"، حسبما يجمع مختصون تحدث معهم موقع "الحرة".

والأربعاء، بدأت سلطات طالبان إحياء الذكرى الثالثة لعودتها إلى السلطة في قاعدة باغرام الجوية الأميركية السابقة، حيث قال رئيس الوزراء، حسن أخوند، في كلمة ألقاها رئيس مكتبه إن على البلاد "الإبقاء على حكم الشريعة الإسلامية".

دولة طالبان "الثانية"

في 15 أغسطس 2021، سيطر مقاتلو طالبان على العاصمة الأفغانية كابل بعد انهيار الحكومة المدعومة من واشنطن وفرار قادتها إلى المنفى، وذلك بعد خوض الحركة تمردا مسلحا استمر 20 عاما.

وفي عام 1996 وصلت طالبان إلى الحكم في أفغانستان للمرة الأولى، وامتدت فترة حكمها إلى عام 2001.

ويشير الباحث في شؤون الحركات المتطرفة، منير أديب، إلى أن طالبان منذ استيلائها على الحكم للمرة الثانية في أفغانستان وهي تمارس "التضييق على هامش الحريات، فضلا عن موقفها المتشدد من المرأة الذي لم يتغير".

وطالبان حركة "متشددة" على مستوى الأفكار والممارسات، ولم تغير مواقفها تجاه الحريات العامة والمرأة، ولذلك منعت النساء من العمل والدراسة حتى على مستوى الطالبات "صغار السن"، وتطمس صورة السيدات في الإعلانات واللوحات الإرشادية على الطرقات، حسبما يوضح لموقع "الحرة".

ويؤكد أن طالبان "تدعم الحركات الأكثر تطرفا، وتحتضن تنظيمات على غرار تنظيم القاعدة العابر للقارات والحدود"، وبالتالي فالحركة "المتشددة" لم تغير مواقفها على الإطلاق.

ما علاقة "الشريعة الإسلامية"؟

يعتمد رجال الدين في نظام طالبان أحد "أكثر تفسيرات الشريعة تشددا"، بما في ذلك عقوبات الإعدام والعقوبات الجسدية، وفقا لمراقبين.

وخلال السنوات الثلاث التي أعقبت عودتها إلى السلطة، عززت طالبان قبضتها على البلاد، وضاعفت الإجراءات الهادفة إلى القضاء على "حرية النساء".

وأغلقت طالبان أمام النساء أبواب الثانويات ثم الجامعات، وكذلك المنتزهات وصالات الرياضة والحمامات، في سياسة وصفتها الأمم المتحدة بأنها "فصل عنصري بين الجنسين".

وفي الفترة الفاصلة بين حكمي طالبان، كانت "الفتيات مخولات ارتياد المدارس وتسنى للنساء إيجاد فرص عمل في كل القطاعات".

وفي الوقت الحالي فإن أفغانستان هي الدولة الوحيدة في العالم التي "تحظر على الفتيات إكمال الدراسة بعد التعليم الابتدائي".

وتفرض طالبان قوانين تستند إلى "تفسيرها الصارم للشريعة الإسلامية".

لكن المدير السابق لإدارة الدعوة بمجمع البحوث الإسلامية، عبد العزيز النجار، ينفي ارتباط الإجراءات التي تتخذها طالبان والقوانين التي تفرضها الحركة بـ"الشريعة الإسلامية".

والجماعات والحركات المتطرفة والمتشددة على غرار "داعش والقاعدة وطالبان"، تستند إلى فتاوى "قديمة كانت تناسب عصرا معينا ولا تنطبق على عصرنا هذا"، وفق حديثه لموقع "الحرة".

ويوضح أن "الفتاوى اجتهاد بشري تتغير بتغير الزمان والمكان، وليست شريعة إسلامية، ولا يوجد في الدين ما يمنع عمل وتعليم النساء".

وبالتالي "لا يجوز تعميم الفتاوى" التي تمثل فهم العلماء للدين في عصر معين واعتبار أنها "شريعة" يجب أن يطبقها الجميع، حسبما يؤكد النجار.

ويشدد على أن الدين الإسلامي "لا يمنع المرأة من الحياة، ولا يحرم ولا يجرم تعليم النساء أو عملهن"، حسبما يوضح لموقع "الحرة".

ويتحدث عن "وجوب تعليم" المرأة في الإسلام، من أجل نهضة المجتمع، وحرمانها من ذلك هو "تعطيل لمسيرة بناء الأمم".

وعمل المرأة من عدمه يرتبط برغبتها فقط "لأن الإسلام لا يمنع النساء عن العمل"، وفق مدير إدارة الدعوة بمجمع البحوث الإسلامية السابق.

ويؤكد النجار "أن من يمنع تعليم وعمل المرأة، يسيء للدين وينفر الناس منه، ويخالف وصية النبي محمد، عندما قال: (استوصوا بالنساء خيرا)".

ماذا جنت أفغانستان؟

بعد ثلاث سنوات على عودة طالبان إلى الحكم، تعاني أفغانستان "ركودا اقتصاديا كاملا"، فيما يغرق سكانها في الفقر وسط أزمة إنسانية متفاقمة، بدون أمل في تحسن الأوضاع في المستقبل المنظور، وفق خبراء.

وشهد الناتج المحلي الإجمالي الأفغاني انكماشا حادا بنسبة 26 في المئة في 2021 و2022 بحسب البنك الدولي الذي حذر بأن "النمو سيكون بمستوى الصفر للسنوات الثلاث المقبلة وستتراجع العائدات للفرد تحت الضغط الديموغرافي".

ومع عدم اعتراف أي دولة بحكومة طالبان، توقفت المساعدات الإنمائية، وانهارت المساعدات الإنسانية بحيث بات ثلث سكان أفغانستان البالغ عددهم 45 مليون نسمة يعيشون على الخبز والشاي، في ظل انتشار البطالة.

وحذّر بيان مشترك صادر عن منظمات دولية غير حكومية، من تزايد النقص في المساعدات، مع وجود 23.7 مليون شخص في حاجة إلى مساعدات إنسانية.

ويرى أديب أن "أفغانستان لم ينالها سوى وضع اقتصادي صعب ومتدهور، وعزلة دولية، وأزمات حقيقية تمس المواطن الأفغاني من رجال أو نساء أو حتى بعض الأقليات الدينية والعرقية".

والجميع "يعاني معاناة حقيقية من وجود حركة طالبان التي تدعي أنها تحكم بالشريعة الإسلامية لكن هذا الادعاء غير صحيح، فالحركة لا تحكم بالإسلام لكن بما يؤمنون به من تصور ديني"، وفق الباحث بشؤون الجماعات المتطرفة.

وتملك أفغانستان ثروات معدنية وإمكانات زراعية هائلة، لكنها تعاني هجرة الأدمغة وضعف بالبنى التحتية وانقطاع الخبرات الأجنبية ومصادر التمويل.