داعش
في ثلاث سنوات فقط خسر "داعش" أربعة من زعمائه، إضافة إلى اعتقال وتحييد كل قياداته المؤسسة.

يتسلم زعيم "داعش" الجديد أبو حفص الهاشمي قيادة التنظيم وهو في أسوأ حالاته منذ إعلان ما يسمى "الخلافة" في العام 2014.

تراجع أداء التنظيم العملياتي، وانكشف أمنياً بشكل غير مسبوق، وخسر قياداته المؤسسة كلها، ودبّ الخلاف وتضاربت صلاحيات ما تبقى من مؤسساته ومفاصله التنظيمية، وبات واضحاً طبقا لإحصائيات التنظيم نفسه أنه يعيش مرحلة إثبات الوجود خصوصا في العراق وسوريا، وصلت حد إقدامه على نشر صور تعود إلى سنة 2015 على أساس أنها بيعة من مقاتليه في سوريا لزعيمهم الجديد.

 

انكشاف أمني

 

في ثلاث سنوات فقط خسر "داعش" أربعة من زعمائه، إضافة إلى اعتقال وتحييد كل قياداته المؤسسة، وهو تطور غير مسبوق في تاريخ الجماعات الارهابية، إذ احتاجت الولايات المتحدة مثلاً إلى 30 سنة لتحييد زعيمين لتنظيم القاعدة. لقد حاول "داعش" تأمين زعمائه بالطرق كلها، ونقلت زعيمها الثالث إلى جنوب سوريا حيث لا يمكن أن يتوقع وجوده أحد، ومع ذلك تمت تصفيته.

وفي محاولة منها لتطويق مشاكلها الأمنية المتفاقمة أصدرت داعش تعميماً داخلياً حظرت بموجبه تبادل الزيارات بين قياداته وأفراده، وعقد الاجتماعات واللقاءات في المنازل خصوصا في مناطق شمال وشمال غرب سوريا، وحذر التعميم من أن "أي أخ يبلغنا عنه الاستهتار وعدم السمع والطاعة في هذا الأمر سيعرض نفسه للمسائلة، وسيكون تعزيره رادعاً وعقوبته الطرد" ويبدو أن مقتل زعيم "داعش" السابق في المناطق المعنية بهذا التحذير جعل منه تحذيرا عديم الجدوى.

ولعل من أكبر الضربات الأمنية التي تلقاها التنظيم مؤخرا هي اعتقال ناطقه الرسمي السابق أبي عمر المهاجر مع مجموعة من مساعديه، ولم يحسم التنظيم مصيره حتى الآن، فقد اتهم هيئة تحرير الشام باغتيال زعميه واعتقال ناطقه الرسمي السابق، لكن الهيئة نفت ضلوعها في عملية الاغتيال، لكنها لم تعلق على اعتقال المهاجر، وأيا كانت الجهة التي تحتفظ الآن بالرجل فالذي لا شك فيه أنها وضعت يدها على كنز ثمين من المعلومات.

المنشقون عن التنظيم يصفون " ولاية الشام" بالولاية "المخترقة"، واعترفت قناة على منصة التواصل الاجتماعي يديرها قادة سابقون في داعش أن "ولاية الشام تعاني من سرطان الجاسوسية الذي نخر كيانها من الداخل وأجهز بشكل شبه كلي على قادتها وأمرائها" وأضافت " أن ما زاد الطين بلة هو تمركز القيادة العامة للتنظيم في ولاية الشام، فمقتل أربعة خلفاء للتنظيم وثلاثة متحدثين، وتحييد عدد هائل من أعضاء مجلس الشورى، واللجنة المفوضة ومدراء القيادة العامة للولايات، برهن أن ولاية الشام أصبحت ثقباً أسود ابتلع القيادة العامة بشكل مروع ومن شأنه أن يبتلع التنظيم برمّته".

 

انحسار في العراق

 

يعتبر العراق "حجر الزاوية" في مشروع "داعش"، ولا يزال التنظيم حتى الآن رغم نضوب قياداته التاريخية مصراً على أن تكون قيادته العامة منحدرة من العراق حصراً. لكن ما تتفق عليه بيانات الحكومة العراقية والقيادة المركزية الأمريكية إضافة إلى البيانات الرسمية لتنظيم "داعش" نفسه هو أن الوجود "الداعشي" في العراق يقترب من مرحلة الأفول التام، خصوصا إذا استمرت الضربات الأمنية المركزة ضد خلايا التنظيم في وتيرتها الحالية.

ففي يونيو الماضي أعلن اللواء يحيى رسول المتحدث الرسمي باسم القائد العام للقوات المسلحة في العراق عن القضاء على 99 في المائة من قدرات داعش في العراق، وأن الجيش العراقي، استنادا إلى هذا الإنجاز، بدأ في إخلاء مراكز المدن، وافساح المجال للقوات الأمنية وعناصر وزارة الداخلية لتقوم بدورها في حفظ الأمن والاستقرار" وأن "العمل جار على تسليم الملف الأمني بالكامل لوزارة الداخلية في كافة المناطق" مؤكدا "أن الوضع الأمني الجيد في المناطق المحررة سمح بهذه الخطوة" وستقتصر مهمة الجيش في المرحلة القادمة على الانتشار خارج المدن والمناطق الريفية النائية وضبط الحدود.

رسول أكد أيضاً أن "داعش" فقد قدرته على القيام بعمليات كبيرة، وأن وجوده في العراق مقتصر على خلايا صغيرة يتراوح عدد أفرادها بين الاثنين والستة. وفي ذات السياق تحدث مسؤولون أمريكيون عن تدهور حاد في قدرات داعش في العراق،  وأن عملياته باتت أقل فتكا وقد انخفضت بنسبة 64 في المائة، وأكدوا أن أعداد مقاتلي داعش هم دون الألف مقاتل.

تصريحات يحيى رسول والمسؤولين الأمريكيين زكتها بيانات "داعش" بخصوص نشاطه على الأراضي العراقية، وهو ما تعكسه صور بيعة عناصره في العراق لزعيمه الجديد، حيث أظهرت الصور مسلحين لا يتجاوز عددهم 9 أفراد، في منطقة خالية، وآخرين عددهم أقل، مكدسين في مساحة ضيقة، يعلنون ولاءهم للزعيم الجديد. وفي مؤشر على فعالية الضغط الأمني على تحركاتهم، فقد حرصوا على تمويه عيونهم والأجزاء التي تظهر من خلفياتهم.

حصيلة العمليات التي يعلنها التنظيم بشكل دوري كشفت عن تراجع غير مسبوق في عملياته داخل الأراضي العراقية، ففي الأسبوع الماضي نفذ التنظيم عملية واحدة فقط في العراق، وهي المرة الرابعة التي يسجل فيها هذه الحصيلة المتدنية منذ بداية العام الجاري. بينما لم تصل حصيلة عملياته خلال شهر كامل إلى 10 عمليات، مع العلم أن التنظيم يبالغ في تقدير حجم نشاطه في العراق تحديدا، وكل رشقة رصاص من أحد مقاتليه هناك يوثقها كعملية "ناجحة".

وتأكيدا على التزامها بمحاربة "داعش" تواصل القيادة المركزية الأمريكية تنسيقها مع القوات العراقية في تحييد ما تبقى من مقاتليه وخلاياه في العراق وقد أعلنت الأسبوع الماضي عن اعتقال 7 من مقاتلي "داعش" خلال 20 عملية مشتركة مع القوات العراقية.

ورغم نجاح التحالف الدولي في تقويض قدرات "داعش" في العراق، إلا أن خبراء أمميون(من الأمم المتحدة) مازالوا يعتقدون أن التنظيم يحتفظ برصيد من الموارد والعناصر في العراق وسوريا يصل حتى 7000 عنصر أغلبهم من المقاتلين، وأنه  تعمد خفض مستوى عملياته "لتسهيل التجنيد وإعادة التنظيم" حسب ما جاء في تقرير صاغته لجنة من الخبراء الأمميين معنية بمراقبة العقوبات المفروضة على داعش ونشر أمس الاثنين.

 

تأهب في إفريقيا

 

بالتوازي مع أفوله في العراق وانحساره في سوريا، يبذل تنظيم "داعش" جهوداً حثيثة من أجل تثبيت أقدامه في صحاري الساحل وأدغال إفريقيا. ومع تدهور الأوضاع الأمنية في السودان، والتوتر المتصاعد في النيجر، وانسحاب القوات الفرنسية من مالي وبوركينافاسو، يأمل التنظيم أن يساعده ذلك في توسيع مساحة نشاطه واستقطاب المزيد من العناصر إلى صفوفه.

لكن من أكبر التحديات التي تواجهه لاسيما في الساحل وشرق افريقيا، هو صراعه الوجودي مع خصمه اللدود تنظيم القاعدة. ففي 31 من يوليو الماضي أعلنت جماعة "نصرة الإسلام والمسلمين" عن قتلها المدعو لقمان أحد أبرز قادة "داعش" في منطقة الساحل في عملية بمنطقة "جايل" في بوركينافاسو. وفي العشرين من يوليو الماضي انتشرت مقاطع مرئية على تطبيق "تيليجرام" أظهرت حشوداً من مئات المقاتلين يتبعون "القاعدة" وهم يتوجهون إلى منطقة المثلث (المنطقة الحدودية بين مالي والنيجر وبوركينافاسو) للإغارة على معاقل "داعش" هناك. كما خاض التنظيمان معارك شرسة الأسبوع الماضي في منطقة بلي كيسي في محيط مدينة تمبكتو شمال مالي أسفرت عن مقتل العشرات من الطرفين، وتركز الصراع بينهما أكثر في منطقة تلاتايت شمال شرقي البلاد.

وامتدت المعارك الطاحنة بين الطرفين إلى بوركينافاسو حيث وقعت اشتباكات عنيفة بينهما في منطقة سيبا شمال البلاد أسفرت عن سقوط قتلى من الجانبين. وعلى مدار الأشهر الماضية يتبادل التنظيمان السيطرة على معاقلهما، ويستنزفان مواردهما وقدراتهما في معارك بينية لا تنتهي.

وكما هو الوضع في منطقة الساحل يخوض داعش أيضا معارك دامية مع جماعة "بوكو حرام" في نيجيريا حيث تحتدم المعارك بينه وبينه الجماعة التي تطلق على نفسها اسم "جماعة أهل السنة والجماعة" خصوصا في غابات سامبيسا. هذه المعارك دفعت العشرات من المقاتلين من كلا الطرفين للتوجّه إلى عمق أراضي دولة النيجر، وهو ما فاقم التهديدات الأمنية في هذا البلد الذي يتذيل مؤشرات التنمية في العالم، وسيزيد الانقسام السياسي وتعليق المساعدات الدولية له في ظل الانقلاب الحالي من أزماته الأمنية والانسانية المستفحلة. كل ذلك يجعل من منطقة غرب افريقيا من أكثر المناطق المنكوبة بالارهاب على مستوى العالم، لاسيما وقد وزاد عدد الهجمات الإرهابية المنفَّذة في غرب أفريقيا بمعدل 55 في المائة خلال العام الماضي، وفقا لتقديرات مؤشر الإرهاب لعام 2022، الصادر عن معهد الاقتصاد والسلام الدولي.

في شرق الكونغو يواصل فرع "داعش" هناك الصعود مع "بصمة خاصة"، ميزت مجازره الجماعية بحق القرويين العزل، إذ يلجأ إلى الفؤوس والسواطير لقتل أكبر عدد ممكن من السكان مع إحراق قراهم وممتلكاتهم، وسبي نسائهم وأطفالهم. وهي جرائم لا يملك إعلام "داعش" شجاعة تبنيها بشكل رسمي. ففي 17 من يونيو الماضي اقتحمت مجموعة مسلحة تابعة لـ"داعش" مدرسة على الحدود بين أوغندا والكونغو، وقتلوا بالسواطير أكثر من 40 شخصاً بينهم أطفال ونساء وشيوخ. داعش لم يتبن العملية بشكل رسمي، وقد أكد منشقون عن التنظيم أن تعمد قتل الفتيات والأطفال والنساء هو الذي حال دون تبنيها، وإن كان التنظيم الارهابي لا يمانع من هذه الأساليب الوحشية خصوصا ضد القرى المسيحية لفرض واقع ديمغرافي جديد يكون في صالح أجندته التوسعية. ووفقا لصحيفة "واشنطن بوست" فإن هذا العام هو الأكثر دموية في تاريخ فرع "داعش" في منطقة شرق الكونغو.

 

ولايات آفلة

 

خلال العام الجاري غابت عمليات "داعش" في عدد من ولاياته البعيدة، في مؤشر على أفول التنظيم عن هذه المناطق. والتي كانت سابقا مسرحاً لأشد هجماته فتكا، ويحتفظ فيها بمعاقل وأتباع يعدون بالآلاف.

فخلال العام الجاري لم يتبن التنظيم أي عملية في سيناء، كما لم يعلن أعضاء التنظيم هناك بيعتهم للزعيم الجديد حتى اللحظة. وقد نجح الجيش المصري وتحالف من قبائل سيناء في تفكيك شبكات التنظيم والحد من قدراته الهجومية بشكل كبير.

في اليمن يستمر غياب "داعش" منذ سنوات، وقد اقتصر حضوره الشكلي على مراسم البيعة التي يرسلها بضعة أفراد مع كل إعلان عن "خليفة" جديد للتنظيم.

في ليبيا أيضا غابت فعاليات التنظيم الاعلامية والعملياتية هذا العام، وكان آخر ظهور لولاية ليبيا في الإعلام عندما أرسل 6 أفراد بيعتهم لزعيم "داعش" السابق أبي الحسين الحسيني في ديسمبر الماضي.

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

صورة أرشيفية لقوات أميركية في إحدى البلدات السورية - تعبيرية
صورة أرشيفية لقوات أميركية في إحدى البلدات السورية - تعبيرية

الحرة- ضياء عودة- شكّلت الظروف التي شهدتها سوريا بعد عام 2011 "فرصة ثمينة" لتنظيم داعش، سرعان ما اغتنمها ليعلن في 2014 ما يعرف بـ"دولة الخلافة". ورغم إنهاء المسرح المكاني في 2019، لا يزال مؤشر الخطر قائما وتزداد معه المخاوف المتعلقة بـ"العودة وإعادة البناء"، في ظل التطورات التي تشهدها المنطقة.

صحيفة "وول ستريت جورنال" الأميركية سلطت الضوء على تلك التحذيرات، يوم الاثنين، ونقلت عن مسؤولين أميركيين وآخرين محليين تفاصيل "حملة خفية" يتم العمل عليها "بهدوء" بمواجهة تحركات داعش المتصاعدة.

وبينما يدق المسؤولون ناقوس الخطر، يكشفون أن خطر التنظيم الإرهابي بات يأخذ منحا تصاعديا في ظل حالة الانشغال المتعلقة بحرب غزة وارتداداتها على المنطقة التي شملت مؤخرا الهجمات التي تنفذها ميليشيات إيران، ويؤكد خبراء ومراقبون لموقع "الحرة" ذلك.

ويوضح الخبراء، وهم الباحث الأميركي راين بوهل، والباحث في شؤون الجماعات المتشددة حسن أبو هنية، والباحث السوري سعد الشارع ،أن داعش يراهن في الوقت الحالي على "قبلة حياة" قد يؤسس بواسطتها من جديد.

وضاعف مسلحو داعش وتيرة هجماتهم في سوريا والعراق هذا العام واستهدفوا نقاط تفتيش أمنية، وفجروا سيارات مفخخة.

كما خططوا، بحسب "وول ستريت جورنال"، لتحرير الآلاف من رفاقهم المسجونين، منذ استعادت "قوات سوريا الديمقراطية" (قسد) والتحالف الغربي بقيادة واشنطن مدينة الباغوز، آخر معقل للتنظيم في سوريا.

وتوضح الصحيفة أن الطائرات الأميركية تنفذ غارات وتوفر مراقبة جوية حية لـ"قسد" التي تقود على الأرض عمليات ضد خلايا يشتبه في أنها تابعة لداعش.

وتقول إن الحملة المذكورة "لم تحظ بتغطية إعلامية كافية"، وتنقل عن ضابط من القوات الخاصة الأميركية المتمركزة في سوريا قوله: "ما نراه هو حركة الرجال والأسلحة والمعدات".

وفي غضون ذلك، أفاد قياديون من "قسد" أنهم أسروا 233 مسلحا مشتبها بانتمائهم لداعش في 28 عملية، وذلك في الأشهر السبعة الأولى من العام، وأوضحت القيادية روهيلات عفرين أن عام 2024 "كان الأسوأ منذ هزيمة داعش".

وقالت في مقابلة مع الصحيفة الأميركية: "بغض النظر عن مدى هزيمتهم، سيحاولون النهوض مرة أخرى".

أين ينتشر داعش في سوريا؟

ينشط داعش الآن في سوريا بمجموعات تنتشر في منطقة البادية السورية مترامية الأطراف، وفي العراق يأخذ شكل المفارز، المكونة من أعداد محدودة وشرسة في ذات الوقت.

وبعد عام 2019، ورغم انحسار مناطق نفوذه في سوريا على البادية، لم تتوقف هجماته باتجاه المناطق التي تسيطر عليها "قسد" والنظام السوري، وكذلك الخاضعة لسيطرة فصائل المعارضة في شمال غرب سوريا.

وبحسب "وول ستريت جورنال"، فإن محاولة داعش للعودة مجددا، تمثل تحديا مختلفا عن التحدي الذي فرضه في أوج قوته، عندما كان يسيطر على مساحات في سوريا والعراق تقدر بـ38 ألف كيلومتر مربع.

والدور الذي سيلعبه التحالف الدولي تحت القيادة الأميركية في المنطقة خلال الأشهر والسنوات المقبلة "أصبح معقدا"، بسبب حالة عدم اليقين خلال المفاوضات الدبلوماسية المتعلقة بحرب غزة والانتخابات الأميركية المقبلة، وفق ما جاء في تقرير الصحيفة.

ونقلت عن المتحدث باسم "قوى الأمن الداخلي" (أسايش) التابعة لـ"الإدارة الذاتية"، العميد علي الحسن، أنه في حال انسحاب القوات الأميركية "سنرى فوضى لم نشهدها من قبل. أي انسحاب من شأنه أن يؤدي إلى تنشيط الخلايا النائمة على الفور".

صعود واضح

وهذه ليست المرة الأولى هذا العام التي يعرب فيها المسؤولون الأميركيون والمسؤولين في "قسد" عن مخاوفهم المتجددة بشأن أنشطة داعش في سوريا.

ففي أبريل الماضي قالت القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم) إن عدد مسلحي التنظيم الإرهابي نما إلى نحو 2500 في مختلف أنحاء سوريا والعراق، وهو أكثر من ضعف التقديرات السابقة التي صدرت في يناير2024.

ويقول الباحث في شؤون الجماعات المتشددة، حسن أبو هنية، إنه وما بعد السابع من أكتوبر 2023 انتشرت تقارير واضحة عن تصاعد هجمات داعش في سوريا.

وجاءت تلك التقارير "التي لا تخطئها العين" من جانب الولايات المتحدة ومن تنظيم داعش بنفسه، وفق حديث أبو هنية.

ويشير في حديثه لموقع "الحرة" إلى "فسحة أمنية" بات يستغلها داعش لتصعيد أنشطته في الوقت الحالي. وتشمل تلك الأنشطة إعادة الهيكلة والبناء من خلال العمل كمنظمة لا مركزية.

وترتبط "الفسحة" كما اعتبرها أبو هنية بحالة الانشغال العامة التي تشهدها المنطقة، التي تولي لها الولايات المتحدة اهتماما كبيرا، ويذهب باتجاه تخفيف مخاطر التصعيد المرتبط بحرب غزة.

وعند النظر بعيدا عن سوريا، تتوسع صورة التصعيد في الأنشطة على نحو أكبر، خاصة في أفريقيا، وحين شهدنا هجمات التنظيم في موسكو وإيران وسلطنة عمّان، بحسب الباحث في شؤون الجماعات المتشددة.

"نوعي أكثر من عددي"

ومن جهته يوضح الباحث السوري، سعد الشارع أن تصعيد أنشطة داعش في سوريا، منذ بداية 2024، كان نوعيا، وليس فقط على مستوى العدد والانتشار الواسع في منطقة البوادي.

ويقول لموقع "الحرة" إن البعض من هجماته كان دقيقا ومبنيا على عمليات رصد استهدفت الشخصيات الأمنية والأرتال العسكرية، التي تتحرك على الطرق الرئيسية.

ودائما ما يستغل التنظيم الهفوات الأمنية والوضع الأمني الهش، وفق حديث الباحث السوري.

وفي سوريا بالتحديد تتمثل تلك "الهفوات" وفقا لقوله بما تقوم به ميليشيات إيران من استهدافات متكررة للقواعد الأميركية، والاقتتال الحاصل على طرفي نهر الفرات.

ويعتقد الباحث الأميركي في شؤون الشرق الأوسط، راين بوهل، أن "داعش وبكل تأكيد يحاول التوسع وإعادة البناء في الوقت الحالي بسوريا، وفي ظل القتال الحاصل بين خصومه".

وفي حين تحتفظ الولايات المتحدة بالقدرة على تنفيذ مهام مكافحة الإرهاب والحماية من خصوم مثل إيران، فإن هناك تساؤلا بشأن الإرادة السياسية للقيام بكلا الأمرين في نفس الوقت، كما يضيف بوهل لموقع "الحرة".

ويوضح أنه، ومع تصاعد المواجهات الإقليمية واضطرار الولايات المتحدة إلى مواجهة التحديات في أوروبا وآسيا، فإن السؤال يظل مفتوحا أيضا "حول ما إذا كانت واشنطن ستواصل هذا الالتزام المفتوح ضد داعش في الأمد المتوسط أم لا".

"قبلة حياة وانتهاز فرص"

وبحسب ما نقلته "وول ستريت جورنال" عن ضباط في التحالف يحشد داعش قواته في الوقت الحالي في البادية السورية، ويدرب مجندين شبانا ليوجهوا ضرباتهم للتحالف و"قسد" ويستعيدوا "حلم الخلافة".

كما يبني التنظيم صفوفه من خلال تلقين الشباب أفكاره سرا في معسكرات تحتجز الآلاف من زوجات وأطفال مسلحي التنظيم المعتقلين.

واستنادا للواقع المرتبط بالتنظيم يرى الباحث السوري، سعد الشارع، أن داعش "ربما يريد انتهاز الفرصة الحالية.. التي قد لا تتكرر في وقت لاحق".

ولا تخرج تفاصيل "الفرصة" التي يحاول استغلالها الآن عن الوضع الأمني في شمال شرق سوريا وكرة اللهب التي تحيط بسوريا.

ويؤكد على ذلك الباحث في شؤون الجماعات المتشددة، حسن أبو هنية، إذ يقول إن "داعش لديه خبرة طويلة في انتهاز الفرص والظروف الموضوعية".

وكما الحالة التي خيمت على سوريا بعد 2011 "لا تزال الأسباب الجذرية لحالة التطرف والإرهاب موجودة"، وفق قول أبو هنية.

ويضاف إليها غياب الحل السياسي، سواء في سوريا والعراق، وتصدّر قضايا البطالة والطائفية والفقر، وصولا إلى الظرف الإقليمي المتعلق بحرب غزة، وحالة الانشغال الأميركي، والترقب الحاصل بشأن "الرد الإيراني"، ومن جانب ما يسمى بـ"محور المقاومة".

ويتابع أبو هنية: "داعش يشعر الآن بنوع من الراحة، وإذا انزلقت الأمور إلى حرب إقليمية وانسحاب أميركي فإن الحلفاء المحليين لواشنطن سيكونون في وضع صعب".

وقد تكون الظروف الحالية أيضا بمثابة "قبلة حياة جديدة" للتنظيم كما حدث بعد عام 2011، على حد تعبير الباحث في شؤون الجماعات المتشددة.

"قواطع وثغرات"

وكان تنظيم داعش أعلن مسؤوليته عن 153 هجوما في سوريا والعراق خلال الأشهر الستة الأولى من العام.

وفي تعليقات سابقة لـ"فويس أوف أميركا" أشار آرون زيلين، وهو زميل في معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى، إلى أن "ثلثي هجمات داعش في العراق وسوريا تأتي من سوريا".

وأوضح، في يوليو الماضي، أن الوضع على الأرض ربما يكون أكثر خطورة مما تشير إليه الأرقام، لاسيما أنه منذ عام 2020 كان لدى داعش استراتيجية أو سياسة تتمثل في التقليل من التقارير عن مزاعمه في سوريا.

ويوضح الباحث الشارع أن نشاط داعش في البادية السورية يساعده على شن عمليات عسكرية وأمنية بسرعة وبسهولة، وغالبا ما تكون موجعة للطرف الآخر.

ويقول من ناحية أخرى إن البعض من "قواطعه" المنشرة في الجغرافيا السورية "مخترقة" من قبل جهات معينة. وربما تستطيع هذه الجهات استخدام الشخصيات الأمنية فيها لتوجيه عمليات ضد أهداف بعينها.

وبوجهة نظر الباحث أبو هنية يبدو أن التنظيم يراهن على "انسحاب أميركي من سوريا"، وفي حال حدوث ذلك "سيكون الأمر بمثابة هدية كبرى له".

ويقول إنه "يعيد الهيكلة وينظم صفوفه في تصاعد محسوب، ووفق براغماتية، مما يزيد من قدرته على الاستقطاب والتجنيد ومن ثم تنفيذ العمليات".

كما يؤكد الباحث أبو هنية أن "الظروف التي تخيم على المنطقة الآن تخدم ما حدث بعد 2011".

وفي حين أن "ورقة داعش قوية ومتوقعة وقت يسحبها التنظيم في أي وقت" يستبعد الباحث الشارع أن يسيطر على مناطق جغرافية كبيرة بعينها.

ومع ذلك يشير إلى أن الأمر يتعلق بالتطورات الأمنية في المنطقة ومؤشرات "الهشاشة الأمنية" على الخارطة العسكرية في سوريا.

وبدوره يعتقد الباحث الأميركي بوهل أن الطريقة الوحيدة للقضاء على داعش بشكل كامل في سوريا هي "التوصل إلى حل سياسي ينهي محركات تجنيده وقدراته على الحفاظ على وجود سري في البلد".