عاد الجدل في لبنان حول قضية مجموعة "جنود الرب" وسلوكياتها مع قيام شبّان يتبعون للمجموعة بالهجوم على حانة في منطقة الجميزة- مار مخايل في العاصمة بيروت يتواجد فيها أفراد من مجتمع الميم-عين وهدّدوا الموجودين وقاموا بطردهم وتحطيم بعض الأثاث خارج الحانة.
الهجوم جاء بعد سلسلة من الحملات السياسية والدينية التحريضية ضد أفراد مجتمع الميم شهدها لبنان خلال العام الحالي، ويبدو أنها بدأت تترجم بأعمال عنف على يد المجموعة المسيحية المثيرة للجدل.
في ديسمبر 2022 قال زعيم "جنود الرب" جوزف منصور لمراسل "الحرة" في بيروت، إن "أبناء الرب يسوع، أولاد الكنيسة، كل شخص معمد باسم الأب والابن والروح القدس، هو تلميذ الرب يسوع حسب الكتاب المقدس",
كما شدّد منصور على أن كل كلمة ينطقون بها مصدرها الكتاب المقدس (الإنجيل).
وعن انطلاقة المجموعة والسبب الذي قامت لأجله، بيّن منصور إن "جندي الرب أو تلميذ الرب يسوع أو الرسول أو القديس بحسب الكتاب المقدس، لا يحركه موعد أو تاريخ محدد، الروح القدس هي من تحدد توقيت متى تستيقظ بالإنسان وتقوده نحو دوره، المهم أن يكون تعمد من صغره، ثم قد ينشغل بالأرضيات ويقود جسده فيها، إلى أن ينظفه الروح القدس ويدفع لتغيير الحالة القديمة إلى حالة روحانية جديدة".
"وهذا الأمر حصل بالنسبة لنا عام 2019، والهدف من ذلك هو نشر البشارة بالملكوت الأبدي، وليس لدينا أي هدف أرضي، سياسياً كان أم مالياً أو رتبا أو ماديات، كل ذلك ليس من أهدافنا"، أضاف منصور.
عام 2019 الذي يشير إليه منصور كان موعد ظهورهم الأول على الساحة اللبنانية، وتحديداً في منطقة الأشرفية شرقيّ بيروت، وارتبط بمعارضة إقامة حفل موسيقي لفرقة "مشروع ليلى"، التي تضم بين أفرادها مثليين جنسياً والمعروفة بمناصرتها لحقوق المثليين.
ثم ظهروا مجدداً في يونيو 2022 حين قاموا بتحطيم إعلان تجاري من الزهور الملونة المنسقة وفقا لألوان قوس قزح، الذي يعتبر رمزا لمجتمع الميم في المنطقة نفسها.
الصحافي والكاتب اللبناني إيلي الحاج، من أبناء منطقة الأشرفية، يشرح لـ"ارفع صوتك" أن "جنود الرب" مجموعة صغيرة تعمل في نطاق منطقة الأشرفية وجوارها، و"ليس لها تأثير كبير داخل الشارع المسيحي لكن ضجيجها كبير بسبب سلوكهم النافر".
ويرى أنهم فكرياً وعقائدياً "من خلفية ضحلة وسخيفة تؤمن بطقوس طرد الشياطين والهلوسة" على حدّ تعبيره، مضيفاً أنهم "ليسوا جماعة مسلحة، لكنهم يستعرضون عضلاتهم المفتولة وجثثهم الضخمة لمحاولة إخافة الناس".
ويربط الحاج بين هذه المجموعة والمصرفي اللبناني أنطون صحناوي صاحب مصرف "SGBL"، الذي تدور أخبار كثيرة حول تمويله لها.
لكن صحناوي وبعد حادثة تحطيم الحانة في منطقة مار مخايل، أصدر بياناً أكد فيه أن "لا علاقة له إطلاقاً بجنود الرب"، مديناً "اعتداء منطقة الجميزة-مار مخايل وأي اعتداء على الحريات العامة أو الفردية مهما كانت الأسباب والذرائع".
يتابع الحاج: "المجموعة تنتقي من الإنجيل المسيحي الآيات القابلة للتأويل بمنطق متطرف على غرار ما يفعل تنظيم داعش مع النصوص القرآنية لتبرير أعمال العنف وإرهاب الناس".
"وأعمال (جنود الرب) تقتصر على أفعال سخيفة كتمزيق أعلام المثليين أو واجهات عرض الملابس الداخلية النسائية، وهذه لا تمثل المجتمع المسيحي وقد أدانها حزبان رئيسيان في الأشرفية هما القوات اللبنانية والكتائب اللبنانية".
وكان النائب في كتلة القوات اللبنانية جورج عقيص، قال إن "الله ما عندو حزب والرب ما عندو جنود، عندو بس محبة وسلام". وصرّح نائب الكتائب اللبنانية نديم الجميل، أن "الاعتداء الذي حصل في مار مخايل مرفوض ومدان، وإذا كان هناك أي خلل أو مسّ بالآداب العامة أو السلامة العامة فعلى القوى الأمنية حصراً أخذ التدابير اللازمة منعاً لأي طرف من أن ينصّب نفسه شرطة آداب".
وأضاف الجميل: "مجتمعنا يجب أن يبقى مجتمعاً حراً ومنفتحاً ويحترم الحريات الفردية".
الاعتداء الذي حصل البارحة في مار مخايل مرفوض ومدان…
— Nadim Gemayel | نديم الجميّل (@nadimgemayel) August 24, 2023
اذا كان هناك اي خلل او مس بالاداب العامة او السلامة العامة فعلى القوى الامنية حصراً اخذ التدابير اللازمة، منعاً لاي طرف ان ينصب نفسه شرطة آداب.
مجتمعنا يجب ان يبقى مجتمع حر ومنفتح ويحترم الحريات الفردية.
من جهته، يؤكد الأب أغابيوس كفوري، وهو ناشط في الشأن العام ومتخصص في العلاقات الإسلامية-المسيحية، لـ"إرفع صوتك" أن "جنود الربّ ليسوا ظاهرة صحيّة في الشارع العام فكم بالحريّ في الشارع المسيحيّ".
في الوقت ذاته، يعتبر كفوري أن هذه المجموعة مؤلفة من أشخاص "قد يكونون بسطاء وأمناء للكتاب المقدّس، لكنّهم يجهلون روح النصّ والكلمة، بالتالي لا يمكن لهم أن يمثّلوا التعاليم المسيحيّة، كما هم يظهرون اليوم".
"ويبدو واضحاً جداً أنّهم ردّة فعلٍ على أكثر من أمر: الفقر، والجريمة-التوبة (مؤسّسهم محكوم سابق وبدأ عمله مع محكومين سابقين)، الوضع السياسيّ الأمنيّ وكردّ فعل مزايد على ما يقوم به حزب الله في سياق مكافحة المثلية"، يتابع كفوري.
ويعتقد أن المجتمع اللبناني المتنوع "ليس هشاً لدرجة التأثّر بظاهرةٍ مماثلة خصوصاً مع وجود ناشطين في حقل العلاقات بين الأديان والطوائف، الذين يحرصون على أن يعيش اللبنانيون معاً بسلام".
وبالنسبة للحريات العامة، يرى كفوري أن "التغاضي عن تصرّفات هذه الجماعة يقع ضمن إطار سياسة ممنهجة من قبل المافيا-ميليشيا لمحاولة ترويض المجتمع على اللاحريّة وفرض هيمنتها المطلقة، بالتالي تغيير وجه وهويّة لبنان".
