FILE - In this 1998 file photo made available Friday, March 19, 2004, Ayman al-Zawahri, left, listens during a news conference…
أسامة بن لادن وأيمن الظواهري في صورة تعود للعام 1998- أرشيف

قبل حوالي عشرين عاماً نشر موقع "مركز البحوث والدراسات الإسلامية"  كتاباً بعنوان "إدارة التوحش" لكاتب مغمور يدعى أبو بكر ناجي والذي تبين لاحقاً أنه اسم حركي للقيادي في الجماعة الاسلامية المصرية محمد خليل الحكايمة. ولأن الكتاب نُشر في خضمّ زخم من الكتابات التنظيرية التي كان يشرف عليها آنذاك قادة تنظيم القاعدة في السعودية، وفي سياق ملتهب طبعته تداعيات هجمات 11 سبتمبر وإجتياح أفغانستان والعراق وحملة "القاعدة" في السعودية، لم يثر الكتاب حينها أي اهتمام.

لكن، بعد بضع سنوات من ظهوره، بدأ قادة الجماعات المسلحة يحيطونه بعناية خاصة، ووصلت نصوصه إلى أسامة بن لادن، بالتوازي مع انتباه دوائر محاربة الإرهاب في العالم إلى مضامينه الخطيرة، وبدء التوصيات بدراسته وترجمته من أجل فهم أعمق لفكر الإرهابيين، وأبعاده الاستراتيجية بعيدة المدى.

 

"إدارة التوحش"

خطة "إدارة التوحش" هي باختصار عبارة عن خريطة طريق عملية ومفصلة نحو إقامة "دولة إسلامية" كما يتصورها الجهاديون. مبدئيا، استبعدت الخطة كل الأساليب السلمية أو الشعبية  للوصول إلى الحكم، واعتبرتها من ضروب العبث، وحصرت تركيزها على العنف المسلح المفرط في الدموية.

ويقصد المؤلف بـ"التوحّش" حالة الفوضى العارمة وانهيار الدولة التام نتيجة الحرب والهجمات المتتالية التي ستشنها "التنظيمات الجهادية"، وهو الوضع الذي كانت تعيشه أفغانستان مثلاً قبل سيطرة حركة طالبان عليها سنة 1996. وبحسب ناجي، فإن حالة الفوضى العارمة ستجعل سكان الدولة يتعطشون لمن يدير هذا التوحش. وهنا يأتي دور "الجماعات الجهادية" لتقوم بهذه المهمة.

تقوم نظرية التوحش على ترشيح مجموعة من الدول باعتبارها مناطق مؤهلة لتطبيق فكرة التوحش. واقترح الكتاب كمثال عليها كل من السعودية وباكستان ونيجيريا والأردن والمغرب واليمن، وذكر أن من شروط اختيار هذه الدول أن يكون لها "عمق جغرافي وتضاريس تسمح في كل دولة على حدة بإقامة مناطق تدار بنظام إدارة التوحش" و"ضعف النظام الحاكم" وارتخاء قبضته الأمنية على مفاصل البلاد، و"وجود مد إسلامي" ومزاج عام يقبل باحتضان الوجود الجهادي، ثم "انتشار السلاح" بين أفراد المجتمع وسهولة الوصول إليه.

وانطلاقاً من هذه المناطق التي تحمل مقومات " إدارة التوحش" يمكن الوصول إلى "الدولة الإسلامية" عبر ثلاث مراحل أساسية وهي: مرحلة "شوكة النكاية والإنهاك" ثم مرحلة "إدارة التوحش" وأخيراً مرحلة "شوكة التمكين" التي تعني النجاح في تأسيس الدولة الإسلامية، وتتويج  الخطة بنهايتها المثالية كما تصورها أبوبكر ناجي.

 لكن، وعلى الرغم من حرص الرجل على سد كل الثغرات المحتملة في خطته، ومعالجة العيوب التي يمكن أن تعيق تطبيقها العملي على أرض الواقع إلا أنها في النهاية تحولت إلى نظرية كرّست الفوضى الدموية في ربوع العالم، واخفقت على امتداد السنوات العشرين الماضية في تحقيق الحد الأدنى من تطلعات صاحبها، رغم نجاحه المدهش في استشراف مستقبل المنطقة، وتوقعه دخولها في فوضى عارمة.

 

فشل مرحلة "النكاية"

رشح أبو بكر ناجي كما ذكرنا خمسة دول تتوفر فيها مقومات "إدارة التوحش" وهي الدول نفسها التي رشحها أسامة بن لادن في فبراير 2003 أي قبل سنة من ظهور الكتاب، واعتبرها دولا "مؤهلة للتحرير"، بحسب تعبيره. وكانت هذه الدول نماذج حية على فشل خطة التوحش في مراحلها الثلاث.

فالأردن والمغرب، أثبتا الفشل المبدئي في تصور المقومات والشروط المناسبة لإقامة مناطق التوحش كما تخيّلها بن لادن وناجي، والسعودية وباكستان أكدتا فشل مرحلة "شوكة النكاية والإنهاك"، بينما مثلت كل من اليمن ونيجيريا نموذجان على فشل مرحلة "إدارة التوحش" وإمكانية  الوصول  من خلالها إلى مرحلة "الدولة الإسلامية" التي أكدت مناطق أخرى مثل سوريا والعراق وليبيا فشلها الذريع أيضاً.

ابتداءا من العام 2003 صمّم تنظيم القاعدة على تحويل السعودية إلى دولة تعمها الفوضى ضمن خطة "شوكة النكاية والإنهاك"، وتقوم الخطة على تنفيذ عمليات صغيرة ومتوسطة على طول البلاد، هدفها تشتيت القوات الأمنية، وحرمانها من الفعالية، تتخذ طابعا تصاعديا، تتخللها عمليات نوعية من أجل جذب انتباه الناس واستقطاب الأعضاء، استناداً إلى عنصر الإبهار الذي يكتنف هذا النوع من العمليات.

يكون التركيز في هذه المرحلة على استهداف المنشآت الاقتصادية خاصة قطاع النفط، والقطاع السياحي والشخصيات السياسية والأمنية البارزة في البلاد. هذه العمليات بحسب خطة "النكاية والإنهاك"، ستضطر قوات الجيش والأمن إلى تركيز تواجدها في محيط المؤسسات والمنشآت الحيوية، وتترك مساحات شاسعة في الأطراف والهوامش تتحول تدريجيا إلى مناطق فوضى وتوحش، ما يعني نجاح مرحلة "النكاية" ودخول مرحلة "إدارة التوحش".

طبّق تنظيم القاعدة في السعودية خطة "النكاية والإنهاك" تطبيقاً حرفياً. ضرب المنشآت البترولية، والمجمعات السكنية التي يقطنها الأجانب، واعتمد نمط العمليات الصغيرة والمتوسطة كما حصل في تفجيرات الرياض والمحيّا. وواكب التنظيم نشاطه الدموي بزخم كثيف من المواد الدعاية، وحَشْد من المؤلفات والفتاوى الدينية. وبما أن نظرية "إدارة التوحش" في مرحلتها الأولى، تنصّ على ضرورة تأهيل الكوادر أمنياً وعسكرياً وإدارياً ليكونوا على استعداد لمرحلة "إدارة التوحش" فقد أصدر التنظيم مجموعة من المواد التعليمية والارشادية لرفع كفاءة عناصره، منها نشرة "البتّار" الالكترونية وعدد من الدوريات التي أطّرها قادته البارزون مثل عبد العزيز المقرن و يوسف العييري وغيرهم.

لم تمض على حملة القاعدة في السعودية سوى 3 سنوات حتى وصلت إلى نهايتها، مع نجاح السلطات الأمنية في زمن قياسي في تفكيك كل خلايا القاعدة، وقتل قادة التنظيم تباعاً، واعتقال منظّريها، وفرار من تبقى منهم إلى العراق واليمن.

العمليات النوعية التي راهنت عليها القاعدة لاستقطاب مزيد من الأفراد إلى صفوفها أتت بنتائج عكسية تماماً، إذ زادت فظاعة تفجيرات المحيا والرياض من عزلة التنظيم، ونفر المجتمع السعودي من خطاب القاعدة، وانشق بعض كوادر التنظيم، خصوصا  "الشرعيين" الذين لم يوافقوا على تفجير المجمعات السكنية. وطوق الأداء الأمني الناجح للسلطات السعودية خلايا القاعدة في الشقق السكنية والاستراحات. وفشل مخطط "النكاية والإنهاك" في السعودية فشلا ذريعاً، رغم ما رصدته قيادة القاعدة من موارد وإمكانات لدفعه قدماً نحو المراحل التالية.

 

فشل مرحلة "إدارة التوحش"

الملاحظة الأساسية هنا هي أن المناطق التي وصلت فعلاً إلى مرحلة "إدارة التوحش" لم تصل إليها بعد مرحلة "النكاية والإنهاك" كما يفترض بالمخطط أن يكون، بل وصلت إليها بفعل عوامل أخرى خارجة عن إرادة الجهاديين، كل ما فعلوه أنهم وجدوا "مناطق توحش" جاهزة فانخرطوا في إدارتها وفق تصور أبو بكر ناجي. وهذه العوامل قد تكون ثورات شعبية أطاحت بالسلطات الحاكمة كما هو الحال في اليمن وليبيا وسوريا، أو اجتياحا خارجياً للبلد كما حصل في العراق وأفغانستان، أو اضطرابات سياسية وانقلابات عسكرية كما هو الحال مع مالي ودول الساحل.

اندلعت الثورة اليمنية في 2011 وتنظيم القاعدة يحاول إيجاد موطئ قدم له في البلاد. نجحت الثورة في إسقاط نظام علي عبد الله الصالح، وعمّت الفوضى أغلب المحافظات اليمنية، كانت مقومات التوحش مكتملة في الحالة اليمنية، من حيث التضاريس الوعرة والقابلية لاحتضان "المد الجهادي" وانتشار السلاح، لقد كان اليمن بمثابة اختبار للمرحلة الثانية من "إدارة التوحش".

انسحب أفراد القاعدة من العاصمة صنعاء التي كانت تغلي على وقع المظاهرات الشبابية التي تطالب بحكم ديمقراطي كامل، وذهبوا إلى المناطق التي انحسرت فيها سلطة الدولة وأسسوا سلطة موازية لادارة التوحش وضبط الفوضى، وتقديم نموذج مصغر لـ"حكم الشريعة" كما تنص عليها أدبياتهم.

ما حصل أن "إدارة التوحش" التي أشرف عليها تنظيم القاعدة في مناطق سيطرته، فتحت جبهات جديدة أمام الجيش اليمني، وورطت القبائل والمجتمعات المحلية في صراعات داخلية. وحوّلت أنظار العالم إلى ما يحدث في اليمن، من ثورة شعبية تدور فعالياتها في صنعاء إلى بؤر إرهابية تتوسع في حضرموت وشبوة وغيرها.

من أهداف "مرحلة إدارة التوحش" بحسب أبو بكر ناجي: "نشر الأمن الداخلي والحفاظ عليه، وتوفير الطعام والعلاج، وتأليف أهل الدنيا بشيء من المال، أي احتواء المخالفين بواسطة الاغراءات المادية، وإقامة القضاء الشرعي، وتوسيع التحالفات مع من يجوز التحالف معهم"، وأخيراً "تأهيل الكوادر الإدارية وتأمين القيادات لتكون جاهزة لمرحلة إقامة الدولة".

في اليمن حدث العكس، زاد منسوب الفوضى في مناطق سيطرة تنظيم القاعدة، وانعدم الشعور بالأمن، وتفككت تحالفات التنظيم مع القبائل اليمنية. وهذه المرحلة التي يفترض بها أن تكون "مفرّخة" لإنتاج الكوادر والقيادات التي ستحكم "دولة التمكين" القادمة، تحولت إلى "محرقة" لهذه الكوادر، إذ قتل معظم قادة الصف الأول والثاني في القاعدة، وخسرت مواردها البشرية في قتالها مع الجيش اليمني، واعتزل قسم من التنظيم بفعل الخلافات الداخلية. وأخيراً ساهمت مناطق التوحش التي أقامها التنظيم في إرباك الجيش اليمني وتشتيت جهوده، فاستغلت جماعة الحوثي هذا المعطى وتقدمت نحو صنعاء وسيطرت على العاصمة، من دون أن تحقق القاعدة أيا من مشاريعها في اليمن، وتراجعت خططها إلى مرحلة "النكاية" من جديد.

من التوحش إلى الوحشية

يعتبر مبدأ "الشدة" من أركان خطة أبو بكر ناجي خصوصاً في مرحلة "إدارة التوحش"، وخصّص له فصلاً مستقلاً في كتابه. ويقصد بمبدأ "الشدة" اعتماد أقصى درجات الوحشية والدموية في التعامل مع خصوم التنظيم، وعدم التردد في استعمال أساليب انتقامية -وإن تحفظ عليها الشرع الاسلامي- لردع الأعداء مثل الذبح والتحريق بالنار وغيرها "إذ لا يمكن أن يستمر الجهاد في ظل الرخاوة، سواء الرخاوة في أسلوب الدعوة إليه أو الرخاوة في اتخاذ المواقف، أو في أسلوب العمليات"، كما جاء في فلسفة ناجي،  واعتبر أن الشدة والغلظة والدموية "تحقق البأس وتجلل التنظيم بهالة من الخوف والرعب"، وتمكنه من تحقيق أهدافه من خلال "سمعته الدموية وبأسه الشديد". ويلحق بمبدأ "الشدّة" مبدأ "الانتقام"، أي أن أي استهداف للتنظيم يجب أن يُردّ عليه بعنف مفرط يحول دون تكراره.

طبق تنظيم "داعش" هذا المبدأ خلال توسعه في العراق وسوريا، وعوض أن يساهم في ردع خصومه، ويفتح الطريق أمامه نحو مزيد من التمدد والسيطرة، فتح أبواب الجحيم عليه، إذ تأسس تحالف دولي لمحاربته، وأنشأت الفصائل في سوريا غرفاً مشتركة للتصدي له، وكانت مشاهد الذبح والحرق وتفجير المخالفين بالديناميت، وإغراقهم في أحواض زجاجية، ورميهم من أسطح المباني، عاملا أساسياً في تشكيل رأي عام عالمي أتفق على ضرروة القضاء على داعش قضاءً مبرما لا تردد فيه.

ما لم ينتبه إليه أبو بكر ناجي وهو يحرر فصل "اعتماد الشدة" في كتابه، هو أن هذه الشدة أو هذه الوحشية بتعبير أدق قد تولد وحشية مضادة، وهذا ما حصل في المناطق التي سيطر عليها داعش، حيث اعتمد كثير من خصومه أيضا مبدأ الوحشية، سواء في العراق من خلال أساليب فصائل من الحشد الشعبي قامت بحرق وذبح عناصر من داعش أثناء معارك تحرير المحافظات العراقية، أو في سوريا من خلال عمليات الإعدام الميداني التي نفذها فصيل "جيش الاسلام" في الغوطة الشرقية، وفصيل هيئة تحرير الشام في شمال غرب سوريا، وأساليب قوات حفتر في ليبيا وغيرها. إذن فبمدأ الوحشية التي يريد من خلاله أبو بكر ناجي تثبيت دولة الجهاديين، ساهم في الواقع في تقويضها والقضاء عليها.

ما يقال عن تنظيم القاعدة في اليمن والسعودية ينطبق على كل فروع التنظيم التي فشل أغلبها في تجاوز مرحلة "النكاية والانهاك" أو انتهى وجودها عند هذه المرحلة. أما الفروع التي نجحت في تخطي هذه المرحلة والوصول إلى مرحلة "إدارة التوحش" كما هو الحال في الصومال والساحل، فقد وصلت إليها بفعل عوامل موضوعية خارجة عن نطاق تخطيطها. ولا يزال الانتقال من "التوحش" إلى "التمكين" يشكّل تحدياً كبيراً لها. كما لا تزال إدارة مناطق التوحش عاملاً من عوامل انقسام الجماعات المتطرفة، بسبب الخلاف على السلطة والموارد وتباين المواقف حول الأحكام الشرعية والمعتمدة.

لا بدّ أن نتذكر في هذا السياق أن الخلاف الكبير الذي وقع بين تنظيم "داعش" وبين القاعدة في 2013 يعود في جزء منه إلى الخلاف حول تقدير الفترة الزمنية التي يجب أن تأخذها مرحلة "إدارة التوحش" في سوريا. "داعش" أرادت الانتقال إلى مرحلة "التمكين" وإعلان الدولة، والقاعدة وجبهة النصرة كانتا تريان أن مرحلة التوحش لا تزال في بداياتها الأولى.

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

In this photo released by an official website of the office of the Iranian supreme leader, Supreme Leader Ayatollah Ali…
تستفيد إيران ومعها النظام السوري من "جيش العشائر" في شرق سوريا- تعبيرية

انطلقت شرارة ما يسمى بـ"الحراك العشائري" في أغسطس من العام الماضي، حينما قامت قوات سورية الديمقراطية باعتقال قائد مجلس دير الزور العسكري أحمد الخبيل بتهم تتعلق بـ"التهريب والفساد وسوء استخدام السلطة". القرار أعقبته على الفور مناوشات واشتباكات بين عناصر "المجلس" و"قسد"، تطورت وامتدت لتأخذ شكل انتفاضة عشائرية تقودها قبيلة العكيدات ذات النفوذ الكبير شرق سوريا.

تقدمت قوات العشائر التي يقودها إبراهيم الهفل شيخ قبيلة العكيدات في الأيام الأولى من المعارك، وسيطرت على عشرات القرى على امتداد الضفة الشرقية لنهر الفرات. وروّج ناشطون سوريون، وفصائل الثورة لما جرى حينها باعتباره "امتداداً للثورة السورية"، وصدرت بيانات التأييد التي تؤكد حق "المكون العربي في تحرير أرضه واستعادة ثرواته". لكن لم يكد الأسبوع الأول من المعارك ينتهي حتى بدأت الولاءات الحقيقية للحراك بالتجلي.

امتصت قوات قسد هجمات العشائر، وشنت حملة مضادة استعادت بها كل القرى والمناطق الخارجة عن سيطرتها، بما فيها قرية ذيبان، مسقط رأس إبراهيم الهفل ومعقل قبيلة العكيدات التي فرضت  "قسد" السيطرة عليها في 6 من سبتمبر. هدأت بعدها حدة الاشتباكات التي خلفت ما بين 150 إلى أكثر من 350 قتيلاً حسب تقديرات تقرير نشرته مجلة فورين بوليسي.

كان السؤال المطروح حينها هو: أين الشيخ إبراهيم الهفل؟ وكان سؤالاً محرجاً لكثيرين ممن هتفوا لـ"ثورة العشائر العربية، ولمن اعتبروها استئنافاً جديداً للثورة السورية في شرق سوريا. إذ كان من المؤكد أن الشيخ قد عبر إلى الضفة الأخرى لنهر الفرات حيث لا يوجد سوى النظام السوري وأذرع الحرس الثوري الإيراني.

انتقال إبراهيم الهفل إلى الضفة الغربية لنهر الفرات كان بداية "تعميده" رسمياً في مياه النظام السوري والحرس الثوري الإيراني، ليصير ورقة تلوح بها إيران تبعاً لمصالحها الخاصة. فقد نقلت صحيفة القدس العربي في 27  سبتمبر 2023 عن مصادر وثيقة الصلة بالهفل، أن الرجل بعد انسحابه من قرية ذيبان انتقل الى "محكان" على الضفة الأخرى للفرات الخاضعة للنظام السوري، ثم توجه نحو مدينة دير الزور، حيث التقى ثلاثة من القيادات المحلية المرتبطة بالنظام السوري هم حماده الهامه في "محكان"، وعزيز المدلول رئيس نادي الفتوة الرياضي الذي أقام الهفل في فيلته في دير الزور لعدة أيام، ثم توجه إلى دمشق والتقى هناك بالعميد أمين حسن هواش، "جلّاد النظام" سيء السمعة.

استقبل النظام السوري أيضا في بلدة "محكان" مئات من مقاتلي العشائر وعائلاتهم النازحين من ذيبان بعيد المعارك مع "قسد"، وزودهم بالعتاد العسكري الذي تضمن أسلحة متوسطة وذخائر وصواريخ محمولة على الكتف وصواريخ حرارية، وسمح لهم بالتجول في مناطق سيطرته بكامل عتادهم وعدّتهم.

وكيل طهران الجديد

لم تترك الأشهر التي قضاها الهفل في ضيافة الأسد والمجموعات الموالية لإيران، مجالاً للشكّ في أن طهران بصدد إعادة تدوير "مقاتلي العشائر" ليكونوا نواة مشروع إيراني جديد في شرق سوريا، يخدم أجندتها الإقليمية، ويكرّس نفوذها في المنطقة.

في 9 من نوفمبر 2023 أعلن إبراهيم الهفل تشكيل قيادة موحدة تضم 11 فصيلاً عشائرياً مسلحاً باسم "قوات القبائل والعشائر" هدفها، كما أكد الهفل في تسجيل صوتي، "تحرير الأرض من الغرباء ومرتزقة قنديل الذين يسرقون خيرات البلاد". كما دعا الهفل المنتسبين لـ"قسد" للانشقاق عنها،  لأن "قوات العشائر لن ترحم أي موقع عسكري يتبع لـ"قسد" في المنطقة"، بحسب تعبيره.

احتفى إعلام النظام السوري بالقيادة الموحدة المعلن عنها، وروج لنشاطاتها العسكرية باعتبارها بداية تحرير شرق سوريا من الاحتلال الأجنبي، وأشاد موقع "قناة المنار" التابعة لـ"حزب الله" اللبناني بجيش العشائر مؤكداً أنه يعمل "وفق استراتيجية واضحة وأهداف محددة". وهو الأمر الذي أثار حفيظة التحالف الدولي، إذ أكدت "عملية العزم الصلب" في تقريرها المقدم إلى الكونغرس الأمريكي في ديمسمبر 2023 أن مقاتلي القبائل نشأوا "كـحركة مقاومة متكاملة تتلقى دعماً صريحاً من النظام السوري وحلفائه الإيرانيين غرب نهر الفرات".

وتناول تقرير لمعهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى عمق العلاقات التي تربط مقاتلي العشائر بالحرس الثوري الإيراني والكيانات التابعة له في سوريا. فذكر أن "حزب الله" في سوريا أوفد مقاتلين لدعم العشائر وأن القائد في الحزب "الحاج أبو علي" يشرف على عمليات قوات العشائر، ويتولى مهمة توجيه المقاتلين الجدد الذين يصلون إلى محافظة دير الزور وتوزيعهم. وأن أبو علي في مهامه هذه ينسّق مع الحاج عباس الإيراني، قائد "الحرس الثوري الإيراني" في البوكمال.

كما يؤدي منتصر الحسين، وهو شخصية بارزة في "لواء الباقر"، دوراً أساسيا في الإشراف على حملة تجنيد واسعة النطاق لصالح "قوات القبائل والعشائر" التي تهدف -بحسب تقرير المعهد- إلى ضمّ آلاف القاصرين إلى صفوف "قوات القبائل والعشائر العربية" وتركّز على أهالي دير الزور، والبوكمال، والميادين، وعياش، والشميطية، والتبني. لواء "فاطميون" قدّم أيضاً دعماً لقوات العشائر من خلال المشاركة في جهود التجنيد وتعزيز صفوفها بمقاتلين من مختلف أنحاء محافظة دير الزور.

أكد المرصد السوري لحقوق الإنسان في 15 أبريل الماضي أن اجتماعاً ضم كل من إبراهيم الهفل، شيخ قبيلة العكيدات، ونواف راغب البشير، قائد لواء الباقر التابع لإيران، وعبد الله شلال العبد الله أحد وجهاء عشيرة البوسرايا، هدف إلى إقناع هذا الأخير بضم أبناء عشيرته إلى جيش العشائر، لزيادة الفعالية العسكرية ضد "قسد". إلا أن شيخ عشيرة البوسرايا رفض الاقتراح.

 

أهداف إيران

رغم الدعم الكبير الذي يتلقاه جيش القبائل والعشائر من إيران والنظام السوري، إلا أنه لم يستطع تحقيق اختراق عسكري نوعي في الضفة الشرقية لنهر الفرات حتى الآن.

بالإضافة إلى الدعم اللوجستي السخي الذي يتلقاه جيش القبائل من الحرس الثوري الإيراني والنظام السوري، يحصل أيضاً عل إسناد وتعاون ميداني وثيق بين قوات العشائر وميليشيا الدفاع الوطني التابعة لإيران، وأيضاً يتولى التنسيق مع ميليشيا "أسود العكيدات" التي يقودها هاشم مسعود السطام، المحسوب على إيران.

الهجوم الأخير الذي شنه جيش العشائر بتنسيق ميداني مباشر مع ميليشيا "الدفاع الوطني" و "أسود العكيدات" في السابع من الشهر الجاري، يعتبر من أخطر وأجرأ الهجمات التي حاولت عبور النهر والتوغل عميقاً شرق الفرات، وهو بمثابة الاختبار الإيراني الأول لورقة العشائر كنوع من أنواع الرد الذي توعّدت به. إذ يأتي الهجوم في ظرف إقليمي حساس، حبس العالم فيه أنفاسه في انتظار الرد الإيراني على عملية اغتيال إسماعيل هنية في طهران، وما يمكن أن ينتج عن ذلك من تصعيد يُدخل الإقليم برمّته في حرب مجهولة الأفق. فما هي رهانات وانتظارات طهران والحرس الثوري الإيراني من "جيش العشائر" في سياق حروب الوكالة التي يديرها؟

يرى المراقبون أن أهداف إيران من توظيف ورقة العشائر شرق سوريا يمكن تلخيصها في "تطويق الوجود الأمريكي في سوريا، ومحاصرة قواعده العسكرية". فالهجوم الأخير اقترب أكثر من القاعدة العسكرية القريبة من حقل العمر النفطي، وتعتقد إيران أن ذلك سيشكل عامل ضغط إضافي على الولايات المتحدة يردعها من دعم إسرائيل ضدها في أي حرب قد تنشب بين إسرائيل وإيران.

تعتبر منطقة دير الزور حجر الزاوية في المشروع الإيراني، فهي حلقة الربط بين العراق وسوريا، واحتواء عشائرها يعني ضمان استقرار خط إمدادها وممرها البري الممتد من طهران حتى ضاحية بيروت الجنوبية.

توظيف العشائر ضد "قسد" هو أيضاً رسالة من إيران والنظام السوري إلى تركيا لحثّها على بذل مزيد من التنازلات في أفق إبرام مصالحة شاملة مع نظام الأسد، فإيران بهجومها على "قسد" تبعث بإشارة إلى تركيا مفادها أنها تملك مفتاح المعضلة الكردية التي تشكل هاجساً مؤرقاً لأنقرة، أو على الأقل تملك واحداً من مفاتيحها.

تريد إيران أن تؤكد أنها مازالت قادرة على "استنبات" وكلاء جدد تابعين لها في كل البيئات والثقافات، وتوظيف العشائر العربية في حروبها الاقليمية يشكّل دليلاً على تفوقها وخبرتها في هذا المضمار. ويرى كثيرون أن اختراق إيران لمجتمعات عشائرية عربية سنية، وتوجيهها بما يخدم الأجندة الإيرانية قد يشكّل انتصاراً كبيراً في حدّ ذاته.