عناصر من مليشيا "كتائب السيد الشهداء" يشاركون في استعراض بمناسبة "يوم القدس العالمي" في العاصمة العراقية بغداد في 1 يوليو 2016.
عناصر من مليشيا "كتائب السيد الشهداء" يشاركون في استعراض بمناسبة "يوم القدس العالمي" في العاصمة العراقية بغداد في 1 يوليو 2016.

صنفت وزارة الخارجية الأميركية جماعة "كتائب سيد الشهداء" وزعيمها هشام بنيان السراجي المعروف بـ"أبو آلاء الولائي" "إرهابيين عالميين"

وذكرت الوزارة في بيان صحفي: "أدرجنا كتائب سيد الشهداء وأمينها العام هاشم فنيان رحيم السراجي على قائمة الإرهابيين الدوليين المصنفين تصنيفا خاصا. وقد هددت الأنشطة الإرهابية التي تمارسها كتائب سيد الشهداء حياة الأفراد الأميركيين والتابعين للتحالف الدولي لهزيمة داعش في كل من العراق وسوريا. 

وتتهم أميركا إيران وأذرعها العسكرية المنتشرة في المنطقة، بالوقوف وراء هجماتٍ تعرضت لها قواتها مؤخراً، وتعتبر "كتائب سيد الشهداء" التي تنشط داخل العراق وسوريا، جزءاً من هذه الأذرع. 

وتتخذ الجماعة المصنفة إرهابياً من العاصمة بغداد مقراً لها، وينشط أمينها العام "أبو آلاء الولائي" على حسابه في موقع X (تويتر سابقاً) لإبداء مواقفه والتعليق على القضايا العراقية. وعلّق على قرار تصنيفه وجماعته على قائمة الإرهاب قائلاً: "من دواعي الفخر والاعتزاز إدراج اسمي على قوائم العقوبات الأميركية". 

وأنشأ الولائي قبل سنوات قناة فضائية تدعى (INEWS) وحاولت أن تكون بصبغة علمانية على عكس بقية الفضائيات التابعة لاتحاد الإذاعات الإسلامية الإيراني. 

 

النشأة على يد "رجل القنابل" 

 

تأسست الميليشيا الشيعية على يدي مصطفى العتابي "مصطفى الشيباني" (حامد ثجيل العتابي) أحد الأعضاء المؤسسين لـ"كتائب حزب الله" في العراق. 

بعد عام 2003 وسقوط نظام صدام حسين، اعتمدت طهران على العتابي الذي يحمل الجنسيتين العراقية والإيرانية، عندما انخرط في صفوف ميليشيا "عصائب أهل الحق". وبحسب المرصد الأوروبي لمحاربة التطرف فإن "هذه الميليشيات ارتبطت بعلاقة وثيقة مع نوري المالكي رئيس الوزراء العراقي الأسبق، الذي أمّن لها الدعم المالي والعسكري والسياسي". 

نشطت ميليشيات العصائب في تنفيذ مهامٍ ضد القوات الأميركية ومسؤولين عراقيين معارضين لإيران، واتهمت أيضاً بقمع الاحتجاجات العراقية عام 2019 التي عرفت بـ"احتجاجات تشرين". 

قال المؤرخ العسكري الأميركي شون نايلور في كتابه "التاريخ السري للعمليات الأمريكية الخاصة في العراق" إن "مصطفى الشيباني ترأس مجموعة عملت لمدة عامين على تهريب العبوات الخارقة للدروع من فيلق القدس الإيراني إلى مختلف الميليشيات الشيعية داخلها وعلى رأسها عصائب أهل الحق". 

وأشار إلى أن "القوات الأميركية سبق وأن اعتقلت أخيه الأكبر أبو ياسر الشيباني لتورطه في مهامٍ شبيهة". 

وفي كتابه "حرب الشفقة" قال ديفيد كريست إن "ضباطاً من فيلق القدس التقوا بالشيباني في البصرة وزودوا شبكته بمدربين عسكريين من حزب الله اللبناني". 

في البصرة دُرب رجال الشيباني على استخدام القنابل المضادة للدروع وتجميع أجزائها التي كانت تصلهم مفككة داخل منتجات غذائية. 

وبحسب الكتاب، فإنه في الأشهر التسعة الأولى من عام 2005، نفّذت "مجموعة الشيباني" 35 هجوماً بهذه القنابل ضد قوات التحالف الدولي، أدّت إلى مقتل 17 جندياً وجرح 36 آخرين. 

نتيجة لهذه العمليات، أدرج العتابي على قائمة الإرهاب الأميركية في يوليو 2008، لكنه عُين مستشاراً أمنياً لوزير الداخلية العراقي الأسبق محمد الغبان المنتمي لمنظمة بدر بزعامة هادي العامري. 

 

"أبو آلاء الولائي" وزعامة الحركة 

 

في 2014 انتقلت زعامة كتائب "سيد الشهداء" إلى "أبو آلاء الولائي" الذي سبق وأن حُكم عليه بالإعدام 3 مرات في عهد صدام حسين واعتقل على أيدي القوات الأميركية في العراق عندما انخرط في صفوف كتائب "حزب الله" بسبب الشك في تورطه باستهداف القوات الأميركية. 

عندما قُنن الحشد الشعبي عام 2016 بعد تشريع قانون خاص به، حملت "كتائب سيد الشهداء" رقم (اللواء 14)، ولهذا فإنها تعدُّ جزءاً من القوات العراقية الرسمية. 

وبحسب ما ذكره زيد الزلزلي في كتابه "عسكرة المجتمع"، فإن هذه المجموعة منذ انشقاقها عن كتائب حزب الله سعت لاكتساب شعبية في المجتمع العراقي، عبر تقديم خدمات اجتماعية ومساعدات للناس، فيما وصف أحمد البدراني أستاذ تاريخ العراق في كتابه "العراق المتأزم" هذه الميليشيا بأنها "جماعة صغيرة نسبياً" مقارنةً بجماعات أكبر حجماً مثل "منظمة بدر" و"عصائب أهل الحق" و"كتائب حزب الله". 

تباينت تقديرات الخبراء في تحديد أعداد المنضمين إلى صفوف "سيد الشهداء"، فتراوحت بين بضع مئات وحتى ألفي مقاتل وفقاً لأكثر التقديرات تفاؤلاً. 

ادّعت وسائل إعلام موالية لإيران أن عدد المنتسبين لهذه القوة يبلغ 4 آلاف فرد تقريباً، ينتشرون في كربلاء وبغداد وصلاح الدين والبصرة وغيرهن من المدن العراقية، بينما في نوفمبر 2021 أعلن الولائي أن عدد المتطوعين في صفوف كتائبه بلغ قرابة 50 ألفاً. 

 

أبرز عمليات الكتائب 

 

في أكتوبر 2014 هدّدت كتائب "سيد الشهداء" باستهداف "كل ماهو سعودي" في المنطقة، وهو الموقف الذي استمرّت عليه في السنوات التالية، خاصةً مع احتدام حرب اليمن، على وقعها صرّح قائدها الولائي بأنه على استعداد للانضمام إلى حرب اليمن وأنه "رهن إشارة عبدالملك الحوثي" للانضمام إليه في معركته ضد الرياض. 

لم تكن هذه المرة الأولى التي تعبّر فيها الكتائب الشيعية عن دعمها للحوثيين في معركتهم ضد الحكومة المدعومة من قِبَل السعودية، فنظموا في عام 2018 مهرجاناً تضامنياً كبيراً حمل عنوان "من بغداد إلى صنعاء.. صوت واحد" حضرته أغلب الفصائل العراقية الشيعية المدعومة من إيران. 

عند احتدام الحرب في سوريا انخرطت "كتائب سيد الشهداء" فيها ودعمت قوات النظام السوري في حربه ضد قوات المعارضة في منطقة الغوطة الشرقية بريف دمشق، وفي 2017 ادّعت الكتائب أن قوة تابعة لها تعرضت إلى قصفٍ قرب الحدود العراقية السورية فاتهمت واشنطن بالوقوف وراء هذا الهجوم وأعلنت في بيانٍ لها أنها "تحمّل الجيش الأمريكي عواقب هذا العمل الذي لن نسكت عنه".   

من جانبها نفت قيادة التحالف الدولي والحكومة العراقية أي مسؤولية لها عن هذه العملية مرجحة أن يكون تنظيم داعش المخطط الفعلي لها، لكن قيادات في الحركة تمسكت بمواقفها وأقامت مجلس عزاء تلقّت فيه برقيات داعمة من نوري المالكي نائب رئيس الجمهورية آنذاك، ومن أبو مهدي المهندس نائب رئيس الحشد الشعبي وقتها، ومن جماعة الحوثيين، ومن عبد القادر عزوز مستشار الحكومة السورية، حسبما أعلنت الجماعة المسلحة العراقية. 

كان لافتاً أن هذه الغارة على مواقع الحركة تسبّبت في وفاة 7 أفراد من الحرس الثوري الإيراني على رأسهم حسين قمي الضابط في صفوف الحرس الثوري الإيراني، الذي اشتهر بكفاءته القتالية الكبيرة رغم صغر سِنه، حتى أن قاسم سليماني قائد فيلق القدس صرّح حينها بأنه تمنّى لو كان قد قُتل هو بدلاً منه واصفاً رحيله بـ"الخسارة الكبيرة". 

ومنذ شهرين فقط أحيت "كتائب سيد الشهداء" في حضور قادة إيرانيين ذكرى رحيل الضابط حسين قمي. 

في العام التالي اندلعت مظاهرات عنيفة في العراق ضد النفوذ الإيراني شملت اقتحام القنصلية الإيرانية في البصرة ومقر عددٍ من الميليشيات الشيعية منها "كتائب الشهداء"، واتّهم ناشطون عراقيون أعضاء الميليشيا بقمع احتجاجاتهم بقوة السلاح. 

وفي 2019 نفّذت السلطات البحرينية عقوبة الإعدام بحق 3 معارضين شيعة، فأصدر الولائي بياناً عنيفاً انتقد فيه ملك البحرين وطالب "المجاهدين بأخذ الثأر منه"، وفي مارس 2021 تعرض أحد مقرات الحركة لضربة أمريكية، رداً على تورّط الجماعة في إطلاق صواريخ على مطار أربيل في فبراير 2021، دون أن تتسبب في وقوع أي ضحايا. 

ومنذ أن اشتعلت الأجواء في المنطقة إثر هجمات أكتوبر التي نفذتها حركة حماس ضد إسرائيل وتسبّبت في مقتل 1200 إسرائيلياً أعلن كاظم الفرطوسي المتحدّث بِاسم "كتائب سيد الشهداء" أنهم يستعدون للمعركة وأن "القواعد الأميركية ستكون هدفاً للضربات". 

منذ منتصف أكتوبر 2023 تعرضت القوات الأميركية في العراق وسوريا لأكثر من 60 هجوماً أسفرت عن إصابة ما يزيد عن 60 جندياً أغلبها إصابات دماغية. 

ومنذ أيام أكد الولائي أن العمليات ضد القواعد الأمريكية لن تتوقف حتى تنتهي الحرب في فلسطين. 

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

قتل تنظيم داعش 1700 شخصاً من الشعيطات، 700 منهم في يوم واحد.
قتل تنظيم داعش 1700 شخصاً من الشعيطات، 700 منهم في يوم واحد.

في منتصف عام 2014 كانت مدن وبلدات محافظة دير الزور السورية قد بدأت بالسقوط في قبضة تنظيم "داعش" واحدة تلو أخرى. كان التنظيم في قمة عنجهيته وتمدّده، مدججاً بترسانة هائلة من الأسلحة التي استولى عليها من مخازن الجيش العراقي، وبأسراب من المقاتلين الأجانب المتعطشين للدماء.

قررت عشيرة الشعيطات التصدي لزحفه نحو مناطقها بكل ما تملك من قوة. ولأن الفظائع التي ارتكبها لتوه في سنجار بدأت تصل أصداؤها إلى العالم، فقد بدا واضحاً أن التنظيم بصدد التوقيع على أولى مجازره المروعة في سوريا.

 

لا للبيعة

بمزيج من الإرهاب والخديعة والوعود الكاذبة تقدمت قوات "داعش" للسيطرة على أغلب مناطق دير الزور شرقي سوريا. ولم تفلح عشرات الكتائب المسلحة في التصدي لها. سقطت مدينة الشحيل في يوليو 2014، وكانت معقلاً لجبهة النصرة أكبر الفصائل في المنطقة، والتي دخلت في تحالف ضم عددا من الجماعات الأخرى كجيش الإسلام وأحرار الشام وكتائب الجيش الحر تحت اسم "مجلس شورى المجاهدين" لمنع سقوط المدينة في يد التنظيم، لكن دون جدوى.

نصب التنظيم مدافعه الثقيلة على تخوم المدينة، وتقدمت دباباته وعرباته الثقيلة نحوها، مع مئات المقاتلين؛ أكثرهم استقدمهم من العراق لهذه المهمة. في النهاية، وافقت فصائل من الشحيل على مبايعة أبي بكر البغدادي، فيما غادر أفراد الفصائل التي لم توافق على البيعة إلى البادية أو إلى القلمون.

بعد سقوط الشحيل، بدأت البلدات الأخرى في مبايعة التنظيم الإرهابي نتيجة لأجواء الرعب التي سادت في تلك الفترة، فبايعت مدن الميادين وبلدات العشارة وصور والقورية والبوكمال والموحسن. وكان تركيز التنظيم منصباً على حقول النفط والبلدات القريبة منها، وفي مقدمتها بلدات الكشكية وأبو حمام و غرانيج وهي البلدات التي تنتشر فيها عشيرة "الشعيطات" إحدى أكبر العشائر السورية، التي يبلغ عدد أفرادها حوالي  130 ألف نسمة والمتفرعة عن قبيلة "العكيدات" العريقة.

اجتاحت مظاهرات عديدة بلدات الشعيطات الثلاث (الكشكية وأبو حمام و غرانيج) رافضة دخول التنظيم إليها، ورافعة شعار "لا للبيعة" في تحدٍ صريح لخطط البغدادي الرامية إلى إخضاع كامل محافظة دير الزور.

 

بداية الأحداث

لم يكن هناك مجال للمقارنة بين قوة وقدرات داعش وبين قوة العشائر. يملك التنظيم ترسانة كبيرة من الأسلحة الثقيلة والمفخخات وآلاف المقاتلين المتمرسين في المعارك، وذوي الخبرة الطويلة في إدارة حروب العصابات والمدن، يتقدمهم الرقيب السابق في الجيش الجورجي طرخان تيمورازوفيتش باتيرشفيلي المعروف بأبي عمر الشيشاني.

وسط إرهاب المدافع والمفخخات الذي خيّم على المنطقة، وولاء البلدات الأخرى للتنظيم؛ لم تجد عشيرة الشعيطات بدا من عقد اتفاق مع التنظيم، قضى بدخول بلدات الشعيطات الثلاث تحت سلطته، والكفّ عن مقاتلته، لكن من دون دخول عناصره إليها أو إقامة مقرّات عسكرية له وسط أحيائها، أو تسيير دوريات الحسبة إليها، وعدم إلحاق أي أذى بأفراد العشيرة، بالإضافة إلى اقتسام عائدات حقول النفط مناصفة بين التنظيم والعشيرة.

لم يكد يمر شهر واحد على الاتفاق حتى تنصّل التنظيم منه. ففي 30 يوليو 2014 دخلت دورية للتنظيم إلى بلدة "أبو حمام" لاعتقال عدد من أفراد أسرة "آل النهاب". لم يستجب أحدهم لأمر الاعتقال، فأطلق عليه عناصر داعش النار وأردوه قتيلاً. وكان هذا الحادث بمثابة الشرارة التي أجّجت القتال بين التنظيم والعشيرة.

انتفض مسلحو العشيرة، وطاردوا عناصر الدورية التي دخلت بلدتهم، فقتلوا بعض أفرادها وكان أغلبهم أجانب، وهاجموا مبنى بلدية الكشكية التي يتخذها التنظيم مقرا له فقتلوا عنصرين داخله، وخرج التنظيم من البلدات الثلاث.

على ضوء ذلك، أطلق "داعش" حملة دعائية مكثفة لحشد أنصاره ومقاتليه ضد ما سماه "غدر الشعيطات". في هذه الأثناء وجّه شيوخ ووجهاء عشيرة الشعيطات نداءات استغاثة إلى العشائر الأخرى والفصائل المقاتلة في سوريا لدعمهم في حربهم ضد داعش.

وفي ما يشبه النبوءة، خرج شيخ عشيرة الشعيطات "رافع عكلة الرجو" مناشداً العشائر والفصائل إرسال المؤازرات إلى البلدات المنتفضة، ومحذراً من أن "القبائل والمناطق الأخرى في سوريا ستلاقي كلها مصير الشعيطات إذا لم يتم التصدي للتنظيم الآن".

فتوى الدم

أحرز مقاتلو العشائر بعض التقدم في الأيام الثلاثة الأولى من المعارك. لكن تنظيم داعش استقدم مئات المقاتلين من العراق، ومجموعات أخرى من المقاتلين الأجانب تتقدمهم كتيبة "البتّار" الليبية، ونصب المدافع الثقيلة في محيط البلدات الثلاث، وفرض حصاراً خانقاً عليها، وشرع في قصفها بشكل عشوائي، وإرسال العربات المفخخة إلى داخلها.

أصدر أبو عبد الله الكويتي، أحد "شرعيي" داعش فتوى بشأن الشعيطات. وصفت الفتوى العشيرة بأنها "طائفة ممتنعة عن شرائع الإسلام بشوكة". وحكمت عليها بالردة الجماعية.

تقول الفتوى المروعة إنه يجب قتال الشعيطات "قتال الكفار بإجماع العلماء.. ولَا يجوز أن يُعقد لهم ذمة ولا هدنة، ولا أمان، ولا يطلق أسيرهم ولا يفادى بمال ولا رجال، ولا تؤكل ذبائحهم ولا تنكح نساؤهم ولا يسترقون، ويجوز قتل أسيرهم واتباع مدبرهم، والإجهاز على جريحهم، ويجب قصدهم بالقتال ولو لم يقاتلونا ابتداء". وأوصت رسالة من قيادة "داعش" بتطبيق فتوى الكويتي " بنداً بنداً".

بحلول الخامس من أغسطس 2014 نجح التنظيم في دخول بلدات الشعيطات، وشرع في إبادة جميع سكانها ممن لم يتمكنوا من الفرار، ولم يستثنِ الأطفال والشيوخ الكبار في السن، دون أي تمييز بين المسلحين و المدنيين أو بين من شارك في المعارك ومن لم يشارك.

في العاشر من أغسطس، قتل التنظيم أكثر من 700 شخص من أبناء بلدات "الكشكية" و"أبوحمام" و"غرانيج"، وبثّ مقاطع فيديو توثّق عمليات الذبح بدم بارد للعشرات من الشباب والشيوخ، وعمليات إعدام جماعية بالرصاص. وتناثرت الجثث في الشوارع والأزقة، وصلب كثير منها على الأعمدة الكهربائية. وداهم عناصر التنظيم المدارس التي تجمّع فيها الأهالي وذبحوا كل الرجال اللاجئين إليها. حتى العمال المياومون الذين يشتغلون في آبار النفط تمت تصفيتهم مع أن حصة كبيرة من عوائد عملهم تذهب إلى خزينة التنظيم.

اقتحم مقاتلو التنظيم أيضا المشافي وأجهزوا على كل الجرحى والمرضى، بما في ذلك بعض المستشفيات في البلدات البعيدة مثل مستشفى "نبض الحياة" في هجين الذي اقتحموه وقتلوا مصابين داخله يتحدّرون من الشعيطات.

وحتى العمال الذين كانوا يعملون مع التنظيم في توصيل صهاريج المياه إلى مقراتهم تمت تصفيتهم، بل نشر عناصر التنظيم مقطعاً مصورا يُظهر عملية إعدام شخص يعاني من مرض عقلي بواسطة قذيفة RBG مضادة للدبابات. العشرات من أبناء العشيرة تم استخدامهم في عمليات حفر المقابر الجماعية التي ضمت مئات من الضحايا وبعضها لم يتم اكتشافها حتى الآن.

الملفت هنا أن معظم قادة داعش الذين أشرفوا على هذه المجازر استناداً إلى فتوى أبي عبد الله الكويتي، هم إما أجانب حديثو عهد بالإسلام مثل مغني الراب الألماني دينيس كوسبيرت المعروف بأبي طلحة الألماني، أو ممن كان يشتغل في تهريب السجائر قبل أشهر قليلة من بيعته لداعش مثل القيادي السوري صدام الجمل، أو ممن لم يتجاوز مستواه الدراسي المرحلة الابتدائية مثل أبي سيف الشعيطي. بل قام التنظيم في وقت لاحق بإعدام أبي عبد الله الكويتي نفسه صاحب فتوى الإبادة بتهمة التخابر مع أجهزة المخابرات الدولية، لكن أصوات داخل التنظيم رجحت أن يكون إعدامه بسبب مواقفه من قادة التنظيم.

 

العودة

استمرت عمليات الإبادة حوالي شهر، مع أن التنظيم أحكم سيطرته على مناطق الشعيطات في العاشر من أغسطس، لكنه تتبّع الفارين والنازحين، ونصب الحواجز في الطرقات بحثاً عن أي شخص من الشعيطات.

لمدة ثلاثة أشهر استمر رفض التنظيم لكل الوساطات التي قادتها بعض العشائر المبايعة له، من أجل وقف المذابح والسماح للنازحين بالعودة إلى منازلهم. في نوفمبر 2014 وافق أبو بكر البغدادي أخيراً على السماح بعودة المهجرين إلى ديارهم بشروط.

اشترط البغدادي على العائدين تسليم كافة أسلحتهم، على أن من يُضبط بحوزته سلاح سيقتل به. اشترط داعش أيضا أن تكون عودة المهجرين على دفعات بحيث تكون الأولوية لمن لم يقاتل التنظيم، كما اشترط ترحيل من ثبت عليهم القتال إلى مناطق أخرى. وكل شخص يتستر على أحد المطلوبين فسيهدم منزله فوق رأسه هو وعائلته. جرى أيضا منع كافة أنواع التجمعات، وفرض حظر للتجوال لمدة شهرين على بلدات الكشكية وأبو حمام وغرانيج، وأن يحضر الجميع بشكل إجباري دورات استتابة في المساجد. وتسليم وثيقة توبة بها صورة شخصية للمعني بعد رضوخه لهذه الشروط وخضوعه لدورات الاستتابة.

في أغسطس من كل عام يستذكر أهالي الشعيطات بمزيج من مشاعر الحسرة والألم والخذلان والقهر الدفين مأساتهم. لقد قتل تنظيم داعش 1700 شخصاً من أبنائهم، 700  منهم في يوم واحد، وشرّد أكثر من 100 ألف، بينما لا يزال مصير المئات غامضا حتى الآن.