صورة أرشيفية من المناطق التي سيطر عليها داعش في سوريا
صورة أرشيفية من المناطق التي سيطر عليها داعش في سوريا

يودع تنظيم داعش عام 2023 بحصيلة ثقيلة من الخسائر، مست أساساً صفه القيادي الأول والثاني، مع جمود ملحوظ على صعيد التوسع الميداني في معظم ما يعتبره ولاياته القريبة والنائية، وتراجع كبير في نشاطاته داخل سوريا والعراق.

وبقيت خريطة السيطرة على حالها منذ بداية العام، لكن مع زخم عملياتي مكثف في غرب إفريقيا والساحل، دون أن ينجح في إحراز تقدم مهم خارج معاقله، سواء في شمال شرق نيجيريا، ومنطقة المثلث في الساحل، أو إقليم كابو ديلغادو في شمال الموزمبيق، وكذا مساحات انتشاره في شرق الكونغو وغيرها من المناطق.

نزيف القيادات

خسر التنظيم منذ بداية العام عددا من قادته الكبار ممن لهم دور بارز في إدارة شؤونه عقب معركة الباغوز، كما خسر عددا من قادته الميدانيين، ليصل إلى ذروة الخسارة بمقتل زعيمه "أبي الحسين الحسيني" واعتقال ناطقه الرسمي في حادثة تكتم عليها التنظيم طويلاً.

وفي ما يأتي، تعداد لأبرز قادة داعش الذين تم تحييدهم خلال 2023، على التوالي:

22 يناير: أعلنت القيادة المركزي الأميركية اعتقال كل من عبد الله حميد مصلح المداد الملقب بـ"أبي حمزة السوري"، الذي يعمل وسيطاً للتنظيم، وحسام حميد المداد، وهو مسؤول لوجستي في التنظيم. وتم الاعتقال خلال عملية إنزال جوي وإسناد بري في سوريا.

17  فبراير: نفذت القوات الأميركية عملية إنزال جوي أخرى شمال شرق سوريا، استهدفت القيادي في التنظيم حمزة الحمصي. وأصيب في العملية التي نُفذت بتعاون مع قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، أربعة جنود أميركيين نتيجة تفجير الحمصي حزامه الناسف.

18 فبراير: ألقي القبض على مسؤول كبير في داعش يعرف باسم "بتار"، وهو شخصية مهمة في التنظيم، وتتهمه الولايات المتحدة بالتخطيط لهجمات على مراكز الاحتجاز التي تشرف عليها "قسد" شمال شرق سوريا.

3 أبريل: أعلنت القوات الأميركية مقتل القيادي في التنظيم خالد إياد أحمد الجبوري، شمال غرب سوريا، وقالت في بيان لها، إن الجبوري طور الهيكل القيادي لتنظيم داعش، وموته "سيعطل مؤقتاً قدرة التنظيم على التخطيط لعمليات خارجية".

12 أبريل: تم اعتقال حذيفة اليمني واثنين من مساعديه في عملية خاصة شرق سوريا. وذكر بيان للقيادة المركزية الأميركية أن اعتقاله "سيعطل قدرة التنظيم على التخطيط للعمليات وتنفيذها".

17 أبريل: قتلت القوات الأميركية المدعو عبد الهادي محمود الحاج علي، أحد كبار قادة داعش والمسؤول عن التخطيط لهجمات على أوروبا والشرق الأوسط، مع اثنين آخرين من المقربين منه خلال غارة شمال سوريا.

7 يوليو: أعلنت القيادة العسكرية المركزية مقتل القيادي في أسامة المهاجر، في شرق سوريا. 

أما الخسارة الأكبر لداعش على مستوى الكوادر، فتمثلت في مقتل أبو سارة العراقي، المعروف بـ"عبد الرؤوف المهاجر، أمير الإدارة العامة للولايات"، في ضربة جوية للتحالف الدولي  في 24 فبراير.

لعب "المهاجر" أدواراً أساسية في التواصل وإدارة شؤون فروع داعش في مختلف أنحاء العالم، وكانت وظيفته حيوية أكثر من وظيفة "الخليفة" نفسه الذي ظل منزويا في مخبأه الآمن خوفاً من الاستهداف. وشكل مقتله ضربة قاصمة لم يتعاف التنظيم منها حتى الآن، ولعل غيابه من بين الأسباب التي أربكت حسابات داعش، فتأخر إعلانه عن الزعيم الجديد فترة طويلة على غير عادته. 

وفي الثالث من أغسطس الماضي، كان داعش على موعد مع أكبر خساراته عام 2023، عندما تمكنت المخابرات التركية بدعم من فصائل سورية معارضة، من قتل زعيم التنظيم أبي الحسين الحسيني القرشي في بلدة جندريس شمال غرب سوريا.

وبعد بضعة أيام فقط، ستتعمق خسارته باعتقال "هيئة تحرير الشام"، للناطق باسمه "أبو عمر المهاجر"، مع مجموعة من مساعديه، وتم تنصيب كل من "أبي حذيفة الأنصاري" و"أبي حفص الهاشمي"، بديلا عنهما.

زعيم تنظيم داعش السابق أبو بكر البغدادي
لماذا ينتحر قادة داعش في لحظاتهم الأخيرة؟
عندما حاصرت القوات الأميركية منزل أبي بكر البغدادي زعيم داعش الأول، في بلدة باريشا شمال غربي سوريا، لم يحاول حتى المقاومة، أو فتح خط للتفاوض لتأمين عائلته وأطفاله الصغار. عوض ذلك سحب أطفاله إلى آخر نقطة في مجمعه السكني، وفجر حزامه الناسف وسط الجميع.

 

خرائط سيطرة مجمدة

تحصين المعاقل هو النمط الغالب على عمليات تنظيم داعش في 2023، فلم يسجل أي تمدد كبير خارج المناطق التي كان يتحرك فيها سابقا. لكنه رفع من وتيرة نشاطه في بعض المناطق، خصوصا في غرب أفريقيا والساحل، لا سيما خلال النصف الثاني من العام. 

في الساحل، دخل التنظيم معارك طاحنة ضد جماعة "نصرة الإسلام والمسلمين" الموالية للقاعدة، ونجح في بسط سيطرته على مناطق ميناكا والمثلث الحدودي بين مالي والنيجر وبوركينافاسو. ثم كمن لفترة من الوقت في ما يشبه هدنة بعد تدهور الأوضاع في شمال مالي، واستئناف الحركات الأزوادية القتال ضد حكومة باماكو.

بدت خطواته في الساحل محسوبة بعناية، ورهانه معلق على حرب استنزاف بين القوات الأزوادية والجيش المالي وتنظيم القاعدة، يدخل على أثرها قوياً ساحة الحرب وقد أنهكت المعارك أطرافها، على غرار المخطط الذي سار عليه في سوريا والعراق عشية تمدده في 2013.

في غرب أفريقيا، ضاعف داعش عملياته في شمال شرق نيجيريا خلال الشهور الأخيرة، ولا يكاد يمر يوم دون أن يتبنى عملا في ثلاث ولايات في الشمال، أهمها ولاية "برنو" الملتهبة والمتاخمة لشمال الكاميرون، وينطلق منها عناصره للإغارة على مواقع في العمق الكاميروني.

ووصل عدد عمليات التنظيم في غرب أفريقيا لأكثر من 80 عملية في الشهرين الأخيرين فقط. 

داعش.. تراجعٌ في العراق وسوريا وتمدّد في إفريقيا
تراجع أداء التنظيم العملياتي، وانكشف أمنياً بشكل غير مسبوق، وخسر قياداته المؤسسة كلها، ودبّ الخلاف وتضاربت صلاحيات ما تبقى من مؤسساته ومفاصله التنظيمية، وبات واضحاً طبقا لإحصائيات التنظيم نفسه أنه يعيش مرحلة إثبات الوجود خصوصا في العراق وسوريا، وصلت حد إقدامه على نشر صور تعود إلى سنة 2015 على أساس أنها بيعة من مقاتليه في سوريا لزعيمهم الجديد.

في المقابل، تراجعت عمليات التنظيم في سوريا والعراق بشكل كبير خلال 2023، وقد سعى لتعويض هذا التراجع بعمليات نوعية لا سيما في سوريا، عبر استهداف أرتال لقوات النظام السوري المارة في مناطق البادية، مثل الهجوم الذي استهدف الجيش وقوات الدفاع الوطني في 8 نوفمبر، في مثلث حمص-الرقة-دير الزور، بمنطقة الرصافة.

أسفرت العملية عن مقتل 34 جندياً من جيش النظام، وقبله هجوم آخر على قوات النظام وميلشيات موالية له في منطقة معدان عتيق بريف الرقة الشرقي، أسفر عن مقتل وإصابة العشرات.

في العراق أيضاً تراجعت عمليات التنظيم بشكل غير مسبوق، وأصبح أمرا عادياً أن يصدر  الحصاد الأسبوعي لعلمياته دون أن يتضمن عملية واحدة في العراق. وهو مؤشر دال على المراحل المتقدمة التي وصل إليها العراق في حربه على داعش.

التحدي الكبير الذي سيستقبل به تنظيم داعش عام 2024، مرتبط في جزء منه بمدى قدرته على معالجة الانكشاف الأمني المزمن الذي عانى منه في الفترة الأخيرة، وأدى إلى تحييد قياداته البارزة في زمن قياسي.

فكم من الوقت سيصمد ويحافظ على رصيده من "القرشيين" العراقيين المؤهلين لمنصب "الخليفة" قبل أن يطالهم الاغتيال؟

Red Cross volunteers bury the remains of civilians killed in the Democratic Republic of Congo North Kivu province village of…
اقتصاد الإرهاب.. كيف تمول داعش فروعها في وسط إفريقيا؟
استطاع تنظيم داعش من خلال خططه الاقتصادية، وشبكاته المالية المعقدة تحقيق اكتفاء ذاتي لأخطر فروعه النشطة في وسط إفريقيا، (فرعي الكونغو والموزمبيق)، وعبر وصلهما بخطوط شبكة دعمه الممتدة بين أوروبا وجنوب إفريقيا والصومال والخليج والشرق الأوسط.

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

صورة أرشيفية لقوات أميركية في إحدى البلدات السورية - تعبيرية
صورة أرشيفية لقوات أميركية في إحدى البلدات السورية - تعبيرية

الحرة- ضياء عودة- شكّلت الظروف التي شهدتها سوريا بعد عام 2011 "فرصة ثمينة" لتنظيم داعش، سرعان ما اغتنمها ليعلن في 2014 ما يعرف بـ"دولة الخلافة". ورغم إنهاء المسرح المكاني في 2019، لا يزال مؤشر الخطر قائما وتزداد معه المخاوف المتعلقة بـ"العودة وإعادة البناء"، في ظل التطورات التي تشهدها المنطقة.

صحيفة "وول ستريت جورنال" الأميركية سلطت الضوء على تلك التحذيرات، يوم الاثنين، ونقلت عن مسؤولين أميركيين وآخرين محليين تفاصيل "حملة خفية" يتم العمل عليها "بهدوء" بمواجهة تحركات داعش المتصاعدة.

وبينما يدق المسؤولون ناقوس الخطر، يكشفون أن خطر التنظيم الإرهابي بات يأخذ منحا تصاعديا في ظل حالة الانشغال المتعلقة بحرب غزة وارتداداتها على المنطقة التي شملت مؤخرا الهجمات التي تنفذها ميليشيات إيران، ويؤكد خبراء ومراقبون لموقع "الحرة" ذلك.

ويوضح الخبراء، وهم الباحث الأميركي راين بوهل، والباحث في شؤون الجماعات المتشددة حسن أبو هنية، والباحث السوري سعد الشارع ،أن داعش يراهن في الوقت الحالي على "قبلة حياة" قد يؤسس بواسطتها من جديد.

وضاعف مسلحو داعش وتيرة هجماتهم في سوريا والعراق هذا العام واستهدفوا نقاط تفتيش أمنية، وفجروا سيارات مفخخة.

كما خططوا، بحسب "وول ستريت جورنال"، لتحرير الآلاف من رفاقهم المسجونين، منذ استعادت "قوات سوريا الديمقراطية" (قسد) والتحالف الغربي بقيادة واشنطن مدينة الباغوز، آخر معقل للتنظيم في سوريا.

وتوضح الصحيفة أن الطائرات الأميركية تنفذ غارات وتوفر مراقبة جوية حية لـ"قسد" التي تقود على الأرض عمليات ضد خلايا يشتبه في أنها تابعة لداعش.

وتقول إن الحملة المذكورة "لم تحظ بتغطية إعلامية كافية"، وتنقل عن ضابط من القوات الخاصة الأميركية المتمركزة في سوريا قوله: "ما نراه هو حركة الرجال والأسلحة والمعدات".

وفي غضون ذلك، أفاد قياديون من "قسد" أنهم أسروا 233 مسلحا مشتبها بانتمائهم لداعش في 28 عملية، وذلك في الأشهر السبعة الأولى من العام، وأوضحت القيادية روهيلات عفرين أن عام 2024 "كان الأسوأ منذ هزيمة داعش".

وقالت في مقابلة مع الصحيفة الأميركية: "بغض النظر عن مدى هزيمتهم، سيحاولون النهوض مرة أخرى".

أين ينتشر داعش في سوريا؟

ينشط داعش الآن في سوريا بمجموعات تنتشر في منطقة البادية السورية مترامية الأطراف، وفي العراق يأخذ شكل المفارز، المكونة من أعداد محدودة وشرسة في ذات الوقت.

وبعد عام 2019، ورغم انحسار مناطق نفوذه في سوريا على البادية، لم تتوقف هجماته باتجاه المناطق التي تسيطر عليها "قسد" والنظام السوري، وكذلك الخاضعة لسيطرة فصائل المعارضة في شمال غرب سوريا.

وبحسب "وول ستريت جورنال"، فإن محاولة داعش للعودة مجددا، تمثل تحديا مختلفا عن التحدي الذي فرضه في أوج قوته، عندما كان يسيطر على مساحات في سوريا والعراق تقدر بـ38 ألف كيلومتر مربع.

والدور الذي سيلعبه التحالف الدولي تحت القيادة الأميركية في المنطقة خلال الأشهر والسنوات المقبلة "أصبح معقدا"، بسبب حالة عدم اليقين خلال المفاوضات الدبلوماسية المتعلقة بحرب غزة والانتخابات الأميركية المقبلة، وفق ما جاء في تقرير الصحيفة.

ونقلت عن المتحدث باسم "قوى الأمن الداخلي" (أسايش) التابعة لـ"الإدارة الذاتية"، العميد علي الحسن، أنه في حال انسحاب القوات الأميركية "سنرى فوضى لم نشهدها من قبل. أي انسحاب من شأنه أن يؤدي إلى تنشيط الخلايا النائمة على الفور".

صعود واضح

وهذه ليست المرة الأولى هذا العام التي يعرب فيها المسؤولون الأميركيون والمسؤولين في "قسد" عن مخاوفهم المتجددة بشأن أنشطة داعش في سوريا.

ففي أبريل الماضي قالت القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم) إن عدد مسلحي التنظيم الإرهابي نما إلى نحو 2500 في مختلف أنحاء سوريا والعراق، وهو أكثر من ضعف التقديرات السابقة التي صدرت في يناير2024.

ويقول الباحث في شؤون الجماعات المتشددة، حسن أبو هنية، إنه وما بعد السابع من أكتوبر 2023 انتشرت تقارير واضحة عن تصاعد هجمات داعش في سوريا.

وجاءت تلك التقارير "التي لا تخطئها العين" من جانب الولايات المتحدة ومن تنظيم داعش بنفسه، وفق حديث أبو هنية.

ويشير في حديثه لموقع "الحرة" إلى "فسحة أمنية" بات يستغلها داعش لتصعيد أنشطته في الوقت الحالي. وتشمل تلك الأنشطة إعادة الهيكلة والبناء من خلال العمل كمنظمة لا مركزية.

وترتبط "الفسحة" كما اعتبرها أبو هنية بحالة الانشغال العامة التي تشهدها المنطقة، التي تولي لها الولايات المتحدة اهتماما كبيرا، ويذهب باتجاه تخفيف مخاطر التصعيد المرتبط بحرب غزة.

وعند النظر بعيدا عن سوريا، تتوسع صورة التصعيد في الأنشطة على نحو أكبر، خاصة في أفريقيا، وحين شهدنا هجمات التنظيم في موسكو وإيران وسلطنة عمّان، بحسب الباحث في شؤون الجماعات المتشددة.

"نوعي أكثر من عددي"

ومن جهته يوضح الباحث السوري، سعد الشارع أن تصعيد أنشطة داعش في سوريا، منذ بداية 2024، كان نوعيا، وليس فقط على مستوى العدد والانتشار الواسع في منطقة البوادي.

ويقول لموقع "الحرة" إن البعض من هجماته كان دقيقا ومبنيا على عمليات رصد استهدفت الشخصيات الأمنية والأرتال العسكرية، التي تتحرك على الطرق الرئيسية.

ودائما ما يستغل التنظيم الهفوات الأمنية والوضع الأمني الهش، وفق حديث الباحث السوري.

وفي سوريا بالتحديد تتمثل تلك "الهفوات" وفقا لقوله بما تقوم به ميليشيات إيران من استهدافات متكررة للقواعد الأميركية، والاقتتال الحاصل على طرفي نهر الفرات.

ويعتقد الباحث الأميركي في شؤون الشرق الأوسط، راين بوهل، أن "داعش وبكل تأكيد يحاول التوسع وإعادة البناء في الوقت الحالي بسوريا، وفي ظل القتال الحاصل بين خصومه".

وفي حين تحتفظ الولايات المتحدة بالقدرة على تنفيذ مهام مكافحة الإرهاب والحماية من خصوم مثل إيران، فإن هناك تساؤلا بشأن الإرادة السياسية للقيام بكلا الأمرين في نفس الوقت، كما يضيف بوهل لموقع "الحرة".

ويوضح أنه، ومع تصاعد المواجهات الإقليمية واضطرار الولايات المتحدة إلى مواجهة التحديات في أوروبا وآسيا، فإن السؤال يظل مفتوحا أيضا "حول ما إذا كانت واشنطن ستواصل هذا الالتزام المفتوح ضد داعش في الأمد المتوسط أم لا".

"قبلة حياة وانتهاز فرص"

وبحسب ما نقلته "وول ستريت جورنال" عن ضباط في التحالف يحشد داعش قواته في الوقت الحالي في البادية السورية، ويدرب مجندين شبانا ليوجهوا ضرباتهم للتحالف و"قسد" ويستعيدوا "حلم الخلافة".

كما يبني التنظيم صفوفه من خلال تلقين الشباب أفكاره سرا في معسكرات تحتجز الآلاف من زوجات وأطفال مسلحي التنظيم المعتقلين.

واستنادا للواقع المرتبط بالتنظيم يرى الباحث السوري، سعد الشارع، أن داعش "ربما يريد انتهاز الفرصة الحالية.. التي قد لا تتكرر في وقت لاحق".

ولا تخرج تفاصيل "الفرصة" التي يحاول استغلالها الآن عن الوضع الأمني في شمال شرق سوريا وكرة اللهب التي تحيط بسوريا.

ويؤكد على ذلك الباحث في شؤون الجماعات المتشددة، حسن أبو هنية، إذ يقول إن "داعش لديه خبرة طويلة في انتهاز الفرص والظروف الموضوعية".

وكما الحالة التي خيمت على سوريا بعد 2011 "لا تزال الأسباب الجذرية لحالة التطرف والإرهاب موجودة"، وفق قول أبو هنية.

ويضاف إليها غياب الحل السياسي، سواء في سوريا والعراق، وتصدّر قضايا البطالة والطائفية والفقر، وصولا إلى الظرف الإقليمي المتعلق بحرب غزة، وحالة الانشغال الأميركي، والترقب الحاصل بشأن "الرد الإيراني"، ومن جانب ما يسمى بـ"محور المقاومة".

ويتابع أبو هنية: "داعش يشعر الآن بنوع من الراحة، وإذا انزلقت الأمور إلى حرب إقليمية وانسحاب أميركي فإن الحلفاء المحليين لواشنطن سيكونون في وضع صعب".

وقد تكون الظروف الحالية أيضا بمثابة "قبلة حياة جديدة" للتنظيم كما حدث بعد عام 2011، على حد تعبير الباحث في شؤون الجماعات المتشددة.

"قواطع وثغرات"

وكان تنظيم داعش أعلن مسؤوليته عن 153 هجوما في سوريا والعراق خلال الأشهر الستة الأولى من العام.

وفي تعليقات سابقة لـ"فويس أوف أميركا" أشار آرون زيلين، وهو زميل في معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى، إلى أن "ثلثي هجمات داعش في العراق وسوريا تأتي من سوريا".

وأوضح، في يوليو الماضي، أن الوضع على الأرض ربما يكون أكثر خطورة مما تشير إليه الأرقام، لاسيما أنه منذ عام 2020 كان لدى داعش استراتيجية أو سياسة تتمثل في التقليل من التقارير عن مزاعمه في سوريا.

ويوضح الباحث الشارع أن نشاط داعش في البادية السورية يساعده على شن عمليات عسكرية وأمنية بسرعة وبسهولة، وغالبا ما تكون موجعة للطرف الآخر.

ويقول من ناحية أخرى إن البعض من "قواطعه" المنشرة في الجغرافيا السورية "مخترقة" من قبل جهات معينة. وربما تستطيع هذه الجهات استخدام الشخصيات الأمنية فيها لتوجيه عمليات ضد أهداف بعينها.

وبوجهة نظر الباحث أبو هنية يبدو أن التنظيم يراهن على "انسحاب أميركي من سوريا"، وفي حال حدوث ذلك "سيكون الأمر بمثابة هدية كبرى له".

ويقول إنه "يعيد الهيكلة وينظم صفوفه في تصاعد محسوب، ووفق براغماتية، مما يزيد من قدرته على الاستقطاب والتجنيد ومن ثم تنفيذ العمليات".

كما يؤكد الباحث أبو هنية أن "الظروف التي تخيم على المنطقة الآن تخدم ما حدث بعد 2011".

وفي حين أن "ورقة داعش قوية ومتوقعة وقت يسحبها التنظيم في أي وقت" يستبعد الباحث الشارع أن يسيطر على مناطق جغرافية كبيرة بعينها.

ومع ذلك يشير إلى أن الأمر يتعلق بالتطورات الأمنية في المنطقة ومؤشرات "الهشاشة الأمنية" على الخارطة العسكرية في سوريا.

وبدوره يعتقد الباحث الأميركي بوهل أن الطريقة الوحيدة للقضاء على داعش بشكل كامل في سوريا هي "التوصل إلى حل سياسي ينهي محركات تجنيده وقدراته على الحفاظ على وجود سري في البلد".