صورة أرشيفية من موقع إحدى العمليات الإرهابية في الصومال- تعبيرية
صورة أرشيفية من موقع إحدى العمليات الإرهابية في الصومال- تعبيرية

لا تبعث الهجمات الإرهابية الأخيرة التي استهدفت كنيسة ومسجدا في بوركينا فاسو، الأحد الماضي، على القلق فقط  من المنعطف الجديد الذي قد تأخذه الهجمات الإرهابية في منطقة الساحل خلال العام الجاري، بل أيضاً في تأكيدها على تواصل المعدلات القياسية للإرهاب المميت في قارة أفريقيا.

الأرقام التي تصدرها مختلف الهيئات والمؤسسات الدولية المعنية برصد وتقييم النشاطات الإرهابية تضع دول القارة في مقدمة البؤر التي يستشري فيها خطر الإرهاب، ويكبد مجتمعاتها نسبا مضاعفة من الخسائر كل عام.

قد لا يتصور أحد قبل بضع سنوات فقط، حين كان تنظيم داعش يسيطر على مساحات شاسعة في العراق وسوريا، أن يزيح الإرهاب الناشئ في إفريقيا كل دول الشرق الأوسط وآسيا من صدارة البؤر الموبوءة بالإرهاب، وتتحول الجماعات المرتبطة بداعش والقاعدة في إفريقيا من مجموعات معزولة في صحاري الساحل وأدغال وسط وغرب إفريقيا إلى تنظيمات فتاكة، تَوسع نفوذها في ظرف وجيز، وتتجاوز حصيلة الخسائر التي تخلفها تلك التي تُسجل في العراق وسوريا واليمن حيث المعاقل التاريخية للتطرف العنيف.

لغة الأرقام تدل على أن معضلة الإرهاب في إفريقيا آخذة في التفاقم بشكل مهول، فقد خلصت دراسة معمقة نشرها المعهد الدولي لمكافحة الإرهاب (ICT) في ديسمبر الماضي أن عدد الوفيات الناجمة عن الإرهاب في منطقة الساحل جنوب الصحراء في 2022 يفوق عدد الوفيات الناجمة عن الإرهاب في جنوب آسيا والشرق الأوسط وشمال أفريقيا مجتمعة، وأن أعمال العنف المرتبطة بالجماعات الإسلامية المتشددة في أفريقيا زادت بشكل حاد، بنسبة 22% خلال عام 2022 في رقم قياسي ضاعف ما تم تسجيله في 2019.

وشكلت نسبة الوفيات في منطقة الساحل 43% من إجمالي الوفيات الناتجة عن الإرهاب في العالم كله عام 2022. وكانت هذه النسب في 2007 لا تتعدى 1% فقط.

وأظهرت الأرقام أن معدلات الإرهاب في منطقة الساحل فقط زادت بنسبة 2000% في الـ15 سنة الماضية. وهذه الأرقام لا تغطي المناطق الأخرى الملتهبة التي يمارس فيها داعش عمليات القتل، لا سيما في شرق الكونغو وموزمبيق ونيجيريا.

ورغم الارتفاع الحاد في هذه الأرقام،  إلا أنه لا يبدو أنها بلغت ذروتها بعد، فحتى الآن لا تزال نسب العمليات تواصل الارتفاع ومعدلات الفتك في تصاعد. وقد أظهر تقرير نشره "مركز إفريقيا للدراسات الإستراتيجية" أن عدد القتلى على يد الجماعات الإسلامية المتشددة في أفريقيا بلغ 22288 قتيلًا في عام 2023.

يمثل هذا الرقم زيادة بنسبة 48% مقارنة بعام 2022 الذي شهد 15024 حالة قتل، وهو معدل كسر الرقم القياسي المسجل في 2015 الذي بلغ 20562.

تجدر الإشارة إلى أن 80% من هذه الوفيات سجلت في منطقتي الساحل والصومال.

ففي الصومال ارتفع معدل الوفيات الناجمة عن أنشطة حركة الشباب وحدها عام 2023 بنسبة 157% مقارنة بـ 2022، وهي الزيادة التي لم تسجل في الصومال منذ 17 عاماً.

مراقبة بؤر التوتر في أفريقيا خلال يناير وفبراير هذا العام، تكشف عن زيادات صادمة في معدل الهجمات الإرهابية، ما يعطي مؤشرا أولياً عن الحصيلة المتوقعة في نهاية 2024.

وسجل مرصد "الأزهر لمكافحة التطرف" ارتفاعاً في نسبة العمليات الإرهابية خلال يناير الماضي مقارنة بديسمبر 2023 بنسبة بلغت 24%. وتصدّرت الصومال الدول التي شهدت نشاطاً متزايداً للإرهاب منذ بداية هذا العام، ثم دول الساحل والكونغو وغرب أفريقيا على التوالي.

لا يغطي تقرير المرصد شهر فبراير، لكن بوسع أي مراقب للنشاط الإرهابي في أفريقيا ملاحظة أن نسب العمليات في تصاعد مطرد موازاة مع ارتفاع معدلات الفتك أيضا، ولعل الهجومين اللذين استهدفا مسجدا شرقيّ بوركينافاسو وكنيسة في شمالها الأحد الماضي وأوقعها عشرات القتلى والجرحى دليل على هذا الارتفاع. وتأتي هاتان العمليتان  لتعززا موقع منطقة الساحل كأكبر مسرح لقي فيه المدنيون حتفهم في السنوات الثلاث الأخيرة، بحسب دراسة للمركز الأفريقي للدراسات الإستراتيجية.

كل المعطيات تشير إلى أن العام الجاري سيكون عاماً دموياً في أفريقيا؛ فالعمليات ضد "حركة الشباب" في الصومال مستمرة، وقد تصل إلى المرحلة التي يتم فيها اكتساح معاقلها في جنوب البلاد، ما يعني استماتة الحركة في الدفاع عن مواقعها وتصعيد ضرباتها في ولايات وسط الصومال وفي العاصمة مقديشو كذلك، وربما نقل جزء من قواتها إلى الشمال لفتح جبهات جديدة.

التصعيد في هذا البلد الغارق في الفوضى سيكون مدفوعا بعاملين رئيسين، أولهما  انسحاب البعثة الافريقية (أتميس)، المقرر نهاية العام الجاري، وما سيتبع ذلك من فراغ أمني وضغط أقل تأثيرا على مسلحي الحركة، مع احتمال رجوعهم للسيطرة على المدن والبلدات التي انسحبوا منها منذ بدء الحملة العسكرية الحكومية في أغسطس 2022 .

وثانيهما، الاتفاق الموقع بين إثيوبيا وحكومة إقليم أرض الصومال (صوماليلاند) القاضي بمنح إثيوبيا منفذا إلى البحر يمر عبر أراضي الإقليم، وهو ما اعتبرته "حركة الشباب" وداعش احتلالاً إثيوبيا للصومال، وقد يؤدي ذلك إلى ازدهار نشاط داعش و"الشباب" في شمال البلاد، وتوظيف غضب القبائل هناك لصالح مخططاتهما.

في الساحل أيضاً لا يبدو أن ثمة حلا يلوح في الأفق، إذ تتوسع المساحات التي تسيطر عليها الجماعات المحسوبة على داعش والقاعدة بشكل ملحوظ. وفي ظل غياب إستراتيجية دولية ناجعة لإسناد الحكومات المحلية، فإن خطر سقوطها في قبضة الجماعات المسلحة يظل واردا.

رغم تدريبه لسنوات.. لا يزال الجيش الصومالي غير جاهز لاستلام الملف الأمني في البلاد
حركة الشباب الصومالية.. متشددون على "نهج المافيا" يبحثون عن "خلافة"
يسيطر المتشددون الصوماليون حاليا على نحو 70 في المئة من جنوب ووسط الصومال، وفقا لصحيفة "واشنطن بوست"، وبينما تحكم الحكومة الهشة مقديشو وعواصم المقاطعات، تشرف حركة الشباب ومقاتلوها الذين يتراوح عددهم بين 5000 و7000 مقاتل على جزء كبير من الريف.

السودان من جهته ومع مرور كل يوم دون وقف للحرب المستعرة بين الجيش  وقوات الدعم السريع يتحول إلى غنيمة باردة في أيدي الجماعات المتشددة المتربصة بلحظة التدخل المناسبة، فالمزاج العام المحبط من العسكر والميليشيات والمبادرات السياسية الفاشلة بات مهيئاً لاحتضان منقذ يلعب دور المخلّص.

الحرب في قطاع غزة الفلسطيني، أيضاً تلقي بظلالها على الأوضاع في أفريقيا، وتحت شعار "الدفاع عن غزة" أطلق تنظيم داعش زخماً من العمليات الكثيفة في أفريقيا بدعوة من ناطقه الرسمي "أبو حذيفة الأنصاري".

وكبدت هذه العمليات المجتمعات المحلية وقوى الأمن خسائر فادحة في الأرواح والممتلكات، ولطالما شكلت الأحداث في فلسطين حافزا لشن هجمات في كل أنحاء العالم، واستمرار الحرب في غزة لا شك سيكون له تأثير على نشاط الجماعات المسلحة في أفريقيا التي دأبت على استعمال القضية الفلسطينية في إصداراتها الدعائية لتوجيه غضب أنصارها وأتباعها نحو أهداف محلية. 

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

اعتمد رجال الدين في نظام طالبان أحد "أكثر تفسيرات الشريعة تشددا"
اعتمد رجال الدين في نظام طالبان أحد "أكثر تفسيرات الشريعة تشددا"

ثلاث سنوات من حكم طالبان لأفغانستان كانت كفيلة بـ"جر البلاد لعزلة دولية، وتعميق الأزمات الداخلية، وتغذية التطرف وقمع الحريات، وفرض تفسيرات دينية متشددة موجهة ضد النساء بشكل كبير"، حسبما يجمع مختصون تحدث معهم موقع "الحرة".

والأربعاء، بدأت سلطات طالبان إحياء الذكرى الثالثة لعودتها إلى السلطة في قاعدة باغرام الجوية الأميركية السابقة، حيث قال رئيس الوزراء، حسن أخوند، في كلمة ألقاها رئيس مكتبه إن على البلاد "الإبقاء على حكم الشريعة الإسلامية".

دولة طالبان "الثانية"

في 15 أغسطس 2021، سيطر مقاتلو طالبان على العاصمة الأفغانية كابل بعد انهيار الحكومة المدعومة من واشنطن وفرار قادتها إلى المنفى، وذلك بعد خوض الحركة تمردا مسلحا استمر 20 عاما.

وفي عام 1996 وصلت طالبان إلى الحكم في أفغانستان للمرة الأولى، وامتدت فترة حكمها إلى عام 2001.

ويشير الباحث في شؤون الحركات المتطرفة، منير أديب، إلى أن طالبان منذ استيلائها على الحكم للمرة الثانية في أفغانستان وهي تمارس "التضييق على هامش الحريات، فضلا عن موقفها المتشدد من المرأة الذي لم يتغير".

وطالبان حركة "متشددة" على مستوى الأفكار والممارسات، ولم تغير مواقفها تجاه الحريات العامة والمرأة، ولذلك منعت النساء من العمل والدراسة حتى على مستوى الطالبات "صغار السن"، وتطمس صورة السيدات في الإعلانات واللوحات الإرشادية على الطرقات، حسبما يوضح لموقع "الحرة".

ويؤكد أن طالبان "تدعم الحركات الأكثر تطرفا، وتحتضن تنظيمات على غرار تنظيم القاعدة العابر للقارات والحدود"، وبالتالي فالحركة "المتشددة" لم تغير مواقفها على الإطلاق.

ما علاقة "الشريعة الإسلامية"؟

يعتمد رجال الدين في نظام طالبان أحد "أكثر تفسيرات الشريعة تشددا"، بما في ذلك عقوبات الإعدام والعقوبات الجسدية، وفقا لمراقبين.

وخلال السنوات الثلاث التي أعقبت عودتها إلى السلطة، عززت طالبان قبضتها على البلاد، وضاعفت الإجراءات الهادفة إلى القضاء على "حرية النساء".

وأغلقت طالبان أمام النساء أبواب الثانويات ثم الجامعات، وكذلك المنتزهات وصالات الرياضة والحمامات، في سياسة وصفتها الأمم المتحدة بأنها "فصل عنصري بين الجنسين".

وفي الفترة الفاصلة بين حكمي طالبان، كانت "الفتيات مخولات ارتياد المدارس وتسنى للنساء إيجاد فرص عمل في كل القطاعات".

وفي الوقت الحالي فإن أفغانستان هي الدولة الوحيدة في العالم التي "تحظر على الفتيات إكمال الدراسة بعد التعليم الابتدائي".

وتفرض طالبان قوانين تستند إلى "تفسيرها الصارم للشريعة الإسلامية".

لكن المدير السابق لإدارة الدعوة بمجمع البحوث الإسلامية، عبد العزيز النجار، ينفي ارتباط الإجراءات التي تتخذها طالبان والقوانين التي تفرضها الحركة بـ"الشريعة الإسلامية".

والجماعات والحركات المتطرفة والمتشددة على غرار "داعش والقاعدة وطالبان"، تستند إلى فتاوى "قديمة كانت تناسب عصرا معينا ولا تنطبق على عصرنا هذا"، وفق حديثه لموقع "الحرة".

ويوضح أن "الفتاوى اجتهاد بشري تتغير بتغير الزمان والمكان، وليست شريعة إسلامية، ولا يوجد في الدين ما يمنع عمل وتعليم النساء".

وبالتالي "لا يجوز تعميم الفتاوى" التي تمثل فهم العلماء للدين في عصر معين واعتبار أنها "شريعة" يجب أن يطبقها الجميع، حسبما يؤكد النجار.

ويشدد على أن الدين الإسلامي "لا يمنع المرأة من الحياة، ولا يحرم ولا يجرم تعليم النساء أو عملهن"، حسبما يوضح لموقع "الحرة".

ويتحدث عن "وجوب تعليم" المرأة في الإسلام، من أجل نهضة المجتمع، وحرمانها من ذلك هو "تعطيل لمسيرة بناء الأمم".

وعمل المرأة من عدمه يرتبط برغبتها فقط "لأن الإسلام لا يمنع النساء عن العمل"، وفق مدير إدارة الدعوة بمجمع البحوث الإسلامية السابق.

ويؤكد النجار "أن من يمنع تعليم وعمل المرأة، يسيء للدين وينفر الناس منه، ويخالف وصية النبي محمد، عندما قال: (استوصوا بالنساء خيرا)".

ماذا جنت أفغانستان؟

بعد ثلاث سنوات على عودة طالبان إلى الحكم، تعاني أفغانستان "ركودا اقتصاديا كاملا"، فيما يغرق سكانها في الفقر وسط أزمة إنسانية متفاقمة، بدون أمل في تحسن الأوضاع في المستقبل المنظور، وفق خبراء.

وشهد الناتج المحلي الإجمالي الأفغاني انكماشا حادا بنسبة 26 في المئة في 2021 و2022 بحسب البنك الدولي الذي حذر بأن "النمو سيكون بمستوى الصفر للسنوات الثلاث المقبلة وستتراجع العائدات للفرد تحت الضغط الديموغرافي".

ومع عدم اعتراف أي دولة بحكومة طالبان، توقفت المساعدات الإنمائية، وانهارت المساعدات الإنسانية بحيث بات ثلث سكان أفغانستان البالغ عددهم 45 مليون نسمة يعيشون على الخبز والشاي، في ظل انتشار البطالة.

وحذّر بيان مشترك صادر عن منظمات دولية غير حكومية، من تزايد النقص في المساعدات، مع وجود 23.7 مليون شخص في حاجة إلى مساعدات إنسانية.

ويرى أديب أن "أفغانستان لم ينالها سوى وضع اقتصادي صعب ومتدهور، وعزلة دولية، وأزمات حقيقية تمس المواطن الأفغاني من رجال أو نساء أو حتى بعض الأقليات الدينية والعرقية".

والجميع "يعاني معاناة حقيقية من وجود حركة طالبان التي تدعي أنها تحكم بالشريعة الإسلامية لكن هذا الادعاء غير صحيح، فالحركة لا تحكم بالإسلام لكن بما يؤمنون به من تصور ديني"، وفق الباحث بشؤون الجماعات المتطرفة.

وتملك أفغانستان ثروات معدنية وإمكانات زراعية هائلة، لكنها تعاني هجرة الأدمغة وضعف بالبنى التحتية وانقطاع الخبرات الأجنبية ومصادر التمويل.