عناصر من القاعدة في مدينة شبوة في اليمن، أرشيف
عناصر من القاعدة في مدينة شبوة في اليمن، أرشيف

قبل عقد ونصف كان تنظيم القاعدة في اليمن يُعد الفرع الأخطر والأقوى للتنظيم على الإطلاق، وقد راهن عليه مؤسسوه في تحقيق أهداف التنظيم الكبرى وإنجاز أجندته سواء في " جزيرة العرب" النطاق الجغرافي الذي يعتبر حجر الزاوية في مشروع القاعدة أو في "العمل الخارجي" الذي قررت القيادة العامة إحالة خططه على الفرع اليمني أيضا.

في السنوات الأخيرة تراجعت قوة القاعدة- اليمن بشكل كبير وخسر معظم قواته وانحسر نطاق سيطرته إلى جيوب نائية في بعض المحافظات، مستغلاً علاقاته القبلية وطبيعة التضاريس الوعرة من أجل الحفاظ على الحد الأدنى من وجوده ونشاطه.

ويأتي الإعلان عن وفاة زعيمه خالد باطرفي، الأحد الماضي، ليكرس أزماته ويقوّض مزيداً من فعاليته.

وقد أدت عوامل عدة إلى انفراط عقد التنظيم، نتطرق إلى أهمها في هذا التقرير.

 

1- سياسة الاغتيالات

ربما لم تنجح سياسة الاغتيالات الممنهجة التي تشرف عليها المخابرات الأميريكية كما نجحت في اليمن ووزيرستان؛ المنطقة الحدودية بين باكستان وأفغانستان، حيث قتل كبار قادة الصف الأول في القاعدة.

شهدت اليمن أول غارة لطائرة دون طيار تسفر عن تحييد قائد بارز في القاعدة، كان ذلك في 3 نوفمبر 2002 عندما أدت الغارة لمقتل "أبو علي الحارثي" قائد القاعدة في اليمن حينها والمسؤول عن تفجير المدمرة الأميركية "USS Cole" في خليج عدن (أكتوبر 2000).

وبعد إعادة دمج فرعي القاعدة في اليمن والسعودية عام 2009 وتحوّل الفرع اليمني إلى أكبر تهديد للأمن العالمي، أطلقت الولايات المتحدة حملة اغتيالات واسعة النطاق ضد نشطاء القاعدة في اليمن.

على مدار العقد الماضي تم تحييد معظم قادة القاعدة في اليمن بواسطة طائرات من دون طيار، وهم على التوالي: أنور العولقي في سبتمبر 2011، سعيد الشهري في يونيو 2013، حارث النظاري في فبراير 2015، إبراهيم الربيش في أبريل 2015، نصر الآنسي في مايو 2015، ناصر الوحيشي في يونيو 2015، جلال بلعيدي في فبراير 2016،  وقاسم الريمي في يناير 2020.

إلى جانب هؤلاء، تم أيضاً استهداف شخصيات كان لها دور كبير في الدفع بالفرع اليمني إلى صدارة الاهتمام العالمي وصناعة اسمه كأخطر تنظيم إرهابي حينها، مثل السعودي إبراهيم حسن عسيري مبتكر القنبلة الخفية، التي استعملتها القاعدة في محاولة اغتيال محمد بن نايف مساعد وزير الداخلية السعودي عام 2009، ومحاولة إسقاط طائرة متجهة من أمستردام إلى ديترويت في العام نفسه، وعملية الطرود المفخخة في 2010.

بالإضافة لسمير خان، الشاب الباكستاني الذي أسس مجلة "Inspire" المشهورة، وتولى تحريرها وإخراجها الفني، وعشرات القادة الميدانيين الذين قضوا في عمليات قصف مركزة بواسطة طائرات دون طيار، وأدى تحييدهم إلى تقويض قدرات التنظيم والحد من خطورته.

 

2- التصدعات الداخلية

بدا الفرع اليمني للقاعدة متماسكا منذ تأسيسه، ولم يكن الانقسام الداخلي ضمن حسابات قادته الذين استمدوا شرعيتهم من علاقاتهم الشخصية بأسامة بن لادن، كما تجنب شرعيوه الدخول في متاهة "المسائل العقدية" التي تثير الجدل عادة داخل الجماعات الإرهابية، لكن القاعدة في اليمن دخلت محطة الانقسام من بوابة غير متوقعة.

إثر تفاقم عمليات الاغتيال التي استهدفت معظم قادته الكبار، أطلق التنظيم حملة أمنية ضد من يعتبرهم جواسيس اخترقوا صفوفه وساعدوا المخابرات الدولية في تحديد أماكن زعمائه وزرع الشرائح الإلكترونية التي تعتمد عليها طائرات الدرون في غاراتها الجوية.

أسفرت الحملة الأمنية عن اعتقال وإعدام عشرات العناصر المتهمين بالتجسس، كان من بينهم "أبو مريم الأزدي" الكاتب المشهور في المنتديات الجهادية، وفياض الحضرمي المسؤول الأمني الميداني، وعضو "كتيبة الاستشهاديين" التي أسسها "أبو مصعب الزرقاوي" في العراق، وعبد الله باوزير المعروف بـ"سعيد شقرة" رئيس اللجنة المالية في التنظيم وغيرهم.

هذه الإعدامات أثارت حفيظة قادة كبار في القاعدة، واعتبروها في بيانات وتسجيلات صوتية أصدروها ابتداء من أبريل 2020 "كارثة وفاجعة ارتكبها الفرع اليمني بحجج هي أوهن من بيت العنكبوت.. وتذكر بجرائم دولة البغدادي بحق العلماء والمجاهدين"، وعبروا عن استعدادهم لتأكيد براءة من قتلوا  "بدءا من أسباب القبض ومجريات التحقيق وما يسمى بالقرائن إلى المحاكمات الصورية الخالية من كل الضمانات العدلية".

بعد سلسلة من المراسلات وجلسات الحوار، ومطالبة أيمن الظواهري بالتدخل، ومناشدة شيوخ التيار الجهادي بفتح تحقيق والإشراف على محاكمات مستقلة بين طرفي النزاع، وصلت الخلافات إلى طريق مسدود، فقام على أثرها مئات من عناصر وكوادر القاعدة بالانشقاق، بعدما اكتفوا سابقا بتعليق عملهم في التنظيم إلى حين استلام رد أيمن الظواهري. وكان من أبرز هؤلاء: "أبو عمر النهدي أحد شرعيي التنظيم وأمير مدينة المكلا إبان سيطرته عليها، والقائد العسكري منصور الحضرمي، ومصعب الشرقي وحسان القصيمي وعزام الإبي وحسين قروش العدني وأبو داوود الشروري، وعزام الحوطي وغيرهم".

أثرت الانشقاقات بشكل كبير على التنظيم، كما توترت العلاقة بينه وبين بعض القبائل بسبب الإعدامات التي نفذها وطالت عددا من أبنائها، وأشاعت الحملة الأمنية أجواءً من التوجس وعدم الثقة داخل التنظيم، تجلى ذلك في تراجع فعالياته وانحسار سيطرته الميدانية.

 

3- عاصفة الحزم وظهور داعش

في بداية عملية "عاصفة الحزم" التي شنها تحالف من 7 دول عربية تقودها المملكة العربية السعودية في 2015 ضد جماعة الحوثي، كانت المؤشرات تقول إن تنظيم القاعدة في اليمن سيكون أكبر المستفيدين.

وشبّه تقرير لوكالة "رويترز" تنظيم القاعدة في اليمن بعد عام من "عاصفة الحزم" بالإمبراطورية الصغيرة التي تجني ملايين الدولارات وقد بات "يحكم الآن دويلة على مرأى ومسمع الجميع وبمخزونات مالية تقدر بنحو 100 مليون دولار جاءت من نهب ودائع بنكية وعائدات إدارة ثالث أكبر موانئ البلاد".

في أبريل 2016 استعاد الجيش اليمني السيطرة على مدينة المكلا، وحرم القاعدة مواردها المالية الضخمة. وتقدمت قوات الجيش اليمني وسيطرت على كثير من معاقل التنظيم الأخرى في حضرموت وشبوة وغيرها.

في غضون ذلك، أفتى شرعيو التنظيم بأن التصدي لجماعة الحوثي يجب أن يكون هو الأولوية على ما سواه من أهداف التنظيم، فألقى التنظيم تبعا لذلك بكل ثقله في المعارك ضد الحوثيين، وعلق في حرب استنزاف بلا نهاية، استنفدت موارده وخسر في جبهاتها عددا كبيرا من مقاتليه. ثم دخل في مواجهات عنيفة مع قوات المجلس الانتقالي الجنوبي في محافظة أبين، وأطلق حملة عسكرية في سبتمبر 2022 بعنوان "سهام الحق" للتصدي لما اعتبره "المشروع الإماراتي الصهيوني في سعيه للسيطرة على باقي مناطق جنوب اليمن لصالح أذنابه من المجلس الانتقالي".

عملية سهام الحق التي أطلقها التنظيم جاءت ردا على حملة سهام الشرق التي أطلقتها قوات الحزام الأمني لتطهير منطقة أبين من المجموعات الإرهابية.

تزامن إطلاق عملية "عاصفة الحزم" مع تمدد تنظيم داعش إلى اليمن، وظهور ولاية داعش فيها، وقد تبع ذلك انحياز جزء من مقاتلي القاعدة إلى داعش، فدخل التنظيمان في تنافس شرس على النفوذ والشرعية، تطور إلى صراع وقتال، خسرت فيه القاعدة عشرات العناصر، وخرجت منه منهكة و مستنزفة.

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

رجل فلسطيني يقف وسط الأضرار الناجمة عن الحريق، في أعقاب هجوم المستوطنين الإسرائيليين على قرية دوما في الضفة الغربية
مقتل فتى إسرائيلي أثار ردود فعل انتقامية واسعة النطاق من جانب مستوطنين

أعلنت وزارة الخزانة الأميركية في بيان، الجمعة، فرض عقوبات على كيانين قالت إنهما ساعدا في جمع أموال لصالح اثنين من المستوطنين المتطرفين نفذا أعمال عنف في الضفة الغربية.

والرجلان هما ينون ليفي وديفيد شاي شاسداي، وفرضت الولايات المتحدة عقوبات منفصلة عليهما في أول فبراير. وقالت الوزارة إن الكيانين جمعا 171 ألف دولار في المجمل لصالح الرجلين.

كما فرض الاتحاد الأوروبي، الجمعة، عقوبات على أربعة مستوطنين إسرائيليين وجماعتين إسرائيليتين "متطرفتين" بسبب أعمال العنف ضد الفلسطينيين في الضفة الغربية والقدس.

وقال مجلس الاتحاد الأوروبي، المؤسسة التي تمثل الدول الأعضاء الـ27، إن الأفراد والكيانات الخاضعين لهذه العقوبات "مسؤولون عن انتهاكات خطيرة لحقوق الإنسان ضد الفلسطينيين". 

والإثنين، أعلنت وزارة الصحة الفلسطينية أن فلسطينيين قُتلا بالرصاص في شمال الضفة الغربية إثر مواجهات مع مستوطنين إسرائيليين.

من جهته، أفاد الجيش الإسرائيلي بوقوع "اشتباك عنيف بين مدنيين إسرائيليين وفلسطينيين" في هذه القرية.

وأثار مقتل الفتى الإسرائيلي بنيامين أحيمئير (14 عاماً) في ظروف غامضة في الضفة الغربية مطلع الأسبوع ردود فعل انتقامية واسعة النطاق من جانب مستوطنين هاجموا القرى وأشعلوا النار في منازل فلسطينيين وسياراتهم خلال عطلة نهاية الأسبوع، ما أسفر عن مقتل شخصين على الأقل.

ودانت باريس ولندن أعمال العنف التي ارتكبها مستوطنون ضد مدنيين فلسطينيين في الضفة الغربية.

وجاء في بيان الخارجية الفرنسية أن فرنسا "تدين جريمة قتل" الفتى الإسرائيلي، لافتة إلى أن هذه الجريمة "لا تبرر بأي شكل من الأشكال أعمال العنف هذه".

وجاء في بيان لوزارة الخارجية البريطانية أنّ "المملكة المتحدة قلقة إزاء مستويات العنف المروّعة في الضفة الغربية المحتلة" والتي أثارها "القتل المروّع" للفتى الإسرائيلي بنيامين أحيمئير.

ودعت المملكة المتحدة مساء الثلاثاء إلى وضع حد للعنف "غير المقبول" الذي يرتكبه مستوطنون إسرائيليون في الضفة الغربية المحتلة ضد مدنيين فلسطينيين والذي أوقع أربعة قتلى، مطالبة الدولة العبرية بمحاكمة المسؤولين عنه.