تخطط الولايات المتحدة الأميركية لفرض عقوبات على كتيبة "نتساح يهودا" الإسرائيلية.

تترقب دوائر صُنع القرار في إسرائيل العقوبات الأميركية المتوقع أن تفرضها إدارة الرئيس جو بادين ضد كتيبة "نتساح يهودا" الإسرائيلية بسبب اتهامها بالتورط في جرائم ضد المدنيين الفلسطينيين في الضفة الغربية.

العقوبات الأميركية المُنتظرة تشمل عدم تزويد الكتيبة بأسلحة أميركية وعدم السماح لها بالمشاركة في أي تدريبات مشتركة تجري مع إسرائيل.

تأتي هذه العقوبات في وقتٍ قدّمت فيه الإدارة الأميركية تأييداً كبيراً لإسرائيل خلال حربها في غزة، في الأمم المتحدة، أعاقت تمرير قرار يدعو لمنح فلسطين العضوية الكاملة، وعسكرياً وافَق الكونجرس على حزمة مساعدات ضخمة بقيمة 26.4 مليار دولار لدعم الجيش الإسرائيلي في حربه داخل قطاع غزة منذ أكتوبر الماضي.

على جانبٍ آخر أبدت واشنطن ضيقاً مستمراً من سماح تل أبيب لليمينيين بإيذاء الفلسطينيين، سواءً أكانوا مستوطنين يهاجمون القرى الفلسطينية في الضفة الغربية أو "وحدات متدينة" داخل الجيش.

وسبق وأن فرضت الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي عقوبات ضد عددٍ من المستوطنين الإسرائيليين مثل بنزي جوبشتاين زعيم منظومة "لاهافا" الاستيطانية، وأيضاً على ناشطين يمينيين مثل مئير إيتنغر وإليشا ييريد اللذين يقودان مجموعة "هيلتوب يوث"، والمستوطن نيريا بن بازي المتورط في تنفيذ أعمال عنفٍ ضد الفلسطينيين في الضفة.

 

كتيبة المتدينين

في عام 1999، أنشئت كتيبة "نتساح يهودا" في محاولة لدمج المتدينين في صفوف الجيش الإسرائيلي عبر إنشاء وحدة خاصة بهم تراعي خصوصيتهم عن باقي الشباب الإسرائيلي. 

هؤلاء الشباب المتدينون يخضعون لبرنامجٍ عسكري خاص يسمح لهم بأداء طقوسهم الدينية وتلقي الدروس من الحاخامات، وتناول وجبات طعام محددة، ولا يُسمح للنساء بالانضمام إليهم احتراماً لمعتقداتهم.

تختلف هذه الكتيبة عن غيرها من باقي الكتائب الإسرائيلية في أن الحاخامات يُسمح لهم بلعب دور أساسي لا يقل محورية عن دور قائد الكتيبة، فالحاخام موجود دائماً خلال التدريبات، يحضر حفلات التخرّج ويُشرف بشكلٍ مباشر على الطعام المُقدَّم إلى الجنود للتأكد من أنه لا يُخالف الشريعة اليهودية.

الحاخام شاؤول أفديل الذي يرافق جنود "نتساح يهودا" في ثكناتهم عبّر عن طبيعة عمله في هذه الكتيبة المتدينة قائلاً: "السيف والتوراة يسيران معاً، يدٌ تمسك بالتوراة، وأخرى تقاتل من أجل مستقبل إسرائيل".

أغلب الجنود يرتدون القبعات الصغيرة (الكيباه) بدلاً من القبعة العسكرية الرسمية، ولا يُكلفون بأي مهام يوم السبت.

ومع اندلاع الحرب، استعان القادة الإسرائيليون بكتيبة "نتساح يهودا" في المعارك داخل حي بيت حانون شمال قطاع غزة، ومع تتالي الانتقادات الموجهة إليها حرص يوآف غالانت وزير الدفاع الإسرائيلي على زيارة مقر الكتيبة والتحدّث مباشرة إلى مقاتليها.

قال غالانت للجنود: "الأخطاء تحدث حيثما يُوجد نشاط عسكري، حقيقة أن جندياً أو اثنين فعلوا شيئاً خاطئاً لا يُلقي باللوم على القوة كلها، ولن يعلّمنا أحد في العالم ما هي الأخلاق".

 

سجل طويل من الانتهاكات

لم تكن هذه المرة الأولى التي تثير فيها سلوكيات الكتيبة اليمينية الجدل. ففي 2022، اعتقل بعض أفرادها المواطن الفلسطيني عمار أسد ذا الـ80 عاماً.

توفي العجوز الفلسطيني خلال التحقيق معه، ما أجبر الجيش الإسرائيلي على فتح تحقيق في الحادث انتهى بـ"توبيخ" قائد الكتيبة وطرد قائد قوة الاعتقال بعدما اعتبر أن هذه القوة ارتكبت "فشلاً أخلاقياً وأخطاءً خطيرة أضرّت بكرامة الإنسان".

في العام نفسه، رصد فيديو اعتداء 4 من جنود الكتيبة على مدنيين فلسطينيين بالقرب من رام الله، وهو الحادث الذي أثار امتعاض أفيف كوخافي رئيس أركان الجيش حينها، واعتبرها واقعة "خطيرة للغاية، ومثيرة للاشمئزاز" وأمر بإيقاف الجنود وإحالتهم للتحقيق.

قبل ذلك، وتحديداً في أكتوبر 2019، هاجم 14 جندياً من الكتيبة بعض البدو في النقب، وحينما اشتكى الأهالي للمحكمة العسكرية أدانت تصرفات الجنود.

خلال السنوات الفائتة تعدّدت الوقائع التي أكدت الممارسات المُهينة التي نفّذها أعضاء الكتيبة ضد فلسطينيي الضفة الغربية دون مبرر في أغلب الأحيان، بما فيها تعاونهم -غير الرسمي- مع المستوطنين المتشددين عبر السماح لهم بتنفيذ هجمات ضد القُرى الفلسطينية.

وتمتلك الكتيبة "أعلى معدل إدانة" أمام المحاكم العسكرية في جرائم ارتكاب العنف ضد الفلسطينيين.

وبحسب منظمة "بيش دين" الإسرائيلية الحقوقية فإن 17 جندياً بالكتيبة أدينوا بتهمة ارتكاب جرائم ضد الفلسطينيين من إجمالي 83 جندياً أدينوا بنفس التهمة في جميع وحدات الجيش منذ 2010 حتى العام الماضي.

لُوحق هؤلاء الجنود باتهامات استعمال الوحشية خلال التحقيق مع الفلسطينيين مثل تعريضهم للصدمات الكهربائية، واغتصاب أحد المعتقلين بعقب البندقية.

مثل هذه التصرفات أثارت حفيظة واشنطن. وفي سبتمبر 2022، أعلنت "هآرتس" أن وزارة الخارجية الأميركية بدأت عملية مراجعة شاملة لتصرفات الكتيبة في أعقاب تعدد حوادث تورطها في أعمال عنف ضد المدنيين الفلسطينيين.

عقب الانتقادات الأميركية العلنية لممارسات الكتيبة، نُقلت الكتيبة من الضفة الغربية إلى الجولان ثم تقرر الاستعانة بها خلال حرب غزة.

ورغم رسائل الدعم المتتالية التي تلقتها الكتيبة من رئيس أركان الجيش الإسرائيلي بيني غانتس ووزير الأمن إيتمار بن غفير ورئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، فإن الجناح العلماني في المجتمع الإسرائيلي أبدى سعادته بالعقوبات الأميركية ممثلاً في حزب العمل الذي أعلنت رئيسته وعضو الكنيست ميراف ميخائيلي دعوتها إلى تفكيك تلك الكتيبة، مؤكدة خطأ الاعتماد على "المتدينين" في المواجهات العسكرية.

 

وكتبت ميخائيلي عبر حسابها على موقع التدوينات "أكس: "السلوك العنيف والفاسد للكتيبة معروف منذ سنوات، ولم نفعل أي شيء لوقفه. إن الدفاع عن هذه الكتيبة بوصفها جزءا من قواتنا يُلقي بظلالٍ ثقيلة على صورة الجيش الإسرائيلي بأسره".

واعتبرت النائبة الإسرائيلية أنه لا يجوز للجيش الإسرائيلي إنشاء وحدات عسكرية على أساس أيديولوجي، مؤكدة أن مثل هذه الخطوات تمثّل خطورة على إسرائيل كلها.

 

الحريديم في صفوف الجيش

تأتي هذه العقوبات في وقتٍ تشهد فيه إسرائيل أزمة كبيرة بدأت منذ 2018 حينما ألغت المحكمة الإسرائيلية العُليا قانوناً يجيز إعفاء طلبة المدارس اليهودية التابعة للطائفة الحريدية من التجنيد في الجيش.

ومنذ تأسيس دولة إسرائيل قرّر دافيد بن جوريون رئيس الوزراء آنذاك إعفاء طلبة المدارس الدينية من الخدمة العسكرية من أجل التفرغ لدراساتهم الدينية.

ويعتبر الشباب المتدينون أن دراستهم العميقة للتوراة تلعب دورًا أساسيًا في ترسيخ وجودهم في فلسطين لا يقل أهمية عن العمليات الأمنية التي يخوضها الجيش الإسرائيلي.

اعتبرت المحكمة أن هذا الإعفاء ينتهك مبدأ "المساواة في العبء"، ويتعارض مع القانون الذي يفرض على أي شاب وشابة يهوديين يزيد عُمرهما على 18 عاماً الانضمام للجيش مهما كانت قناعاتهم الدينية.

هذه الدعوة القضائية لم تلقَ قبولاً عند شباب الحريديم الذين خرجوا في تظاهرات رفعوا خلالها لافتة تقول "الموت أفضل من التجنيد"، وأيضاً عند الحكومة الإسرائيلية التي قد تتخوف من أن يخلق تجنيد طلبة المدارس الدينية المزيد من الكتائب المماثلة لنموذج "نيتساح يهودا"، وهو ما عبّرت عنه نحومي يافا أستاذة علم السياسة والاجتماع في جامعة تل أبيب حين أكدت أن السماح بتجنيد المتطرفين بشكلٍ منفصل يعني "إنشاء داعش داخل إسرائيل".

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

صورة تعبيرية من داخل مخيم "الجدعة" الذي يؤوي عائلات عراقية عادت من مخيم "الهول" لإعادة تأهيلها ودمجها في المجتمع
صورة تعبيرية من داخل مخيم "الجدعة" الذي يؤوي عائلات عراقية أُعيدت من مخيم "الهول" لإعادة تأهيلها ودمجها في المجتمع

منذ بداية الحرب على تنظيم داعش الإرهابي في العراق، ولغاية اليوم، تستمر محاولات لمحاربة الفكر المتطرّف والمتشدد، من قِبل منظمات محلية غير حكومية، عبر مبادرات ثقافية وفنية وتوعوية، خصوصاً في المناطق المحررة.

هدف هذه المبادرات هو محو الآثار السلبية التي خلفها داعش في مناطق سيطرته، وإعادة تأهيل ومعالجة أفراد المجتمعات المحلية التي عاشت هناك وشهدت مختلف أنواع الجرائم والانتهاكات التي مارسها.

في المقابل، تؤكد جهات حكومية بين الحين والآخر "حرصها" على إدخال عائلات مسلحي داعش من العراقيين وبقية المواطنين الذين عاشوا تحت سطوته في ظروف صعبة، مراكز للتأهيل وإشراكهم في برامج تأهيل، من أجل إعادة دمجهم اجتماعياً.

وقال مستشار الأمن الوطني العراقي قاسم الأعرجي في بيان (نوفمبر 2023): "نقلنا 11 وجبة بواقع 1567 عائلة من مخيم الهول وأدخلوا إلى مخيم الجدعة لإعادة تأهيلهم، إضافة الى إعادة 900 عائلة عراقية من مخيم الجدعة بعد إكمال التأهيل والإدماج إلى مناطقها الأصلية".

FILE - In this July 4, 2017, file photo, fleeing Iraqi civilians walk past the heavily damaged al-Nuri mosque as Iraqi forces…
العراق و5 قضايا عالقة منذ تحرير الموصل
لا تقتصر تركة التنظيم الإرهابي داخل العراق، على العبوات الناسفة والذخائر، بل تتجاوز ذلك إلى ملفات عالقة كثيرة، بينها ملف إعادة الإعمار وعودة النازحين وإنهاء محاكمة مقاتلي التنظيم، وحلّ معضلة مخيم "الهول" الذي يضم عائلات وأبناء وزوجات "داعش"، من دون أن ننسى خطر الخلايا النائمة للتنظيم التي لا تزال تشكّل تهديداً لأمن العراق والأمن العالمي.

في هذا السياق، يقول أستاذ العلوم السياسية في جامعة "المستنصرية" عصام كاظم الفيلي، لـ"ارفع صوتك": إن تنظيم داعش يمثلّ "امتداداً للفكر المتشدد الذي ربما يكاد يكون موجودا حتى قبل ولادة داعش، لذلك فهو لن ولم ينته".

ومن أسباب استمرار الفكر المتطرّف في العراق، برأي الفيلي، غياب القوانين التي تجرّم الطائفية، ما يعني استمرار الصراعات الطائفية "وشن فئات وجهات (لم يسمّها) الهجوم على طرف آخر دون احترام لخصوصية المذهب والعقيدة لهذا أو ذاك".

في الوقت نفسه، يشير الفيلي إلى أن المناطق المحررة تشهد تغييرات على المستوى الخطابي بالنسبة للسياسيين ورجال الدين المنحدرين منها، بشكل "يسهم في التخفيف من حدة الأفكار المتطرفة والمتشددة خلال المرحلة الحالية".

ويستدرك التأكيد على أهمية البدء من النظام التعليمي للقضاء على الفكر المتطرّف، الذي من خلاله أيضاً يجري بناء روح المواطنة لدى الأفراد.

 

مخيم "الهول"

لعل التحدي الأكبر الذي تواجهه الحكومة العراقية في مجال مواجهة فكر داعش يتمثل في ذوي مقاتليه الذين عاشوا لسنوات في مخيم "الهول" شمال شرق سوريا، الذي يؤوي بحسب منظمات دولية أكثر من 45 ألف نسمة متوزعين على ما يزيد عن  60 جنسية.

ووفق إحصاءات عراقية رسمية صدرت عام 2022، بلغ عدد العراقيين في المخيم 25 ألفاً بينهم 20 ألفاً دون سن 18 عاماً، ويحتاج هؤلاء إلى برامج تأهيلية خاصة تسهم في تخليصهم من فكر داعش.

مدير مكتب العراق في "مؤسسة الجالية الكلدانية" غزوان الياس، يقول لـ"ارفع صوتك" إن "المشكلة تكمن في الفكر الذي وَلد هذا التنظيم المتشدد ومن الصعوبة أن يُقتلع من جذوره" وهناك "فئات حتى الآن وإن كانت قليلة تحمل هذا الفكر الإرهابي في مخيّلتها، وربما تكون نواة لإنشاء أجيال جديدة تؤمن به" على حدّ تعبيره.

ويبيّن إلياس: "كان من المفترض التوجه إلى خطوات متزامنة مع العلميات العسكرية أو بعد التحرير عبر المناهج التدريبية وندوات ومؤتمرات اجتماعية حقيقية لبناء السلم المجتمعي، والاستفادة من التجارب الدولية المشابهة لما عاناه الشعب العراقي، وكذلك التركيز على مفهوم المواطنة والإنسانية في التعامل بعيداً عن أي اعتبار آخر".

لذلك، يدعو الحكومة العراقية إلى "فرض سلطتها حسب الدستور والقانون لمنع إنتاج مجاميع مماثلة (متطرّفة) تقوّي وتفرض أيديولوجياتها على الوطن والشعب مرة أخرى".

وسجل مؤشر أعداد الوفيات في العراق جراء الإرهاب خلال عام 2023 أقل من مئة حالة وفاة، مقارنة بالأعداد المسجلة عام 2007 حيث بلغت ذروتها بحسب تقرير معهد الاقتصاد والسلام، وانخفض إجمالي الوفيات بنسبة 99% كما انخفضت أعداد الحوادث والعمليات الإرهابية بنسبة 90%.

لكن تبقى خطورة فكر داعش وإمكانية شنه هجمات داخل العراق قائمة بحسب مراقبين للشأن العراقي، لأسباب منها "غياب إستراتيجية حكومية لمواجهة الفكر المتشدد ومعالجته والحد من خطاب الكراهية ضد المكونات الدينية والعرقية، الذي يبرز إلى الواجهة بين الحين والآخر".

من جهته، يعتبر حيدر القريشي، رئيس منظمة "مستقبل الطفل" وهي منظمة عراقية غير حكومية، أن المراهقين والشباب "من أكثر الفئات العمرية عُرضة لخطورة فكر داعش".

ويرى أن "زيادة البرامج الدينية الصحيحة والبرامج التعليمية والترفيهية، أفضل وسيلة للابتعاد عن الفكر الديني المتطرف".