بالأمس، أصدرت المحكمة الجنائية الدولية حُكماً بالإدانة ضد الحسن آغ عبد العزيز القيادي البارز في "الشرطة الإسلامية"، وهي قوة أمن داخلي أسستها جماعة "أنصار الدين" التي نجحت بالتعاون مع "تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي" في السيطرة على تمبكتو عاصمة مالي.
في الفترة بين أبريل 2012 ويناير 2013، نجحت الجماعتان في الاستيلاء على شمالي مالي وارتكبتا عدداً من الفظائع طيلة وجودهما هناك حتى أجبرتهما عملية عسكرية قادتها فرنسا على التنحي عن الحُكم، الأمر الذي مكّن القضاء الدولي من ملاحقة بعض قيادات هاتين الجماعتين.
أعادت هذه القضية وغيرها الحديث حول الدور الذي تستطيع المحكمة الجنائية الدولية لعبه في مكافحة الإرهاب العالمي، وهل تمتلك ما يكفي من صلاحيات للقيام بهذه المهمة أم لا؟
المحكمة الجنائية ومكافحة الإرهاب
بحسب دراسة "محاكم الجرائم ذات الاهتمام الدولي" (20)14 لكومان كيني، فإن تصاعد موجة جرائم التنظيمات الإرهابية مثّل تحدياً كبيراً للقانون الدولي بسبب التساؤلات التي نشأت حول كيفية إجراء ملاحقات قضائية دولية بحقِّ أعضاء التنظيمات الإرهابية وطريقة إنشاء آلية مخصصة لمحاسبتهم.
يقول زرقط عمر في بحثه "اختصاص المحكمة الجنائية الدولية في نظر جرائم الإرهاب الدولي": "في ظل غياب محكمة دولية تختصُّ بمحاكمة مرتكبي الجرائم الإرهابية، فإن مثل هذه العمليات تخضع لاختصاص المحكمة الجنائية الدولية تحت أوصاف قانونية أخرى مثل جريمة الإبادة الجماعية وجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية".
وتضيف الدراسة أن المحكمة الجنائية الدولية كانت الآلية الأمثل لتنفيذ هذه الملاحقات باعتبار أنها أنشئت لتعقب أخطر المجرمين الذين ارتكبوا فظائع استحقت إثارة قلق المجتمع الدولي، إلا أن هذا الحل واجهته عدة عقبات حجّمت كثيراً من سُلطة المحكمة.
تعقيدات قانونية
نظام روما الأساسي الذي وُضع عام 1998 لتحديد طريقة عمل المحكمة لم ينص صراحةً على محاربة الإرهاب، إنما سمح للمحكمة بملاحقة المجرمين الذين ارتكبوا "جرائم ضد الإنسانية" بشرط أن تتلقى طلباً من الدولة التي وقعت فيها الجريمة أو الدولة التي يحمل المجرم جنسيتها أو من مجلس الأمن.
في حالة تنظيم داعش مثلاً، فإن الدول الثلاثة التي تركّز عمله بها؛ سوريا والعراق وليبيا، لم توقّع على نظام روما الأساسي 1998، لذا فإنها غير ملزمة بالتعاون مع المحكمة أو توفير الأدلة لها.
بالتالي فإن "الجنائية الدولية" لا تستطيع مدَّ نطاق ولايتها القضائية إلى أيِّ من أعضاء التنظيم إلا في الحالات التي يحيلها مجلس الأمن للمحكمة، وهي عملية تحتاج إلى "توافق سياسي" حتى لا تعترض عليها أيُّ من الدول الخمس الكبرى باستخدام "الفيتو"، مثلما فعلت روسيا والصين سابقاً حينما أعاقتا مشروع قرار بإحالة النظام السوري إلى المحكمة الجنائية بسبب قمعه الدموي لمعارضيه خلال سنوات الثورة.
أيضاً فإن المدعي العام للمحكمة لا يملك سُلطة للقبض على أيٍّ من المجرمين الذين ينوي محاكمتهم كما لا يستطيع محاكمتهم غيابياً؛ لذا فإنه في حالة عدم مثول المتهمين أمام المحكمة الجنائية لا يكون أمامه إلا إصدار مذكرات اعتقال بحقِّ المطلوبين، منتظراً "تعاون" الدول في ضبط وإحضار المطلوبين وهي عملية تخضع لحسابات سياسية تدفع الحكومات لتنفيذها أو العكس بحسب مصلحتها من الأمر.
بعض الدول تبنّت موقفاً معادياً من المحكمة منذ إنشائها مثل الولايات المتحدة، فعندما أقرّت أقرت الأمم المتحدة "ميثاق روما" وأدخلته حيز التنفيذ أصدر الكونجرس ما عُرف إعلاميًا بقانون "غزو لاهاي"، الذي نصَّ على عدم التعاون مع المحكمة الجنائية الدولية وعدم تقديم أي مساعدات لها بل ومنعها من محاكمة أي مواطن أميركي.
ومثلما فعلت الأردن وجنوب أفريقيا سابقاً حينما رفضتا تسليم الرئيس السوداني عُمر البشير إلى المحكمة خلال حضور فعاليات رسمية بهما رغم صدور مذكرة اعتقال بحقه.
رغم هذه العقبات، فإن المحكمة الجنائية استطاعت في بعض الحالات استكمال الطريق حتى نهايته ونجحت في إخضاع عددٍ من الإرهابيين إلى المحاكمة.
الحسن والمهدي وإياد – "أنصار الدين"
وفق مستندات الدعوى، فإن الحسن آغ عبدالعزيز استغلَّ منصبه في "الشرطة الإسلامية" لارتكاب فظائع ضد السكان المحليين في تمبكتو وما حولها من مناطق بدعوى الحفاظ على الأمن.
وبعد 6 سنوات من نظر القضية استمعت خلالها المحكمة لشهادة 52 ضحية واستعرضت مئات الأدلة، تأكد قضاة المحكمة من تورط القيادي الإسلامي في انتهاكات مروّعة بحقِّ السكان، شملت التعذيب والإشراف على عمليات بتر أعضاء وجلد عقابية ضد المعارضين لحُكم الجماعات المتطرفة.
بهذه الإدانة لقي الحسن مصير أحمد الفقي المهدي زميله في "أنصار الدين" الذي تعرّض للإيقاف في 2015 وأدين في أكتوبر 2017 بتهمة تفجير 10 معالم أثرية إسلامية في مالي (9 أضرحة وجزء من مسجد سيدي يحيى) بدعوى أنها من "المنكرات".
أيضاً منذ عدة أيام أصدرت المحكمة الجنائية مذكرة اعتقال بحق إياد آغ غالي زعيم تنظيم "أنصار الدين" بشأن تورطه في ارتكاب "جرائم ضد الإنسانية" في مالي خلال سيطرة الإسلاميين عليها.
إياد المولود في مالي ينحدر من قبائل الطوارق، ونجح في توحيد العمل بين تنظيم القاعدة وفصائل إسلامية أخرى تحت قيادته، الأمر الذي سمح لرجاله بالسيطرة على شمال مالي وحُكم هذه المناطق وفق تفسيرٍ متشدد للشريعة الإسلامية، وحتى الآن لم ينجح أحد في العثور عليه رغم طلب المحكمة الجنائية من الدول معاونتها في القبض عليه وتسليمه لها حتى تتمكن من الشروع في محاكمته.
محمد سعيد عبدالغني - ميليشيا سيليكا
في سبتمبر 2022 مثل القيادي السابق في ميليشيا "سيليكا" أمام القضاة لمحاكمته على أعمال العنف التي ارتكبها ضد سكان بانغي عاصمة جمهورية أفريقيا الوسطى.
وشهد 2013 اقتحام ميليشيا "سيليكا" ذات الأغلبية المسلمة العاصمة، حيث هاجموا مراكز الشرطة والقواعد العسكرية ودخلوا في اشتباكات عنيفة ضد ميليشيا "أنتي بالاكا" ذات الأغلبية المسيحية.
شهدت هذه الاشتباكات تنفيذ جنود "سيليكا" عمليات تعذيب واغتصاب جماعي ونهب للمنازل وتنكيل بالمعتقلين خلال فترة سيطرتهم على بانغي.
وتتهم مذكرة التوقيف عبد الغني بارتكاب جرائم ضد الإنسانية مثل التعذيب والاضطهاد الديني والاختفاء القسري.
صدر الأمر ضد سعيد منذ 2019 إلا أن المحكمة الدولية لم تتسلمه إلا في يناير 2021، وفي الشهر ذاته مثَل أمام القاضي خلال جلسة تمهيدية وفي سبتمبر 2022 بدأت المحاكمة ولا تزال مستمرة حتى هذه اللحظة.
علي كوشيب - الجنجويد
علي محمد عبدالرحمن هو قائد ميليشيا "الجنجويد" المتهمة بتنفيذ عمليات "تطهير عرقي" 2003 خلال دعمها لجهود الجيش السوداني في حربه ضد الفصائل المعارضة له في دارفور.
منذ 2007 نشرت المحكمة الجنائية أول مذكرة توقيف بحقه أتبعها مذكرة ثانية تضمنت 31 تهمة مرتبطة بالاغتصاب والاضطهاد والتعذيب وتدمير الممتلكات والقتل الجماعي، رغم ذلك ظلت محاكمته مؤجلة بسبب عدم إمكانية تسليمه للمحكمة.
في 2020 تمكنت قوات حفظ السلام العاملة في جمهورية أفريقيا الوسطى من القبض على كوشيب وتسليمه إلى المحكمة التي مثل أمامها للمرة الأولى في يونيو من هذا العام، ولا تزال محاكمته مستمرة حتى الآن.
الاتهامات الموجّهة إلى كوشيب تُلاحق أيضاً عدداً آخر من المسؤولين السودانيين لم يتسنَ محاكمتهم بعد بسبب عدم تسليمهم إلى المحكمة الدولية، أبرزهم: عمر البشر الرئيس السوداني الأسبق، وأحمد هارون وزير الدولة للشؤون الاجتماعي وعبدالرحيم محمد حسين وزير الدفاع السابق وجميعهم محتجزون لدى السلطات السودانية.
هذه القضية شهدت حالة نادرة لم تحدث من قبل خلال محاكمة بحر أبو قردة القائد السابق في حركة العدل والمساواة التي اتبعت سياسة معارضة لنظام البشير في دارفور.
عندما اتّهمت المحكمة الدولية أبو قردة بالوقوف وراء هجوم ضد بعثة الاتحاد الأفريقي عن السودان أسفر عن مقتل 12 فرداً أعلن براءته من هذا الاتهام وسافر طوعاً إلى لاهاي لحضور المحاكمات التي قضت ببراءته بسبب عدم كفاية الأدلة. بعكس زميله عبد الله باندا قائد حركة "العدل والمساواة" الذي أكد القضاة الاتهامات الموجهة إليه، إلا أنه لم يُحاكم بسبب رفضه المثول أمامهم.
