تسببت مسائل فقهية دقيقة في خلافات قوية بين أتباع المذهبين الحنفي والشافعي وصلت إلى حد المواجهات أحيانا.
تسببت مسائل فقهية دقيقة في خلافات قوية بين أتباع المذهبين الحنفي والشافعي وصلت إلى حد المواجهات أحيانا.

عرف العالم الإسلامي عددًا كبيرًا من المذاهب الفقهية، لكن فرصة الاستمرار لم تُمنح إلا للقليل منها. على رأسها المذاهب السنية الأربعة الأكثر شهرة. من بين هذه المذاهب، دخل المذهبان الحنفي والشافعي في صدام طويل لأكثر من سبب: أولا، بسبب تقارب مناطق انتشارهما. وثانيا، لارتباط كل منهما بـ"مدرسة كلامية" متميزة.

ففي حين ترك المذهب المالكي الساحة المشرقية ليرتحل إلى المغرب والأندلس، وتقوقع المذهب الحنبلي في مناطق محدودة في شبه الجزيرة العربية والعراق، فإن المذهبين الحنفي والشافعي استأثرا معا بالمشرق، ليصبحا فرسي الرهان الأكثر حضورًا على الساحة السنية، مما أدى لاحتدام التنافس فيما بينهما.

وفيما ارتبطت الحنفية بالعقائد الماتريدية المشهورة في بلاد ما وراء النهر وتركستان، فإن الشافعية تماهت بشكل شبه كامل مع العقائد الأشعرية الذائعة الصيت في بلاد الشام ومصر.

ومن هنا، صار التنافس مركبًا لأقصى درجة. وأصبح الخلاف الفقهي وجهًا بديلًا للخلاف العقائدي والأصولي.

 

من "الإمام الأعظم" إلى "إمام قريش"

 

في سنة 80هـ ولد أبو حنيفة، النعمان بن ثابت في الكوفة. وتدور الكثير من النقاشات حول أصوله العرقية. فبينما يذهب الكثير من المؤرخين إلى أنه ينحدر من أصول فارسية، فإن بعض الباحثين المعاصرين، ومنهم على سبيل المثال الباحث العراقي ناجي معروف، يؤكدون على أنه من أصل عربي. وبحسب ما هو معروف، فإن أبا حنيفة نشأ في أسرة تعمل بالتجارة، ولم يلبث أن التحق بحلقة درس الفقيه حماد بن أبي سليمان، فلازمه لفترة. ولما توفي حماد، أخذ النعمان مكانه في التدريس. وسرعان ما اشتهر في كافة أنحاء العراق، وأضحى مذهبه أحد المذاهب الفقهية ذائعة الصيت في العالم السني.

اصطدم أبو حنيفة، الذي عُرف باسم "الإمام الأعظم"، بالسلطة أكثر من مرة، سواء في زمن الأمويين أو العباسيين، إذ اشتهر عنه تأييده لثورتي زيد بن علي ومحمد النفس الزكية على الترتيب. وبحسب المشهور، فإنه توفي عام 150ه بعد أن تعرض للضرب والحبس على يد الخليفة العباسي أبي جعفر المنصور.

في العام نفسه، أي 150هـ، ولد محمد بن إدريس الشافعي في غزة بفلسطين. وترجع أصوله إلى قبيلة قريش، وتحديدًا إلى المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي بن كلاب، ولذلك عُرف باسم "إمام قريش".

زار الشافعي الكثير من البلدان طلبًا للعلم والفقه، فسافر إلى مكة والمدينة واليمن والعراق ومصر. وتتلمذ على كبار فقهاء عصره، من أمثال مالك بن أنس، ومحمد بن الحسن الشيباني، والقاضي أبو يوسف (تلميذ أبو حنيفة). وبعدها، أعلن عن مذهبه الفقهي، الذي لاقى قبولًا وذيوعًا بين الكثير من المسلمين.

 

حرمة الزواج بالشافعية ومساواة الحنفي بالكلب!

 

توجد الكثير من المسائل الفقهية المختلف عليها بين المذهبين الحنفي والشافعي. وهو ما يمكن تفسيره باختلاف الأصول والقواعد التي بُني عليها كل من المذهبين. مع ذلك، استحوذت مسائل بعينها على القدر الأكبر من الجدل والنقاش، حتى تسببت في إصدار بعض الأحكام العنيفة من جانب علماء كل مذهب ضد أتباع المذهب المقابل.

إحدى أهم تلك المسائل كانت حول حكم رفع اليدين في حركات الصلاة. فإذا ما رجعنا لمدونات المذهب الحنفي، سنجدها تؤكد على أن المصلي "لا يرفع يديه في شيء من تكبيرات الصلاة سوى تكبيرة الافتتاح"، وذلك بحسب ما يذكر شمس الأئمة السرخسي المتوفى 490هـ في كتابه المبسوط.

قال محمد بن موسى الحنفي، قاضي دمشق : "لو كان لي من الأمر شيء لأخذت على الشافعية الجزية!"

بنى الحنفية رأيهم في تلك المسألة على بعض ما ورد في السيرة من أن الرسول كان يرفع يديه في الصلاة، ثم ترك هذا الأمر في آخر حياته، وعملوا على إثبات رأيهم من خلال استخدام عدد من الروايات الضعيفة، ومنها "من رفع يديه في الركوع؛ فلا صلاة له". وفي السياق ذاته، قاموا بتأويل بعض الآيات القرآنية ليتماشى معناها مع ما ذهبوا إليه، ومنها الآية رقم 77 من سورة النساء: "أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ...".

في الجهة المقابلة، قال الشافعية برفع اليدين في حركات الصلاة، ورفضوا القول بنسخ هذا الحكم. واستشهدوا ببعض الأحاديث الضعيفة هم أيضا، ومنها "إن لكل شيء زينة، وزينة الصلاة رفع الأيدي عند كل تكبيرة...". وساروا على درب الأحناف في تأويل الآيات القرآنية بما يخدم قضيتهم، فقالوا: في الآية رقم 31 من سورة الأعراف "يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ..."، المراد بالزينة هنا هو رفع اليدينَ في الصلاة.

ومثلت قضية جواز الِاسْتِثْنَاءِ فِي الْإِيمَانِ - بمعنى أن يقول أحدهم: أَنَا مُؤْمِنٌ إنْ شَاءَ اللَّه - هي الأخرى أحد أهم الخلافات بين المذهب الحنفي والمذهب الشافعي، ذلك أن الشافعية أجازوا هذا القول، في حين أن الحنفية رفضوا ذلك، وعدوه شكًا في الإيمان، حتى ذهبت طائفة منهم -أي الحنفية- إلى "تكفير من قال أنا مؤمن إن شاء الله ولم يقيدوه بأن يكون شاكًا في إيمانه...".

الفقيه ابن نُجيم الحنفي المتوفى 970هـ ذكر في كتابه "البحر الرائق" أنه وتأسيسًا على الحكم السابق، فإن طائفة من الأحناف حرموا زواج الحنفي من الشافعية. فقالوا: "لا ينبغي للحنفي أن يزوج بنته من رجل شفعوي المذهب". وتساهل بعض الحنفية وأجازوا هذا الزواج "تنزيلًا لهم -أي الشافعية- منزلة أهل الكتاب".

من هنا، يمكن أن نفهم ما قاله محمد بن موسى الحنفي، قاضي دمشق المتوفى 506هـ: "لو كان لي من الأمر شيء لأخذت على الشافعية الجزية"، ونفهم رد الفعل الشافعي الذي يعرض بموقف الأحناف المجيز لشرب النبيذ، إذ اشتهرت إحدى الفتاوى التي قال بها الشافعية بأنه إذا سقطت قطرة نبيذ في طعام فإنه يتم إلقاؤه لكلب أو لحنفي.

حرم طائفة من الأحناف  زواج الحنفي من الشافعية. فقالوا: "لا ينبغي للحنفي أن يزوج بنته من رجل شفعوي المذهب"!

تسببت كل تلك المجادلات في توسيع الخلاف الحادث بين الحنفية والشافعية، الأمر الذي عبر عنه ناصر الدين الألباني في كتابه "أصل صفة صلاة النبي"، بالقول: ".. كانت هذه المسألة وأمثالها مَثَار فتن عظيمة بين الحنفية والشافعية، حتى لقد دفعَتْهم إلى وضع القاعدة المشهورة عند الفريقين: (وتكره الصلاة وراء المخالف في المذهب)!". هذه القاعدة ظلت من القواعد المرعية -عند الفريقين- لزمن طويل. ويشهد على ذلك ما ذكره الشيخ أحمد شاكر في تعليقه على سنن الترمذي من أن الحنفية والشافعية ظلوا يرفضون الصلاة في جماعة واحدة، وأنه شهد على بعض المواقف في مسجد الحسين بالقاهرة، والتي رأى فيها "أن الشافعية لهم إمام يصلّي بهم الفجر في الغلس، والحنفيّون لهم إمام يصلّي الفجر بإسفار. ورأينا كثيراً من الحنفيين -من علماء وطلاّب وغيرهم- ينتظرون إمامهم ليصلّي بهم الفجر، ولا يصلّون مع إمام الشافعيين، والصلاة قائمة، والجماعة حاضرة...".

 

في بغداد وأصبهان.. حلبات مواجهة

 

أخذ الصراع بين الأحناف والشافعية العديد من الصور، ولم يكن من الغريب أن نجد الفريقين يتنازعان منذ فترة مبكرة منصب القضاء، والذي كان أهم المناصب الدينية على الإطلاق. ولم يرض الشافعية بأن يسلموا للأحناف بالاستحواذ المطلق على هذا المنصب.

اندلعت المصادمات بين الفريقين في 393هـ في بغداد، وذلك بعدما تمكن شيخ الشافعية أبو حامد الإسفراييني المتوفى 406ه من إقناع الخليفة العباسي القادر بالله بتحويل القضاء من الحنفية إلى الشافعية. فلما فعل، "احتج الحنفية ودخلوا في مصادمات مع الشافعية"، وذلك بحسب ما ذكر تقي الدين المقريزي المتوفى 845هـ في خططه.

هذا الخلاف الدائر بين الأحناف الماتريدية والشوافع الأشاعرة، سيصطبغ بالصبغة السياسية بدءًا من أواسط القرن الخامس الهجري، وذلك بالتزامن مع صعود دولة السلاجقة الأتراك على الساحة السياسية.

فبحسب ما هو معروف، فإن السلطان السلجوقي الأول طغرلبك، ووزيره عميد الملك الكندري، كانا كثيري التعصب ضد الشافعية، وكانا يكثران من الوقيعة فيهم، حتى اُضطهد في زمنهما العديد من علماء الشافعية، وعلى رأسهم كل من أبي القاسم القشيري، وأبي المعالي الجويني. لكن الأمر تغير كثيرًا بعد وصول الوزير نظام الملك الطوسي المتوفى 485هـ إلى السلطة، ذلك أن نظام الملك -الشافعي- قد أعان فقهاء الشافعية وساندهم بكل وسيلة ممكنة، كما أقام عددًا كبيرًا من المدارس العلمية -التي عرفت بالنظامية- وعيّن فيها الأساتذة من المذهب الشافعي، وأغدق عليهم الأموال والأعطيات، مما أسهم في تحول الكثير من الطلبة لذلك المذهب على وجه التحديد.

عرّض الشافعية بموقف الأحناف المجيز لشرب النبيذ، فاشتهرت فتوى تقول إذا سقطت قطرة نبيذ في طعام فإنه يتم إلقاؤه لكلب أو لحنفي!

وقد نقل أبو الفرج عبد الرحمن بن الجوزي المتوفى 597هـ شهادة أستاذه ابن عقيل، الذي كان معاصرًا لموجة الانتصارات الشافعية في ظل الدولة السلجوقية، إذ يقول: "رأيت كثيرًا من أصحاب المذاهب انتقلوا ونافقوا وتوثق بمذهب الأشعري والشافعي طمعًا في العز والجرايات...".

وعلى الرغم من رجحان كفة الشوافع في ظل الدولة السلجوقية، فقد بقيت المنافسة الحامية بين المذهبين قائمة في بلاد ما وراء النهر وبلاد فارس. من ذلك أن الوزير مسعود بن علي المتوفى 596ه -وهو من أهم رجال الدولة الخوارزمية- كان معروفًا بتعصبه الشديد لمذهب الشافعي، وبمعاداته للحنفية، حتى أنه قد بنى جامعًا بجوار أحد الجوامع المشهورة التي يقصدها الأحناف في مدينة مرو، قاصدًا مكايدة مقلدي أبي حنيفة "فتعصبوا وأحرقوه، ونمت فتنة هائلة، وكادت بها الجماجم تطير عن الغلاصم"، وذلك بحسب ما يذكر تاج الدين السبكي المتوفى 771ه في كتابه "طبقات الشافعية الكبرى".

أصبهان أيضًا كانت إحدى المدن التي اكتوت بنيران هذه المنافسة المذهبية الحامية. ويمكن تفسير ذلك بموقعها المتوسط بين بلاد الأتراك التي غلب فيها المذهب الحنفي وبلاد الشام التي انتشر فيها المذهب الشافعي. الرحالة المشهور ياقوت الحموي المتوفى 626هـ، في كتابه "معجم البلدان"، أشار لما كان يدور في تلك المدينة العظيمة من مشاحنات مذهبية في بدايات القرن السابع الهجري. يقول: "وقد فشا الخراب في هذا الوقت وقبله في نواحيها -أي أصبهان- لكثرة الفتن والتعصب بين الشافعية والحنفية والحروب المتصلة بين الحزبين، فكلما ظهرت طائفة نهبت الأخرى، وأحرقتها، وخربتها، لا يأخذها في ذلك إلا ولا ذمة".

في السياق نفسه، تحدث ابن أبي الحديد المعتزلي المتوفى 656هــ، في كتابه "شرح نهج البلاغة"، عن واحدة من الحوادث الشهيرة التي وقعت بسبب تلك المشاحنات المستمرة، إذ يذكر أنه في عام 633ه، اشتد الخلاف بين الشافعية والحنفية في مدينة أصبهان، ودار القتال بين الفريقين، حتى إن بعض الشافعية ذهبوا إلى المغول وعرضوا عليهم المساعدة، فقبل المغول العرض وحاصروا أصبهان "...وفُتحت أبواب المدينة، فتحها الشافعية على عهد بينهم وبين التتار أن يقتلوا الحنفية ويعفوا عن الشافعية. فلما دخلوا البلد بدأوا بالشافعية، فقتلوهم قتلًا ذريعًا، ولم يقفوا مع العهد الذي عهدوه لهم، ثم قتلوا الحنفية، ثم قتلوا سائر الناس".

 

"سراج الأمة" و"عالم يملأ الأرض علمًا"

 

كان التنافس على الأعلمية سمة مميزة للصراع الشافعي الحنفي، وهو ما يظهر بشكل واضح في محاولة فقهاء كل مذهب إثبات تفوق إمامهم من جهة، والتقليل من شأن الأئمة الآخرين من جهة أخرى.

هذه السمة تظهر كثيرا في مدونات كل من المذهبين الحنفي والشافعي. فعلى سبيل المثال، نلاحظ أن هناك بعض الأحاديث المنسوبة للنبي، والتي حاولت أن تعظم من شأن أبي حنيفة، ومنها "يكونُ في أمَّتي رجلٌ يُقالُ له: محمَّدُ بنُ إدريسَ، أضرُّ على أمَّتي من إبليسَ، ويكونُ في أمَّتي رجلٌ يُقالُ له: أبو حنيفةَ، هو سراجُ أمَّتي، هو سراجُ أمَّتي"، وهو الحديث الذي حظي -رغم ضعفه- باهتمام مجموعة من كبار علماء الحنفية، ومنهم بدر الدين العيني المتوفى 855هــ، ومحمد زاهد الكوثري المتوفى 1371هـ.

في السياق نفسه، انتشرت بعض الأحاديث المنسوبة للنبي، والتي روج الشافعية إلى أنها قد بشرت بإمامهم. ومن ذلك "إن علم عالم قريش يسع طباق الأرض"، و"لا تسبوا قريشًا فإن عالمها يملأ الأرض علمًا". ورغم كل المطاعن التي وجهت لتلك الروايات، فإن كبار علماء الشافعية قد صححوها. ومن ذلك ما نقله ابن حجر العسقلاني المتوفى 852هــ في كتابه "توالي التأسيس لمعالي محمد بن إدريس"، عن أبي بكر البيهقي الشافعي قوله: إنه "إذا ضُمَّت طرق هذا الحديث بعضها إلى بعض أفاد قوَّة، وعُرِفَ أن للحديث أصلاً". وهو ذات المعنى الذي أكد عليه العسقلاني بعدها، إذ يقول: "وهو كما قال، لتعدُّد مخارجها وشهرتها في كتب من ذكرْنا من المصنفين".

فتح الشافعية أبواب أصبهان للتتار على أن يقتلوا الحنفية ويعفوا عن الشافعية. فلما دخلوا البلد بدأوا بالشافعية، فقتلوهم قتلًا ذريعًا

محاولة التأكيد على أعلمية إمام المذهب وتخطئة إمام المذهب المخالف، اتضحت أيضًا في بعض الأخبار المنسوبة للشافعي نفسه، والتي أوردها ابن أبي حاتم الرازي المتوفى 327ه في كتابه "آداب الشافعي ومناقبه". ومنها قول الشافعي: "نظرتُ في كتبٍ لأصحاب أبي حنيفة، فإذا فيها مائة وثلاثون ورقة، منها ثمانون ورقة خلاف الكتاب والسنّة"، ومنها قوله إن: "أبا حنيفة يضع أول المسألة خطأ ثم يقيس الكتاب كله عليها".

في سياق آخر، اهتمت المدونات المذهبية بقصص الفقهاء الأعلام الذين تركوا مذهبهم الأصلي وانتقلوا إلى المذهب المقابل. فأكدت في بعض الأحيان على أن ذلك التحول إنما وقع بسبب غيبي إعجازي. ومن ذلك، ما حكاه جلال الدين السيوطي المتوفى 911ه في كتابه "بغية الوعاة"، عندما تحدث عن عالم من علماء القرن السابع الهجري، وهو محمد بن محمد بن علي الكاشغري، وكيف أنه قد تحول من المذهب الحنفي إلى المذهب الشافعي بسبب رؤيا منامية، يحكي عنها فيقول: "رأيت القيامة قامت والناس يدخلون الجنة فعبرت مع زمرة، فجذبني شخص، وقال: يدخل الشافعية قبل أصحاب أبي حنيفة، فأردت أن أكون مع المتقدمين".

وأكدت تلك المدونات الفقهية في أحيان أخرى على الأثر العظيم الذي أحدثه الفقهاء المتحولون في نشر علوم المذهب الجديد. ومن ذلك ما ذكرته المصادر الحنفية عن العالم الشامي ابن عابدين الدمشقي المتوفى 1252ه، والذي بدأ حياته متبعًا لفقه الشافعي، ثم سرعان ما تحول للمذهب الحنفي استجابةً لطلب بعض شيوخه، وكيف أنه سرعان ما تبحر في علوم المذهب، فكتب العديد من الكتب المعتمدة في تدريسه، ومن أشهرها رد المحتار على الدر المختار، المشهورة باسم حاشية ابن عابدين، وهو الكتاب الذي لا يزال يُدرس حتى الآن في الأكاديميات العلمية الفقهية.

 

 

مواضيع ذات صلة:

صورة أرشيفية لمدينة تدمر الأثرية في سوريا- وكالات
صورة أرشيفية لمدينة تدمر الأثرية في سوريا- وكالات

تعمل منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة ("اليونسكو") على الاهتمام بالمواقع الأثرية المنتشرة في دول العالم كافة. لذلك، أعدت المنظمة ما عُرف باسم "قائمة التراث العالمي"، وهي القائمة التي تتضمن العشرات من المواقع الأثرية القديمة التي تتعاظم أهميتها بسبب تاريخها الثقافي والحضاري. 

من جهة أخرى، أعدت "اليونسكو" قائمة ثانية بعنوان "التراث العالمي المعرض للخطر". في تلك القائمة، جمعت المنظمة المواقع المُهددة بسبب النزاعات العسكرية المسلحة، والزلازل، والتلوث البيئي، والتوسّع الحضري غير المنضبط، وغير ذلك من الأسباب التي من شأنها تهديد المواقع الأثرية. في هذا السياق، أُدرجت 7 دول عربية ضمن قائمة التراث العالمي المعرض للخطر، وهي: مصر، ليبيا، الأراضي الفلسطينية، سوريا، العراق، اليمن، ولبنان. نلقي الضوء في هذا التقرير على أهم المواقع الأثرية المُعرضة للخطر في هذه الدول.

 

سوريا

تحتوي سوريا على أكبر عدد من المواقع الأثرية المُعرضة للخطر بين الدول العربية. تتمثل تلك الأخطار في الصراعات العسكرية المسلحة التي بدأت منذ سنة 2011م، ولم تنته معاركها حتى اللحظة. من أهم المواقع الأثرية المتواجدة في القائمة، موقع "مدينة حلب القديمة" في شمالي سوريا. يحتوي الموقع على العشرات من الأبنية والمساجد والمنازل والأسواق. وفي سنة 1986م أعلنت اليونسكو الموقع جزءًا من التراث العالمي.

تحتوي سوريا أيضاً على موقع "مدينة بُصْرَى التاريخية". والتي تتبع محافظة درعا، وتقع على مسافة 140 كم من دمشق. بحسب المصادر التاريخية الإسلامية، كانت بصرى عاصمة دينية وتجارية مهمة على طريق الحرير القديم. وترتبط المدينة بذكرى خاصة في الذاكرة الإسلامية بسبب الروايات التي تذكر أن النبي محمد قد مر بها في شبابه قبل البعثة. وأنه قابل فيها الراهب بحيرى النصراني. والذي تنبأ بأن هذا الشاب سوف يصبح نبي العرب الذي بشرت به الكتب القديمة.

كذلك تحتوي سوريا على موقع "مدينة دمشق القديمة"، وموقع "المدن المنسية" التي تقع ضمن الحدود الإدارية لمحافظتي حلب وإدلب. ويعود بناؤها إلى الفترة بين القرنين الأول والسابع للميلاد. وتشتهر بكاتدرائية القديس سمعان العمودي التي كانت مكاناً للحج المسيحي لقرون طويلة.

تتضمن القائمة أيضاً قلعتي الحصن وصلاح الدين. تعود الأولى لفترة الحروب الصليبية، وتقع ضمن سلاسل جبال الساحل في محافظة حمص في سوريا. أما القلعة الثانية، فتقع في مدينة اللاذقية. وتعتبر واحدة من أهم قلاع القرون الوسطى المحفوظة في العالم. في سنة 2006م، سجل اليونسكو القلعتين على لائحة التراث العالمي.

أيضاً، تحضر مدينة تدمر التاريخية في قائمة المواقع الأثرية المُعرضة للخطر. تقع المدينة في محافظة حمص في الجزء الأوسط من سوريا. ويعود تاريخها إلى العصر الحجري الحديث. اشتهرت تدمر بثرائها الذي حققته من كونها مركزاً تجارياً مهماً على طريق الحرير الشهير. في القرن الثالث الميلادي، تمكن ملوك تدمر من الاستقلال عن الحكم الفارسي. وفي عهد الملكة الشهيرة زنوبيا تأسست مملكة تدمر الشهيرة. وخاضت الحرب ضد الإمبراطورية الرومانية قبل أن تُهزم وتفقد استقلالها. في 2015م، سيطرت عناصر تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام "داعش" على موقع مدينة تدمر، وخرّبت ودمّرت الكثير من المواقع الأثرية المهمة في المدينة، قبل أن تستعيد القوات السورية سيطرتها عليها في العام 2017م.

الاعتداء على قبر معاوية يجدد المخاوف.. من يحمي الآثار السورية؟
تعرّض قبر معاوية للتدمير في أيام العباسيين، وأعيد بناؤه أكثر من مرة، بحسب الباحث السوري تيسير خلف، و"لدينا شاهدة قبر من الفترة الأيوبية- المملوكية، ويبدو انه جدّد حينذاك". والاعتداء الذي وقع عليه مؤخراً كان لفظياً ولم يتعرض القبر لأي أذى ماديّ.

العراق

في تصنيفات "اليونسكو" تقع بعض المواقع الأثرية المُهددة بالخطر في العراق. على رأس تلك المواقع "مدينة أشور القديمة". تقع المدينة على بعد 60 ميلاً جنوبي مدينة الموصل حالياً في شمال العراق. وكانت عاصمة للمملكة الأشورية التي توسعت في الألف الثاني قبل الميلاد، قبل أن تسقط على يد الميديين والبابليين في سنة 612 ق.م.

في يونيو 2014م، سيطر تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام على المدينة التاريخية. وتم تخريب بعض المواقع الأثرية قبل أن تتمكن القوات العراقية من استعادة السيطرة الكاملة على المنطقة في سبتمبر 2016م.

كذلك، تتضمن القائمة "مدينة سامراء التاريخية". تقع المدينة شرقي نهر دجلة في محافظة صلاح الدين، وتبعد 125 كيلومتر شمالي العاصمة بغداد. تتحدث المصادر التاريخية عن ظروف تأسيس وإعمار تلك المدينة في العصر العباسي. بحسب تلك المصادر، قرر الخليفة المعتصم بالله أن يبني تلك المدينة ويتخذها عاصمة لدولته بسبب كثرة الجند الأتراك في بغداد. تحكي بعض القصص أن هذا المكان كان مملوكاً لبعض الرهبان المسيحيين. وأن المعتصم اشتراه منهم بأربعة آلاف دينار. وعزم على أن يبني فيه مدينة جديدة "ونقل إليها أنواع الأشجار والغروس، واُختطت الخطط والدروب، وجدوا في بنائها، وشُيدت القصور، واُستنبطت المياه من دجله وغيرها وتسامع الناس وقصدوها، وكثرت بها المعايش"، بحسب ما يذكر شمس الدين الذهبي في كتابه "سيّر أعلام النبلاء".

حافظت سامراء على مجدها وعظمتها لما يزيد على نصف قرن. اتخذها المعتصم وخلفاؤه عاصمة لدولتهم الواسعة المترامية الأطراف. ودُفن فيها العديد من الخلفاء. كما شيّد الخليفة المتوكل سنة 245ه على أرضها المسجد المشهور بمئذنته الملوية.

بعد أن غادرها العباسيون، تعرضت سامراء للتهميش وعدم الاهتمام. قبل أن تتعرض للتخريب والتدمير إبان فترة الغزو المغولي للعراق في القرن السابع الهجري. قيل إن الناس غيروا اسمها في تلك الفترة ليصبح "ساء من رأى". وصف الرحالة المغربي الشهير ابن بطوطة الحالة المؤسفة التي أصيبت بها المدينة عند زيارته لها سنة 727ه. يقول ابن بطوطة: "...وقد استولى الخراب على هذه المدينة فلم يبق منها إلا القليل وهي معتدلة الهواء رائقة الحسن على بلائها، ودروس معالمها". في سنة 2007م، ضمت "اليونيسكو" سامراء إلى قائمة التراث العالمي.

شيد الخليفة المتوكل سنة 245ه في سامراء المسجد الجامع المشهور بمئذنته الملوية.
"عاصمة الخلفاء" و"منفى الأئمة".. قصة مدينة سامراء
تقع مدينة سامراء في وسط العراق. وتشغل أهمية كبرى في أوساط العراقيين، خاصة الشيعة في البلاد، باعتبارها المكان الذي دُفن فيه كل من الإمامين العاشر والحادي عشر علي الهادي والحسن العسكري. ما قصة هذه المدينة؟ وماذا كانت ظروف بنائها؟ وما أهم الأحداث في تاريخها؟ وما هي أسباب قداستها؟

اليمن

تتضمن القائمة ثلاثة مواقع يمنية مهمة. وجميعها مُهدد بسبب الحرب الأهلية اليمنية التي تدور منذ سنوات بين الحوثيين وقوات التحالف الذي تقوده المملكة العربية السعودية. يُعدّ موقع "معالم مملكة سبأ القديمة" هو الموقع اليمني الأول في القائمة. يقع هذا الموقع في محافظة مأرب شرق اليمن، ويضم مواقع أثرية وبقايا مستوطنات كبيرة مع المعابد والأسوار التي تعود للألف الأول قبل الميلاد. في سنة 2023م، أُدرجت تلك المعالم على قائمة التراث العالمي وضمن قائمة التراث العالمي المعرض للخطر من قِبل "اليونيسكو". الموقع الثاني هو مدينة زبيد التاريخية، والتي تبعد عن العاصمة صنعاء مسافة 233 كم تقريباً. وكانت مدينة زبيد عاصمة اليمن من القرن الثالث عشر إلى القرن الخامس عشر الميلاديين. أما الموقع الثالث، فهو مدينة صنعاء القديمة. والتي بدأت حضارتها منذ القرن الخامس قبل الميلاد. قبل أن تصبح عاصمة لمملكة سبأ في القرن الأول للميلاد. في العصر الإسلامي، صارت صنعاء واحدة من أهم الحواضر الإسلامية. وتميزت منازلها ومساجدها وأسواقها وأسوارها بطراز معماري رفيع المستوى. في سنة 1980م، تبنى "اليونيسكو" حملة دولية لحماية مدينة صنعاء القديمة والحفاظ على معالمها المعمارية. وفي سنة 2015م، أُدرجت في قائمة التراث العالمي المعرض للخطر، بعدما تعرضت بعض أحياء المدينة لقصف صاروخي من قِبل قوات التحالف.

 

 

فلسطين ومصر وليبيا ولبنان

تشهد القائمة حضور مجموعة أخرى من الدول العربية. في الأراضي الفلسطينية، يتواجد موقع "البلدة القديمة بالقدس". وهي المنطقة المُحاطة بسور سليمان القانوني. من المعروف أن البلدة تشهد أهمية كُبرى في الذاكرة الدينية الإبراهيمية. ففيها المسجد الأقصى ومسجد قبة الصخرة اللذان يحظيان بمكانة كبيرة لدى المسلمين. وكذلك كنيسة القيامة لدى المسيحيين. فضلاً عن جبل الهيكل والجدار الغربي لليهود. في سنة 1981م، قامت "اليونيسكو" بضم البلدة القديمة في القدس إلى قائمة التراث العالمي.

في مصر، يوجد موقع منطقة "أبو مينا الأثرية" والذي يقع عند الحافة الشمالية للصحراء الغربية. اكتسبت المنطقة أهميتها بسبب احتوائها على مدفن القديس مينا. ولهذا السبب كانت المنطقة أحد أهم مراكز الحج المسيحي في القرون الوسطى. حالياً، تضم المنطقة مجموعة من الآثار القبطية والكنائس والأديرة. في سنة 2001م، أصبحت المنطقة مهددة بالخطر بسبب ارتفاع منسوب المياه الجوفية والأملاح في المنطقة.

في السياق نفسه، تتواجد بعض المواقع الليبية المهمة في القائمة. ومنها على سبيل المثال المواقع الأثرية في "مدينة صبراتة" الواقعة على بعد 70 كم غربي مدينة طرابلس، والتي تحتوي على عدد كبير من الآثار الرومانية. ومدينة "لبدة الكبرى"، التي تقع على بعد 120 كم شرقي مدينة طرابلس. وكانت من أهم مدن الشمال الأفريقي في عصر الإمبراطورية الرومانية.

في لبنان، يتواجد "معرض رشيد كرامي الدولي" في طرابلس. والذي أدرجته اليونسكو في القائمة في سنة 2023م. وجاء في حيثيات اختيار اليونسكو للمعرض "أنه يُعدّ من ناحية حجمه وغنى الأنماط الهندسية فيه، أحد الأعمال المهمة التي تمثل فن العمارة الحديث في القرن العشرين بالمنطقة العربية من الشرق الأوسط". مما يُذكر أن المعرض من تصميم المهندي البرازيلي الأصل أوسكار نيماير، وأن انتهاء تشييده تزامن مع اندلاع الحرب الأهلية اللبنانية في سبعينيات القرن العشرين. ويعاني الموقع من الإهمال ونقص الموارد المالية اللازمة لصيانته.