ولد منصور بن سرجون في عام 676م على وجه التقريب، في زمن الخليفة الأموي الأول معاوية بن أبي سفيان في دمشق.
ولد منصور بن سرجون في عام 676م على وجه التقريب، في زمن الخليفة الأموي الأول معاوية بن أبي سفيان في دمشق.

عرفت بلاد الشام في القرن السابع الميلادي/ الأول الهجري اتصالًا مهمًا بين المسيحية السريانية والإسلام المبكر، وذلك بعدما تمكن "الفاتحون" العرب من الانتصار على الإمبراطورية البيزنطية في موقعتي أجنادين واليرموك، ليُفتح لهم باب السيطرة على مدن الشام الكبرى، كدمشق وحلب وحماة وحمص، على مصراعيه.

في هذه الفترة، تعرف آباء المسيحية على مجمل العقائد الإسلامية، وكتبوا آراءهم عنها في بعض المصنفات المهمة التي ضاع معظمها عبر القرون. من بين الكتب القليلة التي وصلتنا كتاب الهرطقات للقس يوحنا الدمشقي.

 

في دمشق.. منصور بن سرجون متولي الخراج

 

على الرغم من أن المصادر التاريخية الإسلامية لم تقدم الكثير من المعلومات عن شخصية يوحنا الدمشقي، إلا المراجع المسيحية السريانية رسمت صورة عامة له، وتتبعت أهم محطات حياته.

ولد يوحنا الدمشقي باسم منصور بن سرجون. وكانت عائلته ذات الأصل السرياني صاحبة نفوذ واسع في بلاد الشام، ولا سيما في مدينة دمشق. جد يوحنا -والذي لا نعرف اسمه على وجه التحديد- كان يتولى جباية الأموال لحساب البيزنطيين. ولما تمكن الفرس الساسانيون من الاستيلاء على دمشق، استمر قائمًا بأعمال وظيفته، حتى إذا ما انتصر البيزنطيون على الفرس، واستعادوا دمشق مرة أخرى، عوقب يوحنا من قبل السلطات الرومانية لفترة، ثم أرجع لوظيفته.

لوحة يونانية من القرن الرابع عشر عن يوحنا الدمشقي.

علاقة أسرة يوحنا الدمشقي بالمسلمين بدأت مع الحصار الذي فرضه الجيش العربي على مدينة دمشق في عام 634م/13ه، وهو الحصار الذي انتهى بتسليم المدينة صلحًا. ولعبت أسرة يوحنا الدمشقي نفسها دورًا مهمًا في الاتفاق على الصلح والتسليم، وأدارت المفاوضات بنجاح مع قائد المسلمين أبي عبيدة بن الجراح.

ولد منصور بن سرجون في عام 676م على وجه التقريب، في زمن الخليفة الأموي الأول معاوية بن أبي سفيان في دمشق. واستطاع أن يتقن السريانية واليونانية والعربية والآرامية في سن صغيرة، كما يُحتمل أنه كان مطلعًا على أشعار العرب، إذ ذكر أبو الفرج الأصفهاني المتوفى 356ه في كتاب "الأغاني" أن الشاعر العربي الشهير الأخطل كان في بعض الأحيان يزور بيت سرجون (والد يوحنا)، وأنه كان يقضي هناك وقتًا طويلًا.

لعبت أسرة يوحنا الدمشقي نفسها دورًا مهمًا في الاتفاق على الصلح والتسليم، وأدارت المفاوضات بنجاح مع قائد المسلمين أبي عبيدة بن الجراح.

مشاركة منصور بن سرجون في الشؤون الإدارية للدولة الأموية بدأت بشكل عملي في زمن الخليفة عبد الملك بن مروان، إذ عُين بعد وفاة أبيه في منصب متولي الخراج والجزية، والمشرف على شؤون المسيحيين الموجودين بدمشق. واستمر محافظًا على هذا المنصب في عهد ابني عبد الملك -الوليد وسليمان- حتى إذا ما تولى عمر بن عبد العزيز الخلافة، واشتدت قبضة السلطة الأموية على المسيحيين، آثر منصور بن سرجون أن يترك منصبه واختار أن يعيش حياة الرهبنة في دير القديس سابا في أورشليم بفلسطين، وفي تلك المرحلة سمى نفسه باسم يوحنا.

 

في دير القديس سابا.. القديس يوحنا الدمشقي

 

في الدير، عاش يوحنا الدمشقي حياة العزلة والزهد والتدين، وصنف الكثير من الكتب، والتي ركزت -بالمقام الأول- على الدفاع عن المسيحية من جهة، والهجوم على أعدائها من جهة أخرى. من أشهر تلك الكتب "ينبوع المعرفة"، و"الهرطقات"، و"الإيمان الأرثوذكسي"، و"مقدمة في العقائد المسيحية".

عُرف يوحنا في تلك الفترة بكونه من أشهر المؤيدين لتعظيم الأيقونات المسيحية (الرسومات والتماثيل الكنسية)، وبكونه واحدًا من أهم المعارضين لحركة تحطيم الأيقونات، تلك التي قادها الإمبراطور البيزنطي ليو الثالث الأيسوري، والتي انتشرت على نطاق واسع في القسطنطينية، عاصمة الإمبراطورية البيزنطية.

من القصص المشهورة التي ارتبطت بتحول يوحنا الدمشقي إلى الرهبنة، تلك القصة الخوارقية المتصلة بشرح الأيقونة المشهورة باسم "العذراء ذات الثلاثة أيدي". تذكر القصة أن الإمبراطور البيزنطي لما أراد أن يوقع بيوحنا بسبب دعمه لتقديس الأيقونات، فإنه استحضر مجموعة من الكتبة المهرة، وأمرهم بكتابة رسالة بخط يوحنا الدمشقي، ثم أرسل بها إلى الخليفة الأموي، فلما وقعت في يديه وقرأها، وجدها قد احتوت على اتفاق بين الإمبراطور ويوحنا على تسليم دمشق للبيزنطيين، فاستشاط الخليفة غضبًا، واستدعى يوحنا وقطع يده اليمنى.

وبحسب القصة، فإن يوحنا صلى كثيرًا أمام أيقونة العذراء. فلما نام رأى القديسة مريم، وأخبرته بأنها ستعيد يده إليه، ولما استيقظ وجد يده في مكانها! وسرعان ما انتشر الخبر ووصل للخليفة. ولما سمع قصة يوحنا، ندم على إساءة الظن به، وطلب منه أن يعود إلى منصبه، لكن يوحنا رفض ذلك وسافر لفلسطين لينتظم في سلك الرهبنة.

في عام 749م على وجه التقريب، مات يوحنا الدمشقي بعد عمر طويل قضاه في الدفاع عن المسيحية، ومواجهة أعدائها، ليستحق الوصف الذي وصفه به المؤرخ المعاصر فيليب حتي في كتابه "تاريخ سوريا ولبنان وفلسطين"، عندما وصفه بأنه "أبرز مفاخر الكنيسة السورية في ظل الدولة الأموية".

 

الهرطقة المئة!

 

في دير القديس سابا بفلسطين، ناقش يوحنا الدمشقي الإسلام المبكر في كتابه المعروف باسم "الهرطقات"، وذلك في الفصل رقم مائة في بعض الترجمات، وفي الفصل رقم مائة وواحد في ترجمات أخرى. هذا الكتاب تم تأليفه باللغة اليونانية، ولما كان العرب في تلك الفترة لا يجيدون تلك اللغة، فإن ذلك ضمن للدمشقي الحماية الكافية من الغضب المتوقع الذي كان من الممكن أن يوجهه إليه المسلمون في حالة اطلعوا على ما دونه في ذلك الكتاب.

أولى الملاحظات التي تشد انتباه قارئ الكتاب، أن يوحنا لم يطلق على الإسلام هذا الاسم أبدًا، إذ نجده يسمي المسلمين بالإسماعيليين -نسبةً إلى النبي إسماعيل بن إبراهيم- تارةً، أو يطلق عليهم اسم الهاجريين -نسبةً إلى السيدة هاجر- تارة أخرى. في السياق نفسه، سنجد أن الدمشقي قد أطلق على العرب اسم "الساراسين"، وهو أحد الاسماء التي كان يطلقها الرومان على العرب في منطقة الشام والجزيرة. ملاحظة أخرى مهمة وهي أن المؤلف اعتمد على السخرية والتهكم إلى حد بعيد عند تأليف كتابه. ويظهر من نصوص الكتاب أيضا أن يوحنا كان على اطلاع واسع بالنص القرآني، وبما ورد فيه من قصص وتشريعات.

ألف يوحنا الدمشقي كتاب "الهرطقات" باليونانية، ما ضمن له الحماية الكافية من الغضب  الذي كان من الممكن أن يوجهه له المسلمون لو اطلعوا على الكتاب.

في بداية الفصل المخصص لنقد الإسلام، يعلن الدمشقي عن رأيه السلبي في هذا الدين، معتبرًا إياه مجرد هرطقة منحرفة عن "المسيحية الحقة" التي أتى بها يسوع الناصري. فيقول رابطًا بين هذا الدين والمسيح الدجال: "هناك أيضا ديانة الإسماعيليين التي لا تزال تسيطر في أيامنا، وتستميل الشعوب معلنة مجيء المسيح الدجال". بعدها، يتحدث عن الحالة الدينية للعرب في الجاهلية -قبل الإسلام-. فيقول: "لقد كانوا إذًا وثنيين، وكانوا يعبدون نجمة الصبح والزهرة التي كانوا يدعونها "خبار/كبار" في لغتهم على وجه التحديد، والتي تعني عظيمة. وهكذا كانوا يزاولون عبادة الأصنام علنًا حتى عهد هرقليوس...".

يشرح الدمشقي بعد ذلك الكيفية التي بدأ بها الإسلام على يد النبي محمد في شبه الجزيرة العربية، فيقول: "أنشأ -يقصد النبي- هرطقته الخاصة بعد أن تعرف بالصدفة على العهدين القديم والجديد، وبعد أن تحاور كما يبدو مع راهب أريوسي، وبعد أن أحرز لنفسه حظوة لدى الشعب عبر تظاهره بالتقوى، كان يلمح بأن كتابًا آتيًا من السماء قد أوحي به إليه من الله...".

تحت عنوان اللاهوت القرآني، يشرع يوحنا الدمشقي في تفصيل العقائد المركزية في الإسلام، والتي تتمحور حول فكرة الوحدانية المطلقة، فيجملها بقوله: "يوجد إله واحد خالق لكل الأشياء، وإنه لم يولد ولم يلد". ثم ينتقل بعدها لإبداء وجهة نظر الإسلام في المسيح، بحسب ما ورد في القرآن، فيقول: "المسيح بحسب رأيه هو كلمة الله وروحه، بيد أنه مخلوق وعبد ولد دونما زرع من مريم أخت موسى وهارون، وهو يقول في الواقع إن كلمة الله وروحه قد دخلا في مريم وولدا يسوعا الذي كان نبيًا وعبدا لله". بعدها، يتحدث عن الرأي الإسلامي في مصير المسيح، فيقول: "إن اليهود قد صلبوا خيال المسيح، وأن الله قد نجاه من وسطهم ورفعه إلى السماء".

اعتبر يوحنا الدمشقي الإسلام مجرد هرطقة منحرفة عن المسيحية.

القارئ للكتاب سيلاحظ أن يوحنا الدمشقي قد خصص جزءًا كبيرًا من كتابه للتشكيك في أمر نزول الوحي على النبي محمد. فقال: إن موسى قد تسلم الشريعة على جبل سيناء على مرأى ومسمع من بني إسرائيل جميعًا عندما ظهر له الله في "السحاب والنار والظلام والعاصفة"، وإن جميع الأنبياء قد بشروا بالمسيح، وقالوا: إن المسيح هو الله، وأن ابن الله سيقبل متجسدًا، وأنه سيُصلب ويموت ويقوم، وأنه هو الذي سيدين الأحياء والأموات. أما نبي المسلمين فقد تلقى الوحي من غير شهود على ذلك، فما الدليل على صدق حديثه؟.

ويتابع يوحنا فيقول مظهرًا معرفته الواسعة بالتشريعات الإسلامية: "كونه هو نفسه أمركم في كتابكم ألا تفعلوا شيئًا وألا تقبلوا شيئًا بدون شهود، فلم لم تسألوه: ابدأ أنت أولًا وبرهن لنا من خلال الشهود أنك نبي وأنك مرسل من الله، وما هو الكتاب الذي يشهد لصالحك؟ ... كونه لم يبح لكم الاقتران بامرأة ولا الشراء ولا الاقتناء بدون شهود، وكونكم لا تقبلون بأن تملكوا ولو حميرًا أو ماشية بدون شاهد، فلا تتخذون لكم من ثم نساء وخيرات وحميرًا وباقي الأشياء إلا أمام شهود. إذًا، قد قبلتم الإيمان والكتاب وحدهما بدون شاهد! لأن الذي نقل إليكم هذا الكتاب لا ضمانة له من أي جهة، كما ولا يعرف أحد شهد لصالحه من قبل. لا بل تسلمه في نومه علاوة على ذلك".

القارئ للكتاب سيلاحظ أن يوحنا خصص جزءًا كبيرًا للتشكيك في أمر نزول الوحي على النبي محمد.

بعده، يرد الدمشقي على اتهام المسلمين للمسيحيين بالشرك، فيقول: "أنتم القائلون بأن المسيح هو كلمة الله وروحه، لم تهينوننا كمشركين؟ فالكلمة والروح هما غير منفصلين عما يكونان فيه بالطبيعة. وإذا ما كان المسيح في الله من ثم على أنه كلمة الله، فيكون هو أيضًا الله بالتأكيد. أما إذا كان خارج الله، فيكون الله بدون كلمة وبدون روح حسب رأيكم، وهكذا تشوهون الله في تحاشيكم إشراك أحد بالله. وكان الأحرى بكم فعلًا أن تقولوا إن له شريكًا من أن تشوهوه جاعلين إياه شبيهًا بحجر أو خشب أو شيء ما من الجوامد فاقدة الحس، ولأجل ذلك أنتم تنطقون بالأكاذيب عندما تدعوننا مشركين، ونحن ندعوكم بالمقابل مشوهي الله". في السياق نفسه، يرد الدمشقي على تهمة عبادة المسيحيين للأوثان المُمثلة في الأيقونات والصليب، فيقول إن المسلمين يمارسون الأمر ذاته عندما يقبلون الحجر الأسود عند الكعبة.

أما في الجزء الأخير من كتابه، فيتحدث الدمشقي عن سورة النساء، وينتقد ما ورد فيها من السماح بتعدد الزوجات. وبعدها يذكر حكاية زواج النبي من زينب بنت جحش، ويدعي أن النبي لما شاهدها أعجب بجمالها، فأمر مولاه زيد عندئذ بتطليقها. ثم يحدث عن قصة ناقة صالح الذي أُرسل في ثمود، ويوجه لها الكثير من سهام النقد والتشكيك. وبعدها يتحدث في عجالة عن سور البقرة والمائدة، ويذكر أن النبي محمد قد أمر أتباعه أن يختتنوا -رجالًا ونساءً- وأنه قد أباح لهم بعض الأطعمة التي كانت محرمة فيما قبل.

في نهاية الكتاب، يورد يوحنا الدمشقي مناظرة -مُتخيلة- بين مسلم ومسيحي حول بعض القضايا المهمة التي كانت مثارة على الساحة الفكرية في تلك الفترة، ومن أهمها الحرية الإنسانية، وعدالة الله، وخلق الإنسان، والمعمودية والخلاص، والمشيئة، والتجسد، وغير ذلك من القضايا التي سرعان ما انتقلت لحيز الجدل داخل الأوساط الإسلامية ذاتها، ولا سيما في دوائر أهل السنة والجماعة، والمعتزلة، والشيعة، والخوارج.

مواضيع ذات صلة:

الزعيم الكردي ملا مصطفى بارزاني مع مقاتلين أكراد في قرية بشمال العراق، في 28 فبراير 1963.
الزعيم الكردي ملا مصطفى بارزاني مع مقاتلين أكراد في قرية بشمال العراق، في 28 فبراير 1963.

يعيش الأكراد في جنوب شرقي تركيا وشمال شرقي سوريا وشمالي العراق وشمال غربي إيران، وجنوب غربي أرمينيا. وعلى مر السنين حاولوا تأسيس وطن قومي لهم، وخاضوا في سبيل تحقيق هذا الحلم العديد من المعارك.

في هذا المقال، نسلط الضوء على أهم الزعماء التاريخيين للأكراد الذين سعوا لإقامة دولة كردية، سواء من خلال الكفاح المسلّح أو عبر حلول سلمية، ونستعرض جوانب من حياتهم والعوامل التي أسهمت في صعودهم سياسياً.

 

في العراق

عرف أكراد العراق ظهور العديد من الشخصيات الهامة التي حاولت تأسيس وطن قومي للشعب الكردي، من بينها الشيخ محمود الحفيد البرزنجي.

ولد البرزنجي لأسرة كردية مشهورة في منطقة السليمانية، وبدأ حياته السياسية حليفاً للأتراك العثمانيين الذين أمدّوه بالسلاح ضد القوات الإنجليزية في الحرب العالمية الأولى، كما وضعوا تحت تصرفه الفوج العثماني من لواء السليمانية.

بعد هزيمة العثمانيين في الحرب، انضم البرزنجي إلى الإنجليز، وأعلن تسليم لواء السليمانية إلى القوات البريطانية، فقوبل هذا التصرف بتعيينه حاكماً للسليمانية.

بعد فترة من الهدوء، دخل البرزنجي في خصومة مع الإنجليز، لأنه أراد أن يوسع سلطاته في مناطق سكن الأكراد ما أدى لاشتعال الحرب بينه وبين الجيش الإنجليزي.

انتهت المعارك بالقبض على البرزنجي ومحاكمته، وصدر حكم الإعدام بحقّه،  ثم خُفف لاحقاً إلى السجن مدة عشر سنوات مع النفي إلى الهند.

في عام 1922 سمح الإنجليز بعودة البرزنجي إلى العراق مرة أخرى للتصدي للنفوذ التركي، حينذاك  أعلن البرزنجي نفسه ملكاً على كردستان، ودخل في معارك متعددة ضد الحكومة العراقية.

في مايو 1931، أُسدل الستار على ذلك الصراع الطويل بعد تمكّن القوات العراقية من الانتصار على قوات البرزنجي، فانتهت ثورته وسلم نفسه. ت

فرضت عليه الإقامة الجبرية في جنوب العراق. وفي عام 1941 تمكن من العودة للسليمانية وظل بها حتى توفي في 1956.

من القادة الآخرين ملا مصطفى البارزاني. ولد في مارس 1903 بمنطقة بارزان التابعة لمحافظة دهوك شمالي العراق.

في صغره، درس القرآن والحديث والعلوم الدينية في السليمانية وتأثر بالحركة الكردية التي قادها الشيخ البرزنجي. وفي بداية ثلاثينيات القرن الماضي، خاض مصطفى مع أخيه أحمد بعض المعارك ضد القوات العراقية والإنجليزية، واضطرّ في عام 1932 للسفر  إلى تركيا، ليعود بعدها بعامين على أثر عفو الدولة عنه.

يذكر فاضل البراك في كتابه "مصطفى البارزاني: الأسطورة والحقيقة" أنه كان على صلة قوية بكافة القيادات الكردية في العراق وخارجه ولذلك اختاره قاضي محمد ليكون وزير الدفاع في جمهورية مهاباد في إيران، وهي الجمهورية التي سرعان ما سقطت بعد شهور قليلة من تأسيسها.

في أغسطس 1946، أسس مصطفى البارزاني "الحزب الديمقراطي الكردستاني" واُنتخب رئيساً له. عقب الكثير من المصادمات بين الأكراد وبغداد شهد يوم 11 مارس 1970 عقد اتفاق الحكم الذاتي العراقي–الكردي بينه وبين نائب الرئيس العراقي آنذاك صدام حسين، وبموجبها اعترفت الحكومة العراقية بالحقوق القومية للشعب الكردي ومُنح الأكراد حكماً ذاتياً في محافظات كردستان الثلاث (أربيل والسليمانية ودهوك).

لم تلتزم بغداد ببنود الاتفاق، وفي 1975 عقدت "اتفاقية الجزائر" مع إيران، وتخلت طهران بموجبها عن دعم الأقلية الكردية في العراق. على أثر ذلك، خرج مصطفى البارزاني من العراق إلى إيران ثم سافر إلى الولايات المتحدة الأميركية للعلاج من مرض السرطان ومكث فيها 4 سنوات حتى توفي في مارس 1979.

بشكل عام، ترك الزعيم الكردي أثراً كبيراً في وجدان قومه، واعتبر واحداً من أهم رموز القضية الكردية في العصر الحديث، حتى أُطلق عليه لقب "أبو القضية الكردية".

كذلك، اشتهر جلال الطالباني، الذي يُعدّ أول رئيس كردي للعراق. ولد جلال حسام الدين طالباني في 1933 بقرية كلكان التابعة لمحافظة السليمانية. درس المرحلة الابتدائية في كركوك والتحق بكلية الحقوق في بغداد في المرحلة الجامعية.

في نهاية الأربعينيات، التحق طالباني بصفوف الحزب الديمقراطي الكردستاني، وفي الستينيات أصبح أحد قادة البيشمركة، كما شارك في المعارك التي دارت بين الأكراد وحكومة الرئيس العراقي الأسبق عبد الكريم قاسم. وخلال الثمانينيات قاد الطالباني المعارضة الكردية ضد صدام حسين.

عقب خسارة الجيش العراقي في حرب الخليج الثانية، تهيأت الظروف لإقامة إقليم كردي شبه مستقل في كردستان العراق. وفي هذا السياق، وقع التقارب بين الحزب الديمقراطي الكردستاني بزعامة مسعود بارزاني والاتحاد الوطني الكردستاني بزعامة جلال طالباني، وأُدير الإقليم بقيادة مشتركة من الحزبين، لكن سرعان ما وقعت المواجهة المسلحة بينهما.

لم ينته الصراع بينهما حتى توقيع اتفاقية السلام بين البارزاني والطالباني في العاصمة الأميركية واشنطن عام 1998.

بعد الغزو الأميركي للعراق سنة 2003، سُمح للأكراد بدخول الساحة السياسية العراقية. وفي 2005م، انتخب البرلمان طالباني رئيساً للعراق بعد حصوله على غالبية الأصوات. وفي أكتوبر 2017، توفي الزعيم الكردي عن عمر ناهز 84 عاماً.

 

في إيران

عقب نهاية الحرب العالمية الأولى، ظهر الحلم بتأسيس دولة للأكراد في إيران. قاد الزعيم الكردي سمكو آغا حركة ثورية محاولاً أن يقيم إمارة كردية مستقلة في غربي إيران.

ولد سمكو آغا عام 1895، وفي شبابه قاد عشيرة الشكاك الكردية التي استوطنت مساحات واسعة في الأراضي الواقعة غربي بحيرة أرومية، وطالب بتأسيس دولة قومية للأكراد.

في سبيل تحقيق هذا الهدف، عقد العديد من الاجتماعات مع قيادات الأكراد في كل من إيران والعراق، ثم أعلن الثورة على الدولة القاجارية الحاكمة في إيران، ودخل في العديد من المعارك ضدها بين (1918- 1922).

وفي 1930 تمكنت السلطة القاجارية من القضاء على تمرد سمكو آغا بشكل كامل بعدما نجحت في استدراجه ثم قامت باغتياله.

تجدد حلم إقامة الدولة الكردية أثناء الحرب العالمية الثانية. ففي عام 1941، سيطرت القوات السوفيتية على شمالي إيران وسمح السوفييت للأكراد بإقامة نوع من أنواع الحكم الذاتي في الأراضي التي يشكلون أغلبية فيها.

على أثر ذلك تشكل حزب "جمعية إحياء كردستان" وقام زعماء الحزب بإدارة الأمور في مدنهم. وفي يناير 1946 تم الإعلان عن تأسيس جمهورية مهاباد الكردية، واختيار قاضي محمد زعيم الحزب رئيساً للجمهورية الوليدة. لم يطل عمر تلك الدولة، حيث انسحب السوفييت بعد شهور وتركوا الأكراد دون مساندة.

في ديسمبر 1946، دخلت القوات الإيرانية إلى مهاباد وسيطرت على جميع مدنها. كما قامت بحظر اللغة الكردية. وتم شنق قاضي محمد بتهمة الخيانة العظمى.

زعيم آخر كردي، هو عبد الرحمن قاسملو. وُلد عام 1930م في مدينة أورمية وتلقى فيها تعليمه الابتدائي والإعدادي، قبل أن يرحل إلى تركيا ليتابع دراساته في المرحلة الجامعية بإسطنبول.

يذكر الدكتور محمد علي الصويركي في كتابه "تراجم أعلام الكورد" أن قاسملو بدأ نشاطه السياسي في 1945، ولعب دوراً مهماً في تشكيل "اتحاد الشباب الديمقراطيين" في كردستان، الذي كان أحد مؤسسات الحزب الديمقراطي الكردستاني.

بعد فترة قصيرة أصبح قاسملو عضواً رسمياً في الحزب، واُنتخب سكرتيراً عاماً له، ثم ترقى فيه حتى وصل إلى منصب الأمين العام للحزب الديمقراطي الكردستاني، الذي كان ينادي بالاستقلال الذاتي لمنطقة كردستان الشرقية.

بعد ذلك رحل قاسملو إلى أوروبا لدراسة علم السياسة والاقتصاد. فدرس في فرنسا، وتشيكوسلوفاكيا. ثم عمل بعدها على تدريس اللغة الكردية والتاريخ الكردي في بعض الجامعات الأوروبية.

في 1950، عاد إلى إيران وانتخب رئيساً للجنة المركزية في الحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني. وعرف بمعارضته لسياسات الدولة الإيرانية الشاهنشاهية، فتعرض للحبس عدة مرات.

مع تزايد المعارضة ضد الحكم البهلوي، عاد قاسملو إلى كردستان في أواخر 1978، وقام برفقة 20 ألف مقاتل من قوات البيشمركة بحملة ضد جيش الشاه، واستولى أتباعه على السلاح من الجيش والشرطة في إيران خلال الاضطرابات التي عمت البلاد، وسيطرت البيشمركة على ثماني مدن وعشرين بلدة في كردستان الشرقية، وبذلك وضع الشعب الكردي حجر الأساس لدولته، وأسس فروعاً لحزبه في أنحاء البلاد.

بعد نجاح الثورة الإسلامية في إيران، تم تهميش الدور الكردي إلى حد بعيد واضطر قاسملو للهجرة إلى أوروبا. وفي يوليو 1989 اغتيل في العاصمة النمساوية فيينا، ووجهت أصابع الاتهام للمخابرات الإيرانية.

كيف أثّر حزب العمال الكردستاني تاريخياً على العلاقات العراقية التركية؟
خلال الشهر الماضي فقط، صنف العراق حزب العمال الكردستاني منظمة محظورة، لأول مرة منذ الصراع بين الحزب وتركيا. وخلال زيارته للعراق، صرح الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، بأنه يأمل رؤية "نتائج ملموسة" لهذا التصنيف، مضيفا أنه يتطلع إلى "المساعدة العراقية في هذه المعركة". ماذا نعرف عن حزب العمال الكردستاني؟ وكيف أثر تاريخيا على العلاقة بين بغداد وأنقرة؟
 

في تركيا

من أبرز زعماء الكرد في تركيا، كان الشيخ سعيد بيران، الذي ولد عام 1865. درس في صغره العلوم الدينية كما اعتنق التصوف على الطريقة النقشبندية، وحظي بمكانة معتبرة بين الأكراد في منطقة الأناضول وشمال سوريا.

وضح الدور القومي للشيخ سعيد في عشرينيات القرن العشرين، حيث انتهج مصطفى كمال أتاتورك، مؤسس تركيا الحديثة نهجاً متشدداً ضد الأقلية الكردية، واتبع سياسة التتريك في المناطق التي يقطنها الأكراد.

في فبراير 1925، اجتمع ممثلون عن أكراد تركيا وسوريا في مدينة حلب. واتفقوا على الوقوف ضد سياسة تركيا الكمالية، كما توافق المجتمعون على انتخاب الشيخ سعيد قائداً عاماً لهم. في مارس من العام ذاته، بدأت الثورة الكردية -تحديداً يوم عيد النوروز-  في مناطق عديدة من جنوب شرق تركيا.

في بداية الأمر، حقق الثوار الأكراد بعض الانتصارات، وتمكنوا من فرض الحصار على مدينة ديار بكر. وفي أبريل هُزموا أمام الجيش التركي، كما أُسر الشيخ سعيد بيران مع عدد من أتباعه.

في يونيو من السنة نفسها، حوكم الشيخ سعيد أمام محكمة تركية بتهمة الخيانة. وصدر بحقه حكم بالإعدام، ونُفذ في آخر شهر يونيو ضمن ساحة المسجد الكبير في ديار بكر.

مثال آخر، هو عدد من القادة الأكراد من عائلة بدرخان. وتُنسب إلى عميدها الأمير بدرخان باشا حاكم جزيرة بوتان جنوبي شرق الأناضول.

تولى الأمير بدرخان الحكم في سنة 1812 وتمكن من توحيد القبائل الكردية تحت رايته، ومدّ سلطته حتى وصلت حدود دولته إلى أطراف الموصل جنوباً، وسننداج شرقاً، وديار بكر وسيفورك غرباً.

في عام 1847، تمكن العثمانيون من اجتياح دولة بدرخان باشا وأسروا الأمير ثم نقلوه إلى إسطنبول، ومنها إلى جزيرة كريت، قبل أن يُسمح له بالعودة إلى دمشق ليقضي فيها السنوات الأخيرة من حياته، حيث توفى عام 1869.

لم ينته تأثير الأسرة البدرخانية بوفاة بدرخان باشا، إذ تمكن أبناؤه وأحفاده من إذكاء الروح القومية لدى الأكراد بطرق متعددة. على سبيل المثال، قام عبد الرزاق بدرخان في 1913 بتأسيس أول جمعية ثقافية كردية باسم "كيهاندن" في مدينة خوي في إيران، كما قاد الانتفاضة الكردية لسنوات بدعم من روسيا حتى قُبض عليه وتم إعدامه من قِبل الأتراك في نهاية المطاف.

كذلك، قام جلادت بدرخان بتأليف الأبجدية الكردية اللاتينية، فيما أصدرت زوجته، روشن بدرخان مجلة هاوار من سوريا عام 1932، وعملت من خلالها على نشر الأبجدية الكردية في جميع أنحاء كردستان.

أيضاً كان منهم الأمير مقداد مدحت بدرخان، الذي أصدر صحيفة "كردستان" من القاهرة في عام 1898 وعمل من خلالها على تسليط الضوء على القضية الكردية.

ويُعدّ عبد الله أوجلان من أشهر الشخصيات التي ارتبط اسمها بالقضية الكردية في العصر الحديث. ولد في 1948 في محافظة أورفة التركية. وفي بداية السبعينيات التحق بكلية الحقوق في جامعة إسطنبول ثم تحول لدراسة العلوم السياسية بجامعة أنقرة.

في عام 1978، أسس أوجلان حزب العمال الكردستاني بهدف تأسيس دولة كردية على أجزاء من إيران وتركيا والعراق وسوريا، لكنه اضطر عام 1980 للرحيل إلى سوريا، وهناك أقام معسكرات لتدريب أعضاء حزبه. بعدها بأربع سنوات قام الحزب بعمليات عسكرية مختلفة في كل من إيران والعراق وتركيا.

في 1998، طالبت سوريا أوجلان بمغادرة أراضيها بعد أن تعرضت دمشق لضغوط من قِبل أنقرة.

إثر ذلك، تنقل بين روسيا وإيطاليا وكينيا. وفي فبراير 1999 قُبض عليه في كينيا وتم تسليمه للسلطات التركية ليُحاكم بتهمة الإرهاب، فصدر بحقه حكم بالإعدام تحوّل لاحقاً إلى السجن مدى الحياة، وما زال فيه حتى اليوم.

خلال مسيرته، دخل حزب العمال الكردستاني، الذي أسسه أوجلان، في مواجهات دامية مع القوات التركية، نفذ أعضاؤه هجمات داخل الأراضي التركية وخارجه، ما وضعه في قائمة الإرهاب في أكثر من دولة، وعلى رأسها الولايات المتحدة ودول الاتحاد الأوروبي.