ولد منصور بن سرجون في عام 676م على وجه التقريب، في زمن الخليفة الأموي الأول معاوية بن أبي سفيان في دمشق.
ولد منصور بن سرجون في عام 676م على وجه التقريب، في زمن الخليفة الأموي الأول معاوية بن أبي سفيان في دمشق.

عرفت بلاد الشام في القرن السابع الميلادي/ الأول الهجري اتصالًا مهمًا بين المسيحية السريانية والإسلام المبكر، وذلك بعدما تمكن "الفاتحون" العرب من الانتصار على الإمبراطورية البيزنطية في موقعتي أجنادين واليرموك، ليُفتح لهم باب السيطرة على مدن الشام الكبرى، كدمشق وحلب وحماة وحمص، على مصراعيه.

في هذه الفترة، تعرف آباء المسيحية على مجمل العقائد الإسلامية، وكتبوا آراءهم عنها في بعض المصنفات المهمة التي ضاع معظمها عبر القرون. من بين الكتب القليلة التي وصلتنا كتاب الهرطقات للقس يوحنا الدمشقي.

 

في دمشق.. منصور بن سرجون متولي الخراج

 

على الرغم من أن المصادر التاريخية الإسلامية لم تقدم الكثير من المعلومات عن شخصية يوحنا الدمشقي، إلا المراجع المسيحية السريانية رسمت صورة عامة له، وتتبعت أهم محطات حياته.

ولد يوحنا الدمشقي باسم منصور بن سرجون. وكانت عائلته ذات الأصل السرياني صاحبة نفوذ واسع في بلاد الشام، ولا سيما في مدينة دمشق. جد يوحنا -والذي لا نعرف اسمه على وجه التحديد- كان يتولى جباية الأموال لحساب البيزنطيين. ولما تمكن الفرس الساسانيون من الاستيلاء على دمشق، استمر قائمًا بأعمال وظيفته، حتى إذا ما انتصر البيزنطيون على الفرس، واستعادوا دمشق مرة أخرى، عوقب يوحنا من قبل السلطات الرومانية لفترة، ثم أرجع لوظيفته.

لوحة يونانية من القرن الرابع عشر عن يوحنا الدمشقي.

علاقة أسرة يوحنا الدمشقي بالمسلمين بدأت مع الحصار الذي فرضه الجيش العربي على مدينة دمشق في عام 634م/13ه، وهو الحصار الذي انتهى بتسليم المدينة صلحًا. ولعبت أسرة يوحنا الدمشقي نفسها دورًا مهمًا في الاتفاق على الصلح والتسليم، وأدارت المفاوضات بنجاح مع قائد المسلمين أبي عبيدة بن الجراح.

ولد منصور بن سرجون في عام 676م على وجه التقريب، في زمن الخليفة الأموي الأول معاوية بن أبي سفيان في دمشق. واستطاع أن يتقن السريانية واليونانية والعربية والآرامية في سن صغيرة، كما يُحتمل أنه كان مطلعًا على أشعار العرب، إذ ذكر أبو الفرج الأصفهاني المتوفى 356ه في كتاب "الأغاني" أن الشاعر العربي الشهير الأخطل كان في بعض الأحيان يزور بيت سرجون (والد يوحنا)، وأنه كان يقضي هناك وقتًا طويلًا.

لعبت أسرة يوحنا الدمشقي نفسها دورًا مهمًا في الاتفاق على الصلح والتسليم، وأدارت المفاوضات بنجاح مع قائد المسلمين أبي عبيدة بن الجراح.

مشاركة منصور بن سرجون في الشؤون الإدارية للدولة الأموية بدأت بشكل عملي في زمن الخليفة عبد الملك بن مروان، إذ عُين بعد وفاة أبيه في منصب متولي الخراج والجزية، والمشرف على شؤون المسيحيين الموجودين بدمشق. واستمر محافظًا على هذا المنصب في عهد ابني عبد الملك -الوليد وسليمان- حتى إذا ما تولى عمر بن عبد العزيز الخلافة، واشتدت قبضة السلطة الأموية على المسيحيين، آثر منصور بن سرجون أن يترك منصبه واختار أن يعيش حياة الرهبنة في دير القديس سابا في أورشليم بفلسطين، وفي تلك المرحلة سمى نفسه باسم يوحنا.

 

في دير القديس سابا.. القديس يوحنا الدمشقي

 

في الدير، عاش يوحنا الدمشقي حياة العزلة والزهد والتدين، وصنف الكثير من الكتب، والتي ركزت -بالمقام الأول- على الدفاع عن المسيحية من جهة، والهجوم على أعدائها من جهة أخرى. من أشهر تلك الكتب "ينبوع المعرفة"، و"الهرطقات"، و"الإيمان الأرثوذكسي"، و"مقدمة في العقائد المسيحية".

عُرف يوحنا في تلك الفترة بكونه من أشهر المؤيدين لتعظيم الأيقونات المسيحية (الرسومات والتماثيل الكنسية)، وبكونه واحدًا من أهم المعارضين لحركة تحطيم الأيقونات، تلك التي قادها الإمبراطور البيزنطي ليو الثالث الأيسوري، والتي انتشرت على نطاق واسع في القسطنطينية، عاصمة الإمبراطورية البيزنطية.

من القصص المشهورة التي ارتبطت بتحول يوحنا الدمشقي إلى الرهبنة، تلك القصة الخوارقية المتصلة بشرح الأيقونة المشهورة باسم "العذراء ذات الثلاثة أيدي". تذكر القصة أن الإمبراطور البيزنطي لما أراد أن يوقع بيوحنا بسبب دعمه لتقديس الأيقونات، فإنه استحضر مجموعة من الكتبة المهرة، وأمرهم بكتابة رسالة بخط يوحنا الدمشقي، ثم أرسل بها إلى الخليفة الأموي، فلما وقعت في يديه وقرأها، وجدها قد احتوت على اتفاق بين الإمبراطور ويوحنا على تسليم دمشق للبيزنطيين، فاستشاط الخليفة غضبًا، واستدعى يوحنا وقطع يده اليمنى.

وبحسب القصة، فإن يوحنا صلى كثيرًا أمام أيقونة العذراء. فلما نام رأى القديسة مريم، وأخبرته بأنها ستعيد يده إليه، ولما استيقظ وجد يده في مكانها! وسرعان ما انتشر الخبر ووصل للخليفة. ولما سمع قصة يوحنا، ندم على إساءة الظن به، وطلب منه أن يعود إلى منصبه، لكن يوحنا رفض ذلك وسافر لفلسطين لينتظم في سلك الرهبنة.

في عام 749م على وجه التقريب، مات يوحنا الدمشقي بعد عمر طويل قضاه في الدفاع عن المسيحية، ومواجهة أعدائها، ليستحق الوصف الذي وصفه به المؤرخ المعاصر فيليب حتي في كتابه "تاريخ سوريا ولبنان وفلسطين"، عندما وصفه بأنه "أبرز مفاخر الكنيسة السورية في ظل الدولة الأموية".

 

الهرطقة المئة!

 

في دير القديس سابا بفلسطين، ناقش يوحنا الدمشقي الإسلام المبكر في كتابه المعروف باسم "الهرطقات"، وذلك في الفصل رقم مائة في بعض الترجمات، وفي الفصل رقم مائة وواحد في ترجمات أخرى. هذا الكتاب تم تأليفه باللغة اليونانية، ولما كان العرب في تلك الفترة لا يجيدون تلك اللغة، فإن ذلك ضمن للدمشقي الحماية الكافية من الغضب المتوقع الذي كان من الممكن أن يوجهه إليه المسلمون في حالة اطلعوا على ما دونه في ذلك الكتاب.

أولى الملاحظات التي تشد انتباه قارئ الكتاب، أن يوحنا لم يطلق على الإسلام هذا الاسم أبدًا، إذ نجده يسمي المسلمين بالإسماعيليين -نسبةً إلى النبي إسماعيل بن إبراهيم- تارةً، أو يطلق عليهم اسم الهاجريين -نسبةً إلى السيدة هاجر- تارة أخرى. في السياق نفسه، سنجد أن الدمشقي قد أطلق على العرب اسم "الساراسين"، وهو أحد الاسماء التي كان يطلقها الرومان على العرب في منطقة الشام والجزيرة. ملاحظة أخرى مهمة وهي أن المؤلف اعتمد على السخرية والتهكم إلى حد بعيد عند تأليف كتابه. ويظهر من نصوص الكتاب أيضا أن يوحنا كان على اطلاع واسع بالنص القرآني، وبما ورد فيه من قصص وتشريعات.

ألف يوحنا الدمشقي كتاب "الهرطقات" باليونانية، ما ضمن له الحماية الكافية من الغضب  الذي كان من الممكن أن يوجهه له المسلمون لو اطلعوا على الكتاب.

في بداية الفصل المخصص لنقد الإسلام، يعلن الدمشقي عن رأيه السلبي في هذا الدين، معتبرًا إياه مجرد هرطقة منحرفة عن "المسيحية الحقة" التي أتى بها يسوع الناصري. فيقول رابطًا بين هذا الدين والمسيح الدجال: "هناك أيضا ديانة الإسماعيليين التي لا تزال تسيطر في أيامنا، وتستميل الشعوب معلنة مجيء المسيح الدجال". بعدها، يتحدث عن الحالة الدينية للعرب في الجاهلية -قبل الإسلام-. فيقول: "لقد كانوا إذًا وثنيين، وكانوا يعبدون نجمة الصبح والزهرة التي كانوا يدعونها "خبار/كبار" في لغتهم على وجه التحديد، والتي تعني عظيمة. وهكذا كانوا يزاولون عبادة الأصنام علنًا حتى عهد هرقليوس...".

يشرح الدمشقي بعد ذلك الكيفية التي بدأ بها الإسلام على يد النبي محمد في شبه الجزيرة العربية، فيقول: "أنشأ -يقصد النبي- هرطقته الخاصة بعد أن تعرف بالصدفة على العهدين القديم والجديد، وبعد أن تحاور كما يبدو مع راهب أريوسي، وبعد أن أحرز لنفسه حظوة لدى الشعب عبر تظاهره بالتقوى، كان يلمح بأن كتابًا آتيًا من السماء قد أوحي به إليه من الله...".

تحت عنوان اللاهوت القرآني، يشرع يوحنا الدمشقي في تفصيل العقائد المركزية في الإسلام، والتي تتمحور حول فكرة الوحدانية المطلقة، فيجملها بقوله: "يوجد إله واحد خالق لكل الأشياء، وإنه لم يولد ولم يلد". ثم ينتقل بعدها لإبداء وجهة نظر الإسلام في المسيح، بحسب ما ورد في القرآن، فيقول: "المسيح بحسب رأيه هو كلمة الله وروحه، بيد أنه مخلوق وعبد ولد دونما زرع من مريم أخت موسى وهارون، وهو يقول في الواقع إن كلمة الله وروحه قد دخلا في مريم وولدا يسوعا الذي كان نبيًا وعبدا لله". بعدها، يتحدث عن الرأي الإسلامي في مصير المسيح، فيقول: "إن اليهود قد صلبوا خيال المسيح، وأن الله قد نجاه من وسطهم ورفعه إلى السماء".

اعتبر يوحنا الدمشقي الإسلام مجرد هرطقة منحرفة عن المسيحية.

القارئ للكتاب سيلاحظ أن يوحنا الدمشقي قد خصص جزءًا كبيرًا من كتابه للتشكيك في أمر نزول الوحي على النبي محمد. فقال: إن موسى قد تسلم الشريعة على جبل سيناء على مرأى ومسمع من بني إسرائيل جميعًا عندما ظهر له الله في "السحاب والنار والظلام والعاصفة"، وإن جميع الأنبياء قد بشروا بالمسيح، وقالوا: إن المسيح هو الله، وأن ابن الله سيقبل متجسدًا، وأنه سيُصلب ويموت ويقوم، وأنه هو الذي سيدين الأحياء والأموات. أما نبي المسلمين فقد تلقى الوحي من غير شهود على ذلك، فما الدليل على صدق حديثه؟.

ويتابع يوحنا فيقول مظهرًا معرفته الواسعة بالتشريعات الإسلامية: "كونه هو نفسه أمركم في كتابكم ألا تفعلوا شيئًا وألا تقبلوا شيئًا بدون شهود، فلم لم تسألوه: ابدأ أنت أولًا وبرهن لنا من خلال الشهود أنك نبي وأنك مرسل من الله، وما هو الكتاب الذي يشهد لصالحك؟ ... كونه لم يبح لكم الاقتران بامرأة ولا الشراء ولا الاقتناء بدون شهود، وكونكم لا تقبلون بأن تملكوا ولو حميرًا أو ماشية بدون شاهد، فلا تتخذون لكم من ثم نساء وخيرات وحميرًا وباقي الأشياء إلا أمام شهود. إذًا، قد قبلتم الإيمان والكتاب وحدهما بدون شاهد! لأن الذي نقل إليكم هذا الكتاب لا ضمانة له من أي جهة، كما ولا يعرف أحد شهد لصالحه من قبل. لا بل تسلمه في نومه علاوة على ذلك".

القارئ للكتاب سيلاحظ أن يوحنا خصص جزءًا كبيرًا للتشكيك في أمر نزول الوحي على النبي محمد.

بعده، يرد الدمشقي على اتهام المسلمين للمسيحيين بالشرك، فيقول: "أنتم القائلون بأن المسيح هو كلمة الله وروحه، لم تهينوننا كمشركين؟ فالكلمة والروح هما غير منفصلين عما يكونان فيه بالطبيعة. وإذا ما كان المسيح في الله من ثم على أنه كلمة الله، فيكون هو أيضًا الله بالتأكيد. أما إذا كان خارج الله، فيكون الله بدون كلمة وبدون روح حسب رأيكم، وهكذا تشوهون الله في تحاشيكم إشراك أحد بالله. وكان الأحرى بكم فعلًا أن تقولوا إن له شريكًا من أن تشوهوه جاعلين إياه شبيهًا بحجر أو خشب أو شيء ما من الجوامد فاقدة الحس، ولأجل ذلك أنتم تنطقون بالأكاذيب عندما تدعوننا مشركين، ونحن ندعوكم بالمقابل مشوهي الله". في السياق نفسه، يرد الدمشقي على تهمة عبادة المسيحيين للأوثان المُمثلة في الأيقونات والصليب، فيقول إن المسلمين يمارسون الأمر ذاته عندما يقبلون الحجر الأسود عند الكعبة.

أما في الجزء الأخير من كتابه، فيتحدث الدمشقي عن سورة النساء، وينتقد ما ورد فيها من السماح بتعدد الزوجات. وبعدها يذكر حكاية زواج النبي من زينب بنت جحش، ويدعي أن النبي لما شاهدها أعجب بجمالها، فأمر مولاه زيد عندئذ بتطليقها. ثم يحدث عن قصة ناقة صالح الذي أُرسل في ثمود، ويوجه لها الكثير من سهام النقد والتشكيك. وبعدها يتحدث في عجالة عن سور البقرة والمائدة، ويذكر أن النبي محمد قد أمر أتباعه أن يختتنوا -رجالًا ونساءً- وأنه قد أباح لهم بعض الأطعمة التي كانت محرمة فيما قبل.

في نهاية الكتاب، يورد يوحنا الدمشقي مناظرة -مُتخيلة- بين مسلم ومسيحي حول بعض القضايا المهمة التي كانت مثارة على الساحة الفكرية في تلك الفترة، ومن أهمها الحرية الإنسانية، وعدالة الله، وخلق الإنسان، والمعمودية والخلاص، والمشيئة، والتجسد، وغير ذلك من القضايا التي سرعان ما انتقلت لحيز الجدل داخل الأوساط الإسلامية ذاتها، ولا سيما في دوائر أهل السنة والجماعة، والمعتزلة، والشيعة، والخوارج.

مواضيع ذات صلة:

ث
أرشيفية من لحظة تتويج الرباع العراقي عبد الواحد عزيز بالبرونزية في أولمبياد روما 1960

مع انطلاق أولمبياد باريس يستذكر العراقيون الرباع عبد الواحد عزيز، صاحب الميدالية البرونزية الوحيدة، وأحد الأبطال الذين لقبّوا بـ"قاهري الحديد" في البصرة.

ولد عبد الواحد عزيز عام 1931 في مدينة البصرة الغنية بالنفط والمطلة على الخليج العربي متعددة الأعراق والثقافات. وبحسب السيرة الذاتية التي نشرت على موقع نقابة الرياضيين العراقيين فإن عزيز كان مولعاً بالرياضة، إذ مارس كرة القدم والسلة والطائرة بالإضافة للسباحة قبل أن يستقر على رياضة رفع الأثقال أوائل الخمسينيات في نادي الاتحاد الرياضي.

انتقل للتدريب في نادي الشروق بمنطقة العشار، وهناك تعرف عليه الرباع ورئيس اتحاد الأثقال في البصرة والحكم الدولي السابق عبد الباقي ياسين التميمي الذي تحدث لـ "ارفع صوتك" عن تلك المرحلة الذهبية في حياة الرياضيين العراقيين وطموح الرباعين أن يحصد العراق وساماً ملوناً في رياضة رفع الأثقال.

يروي التميمي: "كانت الرياضة هواية يمارسها أبناء المجتمع البصري بشكل فطري ودون أن تكون هناك رعاية من الدولة لتطوير هذه الألعاب. فكان فعلاً مجتمعياً قائماً على حب الرياضيين لهواياتهم بالدرجة الأولى".

في تلك الفترة برز العديد من الرباعين في البصرة وكان يطلق عليهم اسم "قاهري الحديد" بالإضافة إلى العديد  من الرياضات الفردية، فضهر العديد من الأبطال ونال كثير منهم الألقاب على مستوى العراق والعالم العربي وبطولات آسيا.

ميدالية يتيمة منذ 1960.. ما حظوظ العراق في أولمبياد باريس؟
خوض غمار أولمبياد باريس 2024 لا يختلف عن المشاركات السابقة للعراق والعامل المشترك هو غياب ‏التفاؤل عن بلد ما زال يبحث عن مكان مفقود له في هذه الألعاب التي أحرز فيها ميدالية يتيمة خلال تاريخه، وكانت ‏باللون البرونزي عبر الربّاع الراحل عبد الواحد عزيز في روما 1960.‏

الطريق إلى الأولمبياد

أقيمت أول بطولة نظامية في رفع الاثقال عام 1944 في العاصمة بغداد، وأُسس أول اتحاد لرفع الأثقال رسمياً في 1950، وبعدها بعامين أصبح العراق عضواً في الاتحاد الدولي لرفع الأثقال.

كان للرباع عزيز "مساهمة كبيرة في إبراز رياضة رفع الاثقال التي تفرغ لها كلياً عام 1951"، بحسب التميمي، موضحاً "بدأت داخلياً عندما شارك عزيز بأول بطولة وطنية له في العام ذاته واحتل المركز الثاني في وزن الديك (56 كغم)، وهو الإنجاز الذي كرره في العام التالي. بعدها بعامين ظهر لأول مرة دولياً في دورة الألعاب العربية التي أقيمت في الإسكندرية بمصر عام 1953، بوزن الريشة (60 كغم) آنذاك، وحصل على الميدالية الفضية".

"ومن هناك بدأ عزيز يشق طريقه نحو الأولمبياد التي تُعقد مرة واحدة كل أربعة سنوات، فكان مخلصاً في التدريب تحت إشراف المدرب جميل بطرس وهو واحد من أهم مدربي رياضة رفع الأثقال في البصرة آنذاك"، يتابع التميمي.

كان جميل بطرس موظفاً في مصلحة الموانئ العراقية، فيما كان عزيز موظفاً في دائرة الكهرباء، يصفهما التميمي بقوله "كلاهما كانا مواظبين على التدريب بعد الانتهاء من عملهما في دوائرهما الرسمية، كما كانا يتدربان أيضا في منزلهما المزود بمتطلبات بسيطة للتدريب على رفع الأثقال".

خلال تلك المدة كان التدريب يتكون من ثلاث فقرات وهو الضغط والنتر والخطف، أما حالياً فتم إلغاء الضغط.

ويشرح التميمي الطريقة التي كان يتدرب بها عزيز: "كان مخلصاً في تدريبه لا يتركه ولو ليوم واحد"، معللاً ذلك بأن "رياضة رفع الأثقال قاسية تحتاج إلى تدريب مستمر ونظام غذائي صارم حتى لا يتأثر بارتفاع وانخفاض الوزن خلال المنافسات العربية والدولية". 

ونتيجة لكل ذلك التدريب بدأ عزيز بحصد الميداليات الواحدة تلو الأخرى، بدأت من دورة الألعاب العربية الثانية التي أقيمت في بيروت عام 1957 حيث تمكن عزيز من نيل المركز الأول والميدالية الذهبية في فعالية وزن المتوسط (75 كغم).

وفي العام نفسه أقيمت في طهران بطولة آسيا برفع الأثقال والمتداخلة مع بطولة العالم، شارك فيها بفعالية الوزن الخفيف (67.5 كغم) حيث حصد المركز الأول بمجموع رفعات بلغ (362.5 كغم)، ليكون الرباع الوحيد في آسيا والشرق الأوسط الذي عبر حاجز الـ(360 كغم) ضمن فئة الخفيف.

أما مشاركته الثانية وهي الأبرز فجاءت في العاصمة البولندية وارسو عام 1959 ونال بها المركز الثالث بعد أن قلل من وزنه إلى الوزن الخفيف. حصل على الميدالية البرونزية في بطولة العالم عام 1959 وهو ما جعله منافساً في أولمبياد روما عام 1960.

يقول التميمي إن وصول عزيز للأولمبياد "كان حدثاً عظيماً أثر في جميع اللاعبين وانتظرناه بفارغ الصبر".

هل يحرز العراق الذهب في أولمبياد باريس؟
وتتألف بعثة العراق في أولمبياد باريس 2024 المقرر إجراؤها بين 26 يوليو الجاري و11 أغسطس المقبل، بحسب بيان للجنة الأولمبية العراقية، من 26 رياضياً في ألعاب كرة القدم ورفع الأثقال وألعاب القوى والجودو والسباحة إضافة إلى الإداريين والمدربين والأطباء والمعالجين.

برونزية روما

وصل عبد الواحد عزيز برفقة مدربه جميل بطرس إلى روما، وهناك تمكن من التنافس وكان مرشحاً قوي للحصول على المركز الأول أو الثاني بسبب الأرقام التي حققها برفعه مجموعة قدرها (380 كغم) وهو رقم متساو مع ما حققه اللاعب السنغافوري تان هو ليوانغ، فيما تقدم عليهما السوفيتي يوشو بيف بـ(397.5 كغم).

"بعد التعادل، تقرر بحسب أنظمة ولوائح الأولمبياد في حال التساوي يتم الأخذ بنظر الاعتبار أوزان المتسابقين لتحديد الفائز. لتفصل 400 غرام زيادة في وزن عزيز عن الفضية، فاحتل المركز الثالث وحصل على الميدالية البرونزية.

منذ ذلك الحين، لم يتمكن أي رياضي عراقي من تحقيق ما يوازي هذا الإنجاز، لذلك صار لقب ميداليته "اليتيمة"، وفق عبد الباقي ياسين التميمي.

وعن الجو العام في العراق، يتذكر "كنتُ وبقية الرياضيين خصوصاً الرباعين نتابع  أخبار الأولمبياد عبر الصحف والإذاعة، فلم يكن ممكناً حينها رؤية النقل المباشر للألعاب الرياضية، ورأينا لحظة فوزه في نسخة مسجلة عبر التلفاز".

"كانت فرحة لا يمكن وصفها"، يضيف التميمي، مكملاً "عندما عاد عزيز إلى العراق تم تكريمه باحتفالين متواضعين الأول في بغداد والثاني في محافظة البصرة".

بععد عودته، أعرب عزيز عن دهشته بحجم التطور الرياضي الذي رآه في الألولمبياد وحجم الإمكانيات المتوفرة للاعبين من قبل بلادهم، وكيف أنه ذهب برفقة مدربه فقط، مقارنة بغيره من اللاعبين الذين وصلوا روما برفقة العديد من الأشخاص والمدربين لتهيئتهم من أجل المسابقات.

كان أكثر ما تمناه عزيز للعراقيين، يقول التميمي "توفير الإمكانيات التي توفرها دول العالم المتقدم للاعبيهم في المنافسات" وهو الأمر الذي لم يتحقق.

يوضح "تراجعت رياضة رفع الأثقال كثيراً خصوصاً في البصرة، لظروف كثيرة منها الحروب والأوضاع الأمنية وعدم توفير الدعم".

كذلك، لم يستمر عزيز بعد الأولمبياد في رفع الأثقال فقد عانى من مشاكل صحية لم تسمح له بالبقاء طويلاً في اللعبة، كونها من الألعاب الشاقة. 

توفي عزيز بعمر صغير أوائل الثمانينيات، يقول التميمي، مردفاً "خسرنا بطلاً عراقياً كان يمكن أن تكون له إنجازات كبيرة في عالم التدريب كما كان صاحب الإنجاز الوحيد للعراق في الأولمبياد".

ورغم التراجع الذي تواجهه الرياضات الفردية بشكل عام، إلا أن التميمي يبدو متفائلاً، بقوله "أنظر بأمل كبير إلى رياضة رفع الأثقال لتكون من جديد الرافد الأساسي لميدالية أولمبية جديدة في أولمبياد باريس الحالية، نظراً للأرقام التي حققها المتأهل إلى الأولمبياد الرباع علي عمار، وألا تبقى الميدالية العراقية الوحيدة في الأولمبياد يتيمة".