حكم المسلمون الأندلس قرابة 800 قبل أن تسقط من أيديهم لصالح الإسبان.
حكم المسلمون الأندلس قرابة 800 قبل أن تسقط من أيديهم لصالح الإسبان.

نجح المسلمون في غزو الأندلس سنة 92هـ. استقر "الفاتحون" في أراضيهم الجديدة وأسسوا مجموعة من الدول تعاقبت على حكم البلاد على مدار 800 عام. كانت غرناطة هي آخر معاقل الإسلام في الأندلس، وبسقوطها في سنة 897ه، اختفى الحكم الإسلامي نهائيًا من تلك البلاد. ولاحقا، دأب المسلمون على النظر إلى الأندلس على أنها جنة الله في أرضه، والفردوس المفقود الذي "سُلب منهم" في وقت ضعفهم.

حاول العقل الإسلامي أن يقدم مجموعة من المبررات التي تفسر "ضياع الأندلس". فظهرت أفكار الباحثين المتأثرين بالتفسير الديني للتاريخ. روج هؤلاء إلى أن السبب الأول لضياع الأندلس تمثل بالمقام الأول في ابتعاد أهلها عن الدين والشريعة وميلهم للفنون واللهو والترف.

وفي هذا السياق، ظهر اسم زرياب. عدّه بعض الباحثين الإسلاميين المسؤول الأول عن ضعف مسلمي الأندلس وتدهور قوتهم. يقول الداعية الإسلامي راغب السرجاني في كتابه "قصة الأندلس من الفتح للسقوط" معبرًا عن ذلك الرأي: "السبب الثاني لضعف الإمارة الأموية في الفترة الثانية: هو زرياب… كلام زرياب صرف الناس عن سماع العلماء إلى سماع زرياب، وصرف الناس عن سماع حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقصص السلف الصالح إلى سماع حكايات زرياب العجيبة وأساطيره الغريبة، بل صرف الناس عن سماع القرآن إلى سماع أغانيه... ولا يعلم الناس أن زرياب هذا ومن سار على طريقه كان سببًا رئيسًا في سقوط بلاد الأندلس!".

يقول الداعية الإسلامي راغب السرجاني: لا يعلم الناس أن زرياب هذا ومن سار على طريقه كان سببًا رئيسًا في سقوط بلاد الأندلس!".

وتفصل الباحثة آسيا بلمحنوف هذه الفكرة في مقال لها، فتقول: "بعد أن جاء -تقصد زرياب- الأندلس كثر المغنون والمغنيات هناك، وأصبح معهده يضم الكثير من المغنيات، وولع الناس بمجالسه الطربية حتى افتتنوا به، وكثر إقبالهم عليه، وظهر إلى جانب الغناء الرقص وكثرت مجالس الطرب واللهو، وقد صرفت حكايات زرياب عن الأمراء والملوك والأساطير الناس عن سماع قصص الصحابة والخلفاء وأمجادهم، بل وصرفهم حتى عن مجالس العلم وحلقات القرآن الكريم، بل إن النساء وفدن من خارج الأندلس ليتعلمن ضروب الغناء على يد زرياب...".

نناقش هذه الفرضية في هذا المقال، ونلقي الضوء على سيرة زرياب من جهة، والأسباب الموضوعية لسقوط الحكم الإسلامي في الأندلس من جهة أخرى، لنعرف أن شيوع القول بمسؤولية زرياب عن سقوط الأندلس ليس أكثر من طرح سطحي ساذج لا علاقة له بالظروف التاريخية التي عاشها المسلمون في شبه الجزيرة الأيبيرية لما يزيد عن ثمانية قرون كاملة.

 

زرياب.. من بغداد العباسية إلى قرطبة الأموية

 

يتبادر إلى الذهن السؤال حول شخصية زرياب. تُرى من هو هذا الرجل الذي حُمل على كاهله مسؤولية سقوط الحكم الإسلامي في الأندلس؟!

هو أبو الحسن علي بن نافع، ولد سنة 173هـ في الموصل. واتصل بالمغني المشهور إسحاق الموصلي فصار واحدًا من تلاميذه المقربين. عُرف أبو الحسن باسم زرياب -وهو طائر أسود اللون عذب الصوت- بسبب لون بشرته وحلاوة صوته.

كان إسحاق الموصلي من الموسيقيين المقربين من الخليفة العباسي الأشهر هارون الرشيد. تذكر المصادر التاريخية أن الرشيد طلب من الموصلي ذات يوم أن يقدم له أحد المغنيين الجدد. خضع الموصلي للأمر واصطحب معه زرياب وقدمه للخليفة. أنشد زرياب للرشيد قائلًا: "يا أيها الملك الميمون طائره هارون راح إليك الناس وابتكروا". أُعجب الرشيد بصوت المغني الجديد، وطار به فرحًا. تقول الروايات التاريخية أن ذلك أثار حفيظة إسحاق الموصلي فقال لتلميذه: "إما أن تذهب عني في الأرض لا أسمع لك خبرًا، وأنا أنهضك بما أردت من مال، وإما أن تقيم على كرهي، فخذ الآن حذرك".

كان زرياب يعرف أن أستاذه قادر على إنفاذ وعيده، ولذلك آثر أن يترك بغداد. أرسل إلى الأمير الأموي في الأندلس الحكم بن هشام يستأذنه في القدوم عليه، ولمّا تلقى منه الإذن سارع بترك العراق وتوجه غربًا. توفى الحكم قُبيل وصول زرياب، وتولى ابنه عبد الرحمن الحكم من بعده. يذكر محمد عبد الله عنان في كتابه "دولة الإسلام في الأندلس" أن زرياب لمّا وصل قرطبة، استقبله الأمير الجديد "بمنتهى الإكرام والحفاوة، وأجرى عليه الأرزاق الواسعة، وجعله من خاصة بطانته. وبهر زرياب أهل الأندلس ببراعته في الغناء والموسيقى، وطار صيته في كل مكان، وأضحى قطب الفن الذي لا يجارى، وأخذ عنه أهل الأندلس فنونه وإبداعه، وتشبهوا به في مظاهر زيه وأناقته وطرائق معيشته".

اخترع زرياب نوعًا جديدًا من الغناء يُعرف باسم الموشح، وأدخل عددًا من التعديلات على بعض الأدوات الموسيقية. أسس أيضًا دار المدنيات في قرطبة. كانت تلك الدار هي أول معهد للموسيقى في الأندلس. وتزعم بعض المصادر التاريخية أن زرياب عمل كذلك على نقل مظاهر الحضارة البغدادية إلى قرطبة، ومن خلاله تعرف الأندلسيون على أفضل تصميمات الملابس، وتعلموا الكثير من العادات المرتبطة بالطعام والشراب، وغير ذلك من الأمور المتعلقة بالذوق العام. استمر المغني الأسمر يمارس جهوده في تلك الميادين حتى توفي في سنة 243هـ. يلخص محمد عبد الله عنان أثر زرياب في قرطبة بقوله: "وكان لزرياب وفنه أعظم الأثر في تكوين الفن الأندلسي في ظل الدولة الأموية، ثم في ظل دول الطوائف".

 

وجود عدو قوي

 

يمكن أن نعزو سقوط الحكم الإسلامي في الأندلس لمجموعة من الأسباب المهمة. يُعدّ وجود العدو الإسباني القوي أهم تلك الأسباب على الإطلاق. انتصر المسلمون على القوط -حكام الأندلس القدامى- في رمضان سنة 92هـ في الموقعة التي عُرفت بمعركة وادي لكة أو سهل البرباط. سقط الملك القوطي رودريك قتيلًا في المعركة، وانكسرت قوة الجيش القوطي بعدما قُتل أغلبية النبلاء. تمكن أحد هؤلاء النبلاء ويُدعى بلاي/ بلايو من الهرب إلى الشمال الشرقي من شبه الجزيرة الأيبيرية واختفى وسط أنصاره في المعاقل الجبلية الحصينة في تلك الناحية.

يخبرنا المؤرخون أن المسلمين انشغلوا في افتتاح المدن الأندلسية الكبرى واحدةً بعد أخرى. بعد سبع سنين، حاول الوالي ابن علقمة اللخمي أن يستولي على تلك المعاقل الجبلية الشمالية، ولكنه هُزم في معركة كوفادونجا. قلل المسلمون من أهمية تلك المعاقل وانصرفوا إلى الجنوب وقالوا وقتها قولتهم المشهورة: "ثلاثون علجًا -يقصدون أتباع بلايو الذين ظلوا على قيد الحياة- ما عسى أن يجيء منهم"، وذلك بحسب ما يذكر المقري التلمساني المتوفى 1041هـ في كتابه "نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب".

تمكن بلايو عقب تراجع المسلمين من فرض سيطرته على بقية المعاقل الجبلية المجاورة له، ولم يمر وقت طويل حتى أعلن عن تأسيس مملكة أستورياس. كانت تلك الجهود الحربية المتواضعة هي البداية الحقيقية لمّا عُرف فيما بعد باسم "حروب الاسترداد". كان الإسبان المسيحيون يزدادون قوة شيئًا فشيئًا وتمكنوا من الاستيلاء على مناطق جديدة من الأندلس. ظهرت فيما بعد ممالك ليون وقشتالة وأراجون ونافار واستطاعت كل مملكة أن تقضم قطعة من الأملاك الإسلامية في شبه الجزيرة.

لم يتمكن المسلمون من دمج تلك الجماعات المعارضة في المجتمع الإسلامي كما وقع في بقية البلاد التي غزاها المسلمون. احتفظ الإسبان بدينهم المسيحي وخاضوا حربًا دينية- قومية ضد المسلمين على مر القرون. انتهت تلك الحرب في سنة 897هـ عندما سقطت مملكة غرناطة الإسلامية بيد التحالف المسيحي الذي قاده كل من فرديناند الثاني ملك أراجون وإيزابيلا الأولى ملكة قشتالة.

 

التكوين العنصري للشعب الأندلسي

 

يُعد التكوين العنصري الذي تألف منه الشعب الأندلسي أحد أهم الأسباب التي تفسر سقوط دولة الإسلام في الأندلس بعد قرون من تأسيسها. تلقي الباحثة المصرية سامية مصطفى مسعد الضوء على تلك المسألة في كتابها "التكوين العنصري للشعب الأندلسي وأثره على سقوط الأندلس". تقول الباحثة: "تألف الشعب الأندلسي من كثير من العناصر المتنافرة فهناك أهل البلاد الأصليون، سواء كانوا مسيحيين أو مسلمين، وهناك العرب والبربر والصقالبة. وكل عنصر من هذه العناصر ينتمي إلى جنس قائم بذاته، لكل لغته الخاصة وعاداته. هذا وإن كانت المصاهرة قد قربت بين تلك العناصر بعض الشيء إلا أنه بقي هناك من مظاهر الاختلاف والتنافس ما يكفي لقيام الصراع بينهم إذا ما حانت الفرصة".

انقسم المسلمون لما يزيد عن عشرين دولة، وخاضوا الحروب الدامية ضد بعضهم واستعانوا في بعض الأوقات بالدول الإسبانية المسيحية.

عرف المسلمون الصراع بين العناصر المختلفة منذ اللحظة الأولى لدخولهم الأندلس. تتحدث المصادر التاريخية أن الأمازيغ حققوا الانتصارات الأولى على القوط. حسدهم العرب على ذلك، فسارعوا بالمشاركة في الغزو. وتفجر الصراع بين الفريقين وانتشرت القوات العربية في أفضل مناطق الأندلس وأكثرها خصوبة وغنى. فيما تركوا للأمازيغ النواحي الأكثر جفافًا وفقرًا.

لم يتوقف التنافس العنصري في الأندلس على الخصومة المنعقدة بين العرب والأمازيغ، بل تعدى ذلك ليصل إلى الحرب بين القبائل العربية نفسها. كان التنافس يفرق بين قبائل القيسية -التي عاشت في شمال شبه الجزيرة العربية- والقبائل اليمنية- التي عاشت في جنوب شبه الجزيرة. وصل الأمر لحد قيام حروب أهلية بين القبائل العربية في القرن الثاني الهجري، وكان من الطبيعي أن يتسبب كل ذلك في ضعف القوة العسكرية للعرب.

كان هناك أيضًا المولدون، وهم سكان الأندلس الأصليون الذين اعتنقوا الإسلام أو أبناء "الفاتحين" -العرب والأمازيغ- من زوجاتهم الإسبانيات. جرى العرف أن يُنظر لتلك الفئة بشكل سيء من قِبل العرب والأمازيغ على حد سواء، كما تم تهميشهم بشكل شبه كامل بوصفهم "مواطنين" من الدرجة الثانية في المجتمع. اندلعت العديد من الثورات التي قام بها المولدون احتجاجًا على ما تعرضوا له من ظلم. كانت ثورة عمر بن حفصون في القرن الثالث الهجري واحدة من أهم تلك الثورات على الإطلاق. يذكر المستشرق البريطاني ستانلي لين بول في كتابه "تاريخ العرب المسلمين في إسبانيا: كلاسيكيات التاريخ" أن ابن حفصون وقف بين المولدين الذين اتبعوه، وقال لهم: "طالما عنف عليكم السلطان، وانتزع أموالكم، وحمّلكم فوق طاقتكم، وأذلتكم العرب واستعبدتكم. وإنما أريد أن أقوم بثأركم، وأخرجكم من عبوديتكم". يوضح ذلك القول شعور المظلومية الذي كان يتزايد بين أفراد تلك الطبقة.

 

الصراع السياسي المستمر بين المسلمين

 

عرفت الأندلس صراعًا مستمرًا لا يهدأ على الحكم والسلطة. بدأ هذا الصراع منذ اللحظة الأولى لـ"فتح" شبه الجزيرة الإيبيرية عندما اختلف موسى بن نصير مع مولاه طارق بن زياد فحبسه وعزله من منصب القيادة. ثم ظهرت إمارات هذا الصراع في عصر الولاة، فكان من المعتاد أن يتنافس علية القوم على منصب الوالي وكثيرًا ما دبر بعضهم المكائد للوصول للولاية.

اختار الأندلسيون أن يؤيدوا الدولة الأموية عقب زوال حكمها في المشرق على يد العباسيين. فنراهم يبايعون عبد الرحمن الداخل كأمير على الأندلس في سنة 138هـ. حارب الداخل وخلفاؤه العديد من القوى المعارضة للحكم الأموي، وأسفر ذلك عن ضعف قوة المسلمين حتى آل الأمر إلى سقوط الدولة الأموية.

لاحقا، ظهر الصراع السياسي بين المسلمين على أشده في عصر ملوك الطوائف في القرن الخامس الهجري. انقسم المسلمون لما يزيد عن عشرين دولة، وخاضوا الحروب الدامية ضد بعضهم واستعانوا في بعض الأوقات بالدول الإسبانية المسيحية. ذهبت كل تلك الصراعات بقوة المسلمين وأبقتهم ضعفاء غير قادرين على الصمود في مواجهة القوى الإسبانية المتحفزة للانتقام.

 

البعد الجغرافي عن العالم الإسلامي

 

يغفل الكثيرون عن اعتبار العامل الجغرافي ودوره الكبير في إسقاط الحكم الإسلامي بالأندلس. تقع شبه الجزيرة الإيبيرية في أقصى مغرب العالم الإسلامي، ويفصل بينها وبين أراضي المغرب مضيق جبل طارق، فيما ترتبط -عن طريق اليابسة- بالأراضي الفرنسية.

أثر ذلك الموقع كثيرًا في قوة المسلمين بالأندلس. هيأ الموقع توافد المساعدات البشرية المستمرة للدول الإسبانية من جانب حلفائها الأوروبيين والبابوية الكاثوليكية التي أعلنت كفاحها ضد المسلمين باعتبارهم غزاة يجب العمل على طردهم. من جهة أخرى كان من الصعب أن يحظى مسلمو الأندلس بالدعم نفسه من القوى الإسلامية الكبرى في المشرق. لم يتمكن المماليك والعثمانيون من دعم المسلمين الأندلسيين عسكريًا بالشكل المطلوب. وقفت المسافة البعيدة كحائل لا يمكن اجتيازه. وحدهم المغاربة تمكنوا من دعم الأندلس عسكريًا. قدم الأمير المرابطي يوسف بن تاشفين قبلة الحياة للحكم الإسلامي في الأندلس في سنة 479هـ، عندما قاد قواته وانتصر على ألفونسو السادس ملك قشتالة وليون في موقعة الزلاقة. ثم أعاد الخليفة الموحدي يعقوب المنصور الكرة في سنة 591هـ في موقعة الأرك. أما السلطان أبو يوسف يعقوب المنصور المريني فقد أخر سقوط الأندلس لنحو قرنين كاملين عندما انتصر على الملك القشتالي ألفونسو العاشر في سنة 674هـ في معركة الدونونية.

لم يتمكن المماليك والعثمانيون من دعم المسلمين الأندلسيين عسكريًا بالشكل المطلوب. وقفت المسافة البعيدة كحائل لا يمكن اجتيازه.

يظهر أثر الموقع الجغرافي في إضعاف الحكم الإسلامي في الأندلس فيما نُقل من وصية الخليفة الموحدي يعقوب المنصور قُبيل وفاته سنة 595هـ. جاء في تلك الوصية التي يذكرها محمد عبد الله عنان في كتابه "...أوصيكم بتقوى الله تعالى، وبالأيتام واليتيمة" فلمّا سأله أحد أصحابه "ومن الأيتام واليتيمة؟" قال موضحًا: "اليتيمة جزيرة الأندلس. والأيتام سكانها المسلمون، وإياكم الغفلة فيما يصلح بها من تشييد أسوارها وحماية ثغورها، وتربية أجنادها وتوفير رعيتها، ولتعلموا أنه ليس في نفوسنا أعظم من همها...".

 

مواضيع ذات صلة:

نساء كرديات سوريات يرتدين الزي التقليدي خلال الاحتفال بـ"يوم اللباس الكردي" في مدينة القامشلي ذات الأغلبية الكردية في محافظة الحسكة شمال شرق سوريا.
نساء كرديات سوريات يرتدين الزي التقليدي خلال الاحتفال بـ"يوم اللباس الكردي" في مدينة القامشلي ذات الأغلبية الكردية في محافظة الحسكة شمال شرق سوريا.

تعرف المجتمعات العربية تنوعاً عرقياً ودينياً فريداً من نوعه، إذ تعيش في المنطقة مجموعات متباينة من العرب والأكراد والتركمان والأمازيغ فضلاً عن طوائف متنوعة من الزرادشتيين والمندائيين والأيزيديين والمسيحيين واليهود الذين يعيشون بجانب المسلمين السنة والشيعة. تميزت تلك المجموعات بأزياء وملابس شعبية متوارثة على مر القرون، حتى دخلت في تشكيل هويتها الجمعية.

ما هي أهم الملابس والأزياء التقليدية المعروفة في المنطقة العربية؟ وكيف ارتبطت تلك الأزياء بالهوية والذاكرة؟

 

العراق والخليج

توجد العديد من الملابس التي ارتبطت ببعض المجموعات العرقية المعروفة في العراق. فعلى سبيل المثال يُعدّ العنصر الكردي أحد المكونات الرئيسة في التركيبة السكانية العراقية، ويتميز الأكراد ببعض الأزياء القومية التي يحرصون على ارتدائها في المناسبات الخاصة.

يمكن تقسيم الزي الذي يلبسه الرجل الكردي إلى نوعين: الأول ويطلق عليه "بشم وبركير" وهو منتشر بشكل واسع بين الكرد في كل من تركيا وسوريا وأجزاء من العراق، ويتألف من قطعتين من اللون ذاته، الجاكيت والسروال، ويكونان فضفاضين، ويُستعمل معهما قماش يُلف على الوسط ويُطلق عليه "شوتك" وغطاء للرأس يسمى "جمداني". تُصنع تلك الأزياء من صوف الخراف والماعز، بشكل عام. وتُلون بالأسود، والأبيض، والأزرق، والبني، والرمادي.

أما النوع الثاني فيُطلق عليه اسم "كورتك وشروال"، ويتكون هو الآخر من قطعتين: جاكيت وسروال، وحزام للوسط مع غطاء للرأس، وهو يستعمل الأقمشة المستعملة في صناعة الملابس الغربية.

 أما المرأة الكردية فيتكون زيها التقليدي من دشداشة طويلة، ذات كمين طويلين يرتبطان بذيلين مخروطيين طويلين أيضاً يسميان في اللغة الكردية بـ"فقيانة". وفي الغالب تخاط هذه الدشداشة من قماش شفاف ذي خيوط حريرية ناعمة الملمس ومطرزة بأنواع مختلفة من المنمنمات. تحت هذه الدشداشة ترتدي المرأة الكردية قميصاً داخلياً رقيقاً وحريرياً، لكنه ذو لون داكن وغير شفاف ليصبح بمثابة خلفية عاكسة للدشداشة الشفافة، أما الجزء العلوي من هذا الزي فإنه مؤلف من سترة قصيرة جداً بلا أكمام.

تعرف بلاد الرافدين أيضاً مجموعة من الأزياء التقليدية التي ارتبطت ببعض المناطق والأقاليم. في كتابه "الملابس الشعبية في العراق"، يسلط الباحث وليد الجادر الضوء على ذلك النوع من الملابس.

يصف الجادر ملابس البدو وسكان الأرياف بالبسيطة. وتتألف في العادة من السروال والدشداشة، ويُرتدى فوقهما العباءة المنسوجة من الوبر، والتي تكون -في أغلب الأحيان- باللونين الأبيض والأسود، بالإضافة إلى الكوفية والعقال المصنوع من الوبر، أما نساء البدو فيرتدين العباءة الصوفية، وفي وسطها حزام صوفي خشن عريض، ويزين نهايته بأهداب أو شراشيب.

يختلف الحال في مناطق البصرة وجنوبي العراق وبعض أنحاء الخليج. ترتدي النساء في تلك الأنحاء "الزي الهاشمي"، وهو عبارة عن ثوب من قماش رقيق جداً وواسع الأكمام والأطراف، يُلون عادة باللون الأسود. ويُحلى بأشكال مرسومة من خيوط الذهب. ويُرتدى في مناسبات الأعياد والاحتفالات، كذلك ترتدي المرأة البصرية العباءة، وكانت تُعرف قديماً بالجزية أو المبرد، وهي تغطي الجسم من الكتف، وتصاحبها "الشيلة" وهي غطاء للشعر ترتديه النساء تحت العباءة.

أيضاً، تُعدّ "الصاية" من الأزياء الشعبية العراقية المشهورة، وتتكون الصاية من ثوب طويل مفتوح من الأمام، وغالباً يكون دون أكمام وهو عبارة عن صدرين وظهر. يلتف صدر الثوب الأيمن على الصدر الأيسر.

في دراسته "الأكسية والألبسة الشعبية في مدينة سامراء خلال القرن العشرين"، يوضح الباحث بكر عبد المجيد محمد بعض الأزياء الفلكلورية التي عُرفت في مناطق وسط العراق، ومنها "الدميري"، وهو لباس خاص بكبار الرجال، يشبه السترة إلا ان ردنيه عريضتان، وفي نهاية كل ردن فتحة بمقدار خمسة عشر سنتمترا. وهو على نوعين: المطرز والعادي بلا تطريز. أما "الزخمة" فهو لباس يشبه السترة إلا إنه من غير أكمام، وفي مقدمته ستة أزرار تكون أشكالها حسب الطلب، فضلاً عن "السروال"، وهو من الملابس الشعبية، ويشبه البنطلون، والعامة من سكان سامراء يسمونه "شروال".

 

مصر

تذكر الباحثة علا الطوخي إسماعيل في دراستها "الأزياء فى الثقافة الشعبية" أن هناك علاقة وطيدة بين الأزياء الشعبية المصرية من جهة، والعادات والتقاليد المتوارثة التي عرفتها حضارة وادي النيل من جهة أخرى.

من هنا، فإن الأزياء الشعبية المصرية صارت أحد العلامات الفارقة في الفلكلور المصري المتوارث على مر القرون.

بشكل عام، تُعرف "الجلابية" باعتبارها الزي المصري التقليدي للرجال في المناطق الريفية في الدلتا والصعيد، وهي عبارة عن رداء طويل وفضفاض له أكمام طويلة، وهي دون ياقة ولها فتحة رقبة مستديرة، وبشق طويل من الأمام بدون أزرار، وتلبس فوقها الشيلان البيضاء والملونة.

في السياق نفسه، يتكون الزي التقليدي للمرأة المصرية من 3 طبقات يسمونه بـ "التزييرة". عرفت الطبقة الأولى باسم "السبلة"، وهي جلابية واسعة وأكمامها طويلة تلبسها المرأة فوق ملابس المنزل كي تغطيها تماماً، والطبقة الثانية قطعة قماش تغطي بها رأسها وأكتافها اسمها "الحبرة". أما القطعة الثالثة فهي "اليشمك"، وكانت تستخدم في إخفاء الوجه، ويغلب الظن أن المصريين استعاروا اليشمك من العثمانيين.

ومن الملاحظات المهمة أن أشكال الأزياء الشعبية المصرية اختلفت من منطقة لأخرى. ففي سيناء تأثرت الملابس بروح البداوة والترحال، ولذلك اعتمد الرجل في ملابسه على الأزياء العربية التقليدية مثل الغترة، والعقال، والبشت، والعباءة، بينما اعتادت المرأة ارتداء ثوب أسود فضفاض طويل محاط بحزام مطرز يحكم منطقة الوسط ويعلو رأسها وشاح أسود أيضاً يغطي جسدها بالكامل مع وجود برقع على الوجه مزين بالحلي.

في محافظة مطروح تأثرت الأزياء الشعبية بنمط الملابس المنتشر في شرقي ليبيا. في هذا السياق، اعتاد الرجال على ارتداء "المَلِف" ويتكون من قطعتين من الصوف المطرز يدوياً، وهو عبارة عن "سدرية"، وهي صدرية بلا أكمام وبلا أزرار وسروال واسع يرتدى تحت الثوب. يختلف الوضع في الإسكندرية والمدن الساحلية في شمالي مصر.

وكان من الشائع أن يرتدي الرجال ملابس الصيادين المكونة من السروال الأسود الفضفاض والقميص الأبيض، فيما اعتادت النساء  ارتداء الجلباب والملاية اللف التي لا تزال تُباع حتى الآن في أسواق بعض الأحياء الشعبية في الإسكندرية.

 

سوريا

يلقي الباحث عبد العزيز حميد صالح الضوء على الملابس التقليدية السورية في كتابه "الأزياء عند العرب عبر العصور المتعاقبة"، فيقول: "يمكن القول إن الأزياء الشعبية التراثية التقليدية في سوريا كانت خلال القرون الثلاثة أو الأربعة الأخيرة منوعة أكثر مما كانت عليه في أي إقليم عربي آخر، فكانت لكل مدينة كبيرة في هذه البلاد ملابسها المتميزة ببعض الخصائص التي قلما نجدها في المدن السورية الأخرى".

بحسب صالح، تتألف الملابس التقليدية السورية الرجالية من القميص والصدرية والسروال فضلاً عن مجموعة مختلفة من أغطية الرأس التي تتباين أشكالها من مدينة إلى أخرى، وفي العادة، يُلون القميص باللون الأبيض، ويكون قصيراً، وبكمين طويلين يصلان إلى مفرق الرسغ. أما السروال فيكون فضفاضاً في الأعلى وضيقاً في الأسفل، فيما تتألف الصدرية من رداء قصير مفتوح من جهته الأمامية، يغطي الصدر والظهر فقط، وغالباً ما تُصنع الصدرية من قماش قطني أو من الحرير في موسم الصيف، ومن الجوخ الأسود أو الأزرق في موسم الشتاء بالنسبة للأغنياء.

من جهة أخرى، تتنوع الملابس الفلكلورية النسائية في سوريا وتتباين من منطقة لأخرى من حيث الألوان،وطرق الزخرفة والتطريز.

من الملاحظات المهمة أيضاً، أن الأزياء النسائية عبرت عن بعض الأوضاع الاجتماعية والحضارية، فعلى سبيل المثال، اعتادت المرأة المتزوجة في دمشق  ارتداء غطاء للرأس يعرف بـ "البخنق" وهو عبارة عن قطعة قماش سوداء رقيقة تغطي بها المرأة عنقها وصدرها، في حين اعتادت النساء الريفيات ارتداء غطاء رأس مختلف يعرف بـ "البرقع".

وفي السنوات السابقة، حظيت الملابس التقليدية بسوريا بقدر وافر من الاهتمام. في يوليو 2008، أُقيم معرض للأزياء الشعبية في إدلب.

وفي يوليو 2019، تم تنظيم المهرجان السنوي الأول للأزياء الفلكلورية في الحسكة شمال شرقي سوريا، عُرضت فيه نماذج متباينة من الأزياء التقليدية التي تنتمي للكرد والعرب والسريان والشركس.

 

الدول المغاربية

تعرف الدول العربية المغاربية تنوعاً كبيراً في أزيائها التقليدية. ففي تونس، توجد "الجبة"، وهي عبارة عن سترة طويلة دون أكمام يتم ارتداؤها فوق قميص وسترة وبنطال فضفاض. و"البرنس" ويشبه العباءة الطويلة والفضفاضة ولكنه دون أكمام.

و"الملية أو الحِرام" وهو الزي الشعبي الذي ترتديه العرائس في الجنوب الشرقي التونسي، و"السفساري" وهو عباءة بيضاء اللون، بشكل عام، تحتفي تونس بأزيائها الفلكلورية، وتخصص الدولة السادس عشر من مارس فى كل عام لإحياء اليوم الوطني للملابس التقليدية.

على الجانب الآخر، تشترك كل من الجزائر والمغرب في العديد من الأزياء التقليدية المعروفة. منها على سبيل المثال، "الكندورة"، وهو لباس فضفاض وقصير، بأكمام قصيرة، يرتديه الرجال في فصل الصيف عادة، و"القفطان" الذي تعود أصوله إلى القرن الثاني عشر ميلادي. ويتميز بالتطريز اليدوي كالرباطي نسبة إلى مدينة الرباط أو الفاسي نسبة إلى فاس في المغرب، كما أنه ينتشر في الجزائر أيضا.

هذا، فضلاً عن "الملحفة" التي ترتديها النساء في المنطقة الصحراوية في البلدين، وهي عبارة عن ثوب واحد طويل. وتلتف حول الجسد بعد أن يتم ربطها عند الكتفين، وتتباين أشكالها من حيث الألوان والزركشة.

بشكل عام، ارتبطت العديد من الأزياء التقليدية المغاربية بإثارة الجدل. ومنها لباس "الحايك" الذي يرجع إلى أصول أندلسية قديمة، وينتشر في مناطق مختلفة من المغرب والجزائر.

في الحقبة الاستعمارية، ارتبط الحايك برمزية وطنية، وقد  كانت النساء تخبئن تحته الأسلحة لتوصيلها للمقاومين. وفي مارس 2023، تسبب الحايك في إثارة الجدل بين المغرب والجزائر على مواقع التواصل الاجتماعي، ووقع ذلك عندما تجولت مجموعة من النساء المغربيات في مدينة طنجة وهن يرتدين الحايك للاحتفال بعيد المرأة، وأثار ذلك غضب الجزائريين، الذين رأوا أن "وسائل الإعلام المغربية نسبت ثوب الحايك للمغرب"، وهو برأيهم "ليس منها".

في السياق نفسه، تسبب "القفطان" في إثارة مشكلة إعلامية كبيرة بين المغرب والجزائر، وذلك بعدما صرح وزير الثقافة الجزائري الأسبق، عز الدين ميهوبي، بأن الجزائر ستتقدم بملف لمنظمة اليونسكو لإدراج القفطان لباسا تقليديا جزائريا محضا، ما أثار غضب المغرب التي تعتبر أن لها أيضاً دورا في إخراج زي القفطان إلى العالمية.