حكم المسلمون الأندلس قرابة 800 قبل أن تسقط من أيديهم لصالح الإسبان.
حكم المسلمون الأندلس قرابة 800 قبل أن تسقط من أيديهم لصالح الإسبان.

نجح المسلمون في غزو الأندلس سنة 92هـ. استقر "الفاتحون" في أراضيهم الجديدة وأسسوا مجموعة من الدول تعاقبت على حكم البلاد على مدار 800 عام. كانت غرناطة هي آخر معاقل الإسلام في الأندلس، وبسقوطها في سنة 897ه، اختفى الحكم الإسلامي نهائيًا من تلك البلاد. ولاحقا، دأب المسلمون على النظر إلى الأندلس على أنها جنة الله في أرضه، والفردوس المفقود الذي "سُلب منهم" في وقت ضعفهم.

حاول العقل الإسلامي أن يقدم مجموعة من المبررات التي تفسر "ضياع الأندلس". فظهرت أفكار الباحثين المتأثرين بالتفسير الديني للتاريخ. روج هؤلاء إلى أن السبب الأول لضياع الأندلس تمثل بالمقام الأول في ابتعاد أهلها عن الدين والشريعة وميلهم للفنون واللهو والترف.

وفي هذا السياق، ظهر اسم زرياب. عدّه بعض الباحثين الإسلاميين المسؤول الأول عن ضعف مسلمي الأندلس وتدهور قوتهم. يقول الداعية الإسلامي راغب السرجاني في كتابه "قصة الأندلس من الفتح للسقوط" معبرًا عن ذلك الرأي: "السبب الثاني لضعف الإمارة الأموية في الفترة الثانية: هو زرياب… كلام زرياب صرف الناس عن سماع العلماء إلى سماع زرياب، وصرف الناس عن سماع حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقصص السلف الصالح إلى سماع حكايات زرياب العجيبة وأساطيره الغريبة، بل صرف الناس عن سماع القرآن إلى سماع أغانيه... ولا يعلم الناس أن زرياب هذا ومن سار على طريقه كان سببًا رئيسًا في سقوط بلاد الأندلس!".

يقول الداعية الإسلامي راغب السرجاني: لا يعلم الناس أن زرياب هذا ومن سار على طريقه كان سببًا رئيسًا في سقوط بلاد الأندلس!".

وتفصل الباحثة آسيا بلمحنوف هذه الفكرة في مقال لها، فتقول: "بعد أن جاء -تقصد زرياب- الأندلس كثر المغنون والمغنيات هناك، وأصبح معهده يضم الكثير من المغنيات، وولع الناس بمجالسه الطربية حتى افتتنوا به، وكثر إقبالهم عليه، وظهر إلى جانب الغناء الرقص وكثرت مجالس الطرب واللهو، وقد صرفت حكايات زرياب عن الأمراء والملوك والأساطير الناس عن سماع قصص الصحابة والخلفاء وأمجادهم، بل وصرفهم حتى عن مجالس العلم وحلقات القرآن الكريم، بل إن النساء وفدن من خارج الأندلس ليتعلمن ضروب الغناء على يد زرياب...".

نناقش هذه الفرضية في هذا المقال، ونلقي الضوء على سيرة زرياب من جهة، والأسباب الموضوعية لسقوط الحكم الإسلامي في الأندلس من جهة أخرى، لنعرف أن شيوع القول بمسؤولية زرياب عن سقوط الأندلس ليس أكثر من طرح سطحي ساذج لا علاقة له بالظروف التاريخية التي عاشها المسلمون في شبه الجزيرة الأيبيرية لما يزيد عن ثمانية قرون كاملة.

 

زرياب.. من بغداد العباسية إلى قرطبة الأموية

 

يتبادر إلى الذهن السؤال حول شخصية زرياب. تُرى من هو هذا الرجل الذي حُمل على كاهله مسؤولية سقوط الحكم الإسلامي في الأندلس؟!

هو أبو الحسن علي بن نافع، ولد سنة 173هـ في الموصل. واتصل بالمغني المشهور إسحاق الموصلي فصار واحدًا من تلاميذه المقربين. عُرف أبو الحسن باسم زرياب -وهو طائر أسود اللون عذب الصوت- بسبب لون بشرته وحلاوة صوته.

كان إسحاق الموصلي من الموسيقيين المقربين من الخليفة العباسي الأشهر هارون الرشيد. تذكر المصادر التاريخية أن الرشيد طلب من الموصلي ذات يوم أن يقدم له أحد المغنيين الجدد. خضع الموصلي للأمر واصطحب معه زرياب وقدمه للخليفة. أنشد زرياب للرشيد قائلًا: "يا أيها الملك الميمون طائره هارون راح إليك الناس وابتكروا". أُعجب الرشيد بصوت المغني الجديد، وطار به فرحًا. تقول الروايات التاريخية أن ذلك أثار حفيظة إسحاق الموصلي فقال لتلميذه: "إما أن تذهب عني في الأرض لا أسمع لك خبرًا، وأنا أنهضك بما أردت من مال، وإما أن تقيم على كرهي، فخذ الآن حذرك".

كان زرياب يعرف أن أستاذه قادر على إنفاذ وعيده، ولذلك آثر أن يترك بغداد. أرسل إلى الأمير الأموي في الأندلس الحكم بن هشام يستأذنه في القدوم عليه، ولمّا تلقى منه الإذن سارع بترك العراق وتوجه غربًا. توفى الحكم قُبيل وصول زرياب، وتولى ابنه عبد الرحمن الحكم من بعده. يذكر محمد عبد الله عنان في كتابه "دولة الإسلام في الأندلس" أن زرياب لمّا وصل قرطبة، استقبله الأمير الجديد "بمنتهى الإكرام والحفاوة، وأجرى عليه الأرزاق الواسعة، وجعله من خاصة بطانته. وبهر زرياب أهل الأندلس ببراعته في الغناء والموسيقى، وطار صيته في كل مكان، وأضحى قطب الفن الذي لا يجارى، وأخذ عنه أهل الأندلس فنونه وإبداعه، وتشبهوا به في مظاهر زيه وأناقته وطرائق معيشته".

اخترع زرياب نوعًا جديدًا من الغناء يُعرف باسم الموشح، وأدخل عددًا من التعديلات على بعض الأدوات الموسيقية. أسس أيضًا دار المدنيات في قرطبة. كانت تلك الدار هي أول معهد للموسيقى في الأندلس. وتزعم بعض المصادر التاريخية أن زرياب عمل كذلك على نقل مظاهر الحضارة البغدادية إلى قرطبة، ومن خلاله تعرف الأندلسيون على أفضل تصميمات الملابس، وتعلموا الكثير من العادات المرتبطة بالطعام والشراب، وغير ذلك من الأمور المتعلقة بالذوق العام. استمر المغني الأسمر يمارس جهوده في تلك الميادين حتى توفي في سنة 243هـ. يلخص محمد عبد الله عنان أثر زرياب في قرطبة بقوله: "وكان لزرياب وفنه أعظم الأثر في تكوين الفن الأندلسي في ظل الدولة الأموية، ثم في ظل دول الطوائف".

 

وجود عدو قوي

 

يمكن أن نعزو سقوط الحكم الإسلامي في الأندلس لمجموعة من الأسباب المهمة. يُعدّ وجود العدو الإسباني القوي أهم تلك الأسباب على الإطلاق. انتصر المسلمون على القوط -حكام الأندلس القدامى- في رمضان سنة 92هـ في الموقعة التي عُرفت بمعركة وادي لكة أو سهل البرباط. سقط الملك القوطي رودريك قتيلًا في المعركة، وانكسرت قوة الجيش القوطي بعدما قُتل أغلبية النبلاء. تمكن أحد هؤلاء النبلاء ويُدعى بلاي/ بلايو من الهرب إلى الشمال الشرقي من شبه الجزيرة الأيبيرية واختفى وسط أنصاره في المعاقل الجبلية الحصينة في تلك الناحية.

يخبرنا المؤرخون أن المسلمين انشغلوا في افتتاح المدن الأندلسية الكبرى واحدةً بعد أخرى. بعد سبع سنين، حاول الوالي ابن علقمة اللخمي أن يستولي على تلك المعاقل الجبلية الشمالية، ولكنه هُزم في معركة كوفادونجا. قلل المسلمون من أهمية تلك المعاقل وانصرفوا إلى الجنوب وقالوا وقتها قولتهم المشهورة: "ثلاثون علجًا -يقصدون أتباع بلايو الذين ظلوا على قيد الحياة- ما عسى أن يجيء منهم"، وذلك بحسب ما يذكر المقري التلمساني المتوفى 1041هـ في كتابه "نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب".

تمكن بلايو عقب تراجع المسلمين من فرض سيطرته على بقية المعاقل الجبلية المجاورة له، ولم يمر وقت طويل حتى أعلن عن تأسيس مملكة أستورياس. كانت تلك الجهود الحربية المتواضعة هي البداية الحقيقية لمّا عُرف فيما بعد باسم "حروب الاسترداد". كان الإسبان المسيحيون يزدادون قوة شيئًا فشيئًا وتمكنوا من الاستيلاء على مناطق جديدة من الأندلس. ظهرت فيما بعد ممالك ليون وقشتالة وأراجون ونافار واستطاعت كل مملكة أن تقضم قطعة من الأملاك الإسلامية في شبه الجزيرة.

لم يتمكن المسلمون من دمج تلك الجماعات المعارضة في المجتمع الإسلامي كما وقع في بقية البلاد التي غزاها المسلمون. احتفظ الإسبان بدينهم المسيحي وخاضوا حربًا دينية- قومية ضد المسلمين على مر القرون. انتهت تلك الحرب في سنة 897هـ عندما سقطت مملكة غرناطة الإسلامية بيد التحالف المسيحي الذي قاده كل من فرديناند الثاني ملك أراجون وإيزابيلا الأولى ملكة قشتالة.

 

التكوين العنصري للشعب الأندلسي

 

يُعد التكوين العنصري الذي تألف منه الشعب الأندلسي أحد أهم الأسباب التي تفسر سقوط دولة الإسلام في الأندلس بعد قرون من تأسيسها. تلقي الباحثة المصرية سامية مصطفى مسعد الضوء على تلك المسألة في كتابها "التكوين العنصري للشعب الأندلسي وأثره على سقوط الأندلس". تقول الباحثة: "تألف الشعب الأندلسي من كثير من العناصر المتنافرة فهناك أهل البلاد الأصليون، سواء كانوا مسيحيين أو مسلمين، وهناك العرب والبربر والصقالبة. وكل عنصر من هذه العناصر ينتمي إلى جنس قائم بذاته، لكل لغته الخاصة وعاداته. هذا وإن كانت المصاهرة قد قربت بين تلك العناصر بعض الشيء إلا أنه بقي هناك من مظاهر الاختلاف والتنافس ما يكفي لقيام الصراع بينهم إذا ما حانت الفرصة".

انقسم المسلمون لما يزيد عن عشرين دولة، وخاضوا الحروب الدامية ضد بعضهم واستعانوا في بعض الأوقات بالدول الإسبانية المسيحية.

عرف المسلمون الصراع بين العناصر المختلفة منذ اللحظة الأولى لدخولهم الأندلس. تتحدث المصادر التاريخية أن الأمازيغ حققوا الانتصارات الأولى على القوط. حسدهم العرب على ذلك، فسارعوا بالمشاركة في الغزو. وتفجر الصراع بين الفريقين وانتشرت القوات العربية في أفضل مناطق الأندلس وأكثرها خصوبة وغنى. فيما تركوا للأمازيغ النواحي الأكثر جفافًا وفقرًا.

لم يتوقف التنافس العنصري في الأندلس على الخصومة المنعقدة بين العرب والأمازيغ، بل تعدى ذلك ليصل إلى الحرب بين القبائل العربية نفسها. كان التنافس يفرق بين قبائل القيسية -التي عاشت في شمال شبه الجزيرة العربية- والقبائل اليمنية- التي عاشت في جنوب شبه الجزيرة. وصل الأمر لحد قيام حروب أهلية بين القبائل العربية في القرن الثاني الهجري، وكان من الطبيعي أن يتسبب كل ذلك في ضعف القوة العسكرية للعرب.

كان هناك أيضًا المولدون، وهم سكان الأندلس الأصليون الذين اعتنقوا الإسلام أو أبناء "الفاتحين" -العرب والأمازيغ- من زوجاتهم الإسبانيات. جرى العرف أن يُنظر لتلك الفئة بشكل سيء من قِبل العرب والأمازيغ على حد سواء، كما تم تهميشهم بشكل شبه كامل بوصفهم "مواطنين" من الدرجة الثانية في المجتمع. اندلعت العديد من الثورات التي قام بها المولدون احتجاجًا على ما تعرضوا له من ظلم. كانت ثورة عمر بن حفصون في القرن الثالث الهجري واحدة من أهم تلك الثورات على الإطلاق. يذكر المستشرق البريطاني ستانلي لين بول في كتابه "تاريخ العرب المسلمين في إسبانيا: كلاسيكيات التاريخ" أن ابن حفصون وقف بين المولدين الذين اتبعوه، وقال لهم: "طالما عنف عليكم السلطان، وانتزع أموالكم، وحمّلكم فوق طاقتكم، وأذلتكم العرب واستعبدتكم. وإنما أريد أن أقوم بثأركم، وأخرجكم من عبوديتكم". يوضح ذلك القول شعور المظلومية الذي كان يتزايد بين أفراد تلك الطبقة.

 

الصراع السياسي المستمر بين المسلمين

 

عرفت الأندلس صراعًا مستمرًا لا يهدأ على الحكم والسلطة. بدأ هذا الصراع منذ اللحظة الأولى لـ"فتح" شبه الجزيرة الإيبيرية عندما اختلف موسى بن نصير مع مولاه طارق بن زياد فحبسه وعزله من منصب القيادة. ثم ظهرت إمارات هذا الصراع في عصر الولاة، فكان من المعتاد أن يتنافس علية القوم على منصب الوالي وكثيرًا ما دبر بعضهم المكائد للوصول للولاية.

اختار الأندلسيون أن يؤيدوا الدولة الأموية عقب زوال حكمها في المشرق على يد العباسيين. فنراهم يبايعون عبد الرحمن الداخل كأمير على الأندلس في سنة 138هـ. حارب الداخل وخلفاؤه العديد من القوى المعارضة للحكم الأموي، وأسفر ذلك عن ضعف قوة المسلمين حتى آل الأمر إلى سقوط الدولة الأموية.

لاحقا، ظهر الصراع السياسي بين المسلمين على أشده في عصر ملوك الطوائف في القرن الخامس الهجري. انقسم المسلمون لما يزيد عن عشرين دولة، وخاضوا الحروب الدامية ضد بعضهم واستعانوا في بعض الأوقات بالدول الإسبانية المسيحية. ذهبت كل تلك الصراعات بقوة المسلمين وأبقتهم ضعفاء غير قادرين على الصمود في مواجهة القوى الإسبانية المتحفزة للانتقام.

 

البعد الجغرافي عن العالم الإسلامي

 

يغفل الكثيرون عن اعتبار العامل الجغرافي ودوره الكبير في إسقاط الحكم الإسلامي بالأندلس. تقع شبه الجزيرة الإيبيرية في أقصى مغرب العالم الإسلامي، ويفصل بينها وبين أراضي المغرب مضيق جبل طارق، فيما ترتبط -عن طريق اليابسة- بالأراضي الفرنسية.

أثر ذلك الموقع كثيرًا في قوة المسلمين بالأندلس. هيأ الموقع توافد المساعدات البشرية المستمرة للدول الإسبانية من جانب حلفائها الأوروبيين والبابوية الكاثوليكية التي أعلنت كفاحها ضد المسلمين باعتبارهم غزاة يجب العمل على طردهم. من جهة أخرى كان من الصعب أن يحظى مسلمو الأندلس بالدعم نفسه من القوى الإسلامية الكبرى في المشرق. لم يتمكن المماليك والعثمانيون من دعم المسلمين الأندلسيين عسكريًا بالشكل المطلوب. وقفت المسافة البعيدة كحائل لا يمكن اجتيازه. وحدهم المغاربة تمكنوا من دعم الأندلس عسكريًا. قدم الأمير المرابطي يوسف بن تاشفين قبلة الحياة للحكم الإسلامي في الأندلس في سنة 479هـ، عندما قاد قواته وانتصر على ألفونسو السادس ملك قشتالة وليون في موقعة الزلاقة. ثم أعاد الخليفة الموحدي يعقوب المنصور الكرة في سنة 591هـ في موقعة الأرك. أما السلطان أبو يوسف يعقوب المنصور المريني فقد أخر سقوط الأندلس لنحو قرنين كاملين عندما انتصر على الملك القشتالي ألفونسو العاشر في سنة 674هـ في معركة الدونونية.

لم يتمكن المماليك والعثمانيون من دعم المسلمين الأندلسيين عسكريًا بالشكل المطلوب. وقفت المسافة البعيدة كحائل لا يمكن اجتيازه.

يظهر أثر الموقع الجغرافي في إضعاف الحكم الإسلامي في الأندلس فيما نُقل من وصية الخليفة الموحدي يعقوب المنصور قُبيل وفاته سنة 595هـ. جاء في تلك الوصية التي يذكرها محمد عبد الله عنان في كتابه "...أوصيكم بتقوى الله تعالى، وبالأيتام واليتيمة" فلمّا سأله أحد أصحابه "ومن الأيتام واليتيمة؟" قال موضحًا: "اليتيمة جزيرة الأندلس. والأيتام سكانها المسلمون، وإياكم الغفلة فيما يصلح بها من تشييد أسوارها وحماية ثغورها، وتربية أجنادها وتوفير رعيتها، ولتعلموا أنه ليس في نفوسنا أعظم من همها...".

 

مواضيع ذات صلة:

ث
أرشيفية من لحظة تتويج الرباع العراقي عبد الواحد عزيز بالبرونزية في أولمبياد روما 1960

مع انطلاق أولمبياد باريس يستذكر العراقيون الرباع عبد الواحد عزيز، صاحب الميدالية البرونزية الوحيدة، وأحد الأبطال الذين لقبّوا بـ"قاهري الحديد" في البصرة.

ولد عبد الواحد عزيز عام 1931 في مدينة البصرة الغنية بالنفط والمطلة على الخليج العربي متعددة الأعراق والثقافات. وبحسب السيرة الذاتية التي نشرت على موقع نقابة الرياضيين العراقيين فإن عزيز كان مولعاً بالرياضة، إذ مارس كرة القدم والسلة والطائرة بالإضافة للسباحة قبل أن يستقر على رياضة رفع الأثقال أوائل الخمسينيات في نادي الاتحاد الرياضي.

انتقل للتدريب في نادي الشروق بمنطقة العشار، وهناك تعرف عليه الرباع ورئيس اتحاد الأثقال في البصرة والحكم الدولي السابق عبد الباقي ياسين التميمي الذي تحدث لـ "ارفع صوتك" عن تلك المرحلة الذهبية في حياة الرياضيين العراقيين وطموح الرباعين أن يحصد العراق وساماً ملوناً في رياضة رفع الأثقال.

يروي التميمي: "كانت الرياضة هواية يمارسها أبناء المجتمع البصري بشكل فطري ودون أن تكون هناك رعاية من الدولة لتطوير هذه الألعاب. فكان فعلاً مجتمعياً قائماً على حب الرياضيين لهواياتهم بالدرجة الأولى".

في تلك الفترة برز العديد من الرباعين في البصرة وكان يطلق عليهم اسم "قاهري الحديد" بالإضافة إلى العديد  من الرياضات الفردية، فضهر العديد من الأبطال ونال كثير منهم الألقاب على مستوى العراق والعالم العربي وبطولات آسيا.

ميدالية يتيمة منذ 1960.. ما حظوظ العراق في أولمبياد باريس؟
خوض غمار أولمبياد باريس 2024 لا يختلف عن المشاركات السابقة للعراق والعامل المشترك هو غياب ‏التفاؤل عن بلد ما زال يبحث عن مكان مفقود له في هذه الألعاب التي أحرز فيها ميدالية يتيمة خلال تاريخه، وكانت ‏باللون البرونزي عبر الربّاع الراحل عبد الواحد عزيز في روما 1960.‏

الطريق إلى الأولمبياد

أقيمت أول بطولة نظامية في رفع الاثقال عام 1944 في العاصمة بغداد، وأُسس أول اتحاد لرفع الأثقال رسمياً في 1950، وبعدها بعامين أصبح العراق عضواً في الاتحاد الدولي لرفع الأثقال.

كان للرباع عزيز "مساهمة كبيرة في إبراز رياضة رفع الاثقال التي تفرغ لها كلياً عام 1951"، بحسب التميمي، موضحاً "بدأت داخلياً عندما شارك عزيز بأول بطولة وطنية له في العام ذاته واحتل المركز الثاني في وزن الديك (56 كغم)، وهو الإنجاز الذي كرره في العام التالي. بعدها بعامين ظهر لأول مرة دولياً في دورة الألعاب العربية التي أقيمت في الإسكندرية بمصر عام 1953، بوزن الريشة (60 كغم) آنذاك، وحصل على الميدالية الفضية".

"ومن هناك بدأ عزيز يشق طريقه نحو الأولمبياد التي تُعقد مرة واحدة كل أربعة سنوات، فكان مخلصاً في التدريب تحت إشراف المدرب جميل بطرس وهو واحد من أهم مدربي رياضة رفع الأثقال في البصرة آنذاك"، يتابع التميمي.

كان جميل بطرس موظفاً في مصلحة الموانئ العراقية، فيما كان عزيز موظفاً في دائرة الكهرباء، يصفهما التميمي بقوله "كلاهما كانا مواظبين على التدريب بعد الانتهاء من عملهما في دوائرهما الرسمية، كما كانا يتدربان أيضا في منزلهما المزود بمتطلبات بسيطة للتدريب على رفع الأثقال".

خلال تلك المدة كان التدريب يتكون من ثلاث فقرات وهو الضغط والنتر والخطف، أما حالياً فتم إلغاء الضغط.

ويشرح التميمي الطريقة التي كان يتدرب بها عزيز: "كان مخلصاً في تدريبه لا يتركه ولو ليوم واحد"، معللاً ذلك بأن "رياضة رفع الأثقال قاسية تحتاج إلى تدريب مستمر ونظام غذائي صارم حتى لا يتأثر بارتفاع وانخفاض الوزن خلال المنافسات العربية والدولية". 

ونتيجة لكل ذلك التدريب بدأ عزيز بحصد الميداليات الواحدة تلو الأخرى، بدأت من دورة الألعاب العربية الثانية التي أقيمت في بيروت عام 1957 حيث تمكن عزيز من نيل المركز الأول والميدالية الذهبية في فعالية وزن المتوسط (75 كغم).

وفي العام نفسه أقيمت في طهران بطولة آسيا برفع الأثقال والمتداخلة مع بطولة العالم، شارك فيها بفعالية الوزن الخفيف (67.5 كغم) حيث حصد المركز الأول بمجموع رفعات بلغ (362.5 كغم)، ليكون الرباع الوحيد في آسيا والشرق الأوسط الذي عبر حاجز الـ(360 كغم) ضمن فئة الخفيف.

أما مشاركته الثانية وهي الأبرز فجاءت في العاصمة البولندية وارسو عام 1959 ونال بها المركز الثالث بعد أن قلل من وزنه إلى الوزن الخفيف. حصل على الميدالية البرونزية في بطولة العالم عام 1959 وهو ما جعله منافساً في أولمبياد روما عام 1960.

يقول التميمي إن وصول عزيز للأولمبياد "كان حدثاً عظيماً أثر في جميع اللاعبين وانتظرناه بفارغ الصبر".

The moon is pictured with the Olympic rings on the Eiffel Tower ahead the Paris 2024 Olympic and Paralympic Games in Paris
هل يحرز العراق الذهب في أولمبياد باريس؟
وتتألف بعثة العراق في أولمبياد باريس 2024 المقرر إجراؤها بين 26 يوليو الجاري و11 أغسطس المقبل، بحسب بيان للجنة الأولمبية العراقية، من 26 رياضياً في ألعاب كرة القدم ورفع الأثقال وألعاب القوى والجودو والسباحة إضافة إلى الإداريين والمدربين والأطباء والمعالجين.

برونزية روما

وصل عبد الواحد عزيز برفقة مدربه جميل بطرس إلى روما، وهناك تمكن من التنافس وكان مرشحاً قوي للحصول على المركز الأول أو الثاني بسبب الأرقام التي حققها برفعه مجموعة قدرها (380 كغم) وهو رقم متساو مع ما حققه اللاعب السنغافوري تان هو ليوانغ، فيما تقدم عليهما السوفيتي يوشو بيف بـ(397.5 كغم).

"بعد التعادل، تقرر بحسب أنظمة ولوائح الأولمبياد في حال التساوي يتم الأخذ بنظر الاعتبار أوزان المتسابقين لتحديد الفائز. لتفصل 400 غرام زيادة في وزن عزيز عن الفضية، فاحتل المركز الثالث وحصل على الميدالية البرونزية.

منذ ذلك الحين، لم يتمكن أي رياضي عراقي من تحقيق ما يوازي هذا الإنجاز، لذلك صار لقب ميداليته "اليتيمة"، وفق عبد الباقي ياسين التميمي.

وعن الجو العام في العراق، يتذكر "كنتُ وبقية الرياضيين خصوصاً الرباعين نتابع  أخبار الأولمبياد عبر الصحف والإذاعة، فلم يكن ممكناً حينها رؤية النقل المباشر للألعاب الرياضية، ورأينا لحظة فوزه في نسخة مسجلة عبر التلفاز".

"كانت فرحة لا يمكن وصفها"، يضيف التميمي، مكملاً "عندما عاد عزيز إلى العراق تم تكريمه باحتفالين متواضعين الأول في بغداد والثاني في محافظة البصرة".

بععد عودته، أعرب عزيز عن دهشته بحجم التطور الرياضي الذي رآه في الألولمبياد وحجم الإمكانيات المتوفرة للاعبين من قبل بلادهم، وكيف أنه ذهب برفقة مدربه فقط، مقارنة بغيره من اللاعبين الذين وصلوا روما برفقة العديد من الأشخاص والمدربين لتهيئتهم من أجل المسابقات.

كان أكثر ما تمناه عزيز للعراقيين، يقول التميمي "توفير الإمكانيات التي توفرها دول العالم المتقدم للاعبيهم في المنافسات" وهو الأمر الذي لم يتحقق.

يوضح "تراجعت رياضة رفع الأثقال كثيراً خصوصاً في البصرة، لظروف كثيرة منها الحروب والأوضاع الأمنية وعدم توفير الدعم".

كذلك، لم يستمر عزيز بعد الأولمبياد في رفع الأثقال فقد عانى من مشاكل صحية لم تسمح له بالبقاء طويلاً في اللعبة، كونها من الألعاب الشاقة. 

توفي عزيز بعمر صغير أوائل الثمانينيات، يقول التميمي، مردفاً "خسرنا بطلاً عراقياً كان يمكن أن تكون له إنجازات كبيرة في عالم التدريب كما كان صاحب الإنجاز الوحيد للعراق في الأولمبياد".

ورغم التراجع الذي تواجهه الرياضات الفردية بشكل عام، إلا أن التميمي يبدو متفائلاً، بقوله "أنظر بأمل كبير إلى رياضة رفع الأثقال لتكون من جديد الرافد الأساسي لميدالية أولمبية جديدة في أولمبياد باريس الحالية، نظراً للأرقام التي حققها المتأهل إلى الأولمبياد الرباع علي عمار، وألا تبقى الميدالية العراقية الوحيدة في الأولمبياد يتيمة".