حكم المسلمون الأندلس قرابة 800 قبل أن تسقط من أيديهم لصالح الإسبان.
حكم المسلمون الأندلس قرابة 800 قبل أن تسقط من أيديهم لصالح الإسبان.

نجح المسلمون في غزو الأندلس سنة 92هـ. استقر "الفاتحون" في أراضيهم الجديدة وأسسوا مجموعة من الدول تعاقبت على حكم البلاد على مدار 800 عام. كانت غرناطة هي آخر معاقل الإسلام في الأندلس، وبسقوطها في سنة 897ه، اختفى الحكم الإسلامي نهائيًا من تلك البلاد. ولاحقا، دأب المسلمون على النظر إلى الأندلس على أنها جنة الله في أرضه، والفردوس المفقود الذي "سُلب منهم" في وقت ضعفهم.

حاول العقل الإسلامي أن يقدم مجموعة من المبررات التي تفسر "ضياع الأندلس". فظهرت أفكار الباحثين المتأثرين بالتفسير الديني للتاريخ. روج هؤلاء إلى أن السبب الأول لضياع الأندلس تمثل بالمقام الأول في ابتعاد أهلها عن الدين والشريعة وميلهم للفنون واللهو والترف.

وفي هذا السياق، ظهر اسم زرياب. عدّه بعض الباحثين الإسلاميين المسؤول الأول عن ضعف مسلمي الأندلس وتدهور قوتهم. يقول الداعية الإسلامي راغب السرجاني في كتابه "قصة الأندلس من الفتح للسقوط" معبرًا عن ذلك الرأي: "السبب الثاني لضعف الإمارة الأموية في الفترة الثانية: هو زرياب… كلام زرياب صرف الناس عن سماع العلماء إلى سماع زرياب، وصرف الناس عن سماع حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقصص السلف الصالح إلى سماع حكايات زرياب العجيبة وأساطيره الغريبة، بل صرف الناس عن سماع القرآن إلى سماع أغانيه... ولا يعلم الناس أن زرياب هذا ومن سار على طريقه كان سببًا رئيسًا في سقوط بلاد الأندلس!".

يقول الداعية الإسلامي راغب السرجاني: لا يعلم الناس أن زرياب هذا ومن سار على طريقه كان سببًا رئيسًا في سقوط بلاد الأندلس!".

وتفصل الباحثة آسيا بلمحنوف هذه الفكرة في مقال لها، فتقول: "بعد أن جاء -تقصد زرياب- الأندلس كثر المغنون والمغنيات هناك، وأصبح معهده يضم الكثير من المغنيات، وولع الناس بمجالسه الطربية حتى افتتنوا به، وكثر إقبالهم عليه، وظهر إلى جانب الغناء الرقص وكثرت مجالس الطرب واللهو، وقد صرفت حكايات زرياب عن الأمراء والملوك والأساطير الناس عن سماع قصص الصحابة والخلفاء وأمجادهم، بل وصرفهم حتى عن مجالس العلم وحلقات القرآن الكريم، بل إن النساء وفدن من خارج الأندلس ليتعلمن ضروب الغناء على يد زرياب...".

نناقش هذه الفرضية في هذا المقال، ونلقي الضوء على سيرة زرياب من جهة، والأسباب الموضوعية لسقوط الحكم الإسلامي في الأندلس من جهة أخرى، لنعرف أن شيوع القول بمسؤولية زرياب عن سقوط الأندلس ليس أكثر من طرح سطحي ساذج لا علاقة له بالظروف التاريخية التي عاشها المسلمون في شبه الجزيرة الأيبيرية لما يزيد عن ثمانية قرون كاملة.

 

زرياب.. من بغداد العباسية إلى قرطبة الأموية

 

يتبادر إلى الذهن السؤال حول شخصية زرياب. تُرى من هو هذا الرجل الذي حُمل على كاهله مسؤولية سقوط الحكم الإسلامي في الأندلس؟!

هو أبو الحسن علي بن نافع، ولد سنة 173هـ في الموصل. واتصل بالمغني المشهور إسحاق الموصلي فصار واحدًا من تلاميذه المقربين. عُرف أبو الحسن باسم زرياب -وهو طائر أسود اللون عذب الصوت- بسبب لون بشرته وحلاوة صوته.

كان إسحاق الموصلي من الموسيقيين المقربين من الخليفة العباسي الأشهر هارون الرشيد. تذكر المصادر التاريخية أن الرشيد طلب من الموصلي ذات يوم أن يقدم له أحد المغنيين الجدد. خضع الموصلي للأمر واصطحب معه زرياب وقدمه للخليفة. أنشد زرياب للرشيد قائلًا: "يا أيها الملك الميمون طائره هارون راح إليك الناس وابتكروا". أُعجب الرشيد بصوت المغني الجديد، وطار به فرحًا. تقول الروايات التاريخية أن ذلك أثار حفيظة إسحاق الموصلي فقال لتلميذه: "إما أن تذهب عني في الأرض لا أسمع لك خبرًا، وأنا أنهضك بما أردت من مال، وإما أن تقيم على كرهي، فخذ الآن حذرك".

كان زرياب يعرف أن أستاذه قادر على إنفاذ وعيده، ولذلك آثر أن يترك بغداد. أرسل إلى الأمير الأموي في الأندلس الحكم بن هشام يستأذنه في القدوم عليه، ولمّا تلقى منه الإذن سارع بترك العراق وتوجه غربًا. توفى الحكم قُبيل وصول زرياب، وتولى ابنه عبد الرحمن الحكم من بعده. يذكر محمد عبد الله عنان في كتابه "دولة الإسلام في الأندلس" أن زرياب لمّا وصل قرطبة، استقبله الأمير الجديد "بمنتهى الإكرام والحفاوة، وأجرى عليه الأرزاق الواسعة، وجعله من خاصة بطانته. وبهر زرياب أهل الأندلس ببراعته في الغناء والموسيقى، وطار صيته في كل مكان، وأضحى قطب الفن الذي لا يجارى، وأخذ عنه أهل الأندلس فنونه وإبداعه، وتشبهوا به في مظاهر زيه وأناقته وطرائق معيشته".

اخترع زرياب نوعًا جديدًا من الغناء يُعرف باسم الموشح، وأدخل عددًا من التعديلات على بعض الأدوات الموسيقية. أسس أيضًا دار المدنيات في قرطبة. كانت تلك الدار هي أول معهد للموسيقى في الأندلس. وتزعم بعض المصادر التاريخية أن زرياب عمل كذلك على نقل مظاهر الحضارة البغدادية إلى قرطبة، ومن خلاله تعرف الأندلسيون على أفضل تصميمات الملابس، وتعلموا الكثير من العادات المرتبطة بالطعام والشراب، وغير ذلك من الأمور المتعلقة بالذوق العام. استمر المغني الأسمر يمارس جهوده في تلك الميادين حتى توفي في سنة 243هـ. يلخص محمد عبد الله عنان أثر زرياب في قرطبة بقوله: "وكان لزرياب وفنه أعظم الأثر في تكوين الفن الأندلسي في ظل الدولة الأموية، ثم في ظل دول الطوائف".

 

وجود عدو قوي

 

يمكن أن نعزو سقوط الحكم الإسلامي في الأندلس لمجموعة من الأسباب المهمة. يُعدّ وجود العدو الإسباني القوي أهم تلك الأسباب على الإطلاق. انتصر المسلمون على القوط -حكام الأندلس القدامى- في رمضان سنة 92هـ في الموقعة التي عُرفت بمعركة وادي لكة أو سهل البرباط. سقط الملك القوطي رودريك قتيلًا في المعركة، وانكسرت قوة الجيش القوطي بعدما قُتل أغلبية النبلاء. تمكن أحد هؤلاء النبلاء ويُدعى بلاي/ بلايو من الهرب إلى الشمال الشرقي من شبه الجزيرة الأيبيرية واختفى وسط أنصاره في المعاقل الجبلية الحصينة في تلك الناحية.

يخبرنا المؤرخون أن المسلمين انشغلوا في افتتاح المدن الأندلسية الكبرى واحدةً بعد أخرى. بعد سبع سنين، حاول الوالي ابن علقمة اللخمي أن يستولي على تلك المعاقل الجبلية الشمالية، ولكنه هُزم في معركة كوفادونجا. قلل المسلمون من أهمية تلك المعاقل وانصرفوا إلى الجنوب وقالوا وقتها قولتهم المشهورة: "ثلاثون علجًا -يقصدون أتباع بلايو الذين ظلوا على قيد الحياة- ما عسى أن يجيء منهم"، وذلك بحسب ما يذكر المقري التلمساني المتوفى 1041هـ في كتابه "نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب".

تمكن بلايو عقب تراجع المسلمين من فرض سيطرته على بقية المعاقل الجبلية المجاورة له، ولم يمر وقت طويل حتى أعلن عن تأسيس مملكة أستورياس. كانت تلك الجهود الحربية المتواضعة هي البداية الحقيقية لمّا عُرف فيما بعد باسم "حروب الاسترداد". كان الإسبان المسيحيون يزدادون قوة شيئًا فشيئًا وتمكنوا من الاستيلاء على مناطق جديدة من الأندلس. ظهرت فيما بعد ممالك ليون وقشتالة وأراجون ونافار واستطاعت كل مملكة أن تقضم قطعة من الأملاك الإسلامية في شبه الجزيرة.

لم يتمكن المسلمون من دمج تلك الجماعات المعارضة في المجتمع الإسلامي كما وقع في بقية البلاد التي غزاها المسلمون. احتفظ الإسبان بدينهم المسيحي وخاضوا حربًا دينية- قومية ضد المسلمين على مر القرون. انتهت تلك الحرب في سنة 897هـ عندما سقطت مملكة غرناطة الإسلامية بيد التحالف المسيحي الذي قاده كل من فرديناند الثاني ملك أراجون وإيزابيلا الأولى ملكة قشتالة.

 

التكوين العنصري للشعب الأندلسي

 

يُعد التكوين العنصري الذي تألف منه الشعب الأندلسي أحد أهم الأسباب التي تفسر سقوط دولة الإسلام في الأندلس بعد قرون من تأسيسها. تلقي الباحثة المصرية سامية مصطفى مسعد الضوء على تلك المسألة في كتابها "التكوين العنصري للشعب الأندلسي وأثره على سقوط الأندلس". تقول الباحثة: "تألف الشعب الأندلسي من كثير من العناصر المتنافرة فهناك أهل البلاد الأصليون، سواء كانوا مسيحيين أو مسلمين، وهناك العرب والبربر والصقالبة. وكل عنصر من هذه العناصر ينتمي إلى جنس قائم بذاته، لكل لغته الخاصة وعاداته. هذا وإن كانت المصاهرة قد قربت بين تلك العناصر بعض الشيء إلا أنه بقي هناك من مظاهر الاختلاف والتنافس ما يكفي لقيام الصراع بينهم إذا ما حانت الفرصة".

انقسم المسلمون لما يزيد عن عشرين دولة، وخاضوا الحروب الدامية ضد بعضهم واستعانوا في بعض الأوقات بالدول الإسبانية المسيحية.

عرف المسلمون الصراع بين العناصر المختلفة منذ اللحظة الأولى لدخولهم الأندلس. تتحدث المصادر التاريخية أن الأمازيغ حققوا الانتصارات الأولى على القوط. حسدهم العرب على ذلك، فسارعوا بالمشاركة في الغزو. وتفجر الصراع بين الفريقين وانتشرت القوات العربية في أفضل مناطق الأندلس وأكثرها خصوبة وغنى. فيما تركوا للأمازيغ النواحي الأكثر جفافًا وفقرًا.

لم يتوقف التنافس العنصري في الأندلس على الخصومة المنعقدة بين العرب والأمازيغ، بل تعدى ذلك ليصل إلى الحرب بين القبائل العربية نفسها. كان التنافس يفرق بين قبائل القيسية -التي عاشت في شمال شبه الجزيرة العربية- والقبائل اليمنية- التي عاشت في جنوب شبه الجزيرة. وصل الأمر لحد قيام حروب أهلية بين القبائل العربية في القرن الثاني الهجري، وكان من الطبيعي أن يتسبب كل ذلك في ضعف القوة العسكرية للعرب.

كان هناك أيضًا المولدون، وهم سكان الأندلس الأصليون الذين اعتنقوا الإسلام أو أبناء "الفاتحين" -العرب والأمازيغ- من زوجاتهم الإسبانيات. جرى العرف أن يُنظر لتلك الفئة بشكل سيء من قِبل العرب والأمازيغ على حد سواء، كما تم تهميشهم بشكل شبه كامل بوصفهم "مواطنين" من الدرجة الثانية في المجتمع. اندلعت العديد من الثورات التي قام بها المولدون احتجاجًا على ما تعرضوا له من ظلم. كانت ثورة عمر بن حفصون في القرن الثالث الهجري واحدة من أهم تلك الثورات على الإطلاق. يذكر المستشرق البريطاني ستانلي لين بول في كتابه "تاريخ العرب المسلمين في إسبانيا: كلاسيكيات التاريخ" أن ابن حفصون وقف بين المولدين الذين اتبعوه، وقال لهم: "طالما عنف عليكم السلطان، وانتزع أموالكم، وحمّلكم فوق طاقتكم، وأذلتكم العرب واستعبدتكم. وإنما أريد أن أقوم بثأركم، وأخرجكم من عبوديتكم". يوضح ذلك القول شعور المظلومية الذي كان يتزايد بين أفراد تلك الطبقة.

 

الصراع السياسي المستمر بين المسلمين

 

عرفت الأندلس صراعًا مستمرًا لا يهدأ على الحكم والسلطة. بدأ هذا الصراع منذ اللحظة الأولى لـ"فتح" شبه الجزيرة الإيبيرية عندما اختلف موسى بن نصير مع مولاه طارق بن زياد فحبسه وعزله من منصب القيادة. ثم ظهرت إمارات هذا الصراع في عصر الولاة، فكان من المعتاد أن يتنافس علية القوم على منصب الوالي وكثيرًا ما دبر بعضهم المكائد للوصول للولاية.

اختار الأندلسيون أن يؤيدوا الدولة الأموية عقب زوال حكمها في المشرق على يد العباسيين. فنراهم يبايعون عبد الرحمن الداخل كأمير على الأندلس في سنة 138هـ. حارب الداخل وخلفاؤه العديد من القوى المعارضة للحكم الأموي، وأسفر ذلك عن ضعف قوة المسلمين حتى آل الأمر إلى سقوط الدولة الأموية.

لاحقا، ظهر الصراع السياسي بين المسلمين على أشده في عصر ملوك الطوائف في القرن الخامس الهجري. انقسم المسلمون لما يزيد عن عشرين دولة، وخاضوا الحروب الدامية ضد بعضهم واستعانوا في بعض الأوقات بالدول الإسبانية المسيحية. ذهبت كل تلك الصراعات بقوة المسلمين وأبقتهم ضعفاء غير قادرين على الصمود في مواجهة القوى الإسبانية المتحفزة للانتقام.

 

البعد الجغرافي عن العالم الإسلامي

 

يغفل الكثيرون عن اعتبار العامل الجغرافي ودوره الكبير في إسقاط الحكم الإسلامي بالأندلس. تقع شبه الجزيرة الإيبيرية في أقصى مغرب العالم الإسلامي، ويفصل بينها وبين أراضي المغرب مضيق جبل طارق، فيما ترتبط -عن طريق اليابسة- بالأراضي الفرنسية.

أثر ذلك الموقع كثيرًا في قوة المسلمين بالأندلس. هيأ الموقع توافد المساعدات البشرية المستمرة للدول الإسبانية من جانب حلفائها الأوروبيين والبابوية الكاثوليكية التي أعلنت كفاحها ضد المسلمين باعتبارهم غزاة يجب العمل على طردهم. من جهة أخرى كان من الصعب أن يحظى مسلمو الأندلس بالدعم نفسه من القوى الإسلامية الكبرى في المشرق. لم يتمكن المماليك والعثمانيون من دعم المسلمين الأندلسيين عسكريًا بالشكل المطلوب. وقفت المسافة البعيدة كحائل لا يمكن اجتيازه. وحدهم المغاربة تمكنوا من دعم الأندلس عسكريًا. قدم الأمير المرابطي يوسف بن تاشفين قبلة الحياة للحكم الإسلامي في الأندلس في سنة 479هـ، عندما قاد قواته وانتصر على ألفونسو السادس ملك قشتالة وليون في موقعة الزلاقة. ثم أعاد الخليفة الموحدي يعقوب المنصور الكرة في سنة 591هـ في موقعة الأرك. أما السلطان أبو يوسف يعقوب المنصور المريني فقد أخر سقوط الأندلس لنحو قرنين كاملين عندما انتصر على الملك القشتالي ألفونسو العاشر في سنة 674هـ في معركة الدونونية.

لم يتمكن المماليك والعثمانيون من دعم المسلمين الأندلسيين عسكريًا بالشكل المطلوب. وقفت المسافة البعيدة كحائل لا يمكن اجتيازه.

يظهر أثر الموقع الجغرافي في إضعاف الحكم الإسلامي في الأندلس فيما نُقل من وصية الخليفة الموحدي يعقوب المنصور قُبيل وفاته سنة 595هـ. جاء في تلك الوصية التي يذكرها محمد عبد الله عنان في كتابه "...أوصيكم بتقوى الله تعالى، وبالأيتام واليتيمة" فلمّا سأله أحد أصحابه "ومن الأيتام واليتيمة؟" قال موضحًا: "اليتيمة جزيرة الأندلس. والأيتام سكانها المسلمون، وإياكم الغفلة فيما يصلح بها من تشييد أسوارها وحماية ثغورها، وتربية أجنادها وتوفير رعيتها، ولتعلموا أنه ليس في نفوسنا أعظم من همها...".

 

مواضيع ذات صلة:

FILE - Iranian Supreme Leader Ayatollah Ali Khamenei speaks in Tehran, Iran, July 5, 2024. Secretary of State Antony Blinken…
المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي- تعبيرية

أعلنت الحكومة السودانية الأحد الماضي أن قائد الجيش عبد الفتاح البرهان تسلّم أوراق اعتماد السفير الإيراني، كما أرسل في المقابل سفيراً لبلاده إلى طهران، ما يعزز من فرص التقارب بين البلدين بعد قطيعة استمرت ثماني سنوات.

تأتي هذه الخطوة في سياق محاولات طهران المستمرة لنشر نفوذها داخل القارة الأفريقية. وذلك من خلال نشر أيديولوجية الثورة الإيرانية والترويج لنظرية الولي الفقيه.

 

شرق أفريقيا

اهتمت طهران بتأمين حدودها الجيوسياسية المرتبطة بتجارة النفط في خليج هرمز من خلال مد نفوذها في منطقة القرن الأفريقي، وهي المنطقة التي تضم عدداً من الدول الواقعة على البحر الأحمر شرقي أفريقيا، منها إريتريا، وإثيوبيا، والصومال، وجيبوتي.

بحسب ما يذكر الباحث محمد رمضان أبو شعيشع في دراسته "الوجود الإيراني في القرن الأفريقي: دراسة حالة على إريتريا"، فإن طهران قامت بتزويد إريتريا بالمئات من عناصر "فيلق القدس" وضباط البحرية والخبراء العسكريين من الحرس الثوري الإيراني الذين يشرفون على قواعد صاروخية بطول الساحل الإريتري على البحر الأحمر، المقابل للمملكة العربية السعودية واليمن.

لخدمة الهدف ذاته، استعادت إيران علاقتها الدبلوماسية مع جيبوتي في سبتمبر 2023م بعد 7 سنوات من القطيعة. يذكر أبو شعيشع أن الجانبين -الإيراني والجيبوتي- توصلا إلى توقيع مذكرة تفاهم للتعاون المشترك، تضمنت تلك المذكرة بناء مراكز للتدريب، والإعفاء من تأشيرات الدخول لمواطني البلدين، بالإضافة إلى منح البنك الإيراني قروضاً للبنك المركزي الجيبوتي، وتقديم منح للطلاب بهدف الدراسة في الجامعات الإيرانية.

محاولات إيران نشر نفوذها في شرقي أفريقيا وصلت إلى دولة جزر القمر الواقعة في المحيط الهندي. بدأت تلك المحاولات في عهد الرئيس القمري الأسبق أحمد سامبي، الذي درس العلوم الدينية في إيران في ثمانينات القرن الماضي. وتتلمذ وقتها على يد آية الله محمد تقي مصباح اليزدي. خلال فترة حكم سامبي، قدمت طهران دعماً كبيراً لجزر القمر من خلال بعض المنظمات الخيرية، ومنها على سبيل المثال، لجنة إمداد الإمام الخميني التي قدمت العون المالي لمئات الأسر، وافتتحت مركزاً لتدريب الشباب على الحرف. كما افتتح الهلال الأحمر الإيراني مستشفى في العاصمة موروني وقدم خدماته بالمجان.

تراجع زخم العلاقات الإيرانية القمرية بشكل ملحوظ عقب رحيل الرئيس سامبي، وفي سنة 2016م، قطعت جزر القمر علاقاتها الدبلوماسية مع إيران تضامناً مع السعودية بعد الاعتداء على بعثتها الدبلوماسية في طهران. واتهم الرئيس القمري طهران وقتها بأنها "استغلت ضيق ذات اليد لإقامة مشروعها الصفوي الشيعي في إحدى جزر القمر، ولكن لن نسمح لها بتمرير مشروعها في بلادنا...". مؤخراً، شهدت العلاقات بين البلدين انفراجه واضحة عقب الإعلان عن فوز رئيس جمهورية جزر القمر، غزالي عثمان، بولاية رئاسية ثالثة. أرسل الرئيس الإيراني الراحل، إبراهيم رئيسي، برقية تهنئة لنظيره القمري، ودعاه إلى "فتح صفحة جديدة في التعاون الثنائي والدولي لصالح البلدين".

لم يختلف الوضع كثيراً بالنسبة للعلاقات الإيرانية السودانية. أُفتتح أول مركز ثقافي إيراني في السودان في سنة 1988م في عهد حكومة رئيس الوزراء الأسبق الصادق المهدي. وتزايدت أنشطة المركز بشكل كبير عقب وصول الرئيس السابق عمر البشير إلى السلطة. في تلك الفترة، عُقدت العديد من الاتفاقيات العسكرية بين البلدين. وسمحت الخرطوم لطهران بإمدادها بمساعدات مالية بقيمة 17 مليون دولار وأسلحة صينية بقيمة 300 مليون دولار، فضلاً عن إرسال إيران 2000 فرد من الحرس الثوري الإيراني للسودان لإنشاء وتدريب "قوات الدفاع الشعبي" على غرار قوات الباسيج الإيرانية. في سنة 2009م، ظهر النفوذ الإيراني في السودان بشكل أكثر وضوحاً على المستوى الشعبي. وذلك بعدما نظم الشيعة السودانيون احتفالاً علنياً كبيراً بمناسبة ذكرى مولد الإمام المهدي.

في سبتمبر 2014م، تراجع زخم العلاقات بين البلدين، بعدما قررت السلطات السودانية إغلاق عدد من المراكز الثقافية الإيرانية في البلاد، وامهال القائمين عليها 72 ساعة لمغادرة البلاد. بعد أقل من سنتين، أعلن السودان قطع علاقاته مع إيران تضامناً مع السعودية. في هذا السياق، صرح الرئيس البشير في إحدى المقابلات الإعلامية أن "ايران سعت لترويج التشيع في السودان". بشكل عام، عملت طهران على توطيد وجودها في العديد من دول شرق أفريقيا من خلال استغلال نفوذها الديني والدبلوماسي. على سبيل المثال، يذكر الباحث سعيد الصباغ في دراسته "سياسة إيران تجاه القرن الافريقي وشرق إفريقيا" أن طهران عقدت مؤتمراً دولياً في مدينة قم في سنة 2016م. نُظم المؤتمر بالتعاون مع ما يسمى اتحاد الطلاب الأفارقة بإيران، وناقش الاستراتيجيات المختلفة لنشر المذهب الشيعي في أفريقيا، بمشاركة حوالي 200 طالب وداعية شيعي من 30 دولة أفريقية.

 

شمال أفريقيا

في عام 1993، اتهمت الجزائر إيران بتقديم الدعم السياسي والإعلامي لـ"الجبهة الإسلامية للإنقاذ". على إثر ذلك، قطعت الجزائر علاقاتها مع طهران. وطلب الجزائريون من السفير الإيراني مغادرة البلاد بشكل فوري. بعد 7 سنوات، أُعيدت العلاقات الدبلوماسية بين البلدين مرة أخرى. وتطورت بشكل كبير فيما بعد. في مارس الماضي، وقع مسؤولون من إيران والجزائر 6 اتفاقيات تعاون مشترك في مجالات مختلفة بحضور رئيسي البلدين.  جاءت تلك الاتفاقيات في مجالات النفط والغاز والعلوم والتكنولوجيا والاقتصاد القائم على المعرفة والرياضة والسياحة والإعلام.

من جهة أخرى، لم تنجح طهران في إثبات وجودها في المغرب. يرجع ذلك لسببين رئيسين، أولهما موقف طهران الداعي لنشر التشيع في المغرب، وثانيهما اعتراف طهران في سنة 1980م بجبهة البوليساريو، والتي تسعى لتحرير الصحراء الغربية مما تراه استعماراً مغربياً. في سنة 2009م، اعلنت المغرب قطع علاقتها مع طهران، وذكرت الرباط في بيانها الرسمي أن الإيرانيين مارسوا أنشطة متعددة بهدف نشر التشيع في المغرب. وأن هذه الأنشطة "تستهدف الإساءة إلى المقومات الدينية الجوهرية للمملكة والمس بالهوية الراسخة للشعب المغربي ووحدة عقيدته ومذهبه السني المالكي"، وذلك بحسب ما يذكر السيد أبو داود في كتابه "تصاعد المد الإيراني: في العالم العربي".

في سنة 2015م، عادت العلاقات بين البلدين لفترة وجيزة، قبل أن تُقطع مرة أخرى في مايو 2018م. عندما أعلن المغرب قطع علاقاته الدبلوماسية مع إيران، متهماً إياها وحليفها "حزب الله" اللبناني بدعم جبهة البوليساريو في الصحراء الغربية. في هذا السياق، ذكر عدد من التقارير المغربية أن بعض الخبراء العسكريين التابعين لحزب الله سافروا إلى الجزائر -وتحديداً لمدينة تندوف- لتأهيل قيادات من جبهة البوليساريو الانفصالية على استخدام صواريخ أرض-جو، والصواريخ المضادة للطائرات.

 

غرب أفريقيا

ارتبطت ظاهرة نشر التشيع وتمدد النفوذ الإيراني في غرب افريقيا باسم رجل الدين الشيعي النيجيري إبراهيم الزكزاكي. تأثر الزكزاكي في شبابه بأفكار الثورة الإيرانية. وفي سنة 1980م سافر إلى طهران للمرة الأولى من أجل المشاركة في الذكرى الأولى للثورة الإسلامية. وهناك، أعتنق المذهب الشيعي بشكل رسمي والتقى بالعديد من قيادات الثورة.

يذكر الباحث العراقي حيدر عبد الجليل في دراسته "دور الفكر الحسيني في نشر الإسلام المحمدي" أن الزكزاكي اُعتقل أكثر من مرة من قِبل السلطات النيجيرية في فترة الثمانينيات والتسعينيات من القرن الماضي، بسبب أنشطته الدعوية الداعية إلى نشر المذهب الشيعي في شمال نيجيريا من خلال تأسيس "الحركة الإسلامية في نيجيريا". أسس الزكزاكي عشرات المدارس الدينية الإسلامية التي تدرس المذهب الشيعي الإمامي، وأقام حسينية "بقية الله" في منطقة زاريا.  كما أسس عدة مؤسسات خيرية لتقديم الخدمات المالية والصحية والتعليمية. ومنها "مؤسسة الشهداء"، التي قامت على "رعاية أبناء الشهداء وكفالة الأيتام". و"مؤسسة الزهراء"، التي عملت على حفر الآبار وشق قنوات المياه وتخليص المسجونين ومساعدة الأرامل.

Iran's Supreme Leader Ayatollah Ali Khamenei meets with Palestinian group Hamas' top leader, Ismail Haniyeh, in Tehran
"حماس" الإخوانية وإيران الخمينية.. علاقة يعززها الإسلام السياسي
قبل أيام زار رئيس المكتب السياسي لحركة "حماس" طهران للمرة الثانية منذ السابع من أكتوبر 2023. هنية المقيم في قطر، يشكّل أحد أبرز الوجوه السياسية لـ"حماس". وزيارته إلى إيران تعيد إلى الواجهة تاريخ العلاقات بين ولاية الفقيه والإخوان المسلمين.

شهدت السنوات الماضية اندلاع العديد من المواجهات بين الجيش النيجيري من جهة، والحركة الإسلامية في نيجيريا من جهة أخرى. بدأت تلك المواجهات في يونيو 2005م، عندما نشرت نيجيريا مئات الجنود في مدينة سوكوتو الواقعة في أقصى غرب البلاد؛ على خلفية اندلاع أحداث العنف الطائفي بين السنة والشيعة التي أدت إلى مقتل 12 شخصاً. في نوفمبر 2015، استهدف تفجير انتحاري موكباً للمسلمين الشيعة قرب مدينة كانو شمالي نيجيريا وأوقع 21 قتيلاً.  وفي ديسمبر من العام نفسه اشتعلت الأوضاع في زاريا بعدما قُتل مئات المسلمين الشيعة على يد جنود الجيش النيجيري أثناء خروج بعض المظاهرات في "يوم القدس العالمي"، الذي يحتفل به الشيعة الموالون لإيران في الجمعة الأخيرة من رمضان سنوياً. شهدت تلك الأحداث تدمير منزل الزكزاكي والقبض عليه عقب إصابته بعيارات نارية، فيما قُتل ثلاثة من أبنائه، فضلاً عن نائب زعيم الحركة. في 2021م، قضت المحكمة العليا بولاية كادونا في نيجيريا بإطلاق سراح الزكزاكي بعد اعتقاله لمدة 6 سنوات، وفي يوليو من تلك السنة تم الإفراج بشكل نهائي عن الزعيم الشيعي، وخرج مرة أخرى لأنصاره.

بشكل عام، أعلن الزكزاكي في العديد من المناسبات عن ولائه الكامل للنظام الإسلامي في طهران، وعن اعتناقه نظرية الولي الفقيه، التي تجعل من "الحركة الإسلامية" في نيجيريا ذراعاً من أذرع المرشد الأعلى علي خامنئي. في أغسطس 2023م، انتقد الزكزاكي التدخل الغربي في شؤون القارة الإفريقية، وسار على نهج الثورة الإيرانية في موقفها المناهض للإمبريالية العالمية. من بين تصريحاته بهذا الخصوص، أن "أميركا وفرنسا قد تتسببان في أزمة بين نيجيريا والنيجر... من الواضح أن هذه ليست حربنا، بل حرباً بين أميركا وفرنسا". في أكتوبر من العام نفسه، سافر الزكزاكي إلى طهران للمرة الأولى عقب الإفراج عنه، وحظي باستقبال شعبي حاشد، كما التقى بالعديد من قيادات الجمهورية الإسلامية على رأسهم المرشد علي خامنئي، الذي وصف الزكزاكي بأنه "مجاهد حقيقي في سبيل الله".

من جهة أخرى، عملت إيران على استغلال العوامل الاقتصادية والتجارية لترسيخ وجودها في دول غرب أفريقيا. في مارس 2023م، نظمت إيران تجمعاً اقتصادياً مع عدد من سفراء دول غرب أفريقيا. وفي إبريل 2024م، استضافت طهران المؤتمر الاقتصادي الثاني لها مع أكثر من 40 دولة أفريقية، بهدف توسيع التعاون الاقتصادي مع الدول الأفريقية.  تسعى طهران إلى رفع حجم تجارتها مع أفريقيا إلى 12 مليار دولار، أي عشر أضعاف تجارتها الحالية التي سجلت 1.28 مليار دولار في سنة 2021م.