ترجع قصة اكتشاف الحجر إلى عام 1799، عندما عثر جندي فرنسي يدعى بيير فرانسوا بوشار على الحجر في مدينة رشيد الواقعة في شمالي مصر
ترجع قصة اكتشاف الحجر إلى عام 1799، عندما عثر جندي فرنسي يدعى بيير فرانسوا بوشار على الحجر في مدينة رشيد الواقعة في شمالي مصر.

يوافق التاسع عشر من يوليو ذكرى العثور على حجر رشيد. ترجع قصة اكتشاف الحجر إلى عام 1799، عندما عثر جندي فرنسي يدعى بيير فرانسوا بوشار على الحجر في مدينة رشيد الواقعة في شمالي مصر.

صُنع هذا الحجر من البازلت الأسود. ويبلغ ارتفاعه 113سم، وعرضه 75سم، وسمكه 27.5 سم. وكان من ضمن مواد البناء التي استخدمها العمال في تجديد بناء إحدى القلاع برشيد. لفت الحجر نظر الجندي الفرنسي بما نُقش عليه من رموز وكتابات غير مفهومة. سارع بوشار بالتحفظ على الحجر وأخبر رؤساءه بقصته. لم يكن يعلم أن اسمه سيُخلد بسبب هذا الكشف الذي سيميط اللثام عن الكثير من ألغاز التاريخ المصري القديم.

سنلقي الضوء في هذا المقال على قصة هذا الحجر، وجهود العلماء في فك طلاسمه، لنعرف كيف لعبت الصدفة دورًا مهمًا في التعرف على قصة إحدى أقدم الحضارات الإنسانية.

 

ما قصة الحجر؟

 

تمكن الإسكندر المقدوني في الربع الأول من القرن الرابع قبل الميلاد من ضم أراضي واسعة في مصر وبلاد الشام والعراق وبلاد فارس. توفي الإسكندر دون وريث، وتم تقسيم مملكته بين ثلاثة من كبار قادة جيشه. كانت مصر من نصيب بطليموس، الذي أسس سلالة حاكمة عُرفت باسم البطالمة. وتمكن ملوك تلك السلالة من حكم مصر حتى استولى عليها الرومان في عام 30 ق.م.

تعود قصة حجر رشيد للعصر البطلمي، وتحديدًا لسنة 196 ق.م. وافق هذا العام الاحتفال بالذكرى الأولى لجلوس الملك بطليموس الخامس أبيفانس -والتي تعني الإله الظاهر- على عرش مصر. كان الملك لا يزال طفلًا صغيرًا، وأراد أعوانه أن يكسبوا رضا المصريين. أعلن بطليموس الخامس إعفاء الشعب والمعابد من الديون والضرائب، وأصدر قرارًا بالإفراج عن عدد كبير من المسجونين والهاربين. أعلن بطليموس أيضًا ترميم بعض المعابد المصرية.

دون الكهنة تلك القرارات على قطعة من الحجر البازلتي الأسود، وهو الحجر الذي سيُعرف فيما بعد باسم حجر رشيد.

قابل الكهنة هذا الكرم الملكي بحفاوة ظاهرة. أصدروا مرسومًا دينيًا نص على وضع تماثيل للملك في المعابد. واعتبروا ذكرى تتويج الملك بمثابة عيد قومي للمصريين جميعا. دون الكهنة تلك القرارات على قطعة من الحجر البازلتي الأسود -وهو الحجر الذي سيُعرف فيما بعد باسم حجر رشيد- وكتبوا المرسوم بثلاثة خطوط معروفة في مصر في ذلك الوقت. كان الخط الأول هو الخط الهيروغليفي -وتعني النقش المقدس- وهو الخط المستخدم في الكتابات الدينية القديمة. أما الخط الثاني فكان الديموطيقية -وتعني الخط الشعبي- وهو الخط الشائع في مصر البطلمية. وكان الخط الثالث هو الخط الإغريقي اليوناني الذي استخدمه البطالمة واليونانيون في ذلك العصر.

ينقل الباحث المصري سليم حسن في كتابه "موسوعة مصر القديمة" بعض المقاطع التي وردت على حجر رشيد. من ذلك ما جاء في بيان فضل الملك على المصريين "...وقد أمر جلالته بالآتي: أن ما يتعلق بقربان الآلهة، وكذلك الفضة والحبوب التي كانت تُعطى سنويًّا للمعبد، وكل أشياء الآلهة من كروم وأراضي بساتين، وكل شيء يخصهم كانوا يملكونه في عهد والده المبجل؛ يجب أن يُترك مُلكًا لهم، وأمر كذلك أن يُنزل عن الضريبة التي كانت تؤخذ من يد الكهنة أكثر من الضرائب التي كانت تُدفع في عهد جلالة والده المبجل...". وأيضًا "أعاد جلالته استعمال كل الأشياء التي كانت منذ زمن طويل غير منظمة إلى نظامها الحسن، وقد كان مهتمًّا جدًّا بكل الأشياء التي كانت تُعمل عادة لمنفعة الآلهة، وكذلك عمل ما هو حق للناس مثل ما فعل الإله «تحوت» المزدوج العظمة... وكذلك حمل هم إرسال مشاة وفرسان وسفن ضد أولئك الذين كانوا يأتون من المدن أو من البحر، ومنح فضة كثيرةً وغلالًا لأجل أن يهدئوا أراضي حور (= المعابد) ومصر...".

ينتقل النص بعد ذلك للحديث عن رد فعل الكهنة المصريين "...ويجب أن يُحفر هذا المرسوم على لوحة من الحجر الصلب بكتابة من كلم الإله، وبكتابة الرسائل، وبالكتابة الإغريقية، (ويجب على الإنسان) أن ينصبها في المكان المقدس (المحراب) في المعابد الخاصة المبينة من الدرجة الأولى والثانية والثالثة، وذلك بجوار تمثال ملك الوجه القبلي والوجه البحري «بطليموس العائش أبديًّا، محبوب بتاح» الإله الظاهر سيد الجمال".

وهكذا، يمكن القول إن الحجر الذي عُثر عليه في رشيد كان -بالمقام الأول- محاولة لرد الجميل من جانب الكهنة المصريين، حاولوا من خلاله أن يعربوا عن امتنانهم لسياسات الملك بطليموس الخامس.

 

مصير حجر رشيد

 

ورد في كتاب "قصة فك رموز اللغة المصرية القديمة" الصادر عن وزارة الثقافة المصرية "أن الأقدار لعبت دورًا كبيرًا فيما يتعلق بمصير هذا الحجر". تبدو تلك العبارة صحيحة إلى حد بعيد بالنظر لما وقع للحجر بعد العثور عليه.

أرسل الجندي الفرنسي بوشار الحجر إلى قائد الحملة الفرنسية نابليون بونابرت في القاهرة. أرسل بونابرت هذا الأثر إلى المعهد العلمي المصري والذي كان مقرًا للحملة العلمية الفرنسية بمصر. ترك نابليون مصر وعاد لباريس ليسيطر على مقاليد السلطة فيها، وترك قيادة الحملة لمساعده جان بابتيست كليبر الذي اُغتيل على يد سليمان الحلبي في 1800. تولى جاك مينو قيادة الحملة بعدها، وأخذ الحجر معه ووضعه في منزله بالإسكندرية.

اتفق الفرنسيون مع الإنجليز على الجلاء من مصر في سنة 1801، تم الاستيلاء على الحجر -بوصفه أحد غنائم الحرب التي سُلبت من الفرنسيين- وأُرسل إلى لندن. وفي سنة 1802 أهدى الملك الإنجليزي جورج الثالث الحجر إلى المتحف البريطاني. كانت العادة في تلك الفترة أن يتم عمل نسخ من النقوشات والآثار المهمة لتوزع على كبرى متاحف أوروبا. وزعت نسخ من حجر رشيد على جامعات أكسفورد وكامبريدج وباريس. وبدأ جميع المهتمين في دراسة ذلك النص المهم.

 

جهود العلماء في فك رموز الحجر

 

كان فك رموز حجر رشيد محصلة لمجهودات العديد من العلماء والباحثين على مدار السنوات. غابت أسماء العديد من هؤلاء العلماء بينما بقي اسم العالم الفرنسي الأشهر جان فرانسوا شامبليون وحده مرتبطًا بذلك الإنجاز الفريد من نوعه.

يؤكد بعض الباحثين أن جهود فك رموز اللغة المصرية القديمة. بدأت قبل العثور على حجر رشيد بفترة طويلة. على سبيل المثال, يذكر الباحث المصري عكاشة الدالي في كتابه "الألفية المفقودة: مصر القديمة في كتابات العرب" أن اثنين من العلماء المسلمين عرفوا اللغة المصرية القديمة، وهما أحمد بن أبي بكر بن وحشية وذو النون المصري اللذان عاشا في القرن الثالث الهجري.

لو رجعنا للجهود التي بُذلت لفك رموز حجر رشيد سنجدها بدأت في سنة 1802 على يد عالم الطبيعة الفرنسي سلفستر دي ساسي. عمل دي ساسي على مضاهاة النص الديموطيقي بالنص الإغريقي. وتمكن من تحديد ثلاثة أسماء واردة في النصين، وهي أسماء بطليموس، والإسكندر، والإسكندرية.

في سنة 1802 أهدى الملك الإنجليزي جورج الثالث الحجر إلى المتحف البريطاني.

تلقف الراية الدبلوماسي السويدي أكربلاد، سار على نهج دي ساسي وركز على النص الديموطيقي. توصل أكربلاد إلى معرفة نصف حروف هجاء الخط الديموطيقي، كما توصل إلى بعض أسماء الأعلام وحدد بعض الضمائر.

لعب العالم الإنجليزي الشهير توماس يونج دورًا مهمًا في فك رموز حجر رشيد بعد أكربلاد. خمن يونج أن هناك علاقة بين النص الديموطيقي والنص الهيروغليفي. وعمل على مضاهاة النص الديموطيقي بالنص الإغريقي. استعان يونج ببعض الكتابات الهيروغليفية الأخرى، وخلص إلى مجموعة من النتائج المهمة، ومنها أنه عرف حرفين من حروف الهجاء في الهيروغليفية. وتأكد أن الحلقات الدائرية التي كانت تضم بعض الكلمات -والتي ستُعرف فيما بعد باسم الخراطيش- هي علامات تضم أسماء الملوك والملكات. عرف يونج أيضًا أداة التأنيث في اللغة الهيروغليفية.

دخل شامبليون على الخط في سنة 1806. أرسل العالم الفرنسي الشاب إلى أخيه الأكبر في هذه السنة ليخبره: "أريد أن أقوم بدراسة معمقة ومتواصلة لهذه الأمة القديمة (الأثرية). يملَؤني الحماس، الذي قادني إلى دراسة آثارهم وقوتهم ومعرفتهم، بالتقدير، سيكبر كل هذا إلى ما هو أبعد من ذلك إذ سأكتسب تصورات جديدة. من بين كل الأشخاص الذين أفضلهم، سأقول بأنه لا أحد عزيز على قلبي كالمصريين".

قام شامبليون بمراسلة توماس يونج، واستفاد كثيرًا من النتائج التي توصل لها العالم الإنجليزي. عرف العالم الفرنسي في الوقت ذاته أن اللغة القبطية التي يستخدمها المسيحيون المصريون من الممكن أن تفيده في فك أسرار نقوش حجر رشيد. تعرف شامبليون على كاهن قبطي يدعي "يوحنا الشفتشي" في كنيسة سان روش بفرنسا، ودرس عليه اللغة القبطية. أرسل شامبليون إلى شقيقه الأكبر في سنة 1809م ليخبره بأهمية اللغة القبطية. قال شامبليون في تلك الرسالة: "إني متفرغ تماما للغة القبطية؛ أريد أن تكون درايتي بهذه اللغة كاللغة الفرنسية تمامًا لأن عملي الضخم عن البرديات المصرية سيقوم على أساسها. وأنا لغتي القبطية تتحسن باستمرار وأجد في ممارستها سعادة كبيرة حقًا إذ يمكنك أن تتخيل ان سعادة الحديث بلغة أمينوفيس ورمسيس وتحتمس لا يمكن ان تكون صغيرة. أما عن اللغة القبطية فأنا لا أفعل شيئًا آخر فأنا لا أحلم إلا بالقبطي. ولا أفعل غير هذا..."، وذلك بحسب ما يذكر جان لا كوتير في كتابه "شامبليون؛ حياة من نور".

توصل شامبليون بعد ستة عشر عامًا من الدراسة والبحث والتنقيب إلى فك رموز حجر رشيد كما نعرفها اليوم.

ظهر تأثير معرفة شامبليون بالقبطية في الرسالة التي بعث بها إلى المسيو داسييه السكرتير الدائم في جمعية النقوش والآداب الفرنسية. ذكر شامبليون في تلك الرسالة أنه حلل الخانة الملوكية -الخرطوشة- التي أكد يانج من قبل أنها احتوت على اسم بطليموس. فكك العالم الفرنسي الكلمة إلى حروف الباء، والتاء، واللام، والميم، والسين. وقارن تلك الحروف بما ورد في الخانات الملوكية الأخرى التي وردت فيها كلمات كليوبترا والإسكندر. تأكد شامبليون عندئذً أن الصيغ اللغوية الهيروغليفية تتوافق مع مثيلتها في اللغة القبطية.

يذكر زاهي حواس في كتابه "شامبليون: خطوات على أرض مصر" أن شامبليون تمكن من إدراك التشابه القائم بين القبطية والهيروغليفية عندما عرف أن كلمة "مس" بالهيروغليفية تعني ولد بالقبطية، كذلك عرف أن علامة الشمس في القبطية تعني رع. عرف شامبليون أن اسم رمسيس الذي ظهر في النص اليوناني يقرأ بالخط الهيروغليفي "رع هو مسو". عرف بالطريقة نفسها أن الملك تحتمس الوارد في الخراطيش هو الطائر الذي يرمز لتحوت إله الحكمة. من هنا، فإن تحتمس مشتقة من كلمتي تحوت مس.

توصل شامبليون بعد ستة عشر عامًا من الدراسة والبحث والتنقيب إلى فك رموز حجر رشيد كما نعرفها اليوم. وفي 27 سبتمبر عام 1822، وقف العالم الفرنسي وسط اجتماع حضره أعضاء أكاديمية العلوم الفرنسية بباريس، وقرأ خطابه الشهير الذي تضمن نتائج أبحاثه الطويلة في تفسير رموز اللغة المصرية القديمة.

 

أين هو حجر رشيد الآن؟

 

احتفظ المتحف البريطاني بحجر رشيد منذ وصوله إليه هدية من الملك جورج الثالث سنة 1802 وحتى اللحظة. وهو الأثر الأكثر زيارة من جانب الرواد والزائرين. طالبت مصر بعودة الحجر إليها في فترات مختلفة. قوبل هذا الطلب بالرفض القاطع بدعوى أن الحجر ملك للمتحف.

تجدد الجدل حول هذا الأثر المهم في 2009، عندما اقترح رئيس المجلس الأعلى للآثار الأسبق زاهي حواس أن تتنازل مصر عن مطالبة المتحف البريطاني بإعادة حجر رشيد إلى مصر في حالة موافقة المتحف على السماح بعرضه هناك لفترة محددة. رفض المسؤولون عن المتحف البريطاني هذا الطلب عندما "طرحوا تساؤلات تتعلق بضمانات عودة تلك التحف إليهم مرة أخرى". وهكذا بقي الحجر في بريطانيا إلى اليوم.

احتفظ المتحف البريطاني بحجر رشيد منذ وصوله إليه هدية من الملك جورج الثالث سنة 1802 وحتى اللحظة.

لكن حجر رشيد ليس وحده، هناك عشرات الآلاف من القطع الأثرية المصرية المنهوبة وجدت طريقها لمتاحف أوروبا والولايات المتحدة. يأتي تمثال رأس توت عنخ أمون وتمثال رأس نفرتيتي على رأس تلك القطع. بالإضافة لعدد من المسلات التي تزين ميادين باريس، ونيويورك، وروما ولندن.

مواضيع ذات صلة:

صورة أرشيفية لمدينة تدمر الأثرية في سوريا- وكالات
صورة أرشيفية لمدينة تدمر الأثرية في سوريا- وكالات

تعمل منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة ("اليونسكو") على الاهتمام بالمواقع الأثرية المنتشرة في دول العالم كافة. لذلك، أعدت المنظمة ما عُرف باسم "قائمة التراث العالمي"، وهي القائمة التي تتضمن العشرات من المواقع الأثرية القديمة التي تتعاظم أهميتها بسبب تاريخها الثقافي والحضاري. 

من جهة أخرى، أعدت "اليونسكو" قائمة ثانية بعنوان "التراث العالمي المعرض للخطر". في تلك القائمة، جمعت المنظمة المواقع المُهددة بسبب النزاعات العسكرية المسلحة، والزلازل، والتلوث البيئي، والتوسّع الحضري غير المنضبط، وغير ذلك من الأسباب التي من شأنها تهديد المواقع الأثرية. في هذا السياق، أُدرجت 7 دول عربية ضمن قائمة التراث العالمي المعرض للخطر، وهي: مصر، ليبيا، الأراضي الفلسطينية، سوريا، العراق، اليمن، ولبنان. نلقي الضوء في هذا التقرير على أهم المواقع الأثرية المُعرضة للخطر في هذه الدول.

 

سوريا

تحتوي سوريا على أكبر عدد من المواقع الأثرية المُعرضة للخطر بين الدول العربية. تتمثل تلك الأخطار في الصراعات العسكرية المسلحة التي بدأت منذ سنة 2011م، ولم تنته معاركها حتى اللحظة. من أهم المواقع الأثرية المتواجدة في القائمة، موقع "مدينة حلب القديمة" في شمالي سوريا. يحتوي الموقع على العشرات من الأبنية والمساجد والمنازل والأسواق. وفي سنة 1986م أعلنت اليونسكو الموقع جزءًا من التراث العالمي.

تحتوي سوريا أيضاً على موقع "مدينة بُصْرَى التاريخية". والتي تتبع محافظة درعا، وتقع على مسافة 140 كم من دمشق. بحسب المصادر التاريخية الإسلامية، كانت بصرى عاصمة دينية وتجارية مهمة على طريق الحرير القديم. وترتبط المدينة بذكرى خاصة في الذاكرة الإسلامية بسبب الروايات التي تذكر أن النبي محمد قد مر بها في شبابه قبل البعثة. وأنه قابل فيها الراهب بحيرى النصراني. والذي تنبأ بأن هذا الشاب سوف يصبح نبي العرب الذي بشرت به الكتب القديمة.

كذلك تحتوي سوريا على موقع "مدينة دمشق القديمة"، وموقع "المدن المنسية" التي تقع ضمن الحدود الإدارية لمحافظتي حلب وإدلب. ويعود بناؤها إلى الفترة بين القرنين الأول والسابع للميلاد. وتشتهر بكاتدرائية القديس سمعان العمودي التي كانت مكاناً للحج المسيحي لقرون طويلة.

تتضمن القائمة أيضاً قلعتي الحصن وصلاح الدين. تعود الأولى لفترة الحروب الصليبية، وتقع ضمن سلاسل جبال الساحل في محافظة حمص في سوريا. أما القلعة الثانية، فتقع في مدينة اللاذقية. وتعتبر واحدة من أهم قلاع القرون الوسطى المحفوظة في العالم. في سنة 2006م، سجل اليونسكو القلعتين على لائحة التراث العالمي.

أيضاً، تحضر مدينة تدمر التاريخية في قائمة المواقع الأثرية المُعرضة للخطر. تقع المدينة في محافظة حمص في الجزء الأوسط من سوريا. ويعود تاريخها إلى العصر الحجري الحديث. اشتهرت تدمر بثرائها الذي حققته من كونها مركزاً تجارياً مهماً على طريق الحرير الشهير. في القرن الثالث الميلادي، تمكن ملوك تدمر من الاستقلال عن الحكم الفارسي. وفي عهد الملكة الشهيرة زنوبيا تأسست مملكة تدمر الشهيرة. وخاضت الحرب ضد الإمبراطورية الرومانية قبل أن تُهزم وتفقد استقلالها. في 2015م، سيطرت عناصر تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام "داعش" على موقع مدينة تدمر، وخرّبت ودمّرت الكثير من المواقع الأثرية المهمة في المدينة، قبل أن تستعيد القوات السورية سيطرتها عليها في العام 2017م.

الاعتداء على قبر معاوية يجدد المخاوف.. من يحمي الآثار السورية؟
تعرّض قبر معاوية للتدمير في أيام العباسيين، وأعيد بناؤه أكثر من مرة، بحسب الباحث السوري تيسير خلف، و"لدينا شاهدة قبر من الفترة الأيوبية- المملوكية، ويبدو انه جدّد حينذاك". والاعتداء الذي وقع عليه مؤخراً كان لفظياً ولم يتعرض القبر لأي أذى ماديّ.

العراق

في تصنيفات "اليونسكو" تقع بعض المواقع الأثرية المُهددة بالخطر في العراق. على رأس تلك المواقع "مدينة أشور القديمة". تقع المدينة على بعد 60 ميلاً جنوبي مدينة الموصل حالياً في شمال العراق. وكانت عاصمة للمملكة الأشورية التي توسعت في الألف الثاني قبل الميلاد، قبل أن تسقط على يد الميديين والبابليين في سنة 612 ق.م.

في يونيو 2014م، سيطر تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام على المدينة التاريخية. وتم تخريب بعض المواقع الأثرية قبل أن تتمكن القوات العراقية من استعادة السيطرة الكاملة على المنطقة في سبتمبر 2016م.

كذلك، تتضمن القائمة "مدينة سامراء التاريخية". تقع المدينة شرقي نهر دجلة في محافظة صلاح الدين، وتبعد 125 كيلومتر شمالي العاصمة بغداد. تتحدث المصادر التاريخية عن ظروف تأسيس وإعمار تلك المدينة في العصر العباسي. بحسب تلك المصادر، قرر الخليفة المعتصم بالله أن يبني تلك المدينة ويتخذها عاصمة لدولته بسبب كثرة الجند الأتراك في بغداد. تحكي بعض القصص أن هذا المكان كان مملوكاً لبعض الرهبان المسيحيين. وأن المعتصم اشتراه منهم بأربعة آلاف دينار. وعزم على أن يبني فيه مدينة جديدة "ونقل إليها أنواع الأشجار والغروس، واُختطت الخطط والدروب، وجدوا في بنائها، وشُيدت القصور، واُستنبطت المياه من دجله وغيرها وتسامع الناس وقصدوها، وكثرت بها المعايش"، بحسب ما يذكر شمس الدين الذهبي في كتابه "سيّر أعلام النبلاء".

حافظت سامراء على مجدها وعظمتها لما يزيد على نصف قرن. اتخذها المعتصم وخلفاؤه عاصمة لدولتهم الواسعة المترامية الأطراف. ودُفن فيها العديد من الخلفاء. كما شيّد الخليفة المتوكل سنة 245ه على أرضها المسجد المشهور بمئذنته الملوية.

بعد أن غادرها العباسيون، تعرضت سامراء للتهميش وعدم الاهتمام. قبل أن تتعرض للتخريب والتدمير إبان فترة الغزو المغولي للعراق في القرن السابع الهجري. قيل إن الناس غيروا اسمها في تلك الفترة ليصبح "ساء من رأى". وصف الرحالة المغربي الشهير ابن بطوطة الحالة المؤسفة التي أصيبت بها المدينة عند زيارته لها سنة 727ه. يقول ابن بطوطة: "...وقد استولى الخراب على هذه المدينة فلم يبق منها إلا القليل وهي معتدلة الهواء رائقة الحسن على بلائها، ودروس معالمها". في سنة 2007م، ضمت "اليونيسكو" سامراء إلى قائمة التراث العالمي.

شيد الخليفة المتوكل سنة 245ه في سامراء المسجد الجامع المشهور بمئذنته الملوية.
"عاصمة الخلفاء" و"منفى الأئمة".. قصة مدينة سامراء
تقع مدينة سامراء في وسط العراق. وتشغل أهمية كبرى في أوساط العراقيين، خاصة الشيعة في البلاد، باعتبارها المكان الذي دُفن فيه كل من الإمامين العاشر والحادي عشر علي الهادي والحسن العسكري. ما قصة هذه المدينة؟ وماذا كانت ظروف بنائها؟ وما أهم الأحداث في تاريخها؟ وما هي أسباب قداستها؟

اليمن

تتضمن القائمة ثلاثة مواقع يمنية مهمة. وجميعها مُهدد بسبب الحرب الأهلية اليمنية التي تدور منذ سنوات بين الحوثيين وقوات التحالف الذي تقوده المملكة العربية السعودية. يُعدّ موقع "معالم مملكة سبأ القديمة" هو الموقع اليمني الأول في القائمة. يقع هذا الموقع في محافظة مأرب شرق اليمن، ويضم مواقع أثرية وبقايا مستوطنات كبيرة مع المعابد والأسوار التي تعود للألف الأول قبل الميلاد. في سنة 2023م، أُدرجت تلك المعالم على قائمة التراث العالمي وضمن قائمة التراث العالمي المعرض للخطر من قِبل "اليونيسكو". الموقع الثاني هو مدينة زبيد التاريخية، والتي تبعد عن العاصمة صنعاء مسافة 233 كم تقريباً. وكانت مدينة زبيد عاصمة اليمن من القرن الثالث عشر إلى القرن الخامس عشر الميلاديين. أما الموقع الثالث، فهو مدينة صنعاء القديمة. والتي بدأت حضارتها منذ القرن الخامس قبل الميلاد. قبل أن تصبح عاصمة لمملكة سبأ في القرن الأول للميلاد. في العصر الإسلامي، صارت صنعاء واحدة من أهم الحواضر الإسلامية. وتميزت منازلها ومساجدها وأسواقها وأسوارها بطراز معماري رفيع المستوى. في سنة 1980م، تبنى "اليونيسكو" حملة دولية لحماية مدينة صنعاء القديمة والحفاظ على معالمها المعمارية. وفي سنة 2015م، أُدرجت في قائمة التراث العالمي المعرض للخطر، بعدما تعرضت بعض أحياء المدينة لقصف صاروخي من قِبل قوات التحالف.

 

 

فلسطين ومصر وليبيا ولبنان

تشهد القائمة حضور مجموعة أخرى من الدول العربية. في الأراضي الفلسطينية، يتواجد موقع "البلدة القديمة بالقدس". وهي المنطقة المُحاطة بسور سليمان القانوني. من المعروف أن البلدة تشهد أهمية كُبرى في الذاكرة الدينية الإبراهيمية. ففيها المسجد الأقصى ومسجد قبة الصخرة اللذان يحظيان بمكانة كبيرة لدى المسلمين. وكذلك كنيسة القيامة لدى المسيحيين. فضلاً عن جبل الهيكل والجدار الغربي لليهود. في سنة 1981م، قامت "اليونيسكو" بضم البلدة القديمة في القدس إلى قائمة التراث العالمي.

في مصر، يوجد موقع منطقة "أبو مينا الأثرية" والذي يقع عند الحافة الشمالية للصحراء الغربية. اكتسبت المنطقة أهميتها بسبب احتوائها على مدفن القديس مينا. ولهذا السبب كانت المنطقة أحد أهم مراكز الحج المسيحي في القرون الوسطى. حالياً، تضم المنطقة مجموعة من الآثار القبطية والكنائس والأديرة. في سنة 2001م، أصبحت المنطقة مهددة بالخطر بسبب ارتفاع منسوب المياه الجوفية والأملاح في المنطقة.

في السياق نفسه، تتواجد بعض المواقع الليبية المهمة في القائمة. ومنها على سبيل المثال المواقع الأثرية في "مدينة صبراتة" الواقعة على بعد 70 كم غربي مدينة طرابلس، والتي تحتوي على عدد كبير من الآثار الرومانية. ومدينة "لبدة الكبرى"، التي تقع على بعد 120 كم شرقي مدينة طرابلس. وكانت من أهم مدن الشمال الأفريقي في عصر الإمبراطورية الرومانية.

في لبنان، يتواجد "معرض رشيد كرامي الدولي" في طرابلس. والذي أدرجته اليونسكو في القائمة في سنة 2023م. وجاء في حيثيات اختيار اليونسكو للمعرض "أنه يُعدّ من ناحية حجمه وغنى الأنماط الهندسية فيه، أحد الأعمال المهمة التي تمثل فن العمارة الحديث في القرن العشرين بالمنطقة العربية من الشرق الأوسط". مما يُذكر أن المعرض من تصميم المهندي البرازيلي الأصل أوسكار نيماير، وأن انتهاء تشييده تزامن مع اندلاع الحرب الأهلية اللبنانية في سبعينيات القرن العشرين. ويعاني الموقع من الإهمال ونقص الموارد المالية اللازمة لصيانته.