فجر تنظيم داعش مسجد النبي يونس في 24 يوليو 2014، أي بعد شهر فقط من احتلاله للموصل  في يونيو 2014.
فجر تنظيم داعش مسجد النبي يونس في 24 يوليو 2014، أي بعد شهر فقط من احتلاله للموصل  في يونيو 2014.

مثل خلية النحل..

هكذا يبدو المشهد في أعماق تل التوبة (أو تل النبي يونس)، الواقع إلى اليسار من نهر دجلة، حين مروره في مدينة الموصل.

قرابة 500 متر من الأنفاق المتداخلة في أسفل التل صارت الآن مستوطنة صغيرة يعيش فيها المنقبون والخبراء معظم ساعات النهار. يتحركون بكل حرص، كي يتحروا طبقات أثرية يتجاوز عمرها 27 قرنا من الزمان. يحملون بين أيديهم معاول وفَراشٍ لاستكشاف ثيران حجرية ظلت مطمورة طوال آلاف السنين، أو كتابات بالخط المسماري كانت مخفية عن عيون العالم، روى فيها الآشوريون جزءا من تاريخهم، وعظمة دولتهم.

خارج المكان، عمال لفحت وجوههم وأذرعهم شمس الصيف الحارقة، يتناوبون على نقل التراب والحجارة بالمجارف والحبال والأوعية المعدنية، وعربات صغيرة تُدفع باليد.

كل ما يتم العثور عليه يُسجل بعناية ويوثق.

وعلى قمة تل التوبة الأثري، يتناثر ركام جامع النبي يونس، الذي فجره تنظيم داعش في 24 يوليو 2014، أي بعد شهر فقط من احتلاله للموصل  في يونيو 2014 بذريعة أنه معلمة للشرك بالله. ويعود بناء هذا الجامع على الأرجح إلى زمن الخليفة العباسي المعتضد بالله في نهاية القرن الثالث الهجري.

 

ما بعد التحرير

 

بعد استعادة الجانب الأيسر من الموصل، في 24 يناير 2017، وطرد عناصر داعش منه بالكامل، عثرت القوات الأمنية على أنفاق حفرها أفراد التنظيم في الجانب الخلفي من تل التوبه، ما استدعى فرض طوق أمني حول المكان، فالتنظيم كان معتادا على حفر الأنفاق في مناطق انتشاره، للتحصين والتنقل، أو حتى لتخزين السلاح.

لكن في حالة تل التوبة، لم تكن أنفاق داعش بهدف التحصين، كما يقول خير الدين أحمد ناصر مدير مفتشية آثار وتراث نينوى. بل، عمد داعش بعد تفجير الجامع إلى "استحداث شبكات عنكبوتية لأكثر من 400 متر من الأنفاق، تمتد على كافة أنحاء القصر"، الهدف منها القيام بـ"عمليات نهب منظمة لموجوداته، للمتاجرة بالآثار وبيعها لتسيير العجلة العسكرية للتنظيم".

يتذكر ريان ذنون ذلك اليوم الذي فجر فيه داعش جامع النبي يونس أمام أنظار سكان مدينة الموصل، والذي شاهده العالم بأسره عبر مقاطع الفيديو التي بثها تنظيم داعش. ويصفه بأنه كان "فاجعة حقيقية لأهالي الموصل".

يقول ذنون لـ"ارفع صوتك" إن عناصر تنظيم داعش انتشروا في ذلك اليوم في المناطق المحيطة بمنطقة النبي يونس، وقاموا بإيقاف كل السيارات على الطرقات، بمن فيهم ذنون نفسه، وطلبوا منهم "ترقب تفجير جامع النبي يونس، لأنه مكان يتم فيه الشرك بالله!".

لم يصدق ذنون أن التفجير سيتم، كما يقول. وكان يعتقد أن التنظيم سيتراجع عن قراره. "فجامع النبي يونس والمنارة الحدباء، أيقونة الموصل ورمز لعراقتها وتاريخها القديم والحديث على السواء". وما زاد من شكوكه حول جدية التنظيم في تفجير الجامع "أننا بقينا ننتظر ما بين 45 و60 دقيقة قبل أن يتم التفجير".

هز التفجير أركان المدينة. "وضعت يداي عى رأسي وانحنيت إلى الأسفل، وأنا مغمض العينين، أحاول إخفاء انفعالي خوفا من عناصر التنظيم"، بعدها بقليل سمح أفراد التنظيم للناس بمتابعة طريقهم. "مضيت وأنا أختنق من البكاء عائدا إلى منزلي"، يقول ذنون.

 

قصور متراكبة.. وتلة مُحرمة

 

لطالما كان تل التوبه مصدر إلهام وفضول للكثير من الآثاريين حول العالم. تحتوي التلة أسفل جامع النبي يونس تراكيب بناء من قصور ومعابد بُني بعضها فوق بعض على مدى أكثر من ثلاثة آلاف عام. أما الجامع نفسه فيرتفع أربعين مترا عما حوله، وقبله كان التل يحتضن ديرا مسيحيا، وكنيسا يهوديا، ومعبدا مجوسيا.

 وتحتوي قاعدة المسجد على القصور الآشورية للملك أسرحدون سابع ملوك الإمبراطورية الآشورية الحديثة (680 - 669 قبل الميلاد).

وحتى الآن يحتضن التل أربع طبقات من الآثار، وهو ما تم التأكد منه بفضل التنقيبات الأخيرة، والتي كان خير الدين أحمد ناصر مدير مفتشية آثار وتراث نينوى جزءا منها، وهي "الآشوري الوسيط، والآشوري الحديث المتمثل بقصر أسرحدون، والطبقة الإسلامية متمثلة بالجامع العثماني، والذي حصلت على أساسه التوسعة في وقت سابق، ثم يوجد جامع النبي يونس ظاهرا أعلى التل".

ويتم حاليا التنقيب في الطبقة الآشورية الحديثة. "ما يهمنا حاليا هو استظهار بعض قاعات القصر والقاعة الملكية بغرض تأهيلها وعرضها للزوار في المستقبل القريب"، يقول ناصر.

 

عمليات تنقيب مع وقف التنفيذ

 

يسجل التاريخ عمليات تنقيب محدودة في تل التوبة، طوال أكثر من قرن ونصف من الزمان، وذلك بسبب الخوف من تعرض الجامع إلى الانهيار نتيجة عمليات التنقيب. لذلك، تمت أولى عمليات التنقيب في التل بنوع من الحيلة.

كان ذلك عندما ادعى عالم الآثار الإنجليزي أوستن هنري ليارد عام 1850 أنه يقوم بالتنقيب في سرداب بيت غير مسكون مشيد في موقع تل التوبة، وتمكن من الكشف بهذه الطريقة عن غرفة ذات جدران حجرية مصفوفة بألواح من الرخام. إحدى الألواح حملت اسم الملك أسرحدون وألقابه واسم القصر، إلا أن السلطات المحلية كشفت حيلته، وأوقفت عمله وحرمته من التنقيب في المكان.

بقي بعدها التل مغلقا لقرن كامل، وما كان ليتم التنقيب مجددا لولا أعمال شق وإنشاء طريق الموصل - أربيل، عام 1954 والتي كانت تحتاج ترخيصا من مديرية الآثار العامة. فالطريق كان يمر بالركن الجنوبي الشرقي من التل. وبفضل هذا، تم الكشف عن مدخل القصر وبعض الغرف. وفي السنة اللاحقة، تم العثور على موشور طيني بالغ الأهمية في نفس المكان تحت أرضية القصر. وكان مؤرخا في عام 676 ق.م. أي في السنة الرابعة من حكم الملك أسرحدون.

حدد الموشور هوية المبنى، وأوضح ان الملك أسرحدون أنشأه ليكون مركزاً إدارياً للملك ومستودعا لجيوشه، وخصص فيه جناحا لسكن الملك وحاشيته. وعُثر حينها أيضا على ثلاثة تماثيل لفرعون مصر طهارقة (690-664 ق.م)، كانت غنائم من انتصار الملك أسرحدون على الفرعون.

وفي عام 1986، أجرت دائرة الآثار والتراث تنقيبات جديدة في الموقع. ومرة أخرى لعبت الصدفة دورا مهما، فقد تسبب اصطدام آلية حفر بجسم صخري كبير، خلال أعمال توسعة مسجد النبي يونس، في توقفها عن العمل، ليتبين أن الجسم الصخري ليس إلا ثورا مجنحا من حجر الحلان، ليتم دفن الثور مرة أخرى بعد تضرره، واستمر العمل في توسعة الجامع!

وحتى الآن، ليس لدى الباحثين أية معلومة تشير بوضوح إلى الأُسس الأصلية للقصر، فقد جاء في أحد الألواح المكتشفة  على لسان سنحاريب، والد أسرحدون، أنه اعتمد على التصميم السابق للمبنى، الذي شيده أسلافه، لكنه لم يتطرق إلى أسمائهم. وهو ما يصعب معرفة الأسس الأولى للقصر. وفي ذات النص، وصف سنحاريب أُسس القصر بالضعيفة والرخوة، لذلك هدمها وقام بتوسيع القصر.

أما ما قام به أسرحدون من إعادة إعمار القصر فيعتبر الأكبر. وقد وُجد نص كتابي يشير إلى كيفية بناء أجداده للقصر وأهميته، وأنه قام بتوسعة البناء بضم أراض جديدة من الحقول المجاورة. وذكر النص الكتابي أنه شيد قناة للري داخل القصور.

 

أنفاق داعش حفرها "خبراء"!

 

لا يعتقد البروفيسور الموصلي أحمد قاسم بأن تنظيم داعش فجر جامع النبي يونس بهدف إبعاد الناس عن الموقع، ليتسنى له التفرد بالآثار تحته فحسب، بل إن التفجير "كان نابعا من عقيدة التنظيم. فهو يعتبر أن الزيارة والدعاء في هذا المكان شكل من أشكال الشراك بالله".

أما طريقة حفر الأنفاق تحت جامع النبي يونس، وبين ممرات قصر أسرحدون، فيجزم قاسم بأنها تمت "تحت إشراف علماء بالآثار، لأنها لم تكن عشوائية...، أكثرها تمت باليد وتم استعمال الفرشاة بطريقة علمية منظمة، تشبه طرق [عالمي الآثار] مالوان وليارد". أما الوقت الذي استغرقه بناء هذه الأنفاق، فيرجح قاسم بأنه "استغرق سنتين بأقل التقديرات".

وتعود طريقة مالوان في التنقيب إلى عالم الآثار الإنجليزي ماكس مالوان (1904-1978)، زوج كاتبة الروايات البوليسية الشهيرة أجاثا كريستي، والتي كانت تساعده في عمله من خلال تصوير وتوثيق اللقى الأثرية.

جندي عراقي داخل أحد الأنفاق تحت مسجد النبي يونس، وتظهر إلى جنبه بعض المكتشفات الأثرية الآشورية.

ذكر مالوان في مذكراته أنه "لم يكن لديه أمل في البحث تحت المستودع الآشوري الضخم المعروف بالنبي يونس، بسبب المسجد المقدس الذي تذكر التقاليد أنه يضم رفات النبي يونان أو يونس"، وذكر أن علماء آخرين غامروا ونقبوا فيه واكتشفوا مجموعة من التماثيل للفرعون المصري طهارقة.

أما طريقة ليارد في التنقيب، فتعود إلى عالم إنجليزي آخر، هو أوستن هنري ليارد (1817-1894)، الذي عمل في مناطق عدة في نينوى، وكتب واحدا من أشهر مؤلفاته "نينوى وآثارها"، والذي وصف فيه رحلاته، وطرق التنقيب ومشاكلها.

يقول البروفيسور قاسم، والذي هرب إلى مدينة أربيل إبان احتلال داعش لمدينة الموصل، إن التنظيم طيلة فترة حفر الأنفاق "فرض طوقا أمنيا حول تل التوبة، وقام بنصب نقاط تفتيش متسلسلة لمنع أي سيارة أو مواطن من الوصول إلى الأماكن القريبة منه".

ولهذا السبب، "لم يعرف أحد بهذه الأنفاق إلا بعد تحرير المدينة، ووصولنا إلى المكان برفقة عدد كبير من الآثاريين والمتخصصين لتحديد حجم الأضرار"، يقول عالم الآثار العراقي.

في الوقت الحاضر، يتوقع البروفيسور قاسم أن الشهور وربما السنوات القادمة ستوفر صورة كاملة عن محتويات تل التوبة، وما تخفيه أعماق التل من آثار لحضارة عريقة مثل الحضارة الآشورية.

ويعتقد كثير من سكان المدينة، كما هو حال أحمد محمود، أن "تنظيم داعش استخرج كنوز كثيرة خلال عمليات التنقيب في تل التوبة، خصوصا وأن عمله استمر لفترات طويلة"، لكن أحدا لم يجرأ على الاقتراب من المكان بعد التفجير، مع "تمركز نقاط التفتيش حول المكان الذي كان حكرا في تلك الفترة على أفراد التنظيم".

ويقول محمود واثقا: "العشرات من الثيران المجنحة تم اكتشافها وسحبها من داخل القصر". لكن مدير مفتشية آثار نينوى يعتقد أن هذا مبالغ فيه. فما "تم العثور عليه فقط هو ثيران مجنحة متضررة نتيجة أعمال التسوية في الجامع سابقا (مكتشفة قبل دخول داعش للمدينة)، وجراء أعمال نبش داعش في الأنفاق"، إضافة إلى "الألواح المرمرية الأخرى التي تم العثور عليها، وبعض الملتقطات التي لا يمكن أن ترقى إلى أن تسمى كنوزا، وهي عبارة عن كتابات مسمارية وآجُرات مكتوب عليها كتابات مسمارية، وبعض أجزاء من الدمى" بعضها مكتشف منذ سبعينات وثمانينات القرن الماضي.

 

ما الذي نهبه داعش من القصر؟

 

يبدو أن لا أحد يعرف بالضبط ما الذي سرقه التنظيم من القصر، بحسب البروفيسور أحمد قاسم. ولن تتم معرفة ما تمت سرقته إلا "في حال ظهرت في السوق السوداء، كونها غير مكتشفة و غير مسجلة سابقا". فما تم تسجيله "مقتصر على الآثار الفرعونية والألواح المكتشفة بالقسم الشرقي من التل". أما الأشياء غير الظاهرة، ولم يتم الكتابة عنها سابقا، "فلا أحد يعرف عنها شيئا".

ويوافقه في الرأي خير الدين أحمد ناصر مدير مفتشية آثار وتراث نينوى. يقول لـ"ارفع صوتك" إن الآثار المسروقة "لا بد أن تظهر يوما ما، وإذا ما تم عرضها في أي مكان سيتم التعرف عليها بشكل مباشر، لأن الصناعة الآشورية معروفة لدى خبراء الآثار".

ويوضح مدير مفتشية آثار وتراث نينوى أن الآثار التي وجدها التنظيم عند دخوله للمدينة والمكتشفة من قبل  "كبيرة الحجم وليس من السهل تهريبها، مثل الثيران المجنحة، أو الالواح الحجرية الكبيرة". لذا عمل التنظيم على تشويهها فقط، وهي "ما تزال موجودة" في القصر إلى الآن.

من هذه الآثار، أربعة ثيران مجنحة كبيرة متضررة، وتحتاج إلى عناية خاصة، وثلاثة ثيران مجنحة أصغر حجما. بعض هذه الثيران يتم رصفها على شكل مكعبات ليتكون منها الثور المجنح، وهي طريقة جديدة لم يتم التعرف على مثيل لها سابقا.

من ضمن الآثار ذات الأهمية الكبرى ألواح لفتيات آشوريات، حيث لم يسبق وأن ظهر بأن الآشوريين نحتوا صورا لفتيات على الحجر، فقد كانت الرسوم سابقا فقط لرجال. وبفضل اللوحات الجديدة، سيتم التحري عن الدور الذي لعبته النساء في العصر الآشوري.

 

مكتشفات "رائعة" ومستقبل مبهر لتل التوبة

 

رغم الأزمة التي عصفت بتل التوبة، فإن خير الدين أحمد ناصر مدير مفتشية آثار وتراث نينوى، يبدو متفائلا وهو يتحدث لـ"ارفع صوتك" عن عمليات التنقيب التي تجري حاليا في قصر أسرحدون. يقول إن "العمل ما زال في البدايات، وهناك مكتشفات رائعة، لكن القليل يمكن الإفصاح عنه، لأنها حق لجامعة هايدلبرج الألمانية، وهي من لديها حق النشر"، متوقعا أن يتم الإعلان عن ذلك "عن قريب".

ناصر هنا يشير إلى التعاون بين جامعة هايدلبيرج الألمانية ودائرة الآثار في محافظة نينوى، حيث بدأت أعمال التنقيب عام 2018، واستمرت حتى أواخر 2019، ليتوقف العمل عام 2020 بسبب جائحة كورونا، ثم يستأنف مجددا. ويمتد العق بين الطرفين لمدة خمس سنوات.

ويتحدث ناصر عن "مستقبل رائع" ينتظر تل التوبه. يقول "ستتم إعادة بناء الجامع بشكله الأساس قبل التوسعة، فور الانتهاء من التنقيب بنهاية العام الحالي، ويتم فتحه للمصلين، وهي الوظيفة الدينية التي كان يقوم بها سابقا".

لكن أيضا، سيفتح باب الزيارة أمام السياح لرؤية قصر أسرحدون مع "مكتشفات رائعة أخري سيراها العالم للمرة الأولى".

 

مواضيع ذات صلة:

صورة أرشيفية لمدينة تدمر الأثرية في سوريا- وكالات
صورة أرشيفية لمدينة تدمر الأثرية في سوريا- وكالات

تعمل منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة ("اليونسكو") على الاهتمام بالمواقع الأثرية المنتشرة في دول العالم كافة. لذلك، أعدت المنظمة ما عُرف باسم "قائمة التراث العالمي"، وهي القائمة التي تتضمن العشرات من المواقع الأثرية القديمة التي تتعاظم أهميتها بسبب تاريخها الثقافي والحضاري. 

من جهة أخرى، أعدت "اليونسكو" قائمة ثانية بعنوان "التراث العالمي المعرض للخطر". في تلك القائمة، جمعت المنظمة المواقع المُهددة بسبب النزاعات العسكرية المسلحة، والزلازل، والتلوث البيئي، والتوسّع الحضري غير المنضبط، وغير ذلك من الأسباب التي من شأنها تهديد المواقع الأثرية. في هذا السياق، أُدرجت 7 دول عربية ضمن قائمة التراث العالمي المعرض للخطر، وهي: مصر، ليبيا، الأراضي الفلسطينية، سوريا، العراق، اليمن، ولبنان. نلقي الضوء في هذا التقرير على أهم المواقع الأثرية المُعرضة للخطر في هذه الدول.

 

سوريا

تحتوي سوريا على أكبر عدد من المواقع الأثرية المُعرضة للخطر بين الدول العربية. تتمثل تلك الأخطار في الصراعات العسكرية المسلحة التي بدأت منذ سنة 2011م، ولم تنته معاركها حتى اللحظة. من أهم المواقع الأثرية المتواجدة في القائمة، موقع "مدينة حلب القديمة" في شمالي سوريا. يحتوي الموقع على العشرات من الأبنية والمساجد والمنازل والأسواق. وفي سنة 1986م أعلنت اليونسكو الموقع جزءًا من التراث العالمي.

تحتوي سوريا أيضاً على موقع "مدينة بُصْرَى التاريخية". والتي تتبع محافظة درعا، وتقع على مسافة 140 كم من دمشق. بحسب المصادر التاريخية الإسلامية، كانت بصرى عاصمة دينية وتجارية مهمة على طريق الحرير القديم. وترتبط المدينة بذكرى خاصة في الذاكرة الإسلامية بسبب الروايات التي تذكر أن النبي محمد قد مر بها في شبابه قبل البعثة. وأنه قابل فيها الراهب بحيرى النصراني. والذي تنبأ بأن هذا الشاب سوف يصبح نبي العرب الذي بشرت به الكتب القديمة.

كذلك تحتوي سوريا على موقع "مدينة دمشق القديمة"، وموقع "المدن المنسية" التي تقع ضمن الحدود الإدارية لمحافظتي حلب وإدلب. ويعود بناؤها إلى الفترة بين القرنين الأول والسابع للميلاد. وتشتهر بكاتدرائية القديس سمعان العمودي التي كانت مكاناً للحج المسيحي لقرون طويلة.

تتضمن القائمة أيضاً قلعتي الحصن وصلاح الدين. تعود الأولى لفترة الحروب الصليبية، وتقع ضمن سلاسل جبال الساحل في محافظة حمص في سوريا. أما القلعة الثانية، فتقع في مدينة اللاذقية. وتعتبر واحدة من أهم قلاع القرون الوسطى المحفوظة في العالم. في سنة 2006م، سجل اليونسكو القلعتين على لائحة التراث العالمي.

أيضاً، تحضر مدينة تدمر التاريخية في قائمة المواقع الأثرية المُعرضة للخطر. تقع المدينة في محافظة حمص في الجزء الأوسط من سوريا. ويعود تاريخها إلى العصر الحجري الحديث. اشتهرت تدمر بثرائها الذي حققته من كونها مركزاً تجارياً مهماً على طريق الحرير الشهير. في القرن الثالث الميلادي، تمكن ملوك تدمر من الاستقلال عن الحكم الفارسي. وفي عهد الملكة الشهيرة زنوبيا تأسست مملكة تدمر الشهيرة. وخاضت الحرب ضد الإمبراطورية الرومانية قبل أن تُهزم وتفقد استقلالها. في 2015م، سيطرت عناصر تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام "داعش" على موقع مدينة تدمر، وخرّبت ودمّرت الكثير من المواقع الأثرية المهمة في المدينة، قبل أن تستعيد القوات السورية سيطرتها عليها في العام 2017م.

الاعتداء على قبر معاوية يجدد المخاوف.. من يحمي الآثار السورية؟
تعرّض قبر معاوية للتدمير في أيام العباسيين، وأعيد بناؤه أكثر من مرة، بحسب الباحث السوري تيسير خلف، و"لدينا شاهدة قبر من الفترة الأيوبية- المملوكية، ويبدو انه جدّد حينذاك". والاعتداء الذي وقع عليه مؤخراً كان لفظياً ولم يتعرض القبر لأي أذى ماديّ.

العراق

في تصنيفات "اليونسكو" تقع بعض المواقع الأثرية المُهددة بالخطر في العراق. على رأس تلك المواقع "مدينة أشور القديمة". تقع المدينة على بعد 60 ميلاً جنوبي مدينة الموصل حالياً في شمال العراق. وكانت عاصمة للمملكة الأشورية التي توسعت في الألف الثاني قبل الميلاد، قبل أن تسقط على يد الميديين والبابليين في سنة 612 ق.م.

في يونيو 2014م، سيطر تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام على المدينة التاريخية. وتم تخريب بعض المواقع الأثرية قبل أن تتمكن القوات العراقية من استعادة السيطرة الكاملة على المنطقة في سبتمبر 2016م.

كذلك، تتضمن القائمة "مدينة سامراء التاريخية". تقع المدينة شرقي نهر دجلة في محافظة صلاح الدين، وتبعد 125 كيلومتر شمالي العاصمة بغداد. تتحدث المصادر التاريخية عن ظروف تأسيس وإعمار تلك المدينة في العصر العباسي. بحسب تلك المصادر، قرر الخليفة المعتصم بالله أن يبني تلك المدينة ويتخذها عاصمة لدولته بسبب كثرة الجند الأتراك في بغداد. تحكي بعض القصص أن هذا المكان كان مملوكاً لبعض الرهبان المسيحيين. وأن المعتصم اشتراه منهم بأربعة آلاف دينار. وعزم على أن يبني فيه مدينة جديدة "ونقل إليها أنواع الأشجار والغروس، واُختطت الخطط والدروب، وجدوا في بنائها، وشُيدت القصور، واُستنبطت المياه من دجله وغيرها وتسامع الناس وقصدوها، وكثرت بها المعايش"، بحسب ما يذكر شمس الدين الذهبي في كتابه "سيّر أعلام النبلاء".

حافظت سامراء على مجدها وعظمتها لما يزيد على نصف قرن. اتخذها المعتصم وخلفاؤه عاصمة لدولتهم الواسعة المترامية الأطراف. ودُفن فيها العديد من الخلفاء. كما شيّد الخليفة المتوكل سنة 245ه على أرضها المسجد المشهور بمئذنته الملوية.

بعد أن غادرها العباسيون، تعرضت سامراء للتهميش وعدم الاهتمام. قبل أن تتعرض للتخريب والتدمير إبان فترة الغزو المغولي للعراق في القرن السابع الهجري. قيل إن الناس غيروا اسمها في تلك الفترة ليصبح "ساء من رأى". وصف الرحالة المغربي الشهير ابن بطوطة الحالة المؤسفة التي أصيبت بها المدينة عند زيارته لها سنة 727ه. يقول ابن بطوطة: "...وقد استولى الخراب على هذه المدينة فلم يبق منها إلا القليل وهي معتدلة الهواء رائقة الحسن على بلائها، ودروس معالمها". في سنة 2007م، ضمت "اليونيسكو" سامراء إلى قائمة التراث العالمي.

شيد الخليفة المتوكل سنة 245ه في سامراء المسجد الجامع المشهور بمئذنته الملوية.
"عاصمة الخلفاء" و"منفى الأئمة".. قصة مدينة سامراء
تقع مدينة سامراء في وسط العراق. وتشغل أهمية كبرى في أوساط العراقيين، خاصة الشيعة في البلاد، باعتبارها المكان الذي دُفن فيه كل من الإمامين العاشر والحادي عشر علي الهادي والحسن العسكري. ما قصة هذه المدينة؟ وماذا كانت ظروف بنائها؟ وما أهم الأحداث في تاريخها؟ وما هي أسباب قداستها؟

اليمن

تتضمن القائمة ثلاثة مواقع يمنية مهمة. وجميعها مُهدد بسبب الحرب الأهلية اليمنية التي تدور منذ سنوات بين الحوثيين وقوات التحالف الذي تقوده المملكة العربية السعودية. يُعدّ موقع "معالم مملكة سبأ القديمة" هو الموقع اليمني الأول في القائمة. يقع هذا الموقع في محافظة مأرب شرق اليمن، ويضم مواقع أثرية وبقايا مستوطنات كبيرة مع المعابد والأسوار التي تعود للألف الأول قبل الميلاد. في سنة 2023م، أُدرجت تلك المعالم على قائمة التراث العالمي وضمن قائمة التراث العالمي المعرض للخطر من قِبل "اليونيسكو". الموقع الثاني هو مدينة زبيد التاريخية، والتي تبعد عن العاصمة صنعاء مسافة 233 كم تقريباً. وكانت مدينة زبيد عاصمة اليمن من القرن الثالث عشر إلى القرن الخامس عشر الميلاديين. أما الموقع الثالث، فهو مدينة صنعاء القديمة. والتي بدأت حضارتها منذ القرن الخامس قبل الميلاد. قبل أن تصبح عاصمة لمملكة سبأ في القرن الأول للميلاد. في العصر الإسلامي، صارت صنعاء واحدة من أهم الحواضر الإسلامية. وتميزت منازلها ومساجدها وأسواقها وأسوارها بطراز معماري رفيع المستوى. في سنة 1980م، تبنى "اليونيسكو" حملة دولية لحماية مدينة صنعاء القديمة والحفاظ على معالمها المعمارية. وفي سنة 2015م، أُدرجت في قائمة التراث العالمي المعرض للخطر، بعدما تعرضت بعض أحياء المدينة لقصف صاروخي من قِبل قوات التحالف.

 

 

فلسطين ومصر وليبيا ولبنان

تشهد القائمة حضور مجموعة أخرى من الدول العربية. في الأراضي الفلسطينية، يتواجد موقع "البلدة القديمة بالقدس". وهي المنطقة المُحاطة بسور سليمان القانوني. من المعروف أن البلدة تشهد أهمية كُبرى في الذاكرة الدينية الإبراهيمية. ففيها المسجد الأقصى ومسجد قبة الصخرة اللذان يحظيان بمكانة كبيرة لدى المسلمين. وكذلك كنيسة القيامة لدى المسيحيين. فضلاً عن جبل الهيكل والجدار الغربي لليهود. في سنة 1981م، قامت "اليونيسكو" بضم البلدة القديمة في القدس إلى قائمة التراث العالمي.

في مصر، يوجد موقع منطقة "أبو مينا الأثرية" والذي يقع عند الحافة الشمالية للصحراء الغربية. اكتسبت المنطقة أهميتها بسبب احتوائها على مدفن القديس مينا. ولهذا السبب كانت المنطقة أحد أهم مراكز الحج المسيحي في القرون الوسطى. حالياً، تضم المنطقة مجموعة من الآثار القبطية والكنائس والأديرة. في سنة 2001م، أصبحت المنطقة مهددة بالخطر بسبب ارتفاع منسوب المياه الجوفية والأملاح في المنطقة.

في السياق نفسه، تتواجد بعض المواقع الليبية المهمة في القائمة. ومنها على سبيل المثال المواقع الأثرية في "مدينة صبراتة" الواقعة على بعد 70 كم غربي مدينة طرابلس، والتي تحتوي على عدد كبير من الآثار الرومانية. ومدينة "لبدة الكبرى"، التي تقع على بعد 120 كم شرقي مدينة طرابلس. وكانت من أهم مدن الشمال الأفريقي في عصر الإمبراطورية الرومانية.

في لبنان، يتواجد "معرض رشيد كرامي الدولي" في طرابلس. والذي أدرجته اليونسكو في القائمة في سنة 2023م. وجاء في حيثيات اختيار اليونسكو للمعرض "أنه يُعدّ من ناحية حجمه وغنى الأنماط الهندسية فيه، أحد الأعمال المهمة التي تمثل فن العمارة الحديث في القرن العشرين بالمنطقة العربية من الشرق الأوسط". مما يُذكر أن المعرض من تصميم المهندي البرازيلي الأصل أوسكار نيماير، وأن انتهاء تشييده تزامن مع اندلاع الحرب الأهلية اللبنانية في سبعينيات القرن العشرين. ويعاني الموقع من الإهمال ونقص الموارد المالية اللازمة لصيانته.