لا يُمكن فهم ثورة 23 يوليو بمعزلٍ عن الظروف السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي عاشتها مصر ودفعت ضباط الجيش للتفكير في تدبير انقلابٍ يُطيح بالملك ويُنهي نظامه الحاكم بأسره، لبناء نظامٍ جديد يُصلح العوار الذي عرفته مصر في عهود أحفاد محمد علي.
لهذا السبب سيكون لزامًا علينا العودة بعقارب الساعة إلى الوراء قليلاً، ليس عند لحظة تفجّر الثورة في 23 يوليو عام 1952، ولكن أبعد قليلاً؛ إلى الفترة الزمنية التي سبقت هذا التاريخ بشهورٍ وربما سنوات، حتى نحاول فهم كيف كانت ذلك الزمن مريرًا على المصريين جميعًا، وأن تلك الظروف كانت الوقود الحقيقي لانقلاب الجيش.
سياسة: أحزاب فاسدة لاتكفّ عن التصارع
عرفت مصر الحياة النيابية منذ بداية القرن العشرين، إلا أن هذه الحياة لم تعرف الاستقرار أبدًا، فمنذ قيام أول هيئة تشريعية عام 1924 توالت على مصر 10 هيئات تشريعية على مدى 25 عامًا فقط، أي لم يُتم مجلس نواب مدته (5 سنوات) قطُّ، وكان المجلس يحل قبل انتهاء مدته بسبب الخلافات المستمرة بين الملك والنواب ورؤساء الوزراء في بعض الأحيان.
وخلال تلك الفترة أيضًا، حكمت أحزاب أقلية بأمرٍ من القصر طيلة 18 عامًا ةو9 أشهر فيما لم يُمكن حزب الوفد (حزب الأغلبية) من الحُكم إلا 7 سنوات و9 أشهر.
بسبب الخلافات المستمرّة بين الملك والوفد، حرم القصر حزب الأغلبية من تشكيل الحكومة حتى لو فاز في الانتخابات، وهو الوضع الذي استمرَّ خلال اندلاع الحرب العالمية الثانية.
يقول جعفري موسى في بحثه "الثورة المصرية"، إن تفضيل الملك تكليف حكومات أقلية وتعيين سياسيين بلا شعبية في منصب رئاسة الوزراء أشاع السخط بين المصريين وعمّق الشعور المُعادي للإنجليز في الشارع المصري، دفع السفير البريطاني لإجبار الملك على تعيين حكومة ذات أغلبية وفدية بعد محاصرته قصر عابدين بالدبابات وتقديم إنذار 4 فبراير 1942 الشهير، الذي اعتُبر تدخلاً سافرًا في الشؤون الداخلية المصرية ووصمة عار في جبين الوفد لقبوله حُكم البلاد اعتمادًا على دبابات الإنجليز.
وعقب انتهاء الحرب عام 1945 تجدّدت مطالب المصريين للإنجليز بإنهاء احتلالهم للبلاد، فنُظمت المظاهرات ووقعت مصادمات بين الشعب والقوات الإنجليزية في عددٍ من المُدن المصرية، رغم ذلك رفضت لندن تحقيق الآمال المصرية.
ولمّا عرض النقراشي باشا رئيس وزراء مصر قضية بلاده على مجلس الأمن في 22 يوليو 1947، خذلته دول العالم بعدما امتنع مندوبوها عن تأييد حصول مصر على استقلالها، ولم يدعّم مطلبه إلا ثلاث دول فقط: سوريا، الاتحاد السوفييتي، بولندا.
هذا "الفشل الأممي" فتح نار الغضب في الشارع المصري فتفجّرت المظاهرات وإضرابات العمال بشكلٍ منتظم حتى وقعت حرب 1948.
عقب إعلان قيام دولة إسرائيل وفقًا لقرار التقسيم الصادر عن الأمم المتحدة، دخل الجيش المصري بصحبة عددٍ من الدول العربية حربًا في فلسطين للحيلولة دون إقامة دولة يهودية على أراضيها، ولم يكن الجيش المصري مستعدا لتلك الحرب ولم يتسلّح بشكلٍ كافٍ، فمُني بهزيمة ساحقة أضاعت المزيد من أرض فلسطين.
وعقب عودة الجيش من فلسطين تفجّرت قضية الأسلحة الفاسدة، بعدما أكّد بعض الصحافيين تورّط وزير الدفاع والملك في توريد أسلحة فاسدة للجيش المصري. لاحقًا، ثبت كذب هذا الادعاء لكنه ألحق ضررًا هائلاً بالملك وبالنظام السياسي المصري بأسره، حتى أن البيان الأول لثورة يوليو نصَّ على رغبتهم في إزاحة الملك بسبب هذه القضية.
اضطر الملك لإجراء انتخابات برلمانية في 1950 اكتسحها الوفد كما هو متوقع وحصد 228 مقعدًا من أصل 319، وأصبح مصطفى النحاس رئيس الوفد رئيسًا للحكومة المصرية.
وعلى أثر الأجواء الوطنية المشتعلة في البلاد المتأثرة بالهزيمة والرافضة لبقاء الإنجليز، أعلن مصطفى النحاس إلغاء معاهدة 1936 التي سبق وأن وقّعها مع الإنجليز، وبموجبها اعترفت لندن باستقلال مصر لكنها أبقت على وجود عسكري إنجليزي حول قناة السويس.
اشتعلت الخلافات بين مصر وبريطانيا، بعدما وقعت صدامات متتالية بين قوات الاحتلال الإنجليزي وبين سكان مُدن قناة السويس. وسيتبين لاحقًا أن عددًا من الضباط الأحرار شاركوا في جهود تنظيم أعمال القتال، وزودوا المتطوعين بالأسلحة لخوض معارك ضارية ضد الجيش الإنجليزي، أشهرها معركة الإسماعيلية في 25 يناير 1952، حين رفض جنود الجيش تسليم مبنى المحافظة للإنجليز ففرضت عليهم حصارًا وقتلت منهم 56 فردًا، وباتت ذكرى تحتفل الشرطة المصرية بها حتى اليوم.
فور بلوغ أنباء هذه المذبحة إلى القاهرة، تنامى السُخط الشعبي ضد الإنجليز، فخرجت مظاهرات عارمة في الشوارع الكبرى تُندد بالإنجليز وتحرق المحلات المملوكة للأجانب. وامتدت نيران الحرائق إلى عشرات الأماكن الحيوية مثل دور السينما والأوبرا والمنازل.
أقال الملك حكومة الوفد، وبعدها عاشت مصر فوضى سياسية بسبب قصر عُمر الحكومات الوزارية إحداها (حكومة أحمد نجيب الهلالي باشا) لم تدم إلا يوم واحد، وكانت آخر حكومة يعيّنها الملك فاروق، إذ قامت الثورة في اليوم التالي لتشكيلها.
وشكّل الوهن الكبير الذي عاشته الحياة السياسية المصرية هاجسًا كبيرًا في أذهان الضباط الأحرار قبل الثورة وبعدها، إذ اعتبروا أن كافة الاحزاب الموجودة بالساحة -بما فيها حزب الوفد- لا يٌمكن الاعتماد عليها في التخطيط للثورة.
وعقب الإطاحة بالملك، ظلّت حجة الضباط الدائمة لرفض إعادة الحياة الديمقراطية لسابق وضعها هي التخوّف من عودة السياسيين الفاسدين إلى الحُكم من جديد، لذا لم يكن غريبًا أن يأمر الضباط بحل كافة الأحزاب السياسة عقب نجاح الثورة بستة أشهر.
اقتصاد: 0.5% يملكون مصر
على الرغم من عدم اشتراكها المباشر في الحرب العالمية الثانية، عانت مصر من أوضاع قاسية بسبب ظروف القتال، الذي امتدَّ -رغمًا عنها- على أراضيها بعدما اشتبكت قوات الألمان مع الإنجليز في صحرائها الغربية.
تأثرت الحركة في قناة السويس بالمعارك الطاحنة التي شهدها البحر المتوسط، فخططت الحكومة لتحقيق الاكتفاء الذاتي من كافة المحاصيل، لذا أرغمت الفلاحين على تنويع مرزوعاتهم وليس القطن وحده، إنما المواد الغذائية الأخرى التي تحتاجها الأسواق، وهو ما حرم الفلاح من العوائد المرتفعة من بيع القطن المصري المطلوب عالميًا.
يقول عصمت سيف الدولة في كتابه "الأحزاب ومشكلة الديمقراطية في مصر": لقد بلغ سوء توسيع ملكية الأراضي الزراعية في منتصف القرن العشرين مبلغًا هائلاً، يكفي للتدليل عليها إظهار هذه الأرقام. إجمالي مساحة مصر المزروعة وقتها بلغ 6 ملايين فدان، سيطر على 35% منها عدد أفراد لم يتجاوز نصف في المئة من مجموع الملاك".
وفي دراسته "التطور الاقتصادي والاجتماعي في مصر"، يقول دكتور رؤوف عباس حامد، إنه لم يعد أمام السواد الأعظم من سكان الريف المعدمين إلا العمل كأجراء لدى كبار الملاك بأجورٍ زهيدة لا تزيد عن 3 قروش يوميًّا، أما صغار الملاك فكانوا يلجأون إلى "الكبار" لتمويل نشاطهم الزراعي، فيقترضون منهم، أو من المرابين الذين انتشروا في ربوع الريف المصري، وكثيرًا ما كانوا يعجزون عن الوفاء بديونهم فيسلبون أرضهم وينضمون بذلك إلى جيش المعدمين.
في 1949 عُقد مؤتمر زراعي في القاهرة، خطب فيه حامد جودة رئيس مجلس النواب حينها، وطالب بتحسين أوضاع الفلاحين، ودعا مُلاك الأراضي بإقامة مساكن لائقة للفلاحين مثل تلك التي توفّر للمواشي، فسخرت منه الصحف المصرية وقتها واعتبرت أن دعوته تلك "إفساد للفلاح، وتفتح الطريق أمام المبادئ الهدّامة".
رد الفعل هذا يُشبه ما شهده البرلمان المصري في مايو 1933 حين شهدت مناقشات قانون التعليم الجديد جدالات حامية بسبب اعتبار بعض السياسيين أن "تعليم الفقراء خطر اجتماعي هائل، لأنه سيؤدي إلى زيادة عدد المتعلمين العاطلين كما سيؤدي إلى ثوراتٍ نفسية".
هذا النقاش تجدّد تحت قبة البرلمان المصري عام 1937 خلا لمناقشة قانون التعليم الإلزامي بعدما رفض عدد من النواب تعليم الفلاحين معتبرين أنه لا جدوى من تعليم أبناء الفلاح الجغرافيا والتاريخ، بل الأولى أن يتعلموا فقط عن أدوات الزراعة وكيفية مقاومة دودة القطن.
في عام 1942 قدّرت مصلحة الإحصاء الحكومية أن الأسرة المصرية بحاجة إلى 439 قرشًا في الشهر لتؤمّن لنفسها مستوى معيشي مناسب، وفي نفس الوقت فإن متوسط الأجر الشهري للعامل المصري لم يزد عن 293 قرشًا في الشهر، أي أن الأغلبية الساحقة من عمال مصر كانت تعيش دون حدِّ الكفاف.
ولأن العمّال كانوا أكثر وعيًا سياسيًّا واجتماعيًّا من الفلاحين، لم يُذعنوا لتلك النظرة الفوقية من السياسيين المصريين، كما رفضوا القبول بأوضاعهم الاقتصادية السيئة، فتعدّدت مرات لجوئهم إلى الإضراب الواحد تلو الآخر، ما أجبر الأحزاب السياسية المصرية على تضمين برامجها سياسات تسعى لتحسين أوضاع العمال، مثلما فعل "حزب الفلاح" و"مصر الفتاة" و"حزب العمال المصري"و"جماعة النهضة القومية".
قدّمت تلك الأحزاب مجرد تصورات لحل أزمات مصر الاجتماعية المتفاقمة لكنها لم تعرف طريقة للتطبيق خلال العهد الملكي مُطلقًا.
ولم يكن الضباط الأحرار بمعزلٍ عن ذلك الواقع، فكلهم من أبناء الطبقة الوسطى أو محدودي الدخل، لذا تصدّرت فكرة "العدالة الاجتماعية" أجندة إصلاحات الثورة فور نجاححها في الاستئثار بالسُلطة، وكان أول تجلياتها قانون الإصلاح الزراعي الذي حدّد ملكية الأراضي بـ100 فدان فقط وسمح للدولة بتوزيع الفائض على الفلاحين، وكذا إقرار قوانين رفعت أجور العمال وحدّدت عدد ساعات عملهم في المصانع.
يقول جلال أمين في كتابه "ماذا حدث للمصريين؟"، إن المجتمع المصري عرف انقسامًا اجتماعيًا حادًّا قبل الثورة، مثاله ظاهرة "التصييف"، أي السفر إلى الأماكن الساحلية في الصيف.
يضيف "بالرغم من كثرة الحديث عن هذه الظاهرة في الصحف إلا أن نسبة ضئيلة جدًا من المصريين قاموا بها، أما الغالبية العُظمى من الفلاحين فلم يفارقوا قراهم صيفًا أو شتاء".
"كما أن رسمًا باهظًا قدره 3 قروش (يوازي يومية فلاح) كان يُفرض على شواطئ الإسكندرية، ما جعلها متاحة فقط أمام أبناء الطبقة المتوسطة. أما أبناء الأثرياء وكبار رجال الأحزاب فلم يفضّلوا الذهاب إلى الإسكندرية ورأس البر، إنما كانوا يصطافون في أوروبا" حسب أمين.
جمال عبدالناصر: الهزيمة أشعلت ثورته
سيكون من المفيد للغاية أن نتتبّع أثر الضابط جمال عبدالناصر خلال سنوات ما قبل الثورة التي نصّبته حاكمًا فعليًّا على مصر حتى وفاته عام 1971.
في عام 1938 كان جمال لا يزال ضابطًا صغيرًا في الجيش يخدم في قرية منقباد بصعيد مصر، وهناك كان يجتمع مع أصدقائه بشكلٍ منتظم لبحث تردّي الأحوال الاقتصادية والسياسية في مصر، إلا أن كافة اجتماعاتهم كانت تنتهي بلا نتيجة.
وفي أحد تصريحات الرئيس الراحل أنور السادات الذي كان عضوا في تنظيم "الضباط الأحرار"، قال: "لم نكن نعرف على وجه التحديد ماذا سوف نعمل، سيطر الإنجليز على كافة مرافقنا".
بعد أربع سنوات عاد جمال إلى القاهرة، ووقع حادث الرابع من فبراير، الذي أشعل الغضب داخل الجيش (إجبار القصر على تعيين النحاس رئيسًا للوزراء)، فبدأ عبد الناصر بالتفكير في تشكيل تنظيم داخل الجيش لبحث ما يمكن عمله لإنقاذ مصر من ظروفها الصعبة التي تمرُّ بها.
لاحقًا كان عبدالناصر خلال الجيش المصري الذي شارك في حرب 1948، وهي الفترة التي قال عنها "كنا نحارب في فلسطين ولكن أحلامنا في مصر"، بعد شعوره أن قضيته الأساسية هي إزالة فساد الحُكم في مصر وليس في فلسطين.
وبدأ عبدالناصر في تكوين تنظيمه، وكان أول ضابط ينضمُّ إليه هو صديقه ورفيق دفعته عبدالحكيم عامر.
وخلال الحرب سيتعرّف جمال على ضباط آخرين سيكونون نوارة رئيسية لتنظيمه، مثل: صلاح سالم وزكريا محيي الدين.
بعد العودة من فلسطين، استمرّت اجتماعات الضباط بشكلٍ مُنتظم وتتالى انضمام الضباط إليهم، ليتم اختيار عبد الناصر عام 1950 رئيسًا للجنة التأسيسية للتنظيم.
فكّر عبد الناصر في إسناد مهمة قيادة تنظيمه إلى ضابط كبير الرتبة ففكّروا في الفريق عزيز المصري لكنه رفض بسبب كِبر سنه، فقرّوا دعم محمد نجيب.
وبسبب نجيب جرت المواجهة الأولى بين الضباط الأحرار والقصر في ديسمبر 1951، بعدما دعموه في انتخابات نادي الضباط مقابل اللواء حسين سري عامر مرشّح الملك.
لم يفز نجيب فقط، إنما فاز معه خمسة من "الضباط الأحرار" بعضوية مجلس إدارة النادي. فأمر الملك بحل المجلس المُنتخب وعدم الاعتراف بالنتيجة، لكنها أنبأت عن شعبية ساحقة للضباط في صفوف الجيش، دفعتهم للتفكير في تدبير شيءٍ أكبر لتغيير الأوضاع في مصر.
