فرّت الأميرة عزة مع الخادم، ثم أعلنت أنها ارتدّت عن الإسلام وتحولت إلى المسيحية واستبدلت اسمها العربي بـ"أنستاسيا" وتزوجا في إحدى الكنائس.
فرّت الأميرة عزة مع الخادم، ثم أعلنت أنها ارتدّت عن الإسلام وتحولت إلى المسيحية واستبدلت اسمها العربي بـ"أنستاسيا" وتزوجا في إحدى الكنائس.

في 15 يناير من العام 1968، نشر الديوان الملكي الهاشمي بيانًا مقتضبًا نعى فيه "صاحبة السمو الملكي الأميرة عزة بنت المغفور له جلالة الملك فيصل الأول" بعدما وافتها المنية مساء يوم السبت.

وأعلن البيان أن جثمان الفقيدة سيجرى تشييعه من المسجد الحسيني الكبير ومنها يُوجّه النعش إلى المقابر الملكية.

قد يبدو هذا الإعلان عاديًا بحقِّ وفاة الابنة الكبرى للملك فيصل الأول بن الحسين الذي انسلَّ من نسله ملوك حكموا العراق (انتهت دولتهم بثورة 1958م) والحجاز (قضى آل سعود على دولتهم) والأردن الذي لا يزالون يتربّعون على العرش حتى اليوم.

حمل هذا البيان المقتضب خبرًا أخيرًا عن أميرة عراقية "كادت أن تقضي على الملكية في العراق" بحسب تعبير خالد الجوّال في كتابه "موسوعة أعلام كبار ساسة العراق الملكي"، وعاشت ما يزيد عن 20 عامًا ممنوعة من زيارة وطنها العراق، رهن الإقامة الجبرية في الأردن.

 

ماذا فعلت الأميرة عزة؟

 

في عام 1935م، وبينما كانت الأميرة عزة في طريقها إلى النمسا لتلقّي العلاج هبطت في جزيرة رودس اليونانية. وهناك تعرّفت على خادم إيطالي الجنسية اسمه "أنستاسيوس خرالامبوس"، يعمل في أحد الفنادق. وبرغم أنها كانت أكبر منه سنًّا -كانت في الـثلاثين من عُمرها حينها- إلا أنه اعترف لها بحبه واتفقا على الزواج في العام التالي.

وبعد سنة من الغرام بالمراسلة البريدية، طلبت الأميرة السفر للعلاج في أوروبا، بصحبة أختها راجحة. فوافق القصر على أن يصحبهما فيكتور باحوش مُلاحظ الديوان الملكي، وعددٌ من الوصيفات.

وفي أوروبا وقعت الواقعة؛ فرّت الأميرة عزة مع الخادم، ثم أعلنت أنها ارتدّت عن الإسلام وتحولت إلى المسيحية واستبدلت اسمها العربي بـ"أنستاسيا" وتزوجا في إحدى الكنائس.

يقول محمد سعيد الطريحي في كتابه "الملكية العراقية": "وقعت تلك الأخبار وقع الصاعقة على قلوب العرب والمسلمين، وكان وقعها أشد ما يكون في نفوس العراقيين، وأصبح وضع الملك غازي محرجًا للغاية، فبالرغم من جهود التعتيم الإعلامي على الواقعة إلا أنها انتشرت بشدة بين الناس، وكانت أول فضيحة في عائلة ملكية إسلامية لها سمعتها العريقة وصيتها المجلجل".

وبحسب شهادة السياسي العراقي ناجي شوكت في مذكراته "سيرة وذكريات 80 عامًا"، فإنه منذ صباح يوم 28 أيار\مايو اشتعلت الصحف العالمية بهذه الأنباء الصادمة، حتى أن إحدى الصحف التركية نشرت عنوانًا على صفحتها الأولى "أخت ملك العراق تتنصّر وتتزوّج خادم فندق".

شغل السياسي البارز شوكت منصب وزير العراق المفوض في أنقرة وقت وقوع الحادث. ويحكي في مذكراته أنه التقى بوكيل وزارة الخارجية التركي ليحثّه على مناشدة الصحف التركية تخفيف حدة تناولها لهذا الأمر. ويحكي أيضًا أن تلك القضية أشعرته بالخجل والعار حتى أنه استمرّ لفترة طويلة يرفض حضور الحفلات الرسمية خوفًا من مواجهة الدبلوماسيين الدوليين.

وهو ذات ما عبّر عنه الدبلوماسي أمين المميز في كتابه "بغداد كما عرفتها"، الذي كان يعمل في المفوضية العراقية بلندن عام 1936م: "مرت أسابيع حرجة على العراقيين في لندن، وكّنا نتوارَى عن الأنظار خجلاً ونتحاشى مواجهة أي عربي جراء العار الذي لحق بالعراق من هذه الفضيحة".

وبحسب المميز، فإن ذلك الخبر لما بلغ الفقيه الصوفي العراقي أحمد الداود في أحد مجالسه هاج وصرخ غاضبًا "هذا كذب وافتراء، إن ابنة رسول الله لا يُمكن أن تُقدم على هذا العمل".

لاحقًا كتب فيكتور باحوش في التقرير الرسمي الذي قدّمه للحكومة العراقية عقب عودته أن الأميرة عزة لم تتوقّف عن سبِّ أسرتها طيلة الرحلة والإعراب عن تمنّيها "تفسّخ تلك العائلة" كما استشهدت أكثر من مرة بما فعلته الأميرة سارة بنت الحسين.

قتل الملك فيصل الثاني ولم يكن تجاوز من العمر 23 عاما.
مجزرة قصر الرحاب.. نهاية دموية لحُكم الهاشميين في العراق
كان عبد الستار العبوسي في القصر لحظة خروج العائلة المالكة. ما إن رآهم حتى هرع نحوهم قفزًا.. وتأكد من الضابط المرافق لهم أنه اصطحب كافة العائلة الهاشمية، ثم رفع رشاشه وراح يُطلق الرصاص يمينًا ويسارًا حتى سقطوا جميعًا مضرجين بدمائهم.

تزوجت الأميرة سارة من عطا أمين السكرتير في المفوضية العراقية بدون موافقة ملك الأردن عبد الله الأول، والذي أثارت تلك الخطوة غضبه فسعى لفسخ الزواج ولما فشل هدّد بقتل الزوج، وهو ما لم يفعله، ومرّت الزيجة المرفوضة بلا عقاب جسيم –باستثناء استقالة الزوج من منصبه- وبلا ضجيج لكون الزوج عربيًا مُسلمًا فلم ينشغل أحد بتلك الفعلة كثيرًا مثلما جرى مع زيجة الأميرة عزة.

وبحسب تقرير فيكتور، فإنه طيلة الرحلة لم يجد ما يثير الشكوك في سلوكيات الأميرة حتى اختفت فجأة من مقر إقامتها في أثينا بعدما تركت رسالة تحمل توقيعها كتبت فيها إنها بالنظر لفقدانها والدها، لم يعد بيدها إلا الالتحاق بالرجل الذي تحبّه وأنها قد تزوّجت منه.

وذكر التقرير أن الأميرة راجحة سعت للقاء أختها فواجهتها بصلابة وقالت لها بقسوة "ليس عندي لا أخ ولا أخت ولا أقارب ولا وطن، اعتبروني ميتة، لن أعود إلى العراق بعد الآن، وإذا ما أُجبرت على ذلك سأنتحر".

 

رد فِعل الملك

 

يقول لطفي جعفر في كتابه "الملك غازي" إن الملك غازي صُدِم بشدة فور معرفته بهذا النبأ بعدما اعتبره إساءة كبيرة لعائلته ولمكانته الشخصية، فلقد كان شديد الحساسية تجاه تلك الأمور؛ فسبق وأن أبدى انزعاجًا شديدًا على زواج عمّه الأمير يزيد من مُطلقة تركية في أبريل 1934م حتى إنه رفض تعيينه وزيرًا مفوضًا للعراق في القاهرة. فما بالك بردِّ فِعله حين علم أن أخته الكبرى تزوجت من خادم في فندق ارتدّت لأجله –وهي حفيدة الرسول- عن الإسلام!

بذل القصر جهودًا فورية لتلجيم أبعاد تلك الفضيحة فأوفد مدير التشريفات تحسين قدري إلى اليونان لمحاولة إفساد تلك الزيجة ففشل في العثور على العروسين بعد سفرهما إلى جزيرة رودس للعيش هناك، فاكتفى بالعودة بصحبة الأميرة راجحة إلى بغداد.

وبحسب ما كتبه عبد الكريم الزيباري في مؤلّفه "سؤال الهوية الكردية"، فإن الملك غازي كان يعتقد أن الإنجليز كانوا يقفون وراء فرار الأميرة عزة، وهو ما يتّسق مع ما زعمته إحدى الصُحُف التركية بأن الزوج جاسوس إيطالي يهدف إلى زعزعة العرش الهاشمي.

وتلقّى غازي تقريرًا من هاري سندرسن (Harry Sinderson) الطبيب الخاص بالعائلة المالكة أكّد فيه أن الأميرة تُعاني من هزّات نفسية شديدة بسبب وفاة والدها ثم والدتها ثم شقيقتها ثم عمها الملك علي، ما أدى لدخولها في نوبات من "الحزن المستمر والهستيريا العنيفة" جعلتها تعاني من "انقباض نفسي، وعدم قابلية على ضبط النفس وضعف الإرادة"، وهو ما دفعه لطلب تنظيم تلك الرحلات الأوروبية للأميرة لتغيير المناخ الذي يُحيط بها وأيضًا للاستعانة بآراء خبراء أوروبيين متخصصين في حالتها العصبية. بالطبع لم يتم ذلك بسبب هرب الأميرة وعدم خضوعها للعلاج المنشود.

وبحسب الطريحي، فإن بعض العشائر العراقية فكرت في تأجير عددٍ من القتلة لتعقُّب الزوجين في أوروبا وقتلهما، كما زار ضابط سوري متقاعد المفوضية العراقية في أنقرة وعرض على مسؤوليها قتل الأميرة عزة بشرط تكفُّل الحكومة العراقية بمصاريف عائلته.

رغم ذلك الغضب الضاري، يحمّل لطفي جعفر في كتابه "الملك غازي" الملك جزءًا من مسؤولية ما جرى بعدما اتّهم غازي بالإهمال التام في العناية بها رغم وفاة والدهما، واكتفى بتسكينها -بصحبة شقيقتها الأميرة راجحة- في منزلٍ بعيد عن قصره بدون أي رقابة أو إشراف من قِبَله، ولم يهتم –كما كان ينبغي به- بكل ما بلغه من أنباء تردّي حالتها العصبية والنفسية!

أما الطريحي فذهب إلى أبعد من ذلك حين حمّل الملك فيصل الأول مسؤولية هذا الحادث، بسبب "التسيب الذي عانَى منه بيته"، فلقد تفرّغ الملك فيصل إلى الأمور السياسية ولم يراعِ تربية أبنائه بشكلٍ جيد تاركًا ذلك لخدم القصر وهي المهمة التي لم ينجحوا فيها بالشكل الأمثل، على حسب وصف الطريحي.

مات الملك فيصل عام 1933م ثم لحقت به زوجته الملكة حزيمة عام 1935م فانفجرت أوضاع الأبناء، وهو أمر لم يتوقّف على الأميرة عزة فقط وإنما امتدَّ إلى الملك غازي نفسه الذي اتُّهم بـ"العبث والإسراف في الجموح الجنسي" طيلة حياته حتى أنه خصّص قصرًا متواريًا عن الأنظار لهذه الاجتماعات السرية، هو قصر الحارثية، يقول الطريحي.

تصرّفات الملك غازي تلك –بجانب ميوله السياسية المعادية للإنجليز- لم تكسبه عداوة معارضيه وحسب، وإنما أيضًا كبار وزراء حكومته وعلى رأسهم رئيس الحكومة نفسه ياسين الهاشمي، الذي اعتبر أن تصرفات الملك الطائشة قد تدمّر العراق وتوقعه في مشاكل مع الدول الكبرى.

 

الآثار السياسية للأزمة

 

يقول لطفي جعفر إن "أزمة الأميرة عزة" أتت هدية على طبق من فضة لرئيس الوزراء ياسين الهاشمي كي يُحكم قبضته على الملك ويحوّله إلى مجرّد رمز دستوري بلا أي صلاحيات تنفيذية.

بحسب الكتاب فإن السياسي العراقي العتيد نوري السعيد -الذي لم يكن يتمتّع بعلاقة طيّبة مع الملك غازي- اعتبر أن "سُمعة الملك تدهورت جدًّا حتى أصبح من الصعب عليه أن يُنقذ ما تبقّى منها، وأن البلاد لن تتقبل حُكم غازي بعد الآن، لذا اقترح إزاحته من العرش وتأسيس مجلس وصاية يحكم البلاد حتى يبلغ ابنه سن الرُشد".

من جانبها، وجدت السفارة البريطانية في القضية فرصة لإبعاد الضباط -المعادين للإنجليز- الملتفين حول الملك.

وإزاء هذه القضية الحساسة التي أثارت ثائرة الملك وغضب سياسيي العراق، اجتمع ياسين الهاشمي بالسفير البريطاني أرشبالد كلارك كير في لقاءٍ صريح حذّر فيه السفير من أن أي محاولة لإزاحة الملك من منصبه ستعرّض البلاد لفوضى عامة. ولم يخفِ الهاشمي طمعه من أن يُبادر باتخاذ قرار يٌكلِّف بموجبه رئيس الوزراء -أي هو نفسه- بصلاحيات الملك حتى يستعيد غازي صحته النفسية. في نهاية اللقاء، اتفق الرجلان على "مراقبة تحركات العائلة الملكة بشدة، وتحديدًا تصرُّفات الملك غازي".

وفي اليوم التالي، قابل السفير البريطاني الملك غازي وطلب منه الاستجابة لخطط رئيس وزرائه في الحد من حركته المُبالغ فيها على الملعب السياسي. وبدءًا من 16 حزيران 1936، بدأت الوزارة إجراءاتها الإقصائية التي سعت بها لشل حركة الملك غازي تمامًا؛ فأبعدت تحسين قدري رئيس التشريفات من منصبه حيث جرى تعيينه في منصب دبلوماسي هامشي في طهران، كما اُبعد الأمير حسين بن ناصر خال الملك عن العراق بالكلية وعُيِّن ملحقًا في السفارة العراقية بأنقرة بدعوى أن له "تأثيرا سيئا على الملك"، كما أُبعد علي بن ناصر خال الملك الآخر إلى مصر.

لاحقًا، طُرد الكثير من خدم القصر المقرّبين من غازي مثل إبراهيم جواد السائق الخاص بالملك، وزياد عوديش خادمه الأول. واشترطت الحكومة على القصر قبل تعيين أي موظف أن تُوافق عليه وزارة الداخلية أولاً.

وأصدرت الحكومة قانون الأسرة الملكية رقم 75 لسنة 1936 الذي قلّص بعض صلاحيات الملك غازي، وأقرّ عقوبات بحق الأميرة عزة، إذ تقرّر -بموجب القانون- تأليف "مجلس خاص" من رئيس الوزراء ورئيسي مجلسي "الأعيان" و"النواب" ووزيري "الداخلية" و"العدلية" ورئيس الديوان الملكي للنظر في قضايا زواج الأميرات والأمراء والأمور التأديبية المتعلّقة بالأسرة المالكة، وكذلك توزيع الأموال المقرّرة لأعضاء الأسرة المالكة، وبحث تعديل تلك المخصصات نهائيًّا أو مؤقتًا.

وبالرغم من أن الأساس الذي انطلق منه القانون هو حرمان الأميرة عزة وأبناءها المحتملين من زيجتها من لقب الإمارة ومن أي إرث لهم في بغداد، فإن الهاشمي توسّع في محاصرة أفراد العائلة الهاشمية، وعلى رأسهم الملك نفسه. وهو ما اتّضح من القرارات الوزارية التي سعت لفرض حصارٍ على حركة الملك وحياته الشخصية بعدما عيّنت الحكومة مرافقين جُددا للملك من ضباط الجيش، أهمهم العقيد أحمد محمود رئيس مرافقي الملك الذي كُلِّف رسميا بمهمة "ضبط قصر الزهور" بحيث لا يتلقّى القصر أي اتصالٍ بأي شكل، حتى لو كان هاتفيًّا إلا بعدما يطّلع العقيد محمود عليه أو يُنيب عنه أحد معاونيه الضُباط.

تقرّر كذلك ألا يُسمح لأي سيارة بدخول القصر أو الخروج منه إلا بعد موافقة أمنية، حتى لو كانت سيارة الملك الشخصية الذي سيتعيّن عليه اصطحاب مندوب عسكري كلما خرج من القصر في أي مهمة، وسيتعيّن على هذا المندوب إعداد تقرير لوزارة الدفاع بشأن تفاصيل أي مهمة قام بها الملك خارج قصره.

نتيجة لكل ذلك ضُرب حصارٌ شديد على الملك غازي الذي أصبح عاجزًا عن اتّخاذ أبسط القرارات، منها ما حدث حين طلب الحصول على البندقية التي كان يستعملها حينما كان طالبًا في المدرسة العسكرية الملكية، فباغته ردّ مجلس الوزراء بـ"نرجو بيان القصد من اقتنائها"!

وعانَى غازي من الضغط الشديد الذي فرضه العقيد أحمد محمود وإبعاده كل مَن يشتبه في إخلاصه لغازي دون غيره حتى تحوّل الملك إلى رمز مجرد من أي صلاحيات، تمامًا كما تمنّى ياسين الهاشمي فور بداية استغلال الأزمة حتى سرت شائعات قوية في الداخل العراقي أنه يعتزم خلع الملك وإعلان الجمهورية.

في ختام 1936، ضجر غازي من التكبيلات الحكومية بحقّه فحاول التخلُّص منها تدريجيًّا؛ فسعى لتدعيم شعبيته المتدهورة بين الناس عبر زيادة تبرعاته الخيرية والقيام بجولاته دعائية في أنحاء البلاد تعمّد خلالها أن يترجّل بين الناس الذين استقبلوه بحفاوة كبيرة أثارت دهشة البريطانيين باعتبار أنه لم يكن قادرًا على نيل تلك الحفاوة منذ أشهر قليلة.

وظلَّ هذا الوضع محتدمًا بين الرجلين حتى انفجر انقلاب بكر صدقي العسكري في 29 أكتوبر 1936م، والذي انتهى بإزاحة الهاشمي من منصبه وتخليص الملك منه.

 

انقلاب بكر صدقي

 

في 29 أكتوبر 1936م شهدت المنطقة العربية أول انقلابٍ عسكري في تاريخها، بعدما ارتأى الملك أن هذه الوسيلة الوحيدة للتخلُّص من الهاشمي، فأوعز لقائد الفرقة الثانية بالجيش الفريق بكر صدقي بمحاصرة بغداد والتماس إقالة الحكومة من الملك، وهو الطلب الذي وافق عليه غازي فورًا بطبيعة الحال، ووافق أيضًا على ترشيح صدقي لحكمت سليمان بتولّي رئاسة الوزراء كما أوكل لبكر منصب رئيس أركان الجيش العراقي.

ولن نتعجّب أبدًا إذا علمنا أن أول قرارات بكر صدقي عقب انقلابه هو تزويج الأميرة راجحة -شقيقة عزة وغازي- من أحد ضباط الجيش المقرّبين منه كيلا تتكرّر "مأساة عزة" مرةً أخرى.

 

بقية قصة الأميرة عزة

 

رغم التضحية الهائلة التي أقدمت عليها الأميرة بسبب ذلك الارتباط، فإن زواجها لم يستمر طويلاً، فقد طلقها زوجها عام 1943م وعاشت وحيدة بعدما غادرت جزيرة رودس إلى مدينة نابولي الإيطالية تتقاضى راتبًا متواضعًا من الحكومة الإيطالية.

بحسب شهادة سندرسن طبيب العائلة المالكة، فإن الأميرة عزة حين علمت بقدوم الأمير عبد الإله إلى روما عام 1945م طلبت مقابلته فرفض. يحكي سندرسن: "يا للمسكية عزة، لقد كانت شاحبة الوجه، مغبّرة الشعر، تتشح بالسواد، وهي زرية الملبس، ويبدو عليها أنها كانت محطمة الأعصاب". ثم أضاف أنها ما إن قابلته حتى ألقت بنفسها تحت قدميه وراحت تتضرّع إليه كصديق للعائلة أن يتدخّل ويتشفّع لها عند الأمير عبد الإله لكي يقابلها.

كشف سندرسن أيضًا أن الأميرة بعدما هجرها زوجها ثم أصدقاؤها باتت مدمنة تدخين ولا تملك ما تعيش به حتى إنها كانت تسكن في غرفة لا تتسع لأكثر من سرير واحد ولا تأكل إلا نادرًا.

عطف الطبيب الملكي على حال الأميرة وأقنع عبد الإله بمقابلتها الذي ما إن رآها حتى انفجر باكيًا ثم منحها مبلغًا ماليًا كما وعدها ببحث تدبير إقامتها في عمان في ضيافة الملك عبد الله، أما عودتها إلى العراق فكانت أمرًا مستحيلاً.

على إثر هذا الترتيب، عادت الأميرة عزة إلى الأردن حيث عاشت في كنف عبد الله الذي أسكنها في عمان، وأعطاها أرضًا زراعية وخصّص لها راتبًا تعيش منه، وفقًا لما ذكره إبراهيم الراوي في كتابه "من الثورة العربية الكبرى إلى العراق الحديث".

في الأردن عاشت الأميرة المغضوب عليها طي الخفاء بقية سنوات عُمرها، لم تتكرّر فيها زيجتها وبقيت بلا أولاد، وغابت أخبارها عن الصحف ولم تعد إلى العلن إلا لحظة إعلان وفاتها.

مواضيع ذات صلة:

صورة من جزيرة سقطرى اليمنية حيث يتكلم أهلها اللغة السقطرية- تعبيرية
صورة من جزيرة سقطرى اليمنية حيث يتكلم أهلها اللغة السقطرية- تعبيرية

في بدايات القرن السابع الميلادي، فتح المسلمون جميع أنحاء شبه الجزيرة العربية. بعدها، وبشكل متدرج، استطاعت اللغة العربية الحجازية الشمالية -المُستخدمة في قبيلة قريش- أن تفرض نفسها في المناطق العربية الجنوبية.

 بعد قرون، انعزلت اللهجات اليمنية الجنوبية واقتصر استعمالها على بعض الشعوب. وصارت هناك فوارق واسعة بينها وبين اللغة العربية التقليدية، حتى اعتبرها بعض علماء اللغة مستقلة عن العربية. وفي ذلك شاع قول بعض اللغوين "ما لسان حِمير -اللهجة اليمنية- بلساننا ولا عربيتهم بعربيتنا".

رغم ذلك، بقيت بعض اللغات اليمنية القديمة حاضرة في جنوبي شبه الجزيرة العربية حتى الآن، لكنها مهددة بالاندثار، فيما تحاول العديد من المؤسسات المعنية بإنقاذها. فماذا نعرف عن هذه اللغات؟

اللغة المهرية

تُنسب إلى قبيلة المهرة التي سكنت شرقي اليمن منذ قرون طويلة، واعتاد النسابون أن يرجعوا أصلها إلى مهرة بن حيدان بن عمرو بن لحاف بن قضاعة. 

تُعدّ المهرية واحدة من أقسام اللغات العربية الجنوبية الشرقية الحديثة، ويعتبرها معظم الباحثين لغة سامية بدائية فيما يرى آخرون أنها امتداد للغة الأكدية العراقية القديمة.

تنتشر حاليا في شرق اليمن وسلطنة عمان والكويت والإمارات والسعودية. كما تتواجد بشكل أقل في بعض بلدان شرق أفريقيا كتنزانيا وكينيا. ويزيد عدد المتحدثين بها عن 200 ألف شخص.

تُعدّ المهرية من اللغات غير المكتوبة، أي أن متحدثيها يتوارثونها شفوياً، وتتكون من حروف اللغة العربية الـ28، بالإضافة إلى خمسة حروف أخرى.

في كتابه "مهرة في مصادر اللغة والأدب"، يذكر الباحث عامر بلحاف العديد من الألفاظ المهرية التي وردت في المعاجم والقواميس اللغوية العربية التراثية.

 من تلك الألفاظ كلمة "الزفن" التي تحمل معنى الرقص، وجاءت تلك الكلمة بهذا المعنى في بعض الروايات والأحاديث المنسوبة للنبي. على سبيل المثال ذكر البخاري في "صحيحه" عن عائشة خبر قدوم وفد الحبشة إلى المدينة، وفيه: "فجعلوا يزفنون" أي يرقصون. 

من الأمثلة الأخرى كلمة "بربور" بمعنى ثرثار كثير الحديث، وكلمة "حوور" وهو اللون الأسود، وكلمة "كركر" بمعنى ضحك وقهقه.

 يشير بلحاف إلى أن الكثير من اللغوين العرب القدامى أوضحوا في كتاباتهم أن اللغة المهرية لغة خاصة، مختلفة عن اللغة العربية التقليدية. لكنهم ذكروا أن المهرية لغة متروكة و"مرغوب عنها"، الأمر الذي يشهد على غلبة اللهجات العربية الشمالية على شبه الجزيرة العربية بعد الإسلام.

السقطرية

تُنسب تلك اللغة إلى سقطرى، وهي أرخبيل يمني يتبع إقليم حضرموت ويتكون من ست جزر على المحيط الهندي قبالة سواحل القرن الأفريقي. يشيع استخدام السقطرية داخل الجزر التابعة للأرخبيل، وتتميز بوجود بعض الحروف المختلفة عن العديد من اللغات السامية، منها "الشين الجانبية"، و"اللام الجانبية". 

بشكل عام، هناك أربع مجموعات من اللهجات السقطرية، وهي اللهجات المحكية في الساحل الشمالي، واللهجات المحكية في الساحل الجنوبي، واللهجات التي يتحدث بها البدو في الجبال في وسط الجزيرة، واللهجة التي يتحدث بها أهالي جزيرة عبد الكوري.

في العقود الماضية، بُذلت العديد من المحاولات لدراسة السقطرية وتدوين نصوصها الأدبية بهدف الحفاظ عليها. 

بدأت تلك المحاولات في أواخر القرن التاسع عشر الميلادي، عندما زار المستشرق النمساوي دافيد هاينريش مُولَّر أرخبيل سقطرى، وعمل على تدوين وتسجيل بعض مفردات اللغة السقطرية. 

في سنة 2014، تم تطوير نظام كتابة اللغة السقطرية على يد فريق روسي بقيادة الدكتور فيتالي نومكين. عكف الفريق على دراسة هذه اللغة لمدة خمس سنوات كاملة، وبعدها نشر النظام الكتابي المُقترح في كتاب بعنوان "مجموعة الأدب الشفوي السقطري".

 في أكتوبر 2017، حاولت الحكومة اليمنية المشاركة في إحياء اللغة السقطرية، وذلك عندما وجه رئيس الوزراء اليمني السابق أحمد عبيد بن دغر، وزارة الثقافة، لإنشاء مركز اللغة المهرية والسقطرية للدراسات والبحوث، إلا أن تلك التوجيهات لم تطبق على أرض الواقع بسبب أحداث الحرب الأهلية اليمنية.

يُعدّ مشروع حماية الأدب الشعبي في سقطرى المدعوم من قِبل الحكومة الألمانية ومعهد "جوته"، آخر المحاولات الداعمة للغة السقطرية. استهدف المشروع حماية الأدب الشعبي في جزيرة سقطرى من خلال "جمعه ومراجعته وتوثيقه وإتاحته باللغة السقطرية ثم اللغة العربية والإنجليزية. ثم العمل على الترويج له من خلال منصات إعلامية وثقافية وأكاديمية متنوعة...". 

تمكن فريق العمل من نشر كتاب "تُوْتِيَتَنْ دِ سَاقَطْرِيْ" أو "حكايات من التراث الشعبي في سقطرى"، كما طور المشروع أداة إلكترونية يمكن من خلالها تحويل اللغة السقطرية المكتوبة بالحروف العربية إلى حروف لاتينية.

A Kurdish woman dances with others during the Newroz celebrations marking the start of spring in Istanbul, Turkey, Sunday,…
منها الآرامية والأمازيغية والكردية.. جولة على لغات الأقليات في الدول العربية
"لا يجوز، في الدول التي توجد فيها أقليات اثنية أو دينية أو لغوية، أن يُحرم الأشخاص المنتسبون إلى الأقليات المذكورة من حق التمتع بثقافتهم الخاصة أو المجاهرة بدينهم وإقامة شعائره أو استخدام لغتهم، بالاشتراك مع الأعضاء الآخرين في جماعتهم"، هذا ما تنص عليه المادة رقم 27 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية. ومن هنا، تبدو اللغات التي تتحدث بها الأقليات العرقية ، أساساً لحريتها وخصوصيتها. فما هي أبرز اللغات التي تتحدث بها الأقليات في الدول العربية؟

الشحرية

تُعدّ الشحرية واحدة من اللغات السامية القديمة، وتُنسب إلى قبائل الشحرى التي تسكن محافظة ظفار في سلطنة عمان. وتًعرف أيضاً باللغة الجبالية، بسبب انتشارها في بعض أنحاء الريف.

توجد العديد من اللهجات للغة الشحرية، وجميعها تُنطق ولا تُكتب. وعلى عكس العديد من اللغات الشفوية المعروفة، تستند الشحرية إلى مجموعة من القواعد والأسس اللغوية. من ذلك أن لها ضمائر منفصلة وأسماء إشارة مفصلة للذكر والأنثى والمفرد والمثنى والجمع. كما أن الشحرية تحتوي على كل حروف اللغة العربية ما عدا حروف "ص، ق، ض"، هذا بالإضافة إلى 8 حروف أخرى خاصة بها.

من الخصائص المميزة للشحرية أنه يتم عكس بعض الكلمات العربية لتعطي نفس المعنى باللغة الشحرية. على سبيل المثال، يتم قلب كلمة "قتل" باللغة العربية لتصبح كلمة "لتق" باللغة الشحرية. أيضاً تتميز اللغة الشحرية بظاهرة الشنشنة وهي قلب كاف الخطاب للأنثى شيناً.

من النقاط المثيرة للاهتمام، أن هناك تشابهاً واضحاً بين اللغة الشحرية واللغة الأمازيغية المنتشرة في شمالي غرب أفريقيا، حتى ذهب العديد من المؤرخين والباحثين إلى وجود أصل مشترك بين أهل ظفار والأمازيغ. من هؤلاء الرحالة المغربي الشهير ابن بطوطة الذي زار ظفار في القرن الثامن الهجري وأشار إلى الشبه بين الظفاريين وأهل المغرب.

في العقود الأخيرة، اهتم العديد من الباحثين بدراسة اللغة الشحرية الذين أصدروا مؤلفات عدة في المجال، مثل كتاب "لسان ظفار الحميري" لمحمد بن سالم المعشني، وكتاب "لهجة مهرة وآدابها" لعلي محسن آل حفيظ، وكتاب "لغة عاد" لعلي أحمد محاش الشحري.

 

الخولانية

هي إحدى اللغات السامية القديمة وأخذت اسمها من قبائل خولان، المنسوبة إلى خولان بن عامر. تنتشر تلك اللغة بين القاطنين في جنوبي غرب المملكة العربية السعودية وشمالي اليمن.

توجد العديد من اللهجات لتلك اللغة، ومنها لهجة بني مالك، ولهجة الريث، ولهجة العبادل. أما أشهر لهجات الخولانية فهي اللهجة الفيفية المنتشرة في محافظة فيفا السعودية الجبلية.

من جهة أخرى، توجد العديد من القواعد المعروفة للغة الخولانية. منها استخدام أداة التعريف "أم" بدلاً من أداة التعريف "أل" المُستخدمة بشكل اعتيادي في اللغة العربية.

 توجد بعض الروايات التي تذكر أن الرسول محمد استخدم "أم" عند حديثه مع بعض القبائل اليمنية القديمة. على سبيل المثال، جاء في مسند أحمد بن حنبل أن "النبي نهى بعض اليمنيين عن الصيام في السفر، فقال لهم (ليس من امبر امصيام في امسفر".