في رحلته التقى ابن فضلان بمجموعة من التجار الفايكنغ على نهر ضفاف نهر الفولجا فيما يُشكل الآن غرب روسيا.
في رحلته التقى ابن فضلان بمجموعة من التجار الفايكنغ على نهر ضفاف نهر الفولجا فيما يُشكل الآن غرب روسيا.

كانت مدينة بغداد وقرطبة تحظيان بشعبية كبيرة في الدول الإسكندنافية خلال عصر الفايكنج. وكانت الروابط بين ما نسميه اليوم بالسويد والخلافة العربية حية منذ نهاية القرن الثامن الميلادي على الأقل، كما عُرف النورديون (شعوب شمال القارة الأوربية) في الخلافة، حيث أطلق عليها اسم الروس.

يروي المؤرخ ابن خرداذبة، صاحب الكتاب الشهير "المسالك والممالك"، كيف وصل الروس (النورديون) إلى بغداد مع الجمال عبر موانئ بحر قزوين في ثمانينات القرن الثامن الميلادي. ودخلوا عاصمة الدولة الإسلامية متظاهرين بأنهم مسيحيون.

بشكل عام، تخبرنا المصادر العربية أكثر من الكتابات الروسية عن أولى اللقاءات بين الفايكنغ والمسلمين. تذكر هذه المصادر مثلا أن بعض المتحولين إلى الإسلام واجهوا صعوبة في اتباع القواعد الغذائية الإسلامية. ويخبرنا عالم الجغرافيا الفارسي أمين الرازي في القرن السادس عشر، على سبيل المثال، أن الفايكنج كانوا مغرمين جدًا بلحم الخنزير لدرجة أن "أولئك الذين اعتنقوا الإسلام أكلوا لحم الخنزير". وتشير مصادر أخرى إلى هجوم الفايكنج على الدول الإسلامية والمسيحية في شبه الجزيرة الإيبيرية، واستقرار بعضهم في جنوب شرق إشبيلية، واعتناقهم الإسلام.

يسجل الفيلسوف ابن مسكويه (932م-1032م) أيضا أحد اللقاءات الأقل تناغمًا بين المسلمين والفايكنغ، إذ يروي كيف استولى الفايكنج على مدينة برداء، جنوب مدينة باكو في أذربيجان الحالية عام 943م. فبعد حصار عنيف، دخلوا المدينة، وقتلوا آلاف السكان وأخذوا الكثير من أهلها عبيدا. لا أحد يعرف بالضبط ماذا حدث لهؤلاء العبيد الذين تم أسرهم. ربما تم بيع معظمهم أو ماتوا على طول الطريق، وربما أيضا انتهى الأمر ببعضهم إلى ما يعرف اليوم السويد أو الدانمارك.

ولد منصور بن سرجون في عام 676م على وجه التقريب، في زمن الخليفة الأموي الأول معاوية بن أبي سفيان في دمشق.
يوحنا الدمشقي والهرطقة المئة.. الإسلام المبكر بعيون قس مسيحي
في دير القديس سابا بفلسطين، ناقش يوحنا الدمشقي الإسلام المبكر في كتابه المعروف باسم "الهرطقات". هذا الكتاب تم تأليفه باليونانية، ما ضمن للدمشقي الحماية الكافية من الغضب الذي كان من الممكن أن يوجهه إليه المسلمون لو اطلعوا على ما دونه في كتابه.

وطوال القرون الماضية، شق عدد من الرحالة والتجار اليهود والمسلمين طريقهم إلى روسيا والدول الإسكندنافية، مقدمين نظرة فريدة عن مجتمعاتها في العصور الوسطى. من بين هؤلاء، التاجر اليهودي من قرطبة، أبراهام بن يعقوب الترتوشي (1059م-1127م)، وقبله الشاعر يحيى بن حكم البكري (772م-866م) المعروف بالغزال الذي زار الدنمارك وأيرلندا. لكن الرحلة الأكثر شهرة تبقى رحلة الرحالة أحمد بن فضلان (877م-960م) ولقاءه مع الروس في مكان ما في حوض الفولغا في النصف الأول من القرن العاشر الميلادي/الرابع الهجري.

يقول المؤرخ السويدي  ستيغ ويكاندر في كتابه "العرب.. الفايكنغ والقيم": "بعد مغادرة بغداد في 21 يونيو 921م، مرت القافلة عبر مدن همدان، وري، ونيسابور، وميرف، وبخارى... وفي 4 مارس بدأوا في التوجه شمالًا.. ووصلوا أخيرًا إلى دلتا نهر الفولغا في 12 مايو 922، حيث كان مقر ملك الصقالبة".

في الواقع، كان أحمد بن فضلان مسؤولًا مسلمًا أرسلته الخلافة العباسية في بغداد إلى ملك البلغار بعد أن أسلم وكتب إلى الخليفة يسأله "أن يبعث إليه من يفقهه في الدين، ويعرفه شرائع الإسلام ويبني له مسجدًا، وينصب له منبرًا ليقيم عليه الدعوة في جميع بلده وأقطار مملكته، ويسأله بناء حصن يتحصن فيه من الملوك المخالفين له".

ولاقت رحلة ابن فضلان لاحقا شهرة واسعة. يقول عنها ياقوت الحموي في "معجم البلدان" : "وقصة ابن فضلان وإنفاذ المقتدر له إلى بلغار مدوَّنة معروفة مشهورة بأيدي الناس، رأيت منها عدة نسخ".

في طريق رحلته، التقى ابن فضلان بمجموعة من التجار الفايكنغ على نهر ضفاف نهر الفولجا فيما يُشكل الآن غرب روسيا، مما جعلها رواية شاهد عيان مبكرة على عصر الفايكنج.

وقد تحدث الرحالة العربي بالتفصيل عن نمط حياة وملابس ومعتقدات وطقوس جنائز هؤلاء التجار الفايكينغ الذين أقاموا سوقًا بالقرب من النهر. ووصف أجسادهم بأنها طويلة مثل أشجار النخيل ذات الجلد الأحمر، والشعر الأشقر. ووصف الوشم من أظافر الأصابع إلى الرقبة بأنماط زرقاء داكنة أو خضراء تشبه الأشجار . وكان كل الرجال مسلحين بالفؤوس والسكاكين والسيوف.

يتقدم ابن فضلان في الوصف، ويتحدث عن بعض الطقوس والعادات لدى هذه المجموعة التي يُعرِّفها باسم الروس، قائلاً: "هم أقذر مخلوقات الله! لا يغتسلون بعد قضاء الحاجة، ولا بعد الجماع، ولا يغسلون أيديهم بعد الأكل. إنهم مثل الحمير الضالة، يأتون من أرضهم ويرسون السفن على شواطئ أتيل. إنه نهر كبير. ويبنون على شطه بيوتاً كباراً من الخشب، ويجتمع في البيت الواحد العشرة والعشرون، والأقل والأكثر. لكل واحد سرير يجلس عليه، ومعهم الجواري الرّوقة للتجار".

ويتابع: "ولا بد لهم في كلّ يوم من غسل وجوههم ورؤوسهم بأقذر ماءٍ يكون وأطفسه. وذلك أن الجارية توافي كل يوم في الغداة، ومعها قصعة كبيرة فيها ماء، فتدفعها إلى مولاها فيغسل فيه يديه ووجهه وشعر رأسه فيغلسه، ويسرحه بالمشط في القصعة، ثم يمتخط ويبصق فيه، ولا يدع شيئاً من القذر إلا فعله، في ذلك الماء".

تتضمن رحلة ابن فضلان أيضا رواية كشاهد عيان على طقوس جنازة رجل غني من الفايكنج، تم خلالها التضحية بجارية لتتبع سيدها في الحياة الآخرة، مما يجعلها شهادة فريدة عن عادات دفن الموتى في شبه الجزيرة الإسكندنافية القديمة. وهي أيضًا واحدة من الطقوس القليلة التي تعود أصولها إلى ما قبل المسيحية والتي وصفها شاهد عيان بهذا التفصيل الدقيق.

يقول ابن فضلان إنه تم إخباره بأن أحد رجال المجموعة العظماء توفي. عقب ذلك، يشرح الرحالة المسلم، كيف وضع هذا الرجل في قبر وغطي عشرة أيام حتى انتهى أصحابه من تفصيل ثيابه وخياطتها. بعدها، وضع في سفينة وتم تزويده بالكثير من البضائع، حيث يتلقى المتوفى هدايا مثل الطعام والشراب وحتى الحيوانات.

أكثر من هذا، أخذ هذا الرجل معه فتاة جرى قتلها على متن السفينة، ثم حرق جثتها مع جثة صاحبها. يقول: "إذا مات الرئيس منهم، قال أهله لجواريه وغلمانه: من منكم يموت معه؟ فيقول بعضهم:أنا. فإذا قال ذلك، فقد وجب عليه، لا يستوي له أن يرجع أبداً".

ويحكي ابن فضلان أيضا أنه يتم جمع ثروة الميت، وتقسم إلى ثلاثة أجزاء: ثلث لعائلته، وثلث لتجهيز الجنازة، أما الثلث الأخير فيخصص لشراء نبيذ يقدم إلى كل الحاضرين لمدة عشرة أيام، وليس من النادر أن يموت أحدهم والقدح في يده!

في اليوم، الذي سيُحرق فيه القتيل والفتاة، تسحب السفينة إلى الشاطئ ويوضع فيها سرير للميت الذي تستخرج جثته من القبر وتلبس ثيابًا جديدة. وإلي جانب الجثة، توضع جميع أسلحة الرجل. يقول ابن فضلان أيضا إنه تم ذبح بقرتين وإلقاؤهما في السفينة، كما تمت التضحية بديك ودجاجة كذلك!.

عقب ذلك، أتت امرأة عجوز يطلق عليها اسم "ملاك الموت"، وهي المسؤولة عن طقوس الجنازة وقتل الفتاة. ثم نقلت الجارية إلى السفينة وخلعت أساورها وأعطتها للمرأة العجوز.  وخلعت حلقتين من كاحليها وأعطتهما لبنات المرأة العجوز اللائي كن يحرسنها. بعد ذلك، جاء الرجال بالدروع والعصي، وشرعوا في الضرب عليها لإغراق صراخ المرأة حتى لا تثبط الفتيات الأخريات عن الاقتداء بها.

يقول ابن فضلان: "بدأ الرجال بضرب الدروع للتغلب على صراخها. دخل ستة رجال إلى الخيمة وجامعوا الفتاة. ثم وضعوها بجانب سيدها الميت. أمسك اثنان يديها واثنان من كاحليها. وضع ملاك الموت حول عنقها حبلاً مخالفاً، ودفعته إلى اثنين ليجذباه، وأقبلت ومعها خنجر عريض النصل، فأقبلت تدخله بين أضلاعها موضعاً موضعاً وتخرجه، و الرجلان يخنقانها بالحبل حتى ماتت، ثم  وافى أقربُ الناس إلى ذلك الميت فأخذ خشبةً وأشعلها بالنار، ثم مشى القهقرى نحو قفاه إلى السفينة، ووجهه إلى الناس و الخشبة المشعلة في يده الواحدة".

بعد ذلك، ينتقل الرحالة العربي إلى تصوير المشهد النهائي من عملية الدفن: " فما مضت على الحقيقة ساعة، حتى السفينة والحطب و الجارية و المولى رماداً، ثم بنوا على موضع السفينة، وكانوا قد أخرجوها (من قبل) من النهر، شبيهاً بالتل، ونصبوا في وسطه خشبة كبيرة خذنك ( تعني بيضاء)، وكتبوا عليها اسم الرجل واسم ملك الروس و انصرفوا".

 

مواضيع ذات صلة:

President Ahmed Hassan al-Bakr of Iraq, right, and Saddam Hussein, vice president and chairman of the Baath Socialist Party…
صورة أرشيفية لأحمد حسن البكر وصدّام حسين

في الثلاثين من يوليو 1968، كان عبد الرزّاق النايف، أولُ رئيس حكومة عراقية بعد انقلاب حزب البعث على حكم الرئيس عبد الرحمن عارف في 17 يوليو من ذلك العام، يتناول الغداء في القصر الجمهوري مع الرئيس أحمد حسن البكر، شريكه في الانقلاب.

وبدل أن تدخل القهوة لدى فراغهما من الطعام، دخل صدام حسين مع مجموعة من البعثيين المسلحين وطلبوا من رئيس الوزراء المصدوم مغادرة العراق فوراً.

كان ذلك انقلاباً على الانقلاب. دبّره صدّام حسين، بمباركة البكر، ونفذه بعد 13 يوماً فقط على نجاح البعثيين في الإطاحة بعبد الرحمن عارف، بالتعاون مع مجموعة من الضباط العسكريين المخضرمين الذين كانت لديهم خبرة في الانقلابات والتخطيط لها منذ الخمسينات، وعلى رأسهم البكر، و"الرجل الثاني في حزب البعث آنذاك"، الشاب صدّام حسين الذي كان يوصف بأنه "ذو طموح جامح وقاسي القلب"، وكان له حينها من العمر 31 عاماً فقط.

يروي عضيد داوشيه، في كتابه "العراق: تاريخ سياسي من الاستقلال إلى الاحتلال"، كيف دبّر البعثيون انقلاب السابع عشر من يوليو، عبر إغراء أهم شخصيتين كانتا إلى جانب عارف، وهما عبد الرزاق النايف، رئيس الاستخبارات العسكرية، وعبد الرحمن الداود قائد الحرس الجمهوري، الذين كانا يطمحان إلى السلطة والامتيازات. 

وبالفعل لعب النايف والداود دوراً رئيسياً في نجاح الانقلاب، وجرى الإعلان عن كابينة وزارية تتكون من البكر رئيساً، والنايف رئيساً للوزراء والداود وزيراً للدفاع.

لقطة من الوثائقي
"مسرحة الرعب" لدى صدام حسين.. صناعة الديكتاتورية بأعواد المشانق
أثر هذه الاعدامات ترك صداه على أجيال عراقية لسنوات قادمة، اذا تكتب هاديا سعيد في كتابها "سنوات مع الخوف العراقي" أنها كانت تسمع كلمة الإعدام "تتكرر مع رشفة استكان الشاي ومجة السيجارة وأمام صواني الطعام وبين سطور ما نقرأ أو نكتب". وتتابع أن الخوف "التحم بالنبضة والنظرة"،

وبحسب داوشيه، فقد كان صدّام حسين من أكثر المصرّين على احتكار البعث للسلطة، وأخبر المتآمرين البعثيين بعد نجاح الانقلاب في 17 تموز أن التخلص من النايف والداود بعد نجاح الانقلاب، لا يقل ضرورة عن التحالف معهما قبل الانقلاب. وطلب أن توكل إليه مهمة الانقلاب على غير البعثيين في مكان وزمان يحددهما هو فقط.

وهكذا حدد صدّام الثلاثين من يوليو موعداً لتنفيذ انقلابه على الانقلاب. فداهم النايف وهو يتناول الطعام مع الرئيس، وأبلغه التخلي عن خدماته وأمره بمغادرة العراق فوراً، كما أوصاه المسلحون الذين رافقوا صدّام بأن لا ينسى "إذا ما أراد البقاء على قيد الحياة، تحية الحرس قبل صعود سيارته الرسمية"، بحسب حازم صاغية في كتابه "بعث العراق: سلطة صدّام قياماً وحطاماً".

صورة لعبد الرزاق النايف من موقع ويكيبيديا

أما الداود، فجرى إيفاده إلى الأردن في مهمة تفاوضية، ثم جرى إعلامه بألا يرجع إلى العراق وأن يأخذ منصب سفير. وهكذا خلت الساحة تماماً لحزب البعث ليحكم ويشكّل بنية الدولة العراقية ويوجّه سياساتها.

إلا أن حكاية النايف مع صدّام حسين، لم تنته بمغادرته العراق، رغم امتثاله للأوامر. فبحسب صاغية: "بعد أن شُحن النايف جواً إلى المغرب، جرت في العام 1973 محاولة فاشلة لاغتياله هناك. تبعتها، بعد خمس سنوات، محاولة ناجحة في لندن".

وبحسب المؤرخ كمال الديب في كتابه "موجز تاريخ العراق"، فإن صدام "لم يترك النايف وشأنه، إذ لحقه إلى منفاه في لندن حيث اغتاله عملاء عراقيون في يوليو 1978 أمام فندق إنتركونتيننتال".