قادت الملكة ماوية حربا شرسة ضد الرومان انتهت بتوقيع اتفاقية سلام مع الإمبراطور الروماني فالانس.
قادت الملكة ماوية حربا شرسة ضد الرومان انتهت بتوقيع اتفاقية سلام مع الإمبراطور الروماني فالانس.

تعرف القراء العرب على "ماوية ملكة السراسين" خلال النصف الثاني من القرن العشرين، بفضل مقالات وفصول في كتب، كان للمؤرخين نقولا زيادة وجواد علي الفضل الأبرز فيها. ومصطلح "السراسين" كان يعني عند الأوروبيين في فترة ما قبل الإسلام القبائل العربية البدوية تحديداً، وبعد الإسلام أصبح يعني المسلمين بالعموم. 

مما لا شك فيه؛ أن النزعات القومية واليسارية العربية التي كانت سائدة خلال حقبة الخمسينات والستينات من القرن العشرين، ساهمت في تأطير شخصية الملكة ماوية ضمن إطار إيديولوجي يزعم أنها كانت تناضل ضد "الاستعمار الروماني"، ولذلك لم يتعرف القراء العرب بشكل واضح على نتائج المعركة الثانية للملكة ضد قوات الامبراطور فالانس، وماذا حل بجيشها، بعد تجديد الاتفاقية القديمة مع الروم البيزنطيين، وإضافة فقرات جديدة يعترف فيها البيزنطيون بحقوق قومها، الدينية وربما التجارية، نظراً لتحكم شعب ماوية بأهم محطات التجارة والتواصل بين الهند والجزيرة العربية من جهة، وبين أراضي الإمبراطورية البيزنطية من جهة أخرى، وهو ما سنضيء عليه في هذا المقال.

 

أهمية المقاتل الصحراوي

 

بعد هزيمة ملكة تدمر زنوبيا أمام أورليان في العام 273م، اتضح للرومان ومن بعدهم البيزنطيين الدور المحوري للقبائل العربية (السراسين) في حروبهم مع أعدائهم الفرس الساسانيين، والتي كانت تتم في مناطق صحراوية في أغلب الأحيان. وقد لعب اعتناق القبائل العربية الشامية للمسيحية الدور الأبرز في هذا التحالف، ولذلك بدأت تظهر المشيخات الفيدرالية العربية المتحالفة مع أباطرة بيزنطة والتي كان شيوخها وملوكها يحملون لقب "فيلارخ"، حيث تولوا مهمة حماية مناطق التخوم "الليميس" مع الفرس، وتأمين طرق التجارة، مقابل عائدات كبيرة كانوا يجنونها وفق معاهدات متّفق عليها منذ عقود.

الملكة زنوبيا كما تصورها الرسام الإنجليزي هربرت جوستاف شمالتس سنة 1888.

ويمكن القول إنّ الحملة الفارسية للإمبراطور يوليان (331-363م) شكّلت منعطفًا في العلاقة بين العرب البدو (السراسين) والروم، فقد انتهت بكارثة عسكرية، وقتل الإمبراطور على يد أحد الشيوخ العرب المشاركين في الحملة، وتمّ كيل الاتهامات لهؤلاء "السراسين" بالغدر والخيانة من جانب بعض الخطباء والمؤرّخين الرومان، متناسين أنّ سبب هذه الكارثة هو سوء تقدير الإمبراطور القادم من الغرب، والذي لا يعرف شيئًا عن الشرق وتعقيداته، فسحب الامتيازات من الحلفاء العرب، في بعض المصادر، كلّفه حياته، وقد يكون ارتداد الإمبراطور عن المسيحية، ومجاهرته بالدفاع عن الوثنية، سببًا إضافيًا للتخلّص منه بحسب مصادر أخرى.

في هذه الأثناء؛ بدأت تظهر أهمّية العامل الديني في العلاقات السياسية والعسكرية بين الطرفين، وهذا العامل شكّل الشرارة لثورة الملكة العربية ماوية ضدّ الإمبراطور فالانس، حين حاول أن يفرض على العرب أسقفًا من غير ملّتهم العربية، ومن غير مذهبهم الديني الأرثوذوكسي، لذلك حظيت أخبار هذه الثورة باهتمام المؤرّخين الكنسيين، سوزومين، وسقراط سكولاستيكوس، وثيودوريت، وروفينوس الذي أخذ أخباره من كتابات جيلاسيوس القيصري المعاصر للأحداث، بينما حظيت أخبار بطولات العرب في الدفاع عن القسطنطينية باهتمام المؤرّخين الوثنيين أمياني مارسليني، وزوسيموس.

 

العامل الديني

 

يجمع المؤرّخون الكنسيون الذين كتبوا عن الملكة ماوية على أنّ سبب ثورتها المباشر كان دينيًّا، ومرتبطًا بقرار الإمبراطور الأريوسي المتعصّب فالانس (329-378م) بتعيين أسقف من مذهبه للعرب، متجاهلًا طلبات الملكة ماوية المتكرّرة، بتعيين أسقف عربي من المذهب الأرثوذوكسي يدعى موسى. وبعد أن يئست الملكة من استجابة الإمبراطور لطلبها، انسحبت مع شعبها من قنسرين (شرقي حلب) إلى الصحراء، وجمعت جيوش القبائل من بوادي شبه الجزيرة العربية والشام استعدادًا لقتال الروم البيزنطيين.

وقد روى المؤرّخ سوزيمين تفاصيل الثورة الأولى كما يلي: "في هذه الفترة مات ملك العرب، وانتهى السلام الذي كان قائمًا بين تلك الأمة والرومان. بعد أن وصلت أرملة الملك الراحل إلى حكم شعبها، قادت قواتها إلى فينيقيا وفلسطين، حتى أقاليم مصر التي تقع على يسار الذين يبحرون باتجاه منابع النيل، والتي تصنّف أيضًا بشكل عامّ بأنّها عربية. لم تكن هذه الحرب بأيّ حال من الأحوال حربًا صغيرة، رغم أنّ من شنّتها امرأة". 

ويتابع سوزيمين: "يقال إنّ الرومان رأوا الأمر شاقًّا وخطيرًا للغاية، إلى درجة أنّ جنرال القوات الرومانية المرابطة في فينيقيا طلب المساعدة من جنرال سلاح الفرسان والمشاة في الشرق بأكمله. هذا الأخير سخر من الاستدعاء، وتعهد بخوض المعركة بمفرده، وبناءً على ذلك هاجم ماوية (يسميها خطأ مانيا)، التي كانت تقود قواتها بنفسها؛ وقد تمّ إنقاذه بصعوبة على يد جنرالات الجيوش الرومانية في فلسطين وفينيقيا.

إدراكًا منه لخطورة الأمر، عدّ هذا الجنرال أنّه من غير الضروري إطاعة الأوامر التي تلقاها للابتعاد عن القتال؛ لذلك اندفع إلى السراسين "العرب"، وأتاح لرئيسه فرصة للتراجع الآمن، بينما هو نفسه سقط على الأرض، وأطلق السهام على من فرّوا، وأمر بضرب السهام أيضًا على الأعداء الذين كانوا يحاصرونه.

تحول هذا الحدث إلى مناسبة يحتفل بذكراها أهل البلاد "فينيقيا وفلسطين"، كما يحتفل بها العرب البدو بترداد الأغاني التي تخلدها. 

قطعة نقدية تصور الإمبراطور الروماني فالانس الذي حكم القسطنطينية بين سنتي 364 و378م.

ومع تواصل الحرب بقوة وجد الرومان أنّه من الضروري إرسال سفارة إلى ماوية لطلب السلام، ويقال إنّها رفضت الانصياع لطلب تلك السفارة، ما لم تتمّ الموافقة على رسامة رجل معين اسمه موسى، مارس الفلسفة في صحراء مجاورة، أسقفًا على رعاياها. وكان موسى هذا رجلًا فاضلًا، ومشهورًا بأداء الآيات الإلهية والمعجزات! 

بناءً على هذه الشروط التي نقلت للإمبراطور، أُمر قادة الجيش بإحضار الراهب موسى إلى بطريرك الإسكندرية الأريوسي لوسيوس آريان، فهتف الراهب أمام الرؤساء والجمهور: "لست مستحقًّا لشرف أن أحمل اسم وكرامة رئيس الكهنة؛ ولكن على الرغم من عدم أهليتي، فإنّ الله قد وجهني إلى هذا المنصب، لذلك فإنّني أُشهِدُ من خلق السماوات والأرض بأنّني لن أرسم بيدي لوسيوس الملوثتين بدماء الرجال القديسين".

ردّ لوسيوس على الفور: "إذا لم تكن على دراية بطبيعة عقيدتي فأنت مخطئ في الحكم عليّ، قبل أن تكون في حوزتك جميع ملابسات القضية. إذا كنت قد تعرّضت للتضليل بسبب الافتراءات التي يتمّ تداولها ضدّي فاسمح لي على الأقلّ أن أوضّح لك ما هي آرائي".

قال له موسى: "إيمانك معروف لديّ، وأفكارك شهد على طبيعتها الأساقفة، والكهنة، والشمامسة الذين يعانون معاناة شديدة في المنفى وفي المناجم. من الواضح أنّ أفكارك تتعارض مع إيمان المسيح وجميع العقائد الأرثوذكسية المتعلّقة باللاهوت".

وبعد أن احتجّ مرة أخرى، بعد القسم، بأنّه لن يقبل برسامة لوسيوس، ذهب إلى العرب، وصالحهم مع الرومان، وحوَّل الكثيرين إلى المسيحية، ومات بينهم كاهنًا، رغم أنّه وجد قلّة ممّن شاركوه في إيمانه".

 

الانتصار الأول

 

بناء على ما ورد في نصوص المؤرّخين يتّضح لنا أنّ الثورة بدأت في العام 377م، وربما استمرّت حتى بداية عام 378م، وأنّ الملكة ماوية بدأت بمهاجمة المواقع الرومانية الضعيفة، وامتدّت غاراتها إلى عمق فلسطين، وصولًا إلى مصر حتى نهر النيل. كان لهذه الغارات تأثير مميت على الرومان الذين لم يكونوا قادرين على الوقوف بوجه قوات ماوية، ذات الحركة السريعة. إذ كانت الاستراتيجيات القتالية الرومانية في الشرق موجهة نحو الفرس "جيش مجهّز مقابل جيش مجهز"، والتكتيكات القتالية في هذا النوع من المواجهات محدودة. 

على عكس الجيش التدمري المجهّز على الطريقة الرومانية، كانت قوات ماوية قادرة على الانسحاب إلى عمق الصحراء، مفوّتة على الرومان فرصة المواجهة المباشرة. لذلك هُزمت القوات الرومانية التي تعاملت باستخفاف مع المهاجمين العرب. ولم يتوقّف الأمر عند حرب الصحراء المفتوحة بل وصل إلى البلدات الريفية أيضًا، والتي شاركت في القتال ضدّ الرومان، لأنّها حرب دارت على أسس دينية. فممّا لا شكّ فيه أنّ الاضطهاد الذي بدأه الامبراطور فالانس طال الكثير من رجال الدين الأرثوذوكس من أبناء مدن وأرياف فينيقيا وفلسطين، جزء مهم منهم كان من العرب الفلاحين، لذلك كان متوقّعًا تحالفهم وتعاطفهم مع الثورة، حتى بدا الأمر وكأنّ الشرق كلّه قد ينفصل تحت حكم الملكة ماوية وعربها.

 

الانتصار الثاني والمعاهدة

 

بناء على ذلك أرسلت القسطنطينية قوة أخرى، وهذه المرة بقيادة القائد العسكري الروماني للشرق. والتقت القوتان في معركة كبيرة تولت الملكة ماوية قيادتها بنفسها. ومرة أخرى أثبتت القوات البدوية أنّها تسيطر على الموقف، وتمتلك طرق القتال التقليدية الخاصّة بها، وثبت أنّ الجمع بين الانضباط القوي، والقدرة على المناورة السريعة لسلاح الفرسان والرماح الطويلة، هو الموت الزؤام للقوات الرومانية. وكانت النتيجة هزيمة الرومان البيزنطيين مرة أخرى.

مصطلح "السراسين" كان يعني في فترة ما قبل الإسلام القبائل العربية البدوية تحديداً، وبعد الإسلام أصبح يعني المسلمين بالعموم. رسم لمجموعة من العرب السراسين كما تصورهم الرسام الهولندي ارهارد رويش في القرن 15.

هذه المرة لم يكن لدى روما إمبراطور مثل أورليان لحشد هجوم مضادّ قوي، علمًا أنّ أورليان لم يكن قادرًا على إخماد ثورة زنوبيا إلّا بمساعدة التنوخيين، وهذه المرة المواجهة مع التنوخيين أنفسهم، فلم يكن أمام فالانس سوى طلب السلام .وهكذا، بعد أن فرضت ماوية شروط الحرب، فرضت أيضًا شروط السلام، ونجحت في فرض أسقف من أبناء شعبها، ومن مذهبها، ولم يكن أمام الأريوسيين سوى القبول، فعُيِّن موسى حسب الأصول كأول أسقف من العرب وللعرب، وبدأت ملامح الكنيسة العربية بالتبلور، وبدأت تستقطب المزيد من المؤمنين من زعماء القبائل وجمهور المؤمنين.

 

الدفاع عن القسطنطينية


لا شكّ في أنّ المعاهدة بين السراسين والبيزنطيين قد جدّدت بعد هذا النصر، وعادت الامتيازات التي كان يتمتّع بها العرب من جديد، ولتدعيم التحالف وإعلان نهاية الحرب تزوجت الأميرة قصيدة (Chasidat)، ابنة الملكة ماوية من ضابط روماني كبير يدعى فيكتور، يبدو أنّه كان يتبع نفس العقيدة التي كان يؤمن بها عرب ماوية.

ووفقًا للمعاهدة كان على العرب تزويد الرومان بمقاتلين أمام أيّ خطر خارجي يتعرّضون له، فأرسلت الملكة ماوية فرسانًا من حملة الرماح الطويلة، إلى جانب الرومان في حربهم الكارثية ضدّ القبائل السكيثية التي كانت تهدّد القسطنطينية.

امتدح المؤرّخ زوسيموس مشاركة العرب في معركة الدفاع عن القسطنطينية، فقال: إنّ الإمبراطور فالانس بعد أن علم بنهب السكيثيين لتراقيا، قرّر إرسال قوات اصطحبها معه من الشرق، وكانوا من الفرسان المجيدين الخبراء. بعد أن تلقّى هؤلاء أوامر من الإمبراطور، غادروا القسطنطينية في مفارز صغيرة، وقتلوا السكيثيين برماحهم الطويلة، وكانوا يجلبون رؤوسهم إلى المدينة كلّ يوم. ونظرًا لأنّ كتائب خيولهم، وقوة رماحهم، جعلت السكيثيين يؤمنون بأنّه من الصعب التغلّب على هؤلاء العرب، لذا حاولوا مواجهتهم بالحيلة. لقد زرعوا كمائن من ثلاثة سكيثيين للعربي الواحد؛ ولكن العرب أحبطوا هذه المخطّطات، وتمكّنوا بفضل سرعة خيولهم من الفرار بسهولة، كلما لاحظوا اقتراب عدد كبير من السكيثيين. هكذا ألحق العرب برماحهم الهزيمة والخراب بالسكيثيين. بعد أن بلغ بهم اليأس من تحقيق من الانتصار مبلغًا، فضلوا عبور نهر إيستر وتسليم أنفسهم للهون، على الموت برماح العرب، وعندما غادروا جميع الأماكن القريبة من القسطنطينية، استطاع الإمبراطور أن يسحب جيشه".

 

مطاردة البرابرة

 

بعد أن لاذ المهاجمون بالفرار؛ يبدو أنّ الامبراطور فالانس تشجّع، وقرّر ملاحقتهم والقضاء عليهم، ولكنّه قتل في معركة هدريانوبل، "شمالي أدرنة في تركيا الحالية بالقرب من الحدود مع اليونان وبلغاريا"، فقرّر البرابرة السكيثيون القيام بهجمة مرتدّة، ولكن العرب منعوهم من احتلال القسطنطيني".

لم يكم أمام  فالانس سوى طلب السلام. وهكذا، بعد أن فرضت ماوية شروط الحرب، فرضت أيضًا شروط السلام، ونجحت في فرض أسقف من أبناء شعبها، ومن مذهبها.

يقول المؤرّخ أمياني مارسيليني:: "في هذه الأثناء اتّحد القوط مع الهون والآلان، وكلّهم من القبائل الشجاعة المحاربة التي استقطبها القائد القوطي فريتغيرن (Fritigern) إلى جانبه بإغراء المكافآت العظيمة، فقامت بنصب معسكرها بالقرب من بيرنثوس؛ لأنّها تذكرت خسائرها السابقة "المقصود هزيمتها أمام العرب"، فهي لم تجرؤ على الاقتراب من المدينة، أو القيام بأيّ محاولة للاستيلاء عليها؛ ومع ذلك فقد دمّرت، وجرّدت الأرض الخصبة المحيطة بها بالكامل، وقتلت أو جعلت سكانها أسرى. من هنا سارت بسرعة إلى القسطنطينية على شكل كراديس قتالية خوفاً من الكمائن، وقرّرت تجربة كلّ الوسائل للاستيلاء على تلك المدينة اللامعة. لكن بينما أخذتها العزّة بنفسها، ووصلت إلى بوابات المدينة، صدّها الله قبل أن تدخل المدينة، فقد كان العرب لها كجسد واحد بالمرصاد، والعرب مقاتلون تلائمهم المناورات أكثر من المعارك الضارية، وقد تمّ إدخالهم إلى المدينة مؤخّرًا للدفاع عنها؛ وبمجرّد أن رأوا الجيش المهاجم البربري، خرجوا بكلّ جرأة من المدينة لمهاجمته".

 

مقاتل سراسيني انتحاري

 

كان هناك قتال شرس لبعض الوقت، وفي النهاية افترق الجيشان من دون تحقيق نصر. لكن حادثة غريبة وغير مسبوقة أعطت الميزة النهائية لمحاربي الشرق "العرب"، إذ خرج منهم مقاتل بشعر طويل، عاري الجسد باستثناء مئزر حول خصره، وهو يصرخ بصوت أجشّ وحزين، وسحب خنجره، وسقط في وسط المهاجمين القوط، وبعد أن قتل واحدًا منهم، وضع شفتيه على حلقه، وامتصّ دمه، فدبّ الرعب في أوساط البرابرة "من القوط والهون والآلانيين"، من هذا الإعجاز الرائع، ومنذ ذلك الوقت بدأ التردّد والخوف يظهر عليهم. مع مرور الوقت فترت حماستهم، ثمّ بعد تدمير تحصيناتهم التي شيدوها، تكبّدوا خسائر أكبر مما ألحقوها بالمحاصَرين، فرفعوا الحصار، وفرّوا بشكل عشوائي، باتجاه المقاطعات الشمالية التي اجتازوها دون قيود، حتى جبال الألب".

عد نجاح العرب (السراسين) هذا النجاح الباهر في إنقاذ القسطنطينية من الوقوع بيد البرابرة الجرمان والسكيثيين، أصبحوا حجر الزاوية في الدفاع عن بيزنطة في مواجهة هجمات الفرس الساسانيين المتلاحقة، وهؤلاء اضطروا أيضاً للتحالف مع قبائل سراسينية وثنية لمواجهة القبائل المسيحية السراسينية، وهنا برزت فترة الصراع الدامي والطويل المعروف في المصادر العربية باسم حروب الغساسنة والمناذرة.

 

مواضيع ذات صلة:

نساء كرديات سوريات يرتدين الزي التقليدي خلال الاحتفال بـ"يوم اللباس الكردي" في مدينة القامشلي ذات الأغلبية الكردية في محافظة الحسكة شمال شرق سوريا.
نساء كرديات سوريات يرتدين الزي التقليدي خلال الاحتفال بـ"يوم اللباس الكردي" في مدينة القامشلي ذات الأغلبية الكردية في محافظة الحسكة شمال شرق سوريا.

تعرف المجتمعات العربية تنوعاً عرقياً ودينياً فريداً من نوعه، إذ تعيش في المنطقة مجموعات متباينة من العرب والأكراد والتركمان والأمازيغ فضلاً عن طوائف متنوعة من الزرادشتيين والمندائيين والأيزيديين والمسيحيين واليهود الذين يعيشون بجانب المسلمين السنة والشيعة. تميزت تلك المجموعات بأزياء وملابس شعبية متوارثة على مر القرون، حتى دخلت في تشكيل هويتها الجمعية.

ما هي أهم الملابس والأزياء التقليدية المعروفة في المنطقة العربية؟ وكيف ارتبطت تلك الأزياء بالهوية والذاكرة؟

 

العراق والخليج

توجد العديد من الملابس التي ارتبطت ببعض المجموعات العرقية المعروفة في العراق. فعلى سبيل المثال يُعدّ العنصر الكردي أحد المكونات الرئيسة في التركيبة السكانية العراقية، ويتميز الأكراد ببعض الأزياء القومية التي يحرصون على ارتدائها في المناسبات الخاصة.

يمكن تقسيم الزي الذي يلبسه الرجل الكردي إلى نوعين: الأول ويطلق عليه "بشم وبركير" وهو منتشر بشكل واسع بين الكرد في كل من تركيا وسوريا وأجزاء من العراق، ويتألف من قطعتين من اللون ذاته، الجاكيت والسروال، ويكونان فضفاضين، ويُستعمل معهما قماش يُلف على الوسط ويُطلق عليه "شوتك" وغطاء للرأس يسمى "جمداني". تُصنع تلك الأزياء من صوف الخراف والماعز، بشكل عام. وتُلون بالأسود، والأبيض، والأزرق، والبني، والرمادي.

أما النوع الثاني فيُطلق عليه اسم "كورتك وشروال"، ويتكون هو الآخر من قطعتين: جاكيت وسروال، وحزام للوسط مع غطاء للرأس، وهو يستعمل الأقمشة المستعملة في صناعة الملابس الغربية.

 أما المرأة الكردية فيتكون زيها التقليدي من دشداشة طويلة، ذات كمين طويلين يرتبطان بذيلين مخروطيين طويلين أيضاً يسميان في اللغة الكردية بـ"فقيانة". وفي الغالب تخاط هذه الدشداشة من قماش شفاف ذي خيوط حريرية ناعمة الملمس ومطرزة بأنواع مختلفة من المنمنمات. تحت هذه الدشداشة ترتدي المرأة الكردية قميصاً داخلياً رقيقاً وحريرياً، لكنه ذو لون داكن وغير شفاف ليصبح بمثابة خلفية عاكسة للدشداشة الشفافة، أما الجزء العلوي من هذا الزي فإنه مؤلف من سترة قصيرة جداً بلا أكمام.

تعرف بلاد الرافدين أيضاً مجموعة من الأزياء التقليدية التي ارتبطت ببعض المناطق والأقاليم. في كتابه "الملابس الشعبية في العراق"، يسلط الباحث وليد الجادر الضوء على ذلك النوع من الملابس.

يصف الجادر ملابس البدو وسكان الأرياف بالبسيطة. وتتألف في العادة من السروال والدشداشة، ويُرتدى فوقهما العباءة المنسوجة من الوبر، والتي تكون -في أغلب الأحيان- باللونين الأبيض والأسود، بالإضافة إلى الكوفية والعقال المصنوع من الوبر، أما نساء البدو فيرتدين العباءة الصوفية، وفي وسطها حزام صوفي خشن عريض، ويزين نهايته بأهداب أو شراشيب.

يختلف الحال في مناطق البصرة وجنوبي العراق وبعض أنحاء الخليج. ترتدي النساء في تلك الأنحاء "الزي الهاشمي"، وهو عبارة عن ثوب من قماش رقيق جداً وواسع الأكمام والأطراف، يُلون عادة باللون الأسود. ويُحلى بأشكال مرسومة من خيوط الذهب. ويُرتدى في مناسبات الأعياد والاحتفالات، كذلك ترتدي المرأة البصرية العباءة، وكانت تُعرف قديماً بالجزية أو المبرد، وهي تغطي الجسم من الكتف، وتصاحبها "الشيلة" وهي غطاء للشعر ترتديه النساء تحت العباءة.

أيضاً، تُعدّ "الصاية" من الأزياء الشعبية العراقية المشهورة، وتتكون الصاية من ثوب طويل مفتوح من الأمام، وغالباً يكون دون أكمام وهو عبارة عن صدرين وظهر. يلتف صدر الثوب الأيمن على الصدر الأيسر.

في دراسته "الأكسية والألبسة الشعبية في مدينة سامراء خلال القرن العشرين"، يوضح الباحث بكر عبد المجيد محمد بعض الأزياء الفلكلورية التي عُرفت في مناطق وسط العراق، ومنها "الدميري"، وهو لباس خاص بكبار الرجال، يشبه السترة إلا ان ردنيه عريضتان، وفي نهاية كل ردن فتحة بمقدار خمسة عشر سنتمترا. وهو على نوعين: المطرز والعادي بلا تطريز. أما "الزخمة" فهو لباس يشبه السترة إلا إنه من غير أكمام، وفي مقدمته ستة أزرار تكون أشكالها حسب الطلب، فضلاً عن "السروال"، وهو من الملابس الشعبية، ويشبه البنطلون، والعامة من سكان سامراء يسمونه "شروال".

 

مصر

تذكر الباحثة علا الطوخي إسماعيل في دراستها "الأزياء فى الثقافة الشعبية" أن هناك علاقة وطيدة بين الأزياء الشعبية المصرية من جهة، والعادات والتقاليد المتوارثة التي عرفتها حضارة وادي النيل من جهة أخرى.

من هنا، فإن الأزياء الشعبية المصرية صارت أحد العلامات الفارقة في الفلكلور المصري المتوارث على مر القرون.

بشكل عام، تُعرف "الجلابية" باعتبارها الزي المصري التقليدي للرجال في المناطق الريفية في الدلتا والصعيد، وهي عبارة عن رداء طويل وفضفاض له أكمام طويلة، وهي دون ياقة ولها فتحة رقبة مستديرة، وبشق طويل من الأمام بدون أزرار، وتلبس فوقها الشيلان البيضاء والملونة.

في السياق نفسه، يتكون الزي التقليدي للمرأة المصرية من 3 طبقات يسمونه بـ "التزييرة". عرفت الطبقة الأولى باسم "السبلة"، وهي جلابية واسعة وأكمامها طويلة تلبسها المرأة فوق ملابس المنزل كي تغطيها تماماً، والطبقة الثانية قطعة قماش تغطي بها رأسها وأكتافها اسمها "الحبرة". أما القطعة الثالثة فهي "اليشمك"، وكانت تستخدم في إخفاء الوجه، ويغلب الظن أن المصريين استعاروا اليشمك من العثمانيين.

ومن الملاحظات المهمة أن أشكال الأزياء الشعبية المصرية اختلفت من منطقة لأخرى. ففي سيناء تأثرت الملابس بروح البداوة والترحال، ولذلك اعتمد الرجل في ملابسه على الأزياء العربية التقليدية مثل الغترة، والعقال، والبشت، والعباءة، بينما اعتادت المرأة ارتداء ثوب أسود فضفاض طويل محاط بحزام مطرز يحكم منطقة الوسط ويعلو رأسها وشاح أسود أيضاً يغطي جسدها بالكامل مع وجود برقع على الوجه مزين بالحلي.

في محافظة مطروح تأثرت الأزياء الشعبية بنمط الملابس المنتشر في شرقي ليبيا. في هذا السياق، اعتاد الرجال على ارتداء "المَلِف" ويتكون من قطعتين من الصوف المطرز يدوياً، وهو عبارة عن "سدرية"، وهي صدرية بلا أكمام وبلا أزرار وسروال واسع يرتدى تحت الثوب. يختلف الوضع في الإسكندرية والمدن الساحلية في شمالي مصر.

وكان من الشائع أن يرتدي الرجال ملابس الصيادين المكونة من السروال الأسود الفضفاض والقميص الأبيض، فيما اعتادت النساء  ارتداء الجلباب والملاية اللف التي لا تزال تُباع حتى الآن في أسواق بعض الأحياء الشعبية في الإسكندرية.

 

سوريا

يلقي الباحث عبد العزيز حميد صالح الضوء على الملابس التقليدية السورية في كتابه "الأزياء عند العرب عبر العصور المتعاقبة"، فيقول: "يمكن القول إن الأزياء الشعبية التراثية التقليدية في سوريا كانت خلال القرون الثلاثة أو الأربعة الأخيرة منوعة أكثر مما كانت عليه في أي إقليم عربي آخر، فكانت لكل مدينة كبيرة في هذه البلاد ملابسها المتميزة ببعض الخصائص التي قلما نجدها في المدن السورية الأخرى".

بحسب صالح، تتألف الملابس التقليدية السورية الرجالية من القميص والصدرية والسروال فضلاً عن مجموعة مختلفة من أغطية الرأس التي تتباين أشكالها من مدينة إلى أخرى، وفي العادة، يُلون القميص باللون الأبيض، ويكون قصيراً، وبكمين طويلين يصلان إلى مفرق الرسغ. أما السروال فيكون فضفاضاً في الأعلى وضيقاً في الأسفل، فيما تتألف الصدرية من رداء قصير مفتوح من جهته الأمامية، يغطي الصدر والظهر فقط، وغالباً ما تُصنع الصدرية من قماش قطني أو من الحرير في موسم الصيف، ومن الجوخ الأسود أو الأزرق في موسم الشتاء بالنسبة للأغنياء.

من جهة أخرى، تتنوع الملابس الفلكلورية النسائية في سوريا وتتباين من منطقة لأخرى من حيث الألوان،وطرق الزخرفة والتطريز.

من الملاحظات المهمة أيضاً، أن الأزياء النسائية عبرت عن بعض الأوضاع الاجتماعية والحضارية، فعلى سبيل المثال، اعتادت المرأة المتزوجة في دمشق  ارتداء غطاء للرأس يعرف بـ "البخنق" وهو عبارة عن قطعة قماش سوداء رقيقة تغطي بها المرأة عنقها وصدرها، في حين اعتادت النساء الريفيات ارتداء غطاء رأس مختلف يعرف بـ "البرقع".

وفي السنوات السابقة، حظيت الملابس التقليدية بسوريا بقدر وافر من الاهتمام. في يوليو 2008، أُقيم معرض للأزياء الشعبية في إدلب.

وفي يوليو 2019، تم تنظيم المهرجان السنوي الأول للأزياء الفلكلورية في الحسكة شمال شرقي سوريا، عُرضت فيه نماذج متباينة من الأزياء التقليدية التي تنتمي للكرد والعرب والسريان والشركس.

 

الدول المغاربية

تعرف الدول العربية المغاربية تنوعاً كبيراً في أزيائها التقليدية. ففي تونس، توجد "الجبة"، وهي عبارة عن سترة طويلة دون أكمام يتم ارتداؤها فوق قميص وسترة وبنطال فضفاض. و"البرنس" ويشبه العباءة الطويلة والفضفاضة ولكنه دون أكمام.

و"الملية أو الحِرام" وهو الزي الشعبي الذي ترتديه العرائس في الجنوب الشرقي التونسي، و"السفساري" وهو عباءة بيضاء اللون، بشكل عام، تحتفي تونس بأزيائها الفلكلورية، وتخصص الدولة السادس عشر من مارس فى كل عام لإحياء اليوم الوطني للملابس التقليدية.

على الجانب الآخر، تشترك كل من الجزائر والمغرب في العديد من الأزياء التقليدية المعروفة. منها على سبيل المثال، "الكندورة"، وهو لباس فضفاض وقصير، بأكمام قصيرة، يرتديه الرجال في فصل الصيف عادة، و"القفطان" الذي تعود أصوله إلى القرن الثاني عشر ميلادي. ويتميز بالتطريز اليدوي كالرباطي نسبة إلى مدينة الرباط أو الفاسي نسبة إلى فاس في المغرب، كما أنه ينتشر في الجزائر أيضا.

هذا، فضلاً عن "الملحفة" التي ترتديها النساء في المنطقة الصحراوية في البلدين، وهي عبارة عن ثوب واحد طويل. وتلتف حول الجسد بعد أن يتم ربطها عند الكتفين، وتتباين أشكالها من حيث الألوان والزركشة.

بشكل عام، ارتبطت العديد من الأزياء التقليدية المغاربية بإثارة الجدل. ومنها لباس "الحايك" الذي يرجع إلى أصول أندلسية قديمة، وينتشر في مناطق مختلفة من المغرب والجزائر.

في الحقبة الاستعمارية، ارتبط الحايك برمزية وطنية، وقد  كانت النساء تخبئن تحته الأسلحة لتوصيلها للمقاومين. وفي مارس 2023، تسبب الحايك في إثارة الجدل بين المغرب والجزائر على مواقع التواصل الاجتماعي، ووقع ذلك عندما تجولت مجموعة من النساء المغربيات في مدينة طنجة وهن يرتدين الحايك للاحتفال بعيد المرأة، وأثار ذلك غضب الجزائريين، الذين رأوا أن "وسائل الإعلام المغربية نسبت ثوب الحايك للمغرب"، وهو برأيهم "ليس منها".

في السياق نفسه، تسبب "القفطان" في إثارة مشكلة إعلامية كبيرة بين المغرب والجزائر، وذلك بعدما صرح وزير الثقافة الجزائري الأسبق، عز الدين ميهوبي، بأن الجزائر ستتقدم بملف لمنظمة اليونسكو لإدراج القفطان لباسا تقليديا جزائريا محضا، ما أثار غضب المغرب التي تعتبر أن لها أيضاً دورا في إخراج زي القفطان إلى العالمية.