قادت الملكة ماوية حربا شرسة ضد الرومان انتهت بتوقيع اتفاقية سلام مع الإمبراطور الروماني فالانس.
قادت الملكة ماوية حربا شرسة ضد الرومان انتهت بتوقيع اتفاقية سلام مع الإمبراطور الروماني فالانس.

تعرف القراء العرب على "ماوية ملكة السراسين" خلال النصف الثاني من القرن العشرين، بفضل مقالات وفصول في كتب، كان للمؤرخين نقولا زيادة وجواد علي الفضل الأبرز فيها. ومصطلح "السراسين" كان يعني عند الأوروبيين في فترة ما قبل الإسلام القبائل العربية البدوية تحديداً، وبعد الإسلام أصبح يعني المسلمين بالعموم. 

مما لا شك فيه؛ أن النزعات القومية واليسارية العربية التي كانت سائدة خلال حقبة الخمسينات والستينات من القرن العشرين، ساهمت في تأطير شخصية الملكة ماوية ضمن إطار إيديولوجي يزعم أنها كانت تناضل ضد "الاستعمار الروماني"، ولذلك لم يتعرف القراء العرب بشكل واضح على نتائج المعركة الثانية للملكة ضد قوات الامبراطور فالانس، وماذا حل بجيشها، بعد تجديد الاتفاقية القديمة مع الروم البيزنطيين، وإضافة فقرات جديدة يعترف فيها البيزنطيون بحقوق قومها، الدينية وربما التجارية، نظراً لتحكم شعب ماوية بأهم محطات التجارة والتواصل بين الهند والجزيرة العربية من جهة، وبين أراضي الإمبراطورية البيزنطية من جهة أخرى، وهو ما سنضيء عليه في هذا المقال.

 

أهمية المقاتل الصحراوي

 

بعد هزيمة ملكة تدمر زنوبيا أمام أورليان في العام 273م، اتضح للرومان ومن بعدهم البيزنطيين الدور المحوري للقبائل العربية (السراسين) في حروبهم مع أعدائهم الفرس الساسانيين، والتي كانت تتم في مناطق صحراوية في أغلب الأحيان. وقد لعب اعتناق القبائل العربية الشامية للمسيحية الدور الأبرز في هذا التحالف، ولذلك بدأت تظهر المشيخات الفيدرالية العربية المتحالفة مع أباطرة بيزنطة والتي كان شيوخها وملوكها يحملون لقب "فيلارخ"، حيث تولوا مهمة حماية مناطق التخوم "الليميس" مع الفرس، وتأمين طرق التجارة، مقابل عائدات كبيرة كانوا يجنونها وفق معاهدات متّفق عليها منذ عقود.

الملكة زنوبيا كما تصورها الرسام الإنجليزي هربرت جوستاف شمالتس سنة 1888.

ويمكن القول إنّ الحملة الفارسية للإمبراطور يوليان (331-363م) شكّلت منعطفًا في العلاقة بين العرب البدو (السراسين) والروم، فقد انتهت بكارثة عسكرية، وقتل الإمبراطور على يد أحد الشيوخ العرب المشاركين في الحملة، وتمّ كيل الاتهامات لهؤلاء "السراسين" بالغدر والخيانة من جانب بعض الخطباء والمؤرّخين الرومان، متناسين أنّ سبب هذه الكارثة هو سوء تقدير الإمبراطور القادم من الغرب، والذي لا يعرف شيئًا عن الشرق وتعقيداته، فسحب الامتيازات من الحلفاء العرب، في بعض المصادر، كلّفه حياته، وقد يكون ارتداد الإمبراطور عن المسيحية، ومجاهرته بالدفاع عن الوثنية، سببًا إضافيًا للتخلّص منه بحسب مصادر أخرى.

في هذه الأثناء؛ بدأت تظهر أهمّية العامل الديني في العلاقات السياسية والعسكرية بين الطرفين، وهذا العامل شكّل الشرارة لثورة الملكة العربية ماوية ضدّ الإمبراطور فالانس، حين حاول أن يفرض على العرب أسقفًا من غير ملّتهم العربية، ومن غير مذهبهم الديني الأرثوذوكسي، لذلك حظيت أخبار هذه الثورة باهتمام المؤرّخين الكنسيين، سوزومين، وسقراط سكولاستيكوس، وثيودوريت، وروفينوس الذي أخذ أخباره من كتابات جيلاسيوس القيصري المعاصر للأحداث، بينما حظيت أخبار بطولات العرب في الدفاع عن القسطنطينية باهتمام المؤرّخين الوثنيين أمياني مارسليني، وزوسيموس.

 

العامل الديني

 

يجمع المؤرّخون الكنسيون الذين كتبوا عن الملكة ماوية على أنّ سبب ثورتها المباشر كان دينيًّا، ومرتبطًا بقرار الإمبراطور الأريوسي المتعصّب فالانس (329-378م) بتعيين أسقف من مذهبه للعرب، متجاهلًا طلبات الملكة ماوية المتكرّرة، بتعيين أسقف عربي من المذهب الأرثوذوكسي يدعى موسى. وبعد أن يئست الملكة من استجابة الإمبراطور لطلبها، انسحبت مع شعبها من قنسرين (شرقي حلب) إلى الصحراء، وجمعت جيوش القبائل من بوادي شبه الجزيرة العربية والشام استعدادًا لقتال الروم البيزنطيين.

وقد روى المؤرّخ سوزيمين تفاصيل الثورة الأولى كما يلي: "في هذه الفترة مات ملك العرب، وانتهى السلام الذي كان قائمًا بين تلك الأمة والرومان. بعد أن وصلت أرملة الملك الراحل إلى حكم شعبها، قادت قواتها إلى فينيقيا وفلسطين، حتى أقاليم مصر التي تقع على يسار الذين يبحرون باتجاه منابع النيل، والتي تصنّف أيضًا بشكل عامّ بأنّها عربية. لم تكن هذه الحرب بأيّ حال من الأحوال حربًا صغيرة، رغم أنّ من شنّتها امرأة". 

ويتابع سوزيمين: "يقال إنّ الرومان رأوا الأمر شاقًّا وخطيرًا للغاية، إلى درجة أنّ جنرال القوات الرومانية المرابطة في فينيقيا طلب المساعدة من جنرال سلاح الفرسان والمشاة في الشرق بأكمله. هذا الأخير سخر من الاستدعاء، وتعهد بخوض المعركة بمفرده، وبناءً على ذلك هاجم ماوية (يسميها خطأ مانيا)، التي كانت تقود قواتها بنفسها؛ وقد تمّ إنقاذه بصعوبة على يد جنرالات الجيوش الرومانية في فلسطين وفينيقيا.

إدراكًا منه لخطورة الأمر، عدّ هذا الجنرال أنّه من غير الضروري إطاعة الأوامر التي تلقاها للابتعاد عن القتال؛ لذلك اندفع إلى السراسين "العرب"، وأتاح لرئيسه فرصة للتراجع الآمن، بينما هو نفسه سقط على الأرض، وأطلق السهام على من فرّوا، وأمر بضرب السهام أيضًا على الأعداء الذين كانوا يحاصرونه.

تحول هذا الحدث إلى مناسبة يحتفل بذكراها أهل البلاد "فينيقيا وفلسطين"، كما يحتفل بها العرب البدو بترداد الأغاني التي تخلدها. 

قطعة نقدية تصور الإمبراطور الروماني فالانس الذي حكم القسطنطينية بين سنتي 364 و378م.

ومع تواصل الحرب بقوة وجد الرومان أنّه من الضروري إرسال سفارة إلى ماوية لطلب السلام، ويقال إنّها رفضت الانصياع لطلب تلك السفارة، ما لم تتمّ الموافقة على رسامة رجل معين اسمه موسى، مارس الفلسفة في صحراء مجاورة، أسقفًا على رعاياها. وكان موسى هذا رجلًا فاضلًا، ومشهورًا بأداء الآيات الإلهية والمعجزات! 

بناءً على هذه الشروط التي نقلت للإمبراطور، أُمر قادة الجيش بإحضار الراهب موسى إلى بطريرك الإسكندرية الأريوسي لوسيوس آريان، فهتف الراهب أمام الرؤساء والجمهور: "لست مستحقًّا لشرف أن أحمل اسم وكرامة رئيس الكهنة؛ ولكن على الرغم من عدم أهليتي، فإنّ الله قد وجهني إلى هذا المنصب، لذلك فإنّني أُشهِدُ من خلق السماوات والأرض بأنّني لن أرسم بيدي لوسيوس الملوثتين بدماء الرجال القديسين".

ردّ لوسيوس على الفور: "إذا لم تكن على دراية بطبيعة عقيدتي فأنت مخطئ في الحكم عليّ، قبل أن تكون في حوزتك جميع ملابسات القضية. إذا كنت قد تعرّضت للتضليل بسبب الافتراءات التي يتمّ تداولها ضدّي فاسمح لي على الأقلّ أن أوضّح لك ما هي آرائي".

قال له موسى: "إيمانك معروف لديّ، وأفكارك شهد على طبيعتها الأساقفة، والكهنة، والشمامسة الذين يعانون معاناة شديدة في المنفى وفي المناجم. من الواضح أنّ أفكارك تتعارض مع إيمان المسيح وجميع العقائد الأرثوذكسية المتعلّقة باللاهوت".

وبعد أن احتجّ مرة أخرى، بعد القسم، بأنّه لن يقبل برسامة لوسيوس، ذهب إلى العرب، وصالحهم مع الرومان، وحوَّل الكثيرين إلى المسيحية، ومات بينهم كاهنًا، رغم أنّه وجد قلّة ممّن شاركوه في إيمانه".

 

الانتصار الأول

 

بناء على ما ورد في نصوص المؤرّخين يتّضح لنا أنّ الثورة بدأت في العام 377م، وربما استمرّت حتى بداية عام 378م، وأنّ الملكة ماوية بدأت بمهاجمة المواقع الرومانية الضعيفة، وامتدّت غاراتها إلى عمق فلسطين، وصولًا إلى مصر حتى نهر النيل. كان لهذه الغارات تأثير مميت على الرومان الذين لم يكونوا قادرين على الوقوف بوجه قوات ماوية، ذات الحركة السريعة. إذ كانت الاستراتيجيات القتالية الرومانية في الشرق موجهة نحو الفرس "جيش مجهّز مقابل جيش مجهز"، والتكتيكات القتالية في هذا النوع من المواجهات محدودة. 

على عكس الجيش التدمري المجهّز على الطريقة الرومانية، كانت قوات ماوية قادرة على الانسحاب إلى عمق الصحراء، مفوّتة على الرومان فرصة المواجهة المباشرة. لذلك هُزمت القوات الرومانية التي تعاملت باستخفاف مع المهاجمين العرب. ولم يتوقّف الأمر عند حرب الصحراء المفتوحة بل وصل إلى البلدات الريفية أيضًا، والتي شاركت في القتال ضدّ الرومان، لأنّها حرب دارت على أسس دينية. فممّا لا شكّ فيه أنّ الاضطهاد الذي بدأه الامبراطور فالانس طال الكثير من رجال الدين الأرثوذوكس من أبناء مدن وأرياف فينيقيا وفلسطين، جزء مهم منهم كان من العرب الفلاحين، لذلك كان متوقّعًا تحالفهم وتعاطفهم مع الثورة، حتى بدا الأمر وكأنّ الشرق كلّه قد ينفصل تحت حكم الملكة ماوية وعربها.

 

الانتصار الثاني والمعاهدة

 

بناء على ذلك أرسلت القسطنطينية قوة أخرى، وهذه المرة بقيادة القائد العسكري الروماني للشرق. والتقت القوتان في معركة كبيرة تولت الملكة ماوية قيادتها بنفسها. ومرة أخرى أثبتت القوات البدوية أنّها تسيطر على الموقف، وتمتلك طرق القتال التقليدية الخاصّة بها، وثبت أنّ الجمع بين الانضباط القوي، والقدرة على المناورة السريعة لسلاح الفرسان والرماح الطويلة، هو الموت الزؤام للقوات الرومانية. وكانت النتيجة هزيمة الرومان البيزنطيين مرة أخرى.

مصطلح "السراسين" كان يعني في فترة ما قبل الإسلام القبائل العربية البدوية تحديداً، وبعد الإسلام أصبح يعني المسلمين بالعموم. رسم لمجموعة من العرب السراسين كما تصورهم الرسام الهولندي ارهارد رويش في القرن 15.

هذه المرة لم يكن لدى روما إمبراطور مثل أورليان لحشد هجوم مضادّ قوي، علمًا أنّ أورليان لم يكن قادرًا على إخماد ثورة زنوبيا إلّا بمساعدة التنوخيين، وهذه المرة المواجهة مع التنوخيين أنفسهم، فلم يكن أمام فالانس سوى طلب السلام .وهكذا، بعد أن فرضت ماوية شروط الحرب، فرضت أيضًا شروط السلام، ونجحت في فرض أسقف من أبناء شعبها، ومن مذهبها، ولم يكن أمام الأريوسيين سوى القبول، فعُيِّن موسى حسب الأصول كأول أسقف من العرب وللعرب، وبدأت ملامح الكنيسة العربية بالتبلور، وبدأت تستقطب المزيد من المؤمنين من زعماء القبائل وجمهور المؤمنين.

 

الدفاع عن القسطنطينية


لا شكّ في أنّ المعاهدة بين السراسين والبيزنطيين قد جدّدت بعد هذا النصر، وعادت الامتيازات التي كان يتمتّع بها العرب من جديد، ولتدعيم التحالف وإعلان نهاية الحرب تزوجت الأميرة قصيدة (Chasidat)، ابنة الملكة ماوية من ضابط روماني كبير يدعى فيكتور، يبدو أنّه كان يتبع نفس العقيدة التي كان يؤمن بها عرب ماوية.

ووفقًا للمعاهدة كان على العرب تزويد الرومان بمقاتلين أمام أيّ خطر خارجي يتعرّضون له، فأرسلت الملكة ماوية فرسانًا من حملة الرماح الطويلة، إلى جانب الرومان في حربهم الكارثية ضدّ القبائل السكيثية التي كانت تهدّد القسطنطينية.

امتدح المؤرّخ زوسيموس مشاركة العرب في معركة الدفاع عن القسطنطينية، فقال: إنّ الإمبراطور فالانس بعد أن علم بنهب السكيثيين لتراقيا، قرّر إرسال قوات اصطحبها معه من الشرق، وكانوا من الفرسان المجيدين الخبراء. بعد أن تلقّى هؤلاء أوامر من الإمبراطور، غادروا القسطنطينية في مفارز صغيرة، وقتلوا السكيثيين برماحهم الطويلة، وكانوا يجلبون رؤوسهم إلى المدينة كلّ يوم. ونظرًا لأنّ كتائب خيولهم، وقوة رماحهم، جعلت السكيثيين يؤمنون بأنّه من الصعب التغلّب على هؤلاء العرب، لذا حاولوا مواجهتهم بالحيلة. لقد زرعوا كمائن من ثلاثة سكيثيين للعربي الواحد؛ ولكن العرب أحبطوا هذه المخطّطات، وتمكّنوا بفضل سرعة خيولهم من الفرار بسهولة، كلما لاحظوا اقتراب عدد كبير من السكيثيين. هكذا ألحق العرب برماحهم الهزيمة والخراب بالسكيثيين. بعد أن بلغ بهم اليأس من تحقيق من الانتصار مبلغًا، فضلوا عبور نهر إيستر وتسليم أنفسهم للهون، على الموت برماح العرب، وعندما غادروا جميع الأماكن القريبة من القسطنطينية، استطاع الإمبراطور أن يسحب جيشه".

 

مطاردة البرابرة

 

بعد أن لاذ المهاجمون بالفرار؛ يبدو أنّ الامبراطور فالانس تشجّع، وقرّر ملاحقتهم والقضاء عليهم، ولكنّه قتل في معركة هدريانوبل، "شمالي أدرنة في تركيا الحالية بالقرب من الحدود مع اليونان وبلغاريا"، فقرّر البرابرة السكيثيون القيام بهجمة مرتدّة، ولكن العرب منعوهم من احتلال القسطنطيني".

لم يكم أمام  فالانس سوى طلب السلام. وهكذا، بعد أن فرضت ماوية شروط الحرب، فرضت أيضًا شروط السلام، ونجحت في فرض أسقف من أبناء شعبها، ومن مذهبها.

يقول المؤرّخ أمياني مارسيليني:: "في هذه الأثناء اتّحد القوط مع الهون والآلان، وكلّهم من القبائل الشجاعة المحاربة التي استقطبها القائد القوطي فريتغيرن (Fritigern) إلى جانبه بإغراء المكافآت العظيمة، فقامت بنصب معسكرها بالقرب من بيرنثوس؛ لأنّها تذكرت خسائرها السابقة "المقصود هزيمتها أمام العرب"، فهي لم تجرؤ على الاقتراب من المدينة، أو القيام بأيّ محاولة للاستيلاء عليها؛ ومع ذلك فقد دمّرت، وجرّدت الأرض الخصبة المحيطة بها بالكامل، وقتلت أو جعلت سكانها أسرى. من هنا سارت بسرعة إلى القسطنطينية على شكل كراديس قتالية خوفاً من الكمائن، وقرّرت تجربة كلّ الوسائل للاستيلاء على تلك المدينة اللامعة. لكن بينما أخذتها العزّة بنفسها، ووصلت إلى بوابات المدينة، صدّها الله قبل أن تدخل المدينة، فقد كان العرب لها كجسد واحد بالمرصاد، والعرب مقاتلون تلائمهم المناورات أكثر من المعارك الضارية، وقد تمّ إدخالهم إلى المدينة مؤخّرًا للدفاع عنها؛ وبمجرّد أن رأوا الجيش المهاجم البربري، خرجوا بكلّ جرأة من المدينة لمهاجمته".

 

مقاتل سراسيني انتحاري

 

كان هناك قتال شرس لبعض الوقت، وفي النهاية افترق الجيشان من دون تحقيق نصر. لكن حادثة غريبة وغير مسبوقة أعطت الميزة النهائية لمحاربي الشرق "العرب"، إذ خرج منهم مقاتل بشعر طويل، عاري الجسد باستثناء مئزر حول خصره، وهو يصرخ بصوت أجشّ وحزين، وسحب خنجره، وسقط في وسط المهاجمين القوط، وبعد أن قتل واحدًا منهم، وضع شفتيه على حلقه، وامتصّ دمه، فدبّ الرعب في أوساط البرابرة "من القوط والهون والآلانيين"، من هذا الإعجاز الرائع، ومنذ ذلك الوقت بدأ التردّد والخوف يظهر عليهم. مع مرور الوقت فترت حماستهم، ثمّ بعد تدمير تحصيناتهم التي شيدوها، تكبّدوا خسائر أكبر مما ألحقوها بالمحاصَرين، فرفعوا الحصار، وفرّوا بشكل عشوائي، باتجاه المقاطعات الشمالية التي اجتازوها دون قيود، حتى جبال الألب".

عد نجاح العرب (السراسين) هذا النجاح الباهر في إنقاذ القسطنطينية من الوقوع بيد البرابرة الجرمان والسكيثيين، أصبحوا حجر الزاوية في الدفاع عن بيزنطة في مواجهة هجمات الفرس الساسانيين المتلاحقة، وهؤلاء اضطروا أيضاً للتحالف مع قبائل سراسينية وثنية لمواجهة القبائل المسيحية السراسينية، وهنا برزت فترة الصراع الدامي والطويل المعروف في المصادر العربية باسم حروب الغساسنة والمناذرة.

 

مواضيع ذات صلة:

ث
أرشيفية من لحظة تتويج الرباع العراقي عبد الواحد عزيز بالبرونزية في أولمبياد روما 1960

مع انطلاق أولمبياد باريس يستذكر العراقيون الرباع عبد الواحد عزيز، صاحب الميدالية البرونزية الوحيدة، وأحد الأبطال الذين لقبّوا بـ"قاهري الحديد" في البصرة.

ولد عبد الواحد عزيز عام 1931 في مدينة البصرة الغنية بالنفط والمطلة على الخليج العربي متعددة الأعراق والثقافات. وبحسب السيرة الذاتية التي نشرت على موقع نقابة الرياضيين العراقيين فإن عزيز كان مولعاً بالرياضة، إذ مارس كرة القدم والسلة والطائرة بالإضافة للسباحة قبل أن يستقر على رياضة رفع الأثقال أوائل الخمسينيات في نادي الاتحاد الرياضي.

انتقل للتدريب في نادي الشروق بمنطقة العشار، وهناك تعرف عليه الرباع ورئيس اتحاد الأثقال في البصرة والحكم الدولي السابق عبد الباقي ياسين التميمي الذي تحدث لـ "ارفع صوتك" عن تلك المرحلة الذهبية في حياة الرياضيين العراقيين وطموح الرباعين أن يحصد العراق وساماً ملوناً في رياضة رفع الأثقال.

يروي التميمي: "كانت الرياضة هواية يمارسها أبناء المجتمع البصري بشكل فطري ودون أن تكون هناك رعاية من الدولة لتطوير هذه الألعاب. فكان فعلاً مجتمعياً قائماً على حب الرياضيين لهواياتهم بالدرجة الأولى".

في تلك الفترة برز العديد من الرباعين في البصرة وكان يطلق عليهم اسم "قاهري الحديد" بالإضافة إلى العديد  من الرياضات الفردية، فضهر العديد من الأبطال ونال كثير منهم الألقاب على مستوى العراق والعالم العربي وبطولات آسيا.

ميدالية يتيمة منذ 1960.. ما حظوظ العراق في أولمبياد باريس؟
خوض غمار أولمبياد باريس 2024 لا يختلف عن المشاركات السابقة للعراق والعامل المشترك هو غياب ‏التفاؤل عن بلد ما زال يبحث عن مكان مفقود له في هذه الألعاب التي أحرز فيها ميدالية يتيمة خلال تاريخه، وكانت ‏باللون البرونزي عبر الربّاع الراحل عبد الواحد عزيز في روما 1960.‏

الطريق إلى الأولمبياد

أقيمت أول بطولة نظامية في رفع الاثقال عام 1944 في العاصمة بغداد، وأُسس أول اتحاد لرفع الأثقال رسمياً في 1950، وبعدها بعامين أصبح العراق عضواً في الاتحاد الدولي لرفع الأثقال.

كان للرباع عزيز "مساهمة كبيرة في إبراز رياضة رفع الاثقال التي تفرغ لها كلياً عام 1951"، بحسب التميمي، موضحاً "بدأت داخلياً عندما شارك عزيز بأول بطولة وطنية له في العام ذاته واحتل المركز الثاني في وزن الديك (56 كغم)، وهو الإنجاز الذي كرره في العام التالي. بعدها بعامين ظهر لأول مرة دولياً في دورة الألعاب العربية التي أقيمت في الإسكندرية بمصر عام 1953، بوزن الريشة (60 كغم) آنذاك، وحصل على الميدالية الفضية".

"ومن هناك بدأ عزيز يشق طريقه نحو الأولمبياد التي تُعقد مرة واحدة كل أربعة سنوات، فكان مخلصاً في التدريب تحت إشراف المدرب جميل بطرس وهو واحد من أهم مدربي رياضة رفع الأثقال في البصرة آنذاك"، يتابع التميمي.

كان جميل بطرس موظفاً في مصلحة الموانئ العراقية، فيما كان عزيز موظفاً في دائرة الكهرباء، يصفهما التميمي بقوله "كلاهما كانا مواظبين على التدريب بعد الانتهاء من عملهما في دوائرهما الرسمية، كما كانا يتدربان أيضا في منزلهما المزود بمتطلبات بسيطة للتدريب على رفع الأثقال".

خلال تلك المدة كان التدريب يتكون من ثلاث فقرات وهو الضغط والنتر والخطف، أما حالياً فتم إلغاء الضغط.

ويشرح التميمي الطريقة التي كان يتدرب بها عزيز: "كان مخلصاً في تدريبه لا يتركه ولو ليوم واحد"، معللاً ذلك بأن "رياضة رفع الأثقال قاسية تحتاج إلى تدريب مستمر ونظام غذائي صارم حتى لا يتأثر بارتفاع وانخفاض الوزن خلال المنافسات العربية والدولية". 

ونتيجة لكل ذلك التدريب بدأ عزيز بحصد الميداليات الواحدة تلو الأخرى، بدأت من دورة الألعاب العربية الثانية التي أقيمت في بيروت عام 1957 حيث تمكن عزيز من نيل المركز الأول والميدالية الذهبية في فعالية وزن المتوسط (75 كغم).

وفي العام نفسه أقيمت في طهران بطولة آسيا برفع الأثقال والمتداخلة مع بطولة العالم، شارك فيها بفعالية الوزن الخفيف (67.5 كغم) حيث حصد المركز الأول بمجموع رفعات بلغ (362.5 كغم)، ليكون الرباع الوحيد في آسيا والشرق الأوسط الذي عبر حاجز الـ(360 كغم) ضمن فئة الخفيف.

أما مشاركته الثانية وهي الأبرز فجاءت في العاصمة البولندية وارسو عام 1959 ونال بها المركز الثالث بعد أن قلل من وزنه إلى الوزن الخفيف. حصل على الميدالية البرونزية في بطولة العالم عام 1959 وهو ما جعله منافساً في أولمبياد روما عام 1960.

يقول التميمي إن وصول عزيز للأولمبياد "كان حدثاً عظيماً أثر في جميع اللاعبين وانتظرناه بفارغ الصبر".

هل يحرز العراق الذهب في أولمبياد باريس؟
وتتألف بعثة العراق في أولمبياد باريس 2024 المقرر إجراؤها بين 26 يوليو الجاري و11 أغسطس المقبل، بحسب بيان للجنة الأولمبية العراقية، من 26 رياضياً في ألعاب كرة القدم ورفع الأثقال وألعاب القوى والجودو والسباحة إضافة إلى الإداريين والمدربين والأطباء والمعالجين.

برونزية روما

وصل عبد الواحد عزيز برفقة مدربه جميل بطرس إلى روما، وهناك تمكن من التنافس وكان مرشحاً قوي للحصول على المركز الأول أو الثاني بسبب الأرقام التي حققها برفعه مجموعة قدرها (380 كغم) وهو رقم متساو مع ما حققه اللاعب السنغافوري تان هو ليوانغ، فيما تقدم عليهما السوفيتي يوشو بيف بـ(397.5 كغم).

"بعد التعادل، تقرر بحسب أنظمة ولوائح الأولمبياد في حال التساوي يتم الأخذ بنظر الاعتبار أوزان المتسابقين لتحديد الفائز. لتفصل 400 غرام زيادة في وزن عزيز عن الفضية، فاحتل المركز الثالث وحصل على الميدالية البرونزية.

منذ ذلك الحين، لم يتمكن أي رياضي عراقي من تحقيق ما يوازي هذا الإنجاز، لذلك صار لقب ميداليته "اليتيمة"، وفق عبد الباقي ياسين التميمي.

وعن الجو العام في العراق، يتذكر "كنتُ وبقية الرياضيين خصوصاً الرباعين نتابع  أخبار الأولمبياد عبر الصحف والإذاعة، فلم يكن ممكناً حينها رؤية النقل المباشر للألعاب الرياضية، ورأينا لحظة فوزه في نسخة مسجلة عبر التلفاز".

"كانت فرحة لا يمكن وصفها"، يضيف التميمي، مكملاً "عندما عاد عزيز إلى العراق تم تكريمه باحتفالين متواضعين الأول في بغداد والثاني في محافظة البصرة".

بععد عودته، أعرب عزيز عن دهشته بحجم التطور الرياضي الذي رآه في الألولمبياد وحجم الإمكانيات المتوفرة للاعبين من قبل بلادهم، وكيف أنه ذهب برفقة مدربه فقط، مقارنة بغيره من اللاعبين الذين وصلوا روما برفقة العديد من الأشخاص والمدربين لتهيئتهم من أجل المسابقات.

كان أكثر ما تمناه عزيز للعراقيين، يقول التميمي "توفير الإمكانيات التي توفرها دول العالم المتقدم للاعبيهم في المنافسات" وهو الأمر الذي لم يتحقق.

يوضح "تراجعت رياضة رفع الأثقال كثيراً خصوصاً في البصرة، لظروف كثيرة منها الحروب والأوضاع الأمنية وعدم توفير الدعم".

كذلك، لم يستمر عزيز بعد الأولمبياد في رفع الأثقال فقد عانى من مشاكل صحية لم تسمح له بالبقاء طويلاً في اللعبة، كونها من الألعاب الشاقة. 

توفي عزيز بعمر صغير أوائل الثمانينيات، يقول التميمي، مردفاً "خسرنا بطلاً عراقياً كان يمكن أن تكون له إنجازات كبيرة في عالم التدريب كما كان صاحب الإنجاز الوحيد للعراق في الأولمبياد".

ورغم التراجع الذي تواجهه الرياضات الفردية بشكل عام، إلا أن التميمي يبدو متفائلاً، بقوله "أنظر بأمل كبير إلى رياضة رفع الأثقال لتكون من جديد الرافد الأساسي لميدالية أولمبية جديدة في أولمبياد باريس الحالية، نظراً للأرقام التي حققها المتأهل إلى الأولمبياد الرباع علي عمار، وألا تبقى الميدالية العراقية الوحيدة في الأولمبياد يتيمة".