الكعبة

تسببت الأحداث المثارة على الساحة السياسية -والمجتمعية- في الفترة الأخيرة، في لفت الأنظار إلى أهمية مناقشة موضوع علاقة الإسلام بالآخر. الأمر الذي تسبب -بالتبعية- في ظهور بعض الأسئلة المستفسرة عن سبب ميل تلك العلاقة للعنف، وللشكل العدائي- الصدامي، الذي لا يقبل التهدئة أو المجاملة في أغلب الأحيان.

في الحقيقة، إن القراءة المتأنية لمدونات التاريخ الإسلامي من الممكن أن تقدم الإجابة عن بعض تلك الأسئلة، وأن تكشف لنا عن بعض الجوانب المهمة المُهملة من الصورة الكلية لعلاقة الإسلام المبكر بالآخر الديني. وهو الجزء الذي تم التشويش عليه بفعل الكثير من المؤثرات السياسية والمذهبية، تلك التي تضخمت -شيئًا فشيئًا- عبر القرون، لتؤدي في نهاية الأمر إلى اعتماد نسخة تصادمية من الإسلام، في حين تم إهمال النسخ الأخرى، ونُظر إليها على كونها مجموعة من الشبهات والروايات الضعيفة التي لا يجوز العمل بها، لتُترَك منزويةً منسيةً في بطون الكتب والمتون.

 

إن الدين عند الله الإسلام.. بين التعميم والتخصيص

 

تُعدّ الآية التاسعة عشر من سورة آل عمران "إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ ۗ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ ۗ وَمَن يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ"، واحدةً من بين الأدلة المهمة التي يحتج بها الكثير من المسلمين في سبيل اثبات رأيهم الذاهب إلى أن الإسلام هو الدين الوحيد المقبول عند الله، وأن ما عداه من معتقدات مجرد "عقائد كفرية وشركية" لا نفع لها في الآخرة!

على الرغم من شهرة هذا الرأي في الأوساط الإسلامية، إلا أن الرجوع لباقي الآيات من جهة، والتفسيرات التراثية للقرآن من جهة أخرى، من شأنه تقديم وجهة نظر مغايرة إلى حد بعيد. على سبيل المثال، سنجد أن ما ورد في الآية الثانية والستين من سورة البقرة "إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَىٰ وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ"، يؤكد على أن طريق الخلاص والنجاة مفتوح أمام غير المسلمين، بشرط الإيمان بالله والعمل الصالح.

هل يدخل "الكافر" الجنة؟ ماذا يقول الإسلام والمسيحية واليهودية؟
تحول وادي "جي هنوم"، الذي يقع بالقرب من أورشليم، والذي كان الكنعانيون يقومون فيه بتقديم الأضاحي البشرية، إلى جهنم، تلك الأرض التي تشتعل فيها النيران، والتي يلقى فيها المذنبون الجزاء على ما ارتكبوه من شرور وآثام.

المعنى نفسه ظهر في بعض التفسيرات المتقدمة - إلى حد ما- للآية التاسعة عشر من سورة آل عمران نفسها. مثلًا، سنجد أن الطبري، المتوفى 310 هـ، يفهم الآية بشكل واسع الدلالة. فبعد أن يقول إن الدين في الآية قد ورد بمعنى الطاعة، وأن الإسلام، هو الانقياد بالتذلل والخشوع، فإنه يتابع: "فإذْ كان ذلك كذلك، فتأويل قوله: "إنّ الدّين عند الله الإسلام": إنَّ الطاعةَ التي هي الطاعة عنده، الطاعةُ له، وإقرار الألسن والقلوب له بالعبودية والذّلة، وانقيادُها له بالطاعة فيما أمر ونهى، وتذلُّلها له بذلك، من غير استكبار عليه، ولا انحراف عنه، دون إشراك غيره من خلقه معه في العبودة والألوهة".

هذا الرأي صار في القرون التالية رأيًا ضعيفًا مهجورًا، بعدما فقد الكثير من قوته أمام الآراء التي مالت للفهم الحرفي للنص، والتي قصرت النجاة والخلاص على المسلمين وحدهم دون سواهم، ومن أهم الأمثلة على ذلك، ما ورد في تفسير ابن كثير، المتوفى 774ه، والذي جاء فيه أن معنى الآية هو "إخبار من الله تعالى بأنه لا دين عنده يقبله من أحد سوى الإسلام، وهو اتباع الرسل فيما بعثهم الله به في كل حين، حتى ختموا بمحمد صلى الله عليه وسلم، الذي سد جميع الطرق إليه إلا من جهة محمد صلى الله عليه وسلم، فمن لقي الله بعد بعثته محمدًا صلى الله عليه وسلم بدين على غير شريعته، فليس بمتقبل".

 

النجاشي وأبو طالب.. تهميش التسامح مع الآخر الديني والمذهبي

 

عرفت الثقافة الإسلامية النجاشي، أصحمة بن أبجر، ملك الحبشة، بوصفه ملكًا عادلًا، تمتع الكثير من المسلمين في بلاده بالحماية والأمان، بعدما ضاقت عليهم الأرض بما رحبت في وطنهم الأصلي بمكة المكرمة.

الاعتراف بعدل النجاشي ظهر في الكثير من المدونات التاريخية والحديثية. منها على سبيل المثال، ما ورد في سيرة ابن هشام أن النبي عندما دعا أنصاره للهجرة للحبشة قال لهم: "إن بأرض الحبشة ملكًا لا يُظلم أحد عنده، فالحقوا ببلاده حتى يجعل الله لكم فرجًا ومخرجًا مما أنتم فيه". بحسب ما ذكرته المصادر الإسلامية، فإن النجاشي توفي في السنة التاسعة من الهجرة، وكان الوحيد الذي صلى عليه الرسول صلاة الغائب.

العقل الإسلامي التراثي -والذي أكد كثيرًا على عدم جواز الترحم على غير المسلم- عمل على إيجاد تفسير مناسب لصلاة الرسول على النجاشي المسيحي الديانة، وتمثل ذلك التفسير في القول بأن ملك الحبشة قد أسلم قبل وفاته، وأنه قد أرسل للنبي يخبره بذلك، وفي هذا السياق تحدثت بعض التفسيرات عن أن النجاشي قد بعث بابنه للمدينة ليكون في معية الرسول.

في الحقيقة، توجد الكثير من الشواهد المشككة في مسألة إسلام النجاشي، ومنها بعض الروايات التي يظهر منها أن الصحابة قد اندهشوا لما أمرهم الرسول بالصلاة على ملك الحبشة، وأنهم قد "قالوا: نصلي على رجل ليس بمسلم؟"، وذلك بحسب ما ورد في تفسير ابن كثير. في سياق آخر، أكد الكثير من الفقهاء والمؤرخين أن النجاشي لم يمارس أي شعيرة من شعائر الإسلام في حياته. فعلى سبيل المثال، يقول ابن تيمية في "مجموع الفتاوى": "...وكثير من شرائع الإسلام أو أكثرها لم يكن دخل فيها -يقصد النجاشي- لعجزه عن ذلك، فلم يهاجر ولم يجاهد ولا حج البيت، بل قد روي أنه لم يصل الصلوات الخمس ولا يصوم شهر رمضان ولا يؤدي الزكاة الشرعية، لأن ذلك كان يظهر عند قومه فينكرونه عليه، وهو لا يمكنه مخالفتهم".

الجدل حول إسلام النجاشي، وحكم الاستغفار للميت غير المسلم يتصل أيضًا بما شاع من تفسيرات حول الآية السادسة والخمسين من سورة القصص "إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاء وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ"، وهي التفسيرات التي دار معظمها حول قضية إسلام أبي طالب عم الرسول.

يوحنا الدمشقي والهرطقة المئة.. الإسلام المبكر بعيون قس مسيحي
في دير القديس سابا بفلسطين، ناقش يوحنا الدمشقي الإسلام المبكر في كتابه المعروف باسم "الهرطقات". هذا الكتاب تم تأليفه باليونانية، ما ضمن للدمشقي الحماية الكافية من الغضب الذي كان من الممكن أن يوجهه إليه المسلمون لو اطلعوا على ما دونه في كتابه.

بالنسبة لأهل السنة والجماعة، فقد قالوا بوفاة أبي طالب على "الكفر"، إذ تواترت المصادر السنّية على تأكيد خبر رفضه للإسلام وهو على فراش الموت. فعلى سبيل المثال، يذهب ابن كثير في تفسيره للآية 56 من سورة القصص إلى أن الرسول حضر عند أبي طالب في لحظاته الأخيرة، وطلب منه أن يسلم، ولكن أبا طالب رفض ذلك بتحريض مجموعة من سادات قريش الذين خوفوه من ترك ملة عبد المطلب، فمات عم الرسول كافرًا، وقال الرسول عندها: "أما لأستغفرن لك ما لم أنه عنك"، فنزل النهي عن الاستغفار لمَن مات على غير الإسلام، ونزلت في أبي طالب آية "إنك لا تهدي مَن أحببت، ولكن الله يهدي مَن يشاء".

على الجهة المقابلة، يرفض الشيعة الإمامية القول بوفاة أبي طالب على "الكفر"، وقالوا بإسلامه. ووردت في تفاسيرهم أقوال متعددة في سبب نزول الآية السابقة، إذ قال البعض إنها نزلت في بعض أهل الكتاب بعد هجرة الرسول إلى يثرب، وقال البعض الآخر إنها نزلت في الحارث بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب.

النقطة المهمة التي ينبغي الالتفات إليها هنا هي أن الجدل حول إسلام/ كفر أبي طالب قد تم تضخيمه في سياق النزاع السياسي المحتدم بين العباسيين والعلويين. ففي حين أكد العباسيون على حقهم في خلافة الرسول، من خلال التأكيد على إسلام العباس بن عبد المطلب في فترة مبكرة، وإشاعتهم أن مكوثه في مكة وإظهاره الكفر وخروجه لقتال المسلمين في بدر في العام الثاني من الهجرة، كان بناء على أمر من الرسول نفسه، فقد حرصوا في الوقت ذاته على التأكيد على إثبات "كفر أبي طالب"، وذلك لتوهين وتضعيف الأسس الدينية التي بني عليها العلويون مطالبتهم المستمرة بالحق في الخلافة.

من هنا، فإن مراجعة قصتي النجاشي وأبي طالب، والتفكر في موقفيهما من الإسلام، من شأنه أن يفتح بابًا فقهيًا واسعًا لإجازة الترحم على الميت غير المسلم من جهة، كما أنه يتيح الفرصة لفهم الطريقة التي أسهمت فيها المجادلات السياسية في تهميش فضيلة التسامح مع الآخر -الديني أو المذهبي- في التراث الإسلامي بشكل عام.

 

صلاة الرهبان في مسجد الرسول

 

من المعروف أن الكثير من أهل منطقة نجران كانوا يعتنقون المسيحية زمن النبوة، وأن بعضًا من كبار رهبانهم وأحبارهم قدموا المدينة في العام التاسع من الهجرة، لمقابلة الرسول ضمن الوفود الكثيرة التي قصدت عاصمة المسلمين في تلك الفترة.

على الرغم من كثرة وتعدد الآراء الفقهية التي تذهب إلى وضع قيود صارمة على أماكن وطرق ممارسة المسيحيين لشعائرهم الدينية، فإن قصة لقاء رهبان نجران بالنبي احتوت على إشارة مهمة من شأنها تقديم وجهة نظر مغايرة في تلك القضية.

بحسب ما يذكره ابن هشام في السيرة النبوية عن ابن إسحاق، فإن الرهبان لما قدموا على الرسول "دخلوا عليه مسجده حين صلى العصر، عليهم ثياب الحبرات، جبب وأردية... يقول بعض من رآهم من أصحاب النبي يومئذ: ما رأينا بعدهم وفدا مثلهم، وقد حانت صلاتهم، فقاموا في مسجد رسول الله يصلون، فقال رسول الله: دعوهم، فصلوا إلى المشرق".

على الرغم من أن الكثير من العلماء والمحدثين حكموا بضعف هذه الرواية بسبب ما فيها من إرسال، إلا أن بعضهم صححها، وبنى عليها حكمًا فقهيًا يجيز صلاة المسيحي في المسجد. من هؤلاء ابن القيم الجوزية المتوفى 751ه في كتابه أحكام أهل الذمة، إذ يقول: "وَقَدْ صَحَّ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ أَنَّهُ أَنْزَلَ وَفْدَ نَصَارَى نَجْرَانَ فِي مَسْجِدِهِ وَحَانَتْ صَلَاتُهُمْ فَصَلوا فِيهِ وَذَلِكَ عَامَ الْوُفُودِ".

 

صورة المسيح وأمه في الكعبة.. القصة التي ذكرها الأزرقي والذهبي

 

من المعروف أن الثقافة الإسلامية لا ترحب بالأيقونات والتماثيل وتعتبرها شبيهة بالأصنام والأوثان. هذا التوجه -وعلى الرغم من شيوعه- لا يتفق مع بعض المرويات التي جاء ذكرها في المدونات التاريخية. على سبيل المثال، ذكر أبو الوليد الأزرقي المتوفى في حدود 250ه، في كتابه "أخبار مكّة وما جاء فيها من الآثار"، أن الكعبة في الجاهلية كانت تحتوي على الكثير من التماثيل والصور، منها صورة للنبي إبراهيم وهو يستقسم بالأزلام، وصورة أخرى للمسيح عيسى بن مريم مع أمه.

بحسب الأزرقي، فإن الرسول لما فتح مكة في العام الثامن من الهجرة توجه إلى الكعبة "ودخل إلى البيت، فأمر بثوب فبل بماء وأمر بطمس تلك الصور ووضع كفيه على صورة عيسى وأمه وقال: امحوا الجميع إلا ما تحت يدي". هذه الحادثة، نقلت في الكثير من المصادر المعتبرة في القرون التالية، ومنها تاريخ الإسلام لشمس الدين الذهبي المتوفى 748ه، إذ أوردها ثم علق عليها ببعض الشواهد المثبتة لها، ومن ذلك ما ورد عن التابعي عطاء بن أبي رباح المتوفى 114ه، من أنه لما سُئل عن هذه الصورة، قال: "أدركت تمثال مريم مزوقًا في حجرها عيسى قاعد، وكان في البيت -يقصد الكعبة- ستة أعمدة سواري، وكان تمثال عيسى ومريم في العمود الذي يلي الباب". ولما سئل عطاء عن توقيت إزالة هذا التمثال من الكعبة، أجاب بأن ذلك قد وقع في الحريق الذي نشب بالكعبة في زمن عبد الله بن الزبير سنة 64ه.

مواضيع ذات صلة:

صورة من جزيرة سقطرى اليمنية حيث يتكلم أهلها اللغة السقطرية- تعبيرية
صورة من جزيرة سقطرى اليمنية حيث يتكلم أهلها اللغة السقطرية- تعبيرية

في بدايات القرن السابع الميلادي، فتح المسلمون جميع أنحاء شبه الجزيرة العربية. بعدها، وبشكل متدرج، استطاعت اللغة العربية الحجازية الشمالية -المُستخدمة في قبيلة قريش- أن تفرض نفسها في المناطق العربية الجنوبية.

 بعد قرون، انعزلت اللهجات اليمنية الجنوبية واقتصر استعمالها على بعض الشعوب. وصارت هناك فوارق واسعة بينها وبين اللغة العربية التقليدية، حتى اعتبرها بعض علماء اللغة مستقلة عن العربية. وفي ذلك شاع قول بعض اللغوين "ما لسان حِمير -اللهجة اليمنية- بلساننا ولا عربيتهم بعربيتنا".

رغم ذلك، بقيت بعض اللغات اليمنية القديمة حاضرة في جنوبي شبه الجزيرة العربية حتى الآن، لكنها مهددة بالاندثار، فيما تحاول العديد من المؤسسات المعنية بإنقاذها. فماذا نعرف عن هذه اللغات؟

اللغة المهرية

تُنسب إلى قبيلة المهرة التي سكنت شرقي اليمن منذ قرون طويلة، واعتاد النسابون أن يرجعوا أصلها إلى مهرة بن حيدان بن عمرو بن لحاف بن قضاعة. 

تُعدّ المهرية واحدة من أقسام اللغات العربية الجنوبية الشرقية الحديثة، ويعتبرها معظم الباحثين لغة سامية بدائية فيما يرى آخرون أنها امتداد للغة الأكدية العراقية القديمة.

تنتشر حاليا في شرق اليمن وسلطنة عمان والكويت والإمارات والسعودية. كما تتواجد بشكل أقل في بعض بلدان شرق أفريقيا كتنزانيا وكينيا. ويزيد عدد المتحدثين بها عن 200 ألف شخص.

تُعدّ المهرية من اللغات غير المكتوبة، أي أن متحدثيها يتوارثونها شفوياً، وتتكون من حروف اللغة العربية الـ28، بالإضافة إلى خمسة حروف أخرى.

في كتابه "مهرة في مصادر اللغة والأدب"، يذكر الباحث عامر بلحاف العديد من الألفاظ المهرية التي وردت في المعاجم والقواميس اللغوية العربية التراثية.

 من تلك الألفاظ كلمة "الزفن" التي تحمل معنى الرقص، وجاءت تلك الكلمة بهذا المعنى في بعض الروايات والأحاديث المنسوبة للنبي. على سبيل المثال ذكر البخاري في "صحيحه" عن عائشة خبر قدوم وفد الحبشة إلى المدينة، وفيه: "فجعلوا يزفنون" أي يرقصون. 

من الأمثلة الأخرى كلمة "بربور" بمعنى ثرثار كثير الحديث، وكلمة "حوور" وهو اللون الأسود، وكلمة "كركر" بمعنى ضحك وقهقه.

 يشير بلحاف إلى أن الكثير من اللغوين العرب القدامى أوضحوا في كتاباتهم أن اللغة المهرية لغة خاصة، مختلفة عن اللغة العربية التقليدية. لكنهم ذكروا أن المهرية لغة متروكة و"مرغوب عنها"، الأمر الذي يشهد على غلبة اللهجات العربية الشمالية على شبه الجزيرة العربية بعد الإسلام.

السقطرية

تُنسب تلك اللغة إلى سقطرى، وهي أرخبيل يمني يتبع إقليم حضرموت ويتكون من ست جزر على المحيط الهندي قبالة سواحل القرن الأفريقي. يشيع استخدام السقطرية داخل الجزر التابعة للأرخبيل، وتتميز بوجود بعض الحروف المختلفة عن العديد من اللغات السامية، منها "الشين الجانبية"، و"اللام الجانبية". 

بشكل عام، هناك أربع مجموعات من اللهجات السقطرية، وهي اللهجات المحكية في الساحل الشمالي، واللهجات المحكية في الساحل الجنوبي، واللهجات التي يتحدث بها البدو في الجبال في وسط الجزيرة، واللهجة التي يتحدث بها أهالي جزيرة عبد الكوري.

في العقود الماضية، بُذلت العديد من المحاولات لدراسة السقطرية وتدوين نصوصها الأدبية بهدف الحفاظ عليها. 

بدأت تلك المحاولات في أواخر القرن التاسع عشر الميلادي، عندما زار المستشرق النمساوي دافيد هاينريش مُولَّر أرخبيل سقطرى، وعمل على تدوين وتسجيل بعض مفردات اللغة السقطرية. 

في سنة 2014، تم تطوير نظام كتابة اللغة السقطرية على يد فريق روسي بقيادة الدكتور فيتالي نومكين. عكف الفريق على دراسة هذه اللغة لمدة خمس سنوات كاملة، وبعدها نشر النظام الكتابي المُقترح في كتاب بعنوان "مجموعة الأدب الشفوي السقطري".

 في أكتوبر 2017، حاولت الحكومة اليمنية المشاركة في إحياء اللغة السقطرية، وذلك عندما وجه رئيس الوزراء اليمني السابق أحمد عبيد بن دغر، وزارة الثقافة، لإنشاء مركز اللغة المهرية والسقطرية للدراسات والبحوث، إلا أن تلك التوجيهات لم تطبق على أرض الواقع بسبب أحداث الحرب الأهلية اليمنية.

يُعدّ مشروع حماية الأدب الشعبي في سقطرى المدعوم من قِبل الحكومة الألمانية ومعهد "جوته"، آخر المحاولات الداعمة للغة السقطرية. استهدف المشروع حماية الأدب الشعبي في جزيرة سقطرى من خلال "جمعه ومراجعته وتوثيقه وإتاحته باللغة السقطرية ثم اللغة العربية والإنجليزية. ثم العمل على الترويج له من خلال منصات إعلامية وثقافية وأكاديمية متنوعة...". 

تمكن فريق العمل من نشر كتاب "تُوْتِيَتَنْ دِ سَاقَطْرِيْ" أو "حكايات من التراث الشعبي في سقطرى"، كما طور المشروع أداة إلكترونية يمكن من خلالها تحويل اللغة السقطرية المكتوبة بالحروف العربية إلى حروف لاتينية.

A Kurdish woman dances with others during the Newroz celebrations marking the start of spring in Istanbul, Turkey, Sunday,…
منها الآرامية والأمازيغية والكردية.. جولة على لغات الأقليات في الدول العربية
"لا يجوز، في الدول التي توجد فيها أقليات اثنية أو دينية أو لغوية، أن يُحرم الأشخاص المنتسبون إلى الأقليات المذكورة من حق التمتع بثقافتهم الخاصة أو المجاهرة بدينهم وإقامة شعائره أو استخدام لغتهم، بالاشتراك مع الأعضاء الآخرين في جماعتهم"، هذا ما تنص عليه المادة رقم 27 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية. ومن هنا، تبدو اللغات التي تتحدث بها الأقليات العرقية ، أساساً لحريتها وخصوصيتها. فما هي أبرز اللغات التي تتحدث بها الأقليات في الدول العربية؟

الشحرية

تُعدّ الشحرية واحدة من اللغات السامية القديمة، وتُنسب إلى قبائل الشحرى التي تسكن محافظة ظفار في سلطنة عمان. وتًعرف أيضاً باللغة الجبالية، بسبب انتشارها في بعض أنحاء الريف.

توجد العديد من اللهجات للغة الشحرية، وجميعها تُنطق ولا تُكتب. وعلى عكس العديد من اللغات الشفوية المعروفة، تستند الشحرية إلى مجموعة من القواعد والأسس اللغوية. من ذلك أن لها ضمائر منفصلة وأسماء إشارة مفصلة للذكر والأنثى والمفرد والمثنى والجمع. كما أن الشحرية تحتوي على كل حروف اللغة العربية ما عدا حروف "ص، ق، ض"، هذا بالإضافة إلى 8 حروف أخرى خاصة بها.

من الخصائص المميزة للشحرية أنه يتم عكس بعض الكلمات العربية لتعطي نفس المعنى باللغة الشحرية. على سبيل المثال، يتم قلب كلمة "قتل" باللغة العربية لتصبح كلمة "لتق" باللغة الشحرية. أيضاً تتميز اللغة الشحرية بظاهرة الشنشنة وهي قلب كاف الخطاب للأنثى شيناً.

من النقاط المثيرة للاهتمام، أن هناك تشابهاً واضحاً بين اللغة الشحرية واللغة الأمازيغية المنتشرة في شمالي غرب أفريقيا، حتى ذهب العديد من المؤرخين والباحثين إلى وجود أصل مشترك بين أهل ظفار والأمازيغ. من هؤلاء الرحالة المغربي الشهير ابن بطوطة الذي زار ظفار في القرن الثامن الهجري وأشار إلى الشبه بين الظفاريين وأهل المغرب.

في العقود الأخيرة، اهتم العديد من الباحثين بدراسة اللغة الشحرية الذين أصدروا مؤلفات عدة في المجال، مثل كتاب "لسان ظفار الحميري" لمحمد بن سالم المعشني، وكتاب "لهجة مهرة وآدابها" لعلي محسن آل حفيظ، وكتاب "لغة عاد" لعلي أحمد محاش الشحري.

 

الخولانية

هي إحدى اللغات السامية القديمة وأخذت اسمها من قبائل خولان، المنسوبة إلى خولان بن عامر. تنتشر تلك اللغة بين القاطنين في جنوبي غرب المملكة العربية السعودية وشمالي اليمن.

توجد العديد من اللهجات لتلك اللغة، ومنها لهجة بني مالك، ولهجة الريث، ولهجة العبادل. أما أشهر لهجات الخولانية فهي اللهجة الفيفية المنتشرة في محافظة فيفا السعودية الجبلية.

من جهة أخرى، توجد العديد من القواعد المعروفة للغة الخولانية. منها استخدام أداة التعريف "أم" بدلاً من أداة التعريف "أل" المُستخدمة بشكل اعتيادي في اللغة العربية.

 توجد بعض الروايات التي تذكر أن الرسول محمد استخدم "أم" عند حديثه مع بعض القبائل اليمنية القديمة. على سبيل المثال، جاء في مسند أحمد بن حنبل أن "النبي نهى بعض اليمنيين عن الصيام في السفر، فقال لهم (ليس من امبر امصيام في امسفر".