كانت قضايا القدر والجبر والاختيار محور نقاشات المتكلمين الأوائل، وهي النقاشات التي جابهتها السلطات الحاكمة بالقوة وأعدمت بسببها عددا من رواد علام الكلام.
كانت قضايا القدر والجبر والاختيار محور نقاشات المتكلمين الأوائل، وهي النقاشات التي جابهتها السلطات الحاكمة بالقوة وأعدمت بسببها عددا من رواد علام الكلام.

ما إن استقرت أحوال الدولة الإسلامية في عهد الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان (646 - 705م)؛ حتى بدأت أصداء الجدل اللاهوتي المسيحي تتردد في دمشق عاصمة الخلافة، ولكن بأسماء ورموز إسلامية. مسيحيا، انصب النقاش تاريخيا حول قضايا تتعلق بطبيعة المسيح، والتثليث، وموقع السيدة العذراء في العقيدة. ووصل هذا الجدل إلى الاحتراب المدمر بين المذاهب الرسمية (الأرثوذوكس والكاثوليك) والمذاهب المعادية لها، خصوصاً الكنيستين النسطورية والمونوفيسية. أما على المستوى الإسلامي، فإن النقاش حول وحدانية الإله كان محسوما تماما، لذا انصب النقاش على قضايا تتعلق بالقدر والجبر والاختيار.

كانت هذه القضايا هي محور نقاشات الجيل الأول من المتكلمين المسلمين، المتأثرين بالجدل اللاهوتي المسيحي، وهي قضايا سبق أن عالجتها الفلسفة اليونانية بنسخها المختلفة، وآخرها الأفلاطونية الحديثة، صاحبة التأثير الأكبر على لاهوتيي المسيحية، ومتكلمي الإسلام فيما بعد. ولكن مغامراتهم الفكرية جوبهت برفض حاسم من جيل التابعين وصل إلى تطبيق حد الحرابة الخاص بالمفسدين في الأرض ضدهم!

• معبد الجهني أول القدريين

تشير المصادر الإسلامية إلى أن بوادر الجدل العقائدي ظهرت مع معبد الجهني الذي كان أول من قال بالقدرية. والقدرية تعني أن الإنسان هو خالقُ فعلِ قدره، أي أنه مخير وليس مسير. وكان هذا يعني فيما يعنيه أن الله لا يعلم بالأمور إلا بعد وقوعها!

وثمة شبه إجماع بين المؤرخين المسلمين على أن أصل هذه العقيدة مسيحي، فقد ذكر ابن قتيبة الدينوري، وابن الأثير الجزري، والحافظ الذهبي، وابن كثير الدمشقي أن معبد الجهني أخذ عقيدته عن نصراني من الأساورة يقال له أبو يونس! والمعروف أن المذهب الغالب على العراق وإيران في ذلك الوقت هو المذهب النسطوري الذي يميز بين طبيعتين مستقلتين للمسيح، الأولى إلهية مستقلة كلياً عن الثانية البشرية.

يوحنا الدمشقي والهرطقة المئة.. الإسلام المبكر بعيون قس مسيحي
في دير القديس سابا بفلسطين، ناقش يوحنا الدمشقي الإسلام المبكر في كتابه المعروف باسم "الهرطقات". هذا الكتاب تم تأليفه باليونانية، ما ضمن للدمشقي الحماية الكافية من الغضب الذي كان من الممكن أن يوجهه إليه المسلمون لو اطلعوا على ما دونه في كتابه.

ولا شك في أن الجدل البسيط حول هذه المقولة يفضي إلى التمييز بين القدر والاختيار، وهما لب الجدل الأول الذي أثير في تاريخ الإسلام مع معبد الجهني. ويُرجع مؤرخ الفلسفة الإسلامية ت. ج. دي بور (Tjitze Jacobs De Boer) أصول الجدل الإسلامي في العصر الأموي إلى أصل مسيحي، فالمسيحيون الشرقيون، وخصوصاً النساطرة كانوا يؤمنون بالاختيار، أي أنهم قدريون (أي ينفون القدر) بشكل أو بآخر. أي أن سبب قدريتهم نابع من جدل الطبيعتين المختلفتين أو المتحدتين للسيد المسيح.

ومن هنا؛ فإن نقل هذه الأفكار إلى ديانة تتبنى التوحيد، خلق مشكلة كبرى، لأن الإله الواحد، بالفهم الإسلامي، هو إله أعلى، كلي القدرة، لا يمكن لشيء أن يحدث خارج إرادته، أو علمه، وهي قضية مركزية في الإسلام، بينما هي قضية ثانوية في المسيحية، وتأتي في الدرجة الثانية، ومرتبطة بفهم طبيعة المسيح. ولذلك شكلت أفكار معبد الجهني صدمة كبرى عند الجيل الأول من التابعين، الأمر الذي أدى إلى تبني عدد كبير منهم الدعوة إلى قتله.

ويبدو أن أمر فهم طبيعة أفكار معبد الجهني لم يكن صعباً على الخليفة عبد الملك بن مروان، هو فقيه مشهود له من جيل التابعين، فلم يتردد بإصدار حكم حد الحرابة عليه بالصلب ثم القتل بحسب بعض الروايات.

• الحارث بن سعيد المتنبئ

في الفترة نفسها، ظهر الحارث بن سعيد، الموصوم بالتنبؤ، وهو مصطلح غامض يوحي بادعاء النبوة، ولكننا نجد أن غيلان الدمشقي المتهم هو الآخر بالقدرية مثل معبد الجهني، تساق له تهمة اتباع الحارث بن سعيد، وهو ما يعني أن الحارث كانت لديه وجهة نظر بالجبر والاختيار، وليس مجرد "نبي كاذب" كما تقول المصادر الإسلامية المتأخرة.

ينحدر الحارث بن سعيد من منطقة الحولة، في أقصى شمال فلسطين الحالية، وكان مقيماً في دمشق، وعرف بزهده وتعبده، وكان ينشر أفكاره بالسر كما يقول ابن كثير، إذ كان يجيء إلى أهل المسجد رجلاً رجلا،ً فيذاكرهم أمره ويأخذ عليهم العهد والميثاق إن هو يرى ما يرضى وإلا كتم عليه. وهناك أحاديث عن ممارسته "السحر" و"الشعوذة"، كما يقول ابن أبي خيثمة في روايته، إلى أن وشى به شخص يدعى القاسم بن مخيمرة لقاضي دمشق أبي إدريس، ثم أعلم أبو إدريس هذا الخليفة عبد الملك بذلك، فطلبه عبد الملك طلبا حثيثاً، الأمر الذي دفعه للهرب إلى مدينة الناصرة في الجليل، حيث وشى به شخص ناصري. فأرسل الخليفة له طائفة من الجند الأتراك الفرغانيين الذين قبضوا عليه وأحضروه إلى دمشق وهم يقولون له بلكنتهم التركية "هذا كرانا" أي هذا قرآننا"، وقد أصدر الخليفة عليه حكم حد الحرابة فصلب على خشبة، ثم أمر رجلاً بأن يطعنه.

ولذلك؛ فإن كل ما قيل عن الحارث بن سعيد حول ادعائه النبوة، ما هو إلا رواية من طرف واحد، فنحن لا نعرف أفكار الرجل، ولم يحدِّث أحد بأخباره، ولكن لجوءه إلى الناصرة، مهد السيد المسيح، قد يعطي مؤشراً على البيئة التي عاش فيها، بالإضافة إلى علاقة غيلان الدمشقي به ورعاية أرملته.

• غيلان الملتبس

أما غيلان الدمشقي (؟-724م) فتتشعب قصته، ويتداخل فيها العقائدي بالسياسي. ومع غيلان تتضح أكثر فأكثر أبعاد هذه الحركة التي تجادل في واحدة من أكثر القضايا الإسلامية حساسية.

ينسب غيلان إلى القدرية التي يقول مؤرخو الإسلام إنه أخذها عن معبد الجهني، ولكنهم يشيرون أيضاً إلى أن له علاقة خاصة مع الحارث بن سعيد، وهي علاقة يعيدها بعض الدارسين إلى أصل مسيحي، على اعتبار أن غيلان قبطي مونوفيسي بالأصل، والحارث بن سعيد مسيحي الأصل هو الآخر.

وتنطوي قصة غيلان على مناظرة لاهوتية مع الإمام الأوزاعي بحضور الخليفة هشام بن عبد الملك، ربما هي المناظرة الأولى في العصر الأموي، وملخصها: أن الأوزاعي سأل غيلان ثلاث أسئلة، وفي روايات أربع، وحتى خمس، ولكن أهم هذه الأسئلة هي: "هل علمت أن الله أعان على ما حرّم؟ قال غيلان: ما علمت وعظمت عنده. قال: فهل علمت أن الله قضى على ما نهى؟ قال غيلان: هذه أعظم، مالي بهذا من علم. قال: فهل علمت أن الله حال دون ما أمر؟ قال غيلان: حال دون ما أمر؟ ما علمت. فقال الأوزاعي: هذا مرتاب من أهل الزّيغ".

وهذا يعني أن الأوزاعي حكم عليه بالإفساد في الأرض، بدليل أن الخليفة هشام بن عبد الملك أمر بقطع يده ورجله، وإلقائه في الكناسة، ثم بعد ذلك، أمر بقطع لسانه وضرب عنقه. ويذكر المؤرخون أن الخليفة هشام التفت إلى الأوزاعي وقال له بعد تنفيذ الحكم: "قد قلت يا أبا عمرو ففسّر، فقال: نعم؛ قضى على ما نهى عنه: نهى آدم عن أكل الشجرة، وقضى عليه بأكلها. وحال دون ما أمر، أمر إبليس بالسجود لآدم وحال بينه وبين ذلك. وأعان على ما حرّم، حرّم الميتة وأعان المضطر على أكلها". وهذا يعني أن الخليفة هشام لم يفهم ما دار في المناظرة، وأصدر أمره بإقامة حد الحرابة على معبد غيلان بناء على فتوى من الأوزاعي.

وينسب بعض الدارسين المعاصرين، مثل الدكتور محمد عمارة، لغيلان موقفاً ثورياً من حكم بني أمية، حيث يقول إن سبب إعدام غيلان ليس عقائدياً، بل سياسياً، لأنه دعا إلى رد المظالم التي ارتكبها الأمويون، وأنه هو السبب وراء محاولات الخليفة عمر بن عبد العزيز رد مظالم بني أمية، والمقصود عزمه على إعادة المسجد الأموي إلى المسيحيين لتحويله إلى كنيسة، وغيرها من قرارات وصفت بالثورية. وهو رأي يحتاج إلى تمحيص، خصوصاً أن كتب التاريخ الإسلامي تتحدث عن نهي عمر بن العزيز لغيلان عن أفكاره، وأخذه عهداً عليه بالإقلاع عنها.

ويبدو أن أفكار غيلان لم تمت بإعدامه وإنما استمرت في جماعة من أتباعه دعيت بـ "الفرقة الغيلانية"، وهي فرقة استمر وجودها إلى العصر العباسي. وبحسب المؤرخين المسلمين تجمع هذه الفرقة بين فكر المعتزلة وفكر المرجئة.

• الجعد بن درهم وعلم الكلام

بعد إعدام غيلان ظهر في دمشق الجعد بن درهم (666- 724م)، الذي قيل أيضاً إنه تأثر بالجدل اللاهوتي المسيحي حول طبيعة المسيح، ولكن أفكاره تنتمي بشكل أو بآخر للأفلاطونية الحديثة التي تنزه الإله الأعلى عن الصفات. وهو ما يعني أن جدل الجعد بن درهم مع المسيحيين قاده إلى أفكار جديدة تتناسب مع المعتقد الإسلامي التوحيدي، وليس نسخ الأفكار ونقلها كما يقول مؤرخو الإسلام.

ويذكر ابن كثير أن الجعد نشأ في حي القلاسيين وهو من أحياء المسيحيين في دمشق قرب الكنيسة، فيما يتهم ابن عساكر في تاريخ دمشق، والذهبي في "تاريخ الإسلام" الجعد بأنه أخذ أفكاره عن بيان بن سمعان التميمي النهدي، الذي نادى بألوهية علي بن أبي طالب وقال إن لاهوته متحد بناسوته، وهي، كما يظهر جلياً الأفكار نفسها التي تنطوي عليها "العقيدة المونوفيسية" التي يتبعها السريان الغربيون والأقباط، ولكنها منسوخة عن المسيح مسقطة على الإمام علي بن ابي طالب.

ظهر المعتزلة في نهاية القرن الثاني الهجري بالتزامن مع نهاية الدولة الأموية، ووصلوا إلى أوج قوتهم في بداية الدولة العباسية.
كفّروا مخالفيهم وبطشوا بأعدائهم.. الوجه الآخر للمعتزلة
يقدّم المعتزلة دائما على أنهم حاملو لواء العقل ودعاة التنوير، وأن أفكارهم سابقة لعصرها. في هذا المقال نلقي الضوء على الوجه الآخر للمعتزلة: كيف سقطوا هم أيضا في فخ التكفير والتفسيق والتبديع، وكيف عملوا على البطش بمعارضيهم.

ولا شك في أن هذا الاتهام محض أوهام، نظراً للافتراق الكبير بين النظرة المونوفيسية المسيحية، ورؤية الجعد لطبيعة الإله الواحد المنزه عن الصفات التي توحي بالتشبيه والقابلة للتأويل، ومن بينها صفة الكلام. ولذلك كان الجعد ينفي أن يكون الله قد كلم موسى تكليماً، وأن يكون قد اتخذ إبراهيم خليلاً، أي أنه وصل إلى القول بخلق القرآن بناء على تنزيهه للإله. وربما هذا مصدر الاعتقاد الزائف بأنه تأثر ببيان بن سمعان الذي كان يقول أيضاً بخلق القرآن، ولكن ليس بسبب تنزيه الله عن الصفات، بل بسبب إيمانه بالطبيعتين الإلهية والبشرية للإمام علي بن ابي طالب. فالكلام الذي هو القرآن صدر كمعنى عن الطبيعة الإلهية، وكلفظ وكتابة صدر عن الطبيعة البشرية.

ويبدو أن الجعد قد غادر دمشق إلى الكوفة، بعد ان رأى بعينيه مصير غيلان ومن سبقه من الخائضين في الجدل اللاهوتي. وبعد أن بلغ خبره الخليفة هشام بن عبد الملك، كلف واليه على الكوفة خالد بن عبد الله القسري بالقبض عليه. ويقال، وهو خبر غير مؤكد، أن القسري ضحى بالجعد في أول يوم من أيام عيد الأضحى عام 724م.

ورغم موته، سواء قتلاً أو ميتة طبيعية؛ فإن أفكار الجعد لم تمت إذ تطورت على يدي تلميذه الجهم بن صفوان الذي قتل هو الآخر بعد أربعة أعوام، وترك خلفه تلاميذ واتباعا أطلق عليهم اسم "الفرقة الجهمية"، وهي الفرقة التي أثرت عميقاً بفكر المعتزلة، وخصوصاً قولهم بخلق القرآن.

 

مواضيع ذات صلة:

الرئيس العراقي السابق، صدام حسين، مستقبلا العاهل السعودي الملك فهد خلال قمة العربية في بغداد عام 1989.
الرئيس العراقي السابق، صدام حسين، مستقبلا العاهل السعودي الملك فهد خلال قمة العربية في بغداد عام 1989.

وصل وزير الخارجية السعودي فيصل بن فرحان في زيارة رسمية، الخميس، إلى العراق. وقالت وزارة الخارجية السعودية على منصة "إكس" إنه سيبحث سُبل تعزيز العلاقات الثنائية بين البلدين في مختلف المجالات.

تعيدنا هذه الزيارة، إلى البحث عن تفاصيل العلاقة بين البلدين، والمحطات التي مرت بها، والتغيرات التي طرأ عليها.

 

تاريخياً

في السنوات الأولى من عشرينيات القرن العشرين، وصل الملك فيصل بن الحسين إلى عرش العراق. آنذاك، كان عبد العزيز آل سعود سلطانَ نجد قد تمكن من فرض سيطرته على معظم أراضي شبه الجزيرة العربية.

تسبب الصراع القديم بين الأسرة الهاشمية في الحجاز، وأسرة آل سعود في نجد في اندلاع بعض المشكلات الحدودية بين الدولتين الناشئتين في تلك الفترة.

 في جنوبي العراق، وقعت مجموعة من الصدامات المسلحة بين القبائل التابعة للحكومة العراقية والقبائل التابعة للحكومة النجدية، التي ستتحول في ما بعد للمملكة العربية السعودية. 

على إثر ذلك بعث السير بيرسي كوكس المندوب السامي البريطاني في العراق إلى سلطان نجد عبد العزيز آل سعود، يطلب منه إرسال وفد إلى بغداد لبحث موضوع الحدود بين البلدين، فرفض الأخير لتخوفه من تأثر الوفد بالضغوط الإنجليزية العراقية.

أمام هذا الرفض، عرض كوكس إقامة المؤتمر في الأراضي النجدية ووافق آل سعود وقتها، ليُعقد مؤتمر "المحمرة"، حيث التقى كوكس مع الملك السعودي بهدف الاتفاق على إقامة حدود بين نجد والعراق. 

وقع المجتمعون اتفاقية "المحمرة" في مايو 1922، التي نصت على تبعية العشائر الساكنة على الحدود لأي من الدولتين، وجاء في المادة الأولى منها أن حكومتي العراق ونجد "تتعهدان أن تمنعا تعديات عشائرهما على الطرف الآخر ويكون الطرفان مُكلفان في تأديب عشائرهما".

بعد سبعة أشهر، تجدد اللقاء بهدف ترسيم الحدود الثلاثية بين نجد والعراق والكويت. وفي ديسمبر 1922، شهد ميناء العقير -الواقع قرب الإحساء- اجتماع عبد آل سعود وصبيح بك نشأت وزير المواصلات والأشغال ممثلاً عن الملك فيصل الأول ملك العراق، وجون مور الوكيل السياسي البريطاني في الكويت ممثلاً عن الكويت، والسير بيرسي كوكس. 

نتج عن هذا الاجتماع، ترسيم كوكس للحدود بين الدول الثلاث مستخدماً اللون الأحمر، وتقرر إنشاء منطقتين محايدتين الأولى بين الكويت ونجد، والثانية بين العراق ونجد.

خلال شهر فبراير 1930، وبعد سنوات طويلة من الصراع بين الأسرة السعودية في نجد والأسرة الهاشمية في الحجاز وسوريا والعراق، وقع الملك فيصل الأول من العراق والملك عبد العزيز معاهدة السلام على متن إحدى السفن الحربية البريطانية في الخليج العربي، ليتم بذلك تدشين العلاقات الثنائية بين البلدين بشكل رسمي.

 

حرب الخليج الأولى

مثّل حكم النظام البعثي في العراق تهديداً مبطناً للمملكة العربية السعودية، خاصة أن البعثيين في بغداد رفعوا رايات القومية والاشتراكية. كان من الطبيعي أن تثير تلك الشعارات شكوك الرياض التي تعتمد نظام حكم ملكي وراثي.

في أواخر سبعينيات القرن العشرين، وبالتزامن مع حراك آية الله الخميني في إيران وانتصار الثورة الإسلامية، تقاربت مصالح الطرفين -السعودية والعراق- بعدما وجدا في حكم الملالي خصماً مشتركا لكليهما، ذلك أن الخميني أعلن صراحةً عن نيته في تصدير مبادئ الثورة للدول العربية المجاورة.

أعلنت الرياض دعمها لصدام حسين في حرب الخليج الأولى التي دارت في ثمانينيات القرن العشرين، وظهر ذلك الدعم في التأييد الدبلوماسي والمساعدات المالية وشراء الأسلحة.

بحسب بعض المصادر الإيرانية، فإن الرياض قدمت للعراق نحو 30 مليار دولار من مجموع المساعدات التي قدمتها الدول العربية -البالغ حجمها 70 مليار دولار- خلال سنوات الحرب ضد إيران.

طائرة تابعة للخطوط الجوية البريطانية- صورة تعبيرية.
احتجزوا كرهائن إبان الغزو العراقي للكويت.. ركاب رحلة طيران يعتزمون مقاضاة الحكومة البريطانية
يعتزم ركاب وطاقم رحلة شركة الخطوط الجوية البريطانية (بريتيش إيرويز) الذين تم احتجازهم رهائن في الكويت عام 1990 رفع دعوى ضد الحكومة البريطانية وشركة الطيران للمطالبة بتعويضات، وفق ما أفادت شركة محاماة، الثلاثاء.
 

حرب الخليج الثانية

في 1990، تزايدت حدة التصريحات العدائية بين العراق والكويت بسبب الخلاف حول حصص إنتاج النفط. ومحاولة منه لتقريب وجهات النظر بين الطرفين، قام الملك السعودي فهد بن عبد العزيز بدعوة البلدين لعقد مباحثات في جدة للتوصل إلى حل بشأن خلافاتهما. 

عُقدت تلك المباحثات في يوليو 1990 لكنها لم تثمر في تخفيف حدة التوتر. ففي بداية أغسطس، أعلن صدام حسين الحرب على الكويت، وقام باجتياحها خلال ساعات معدودة، الأمر الذي عارضته السعودية بشكل قاطع، واعتبرته تهديداً لسلامة أراضيها.

بناءً على ذلك، طلبت الرياض من واشنطن الاستعانة بالقوات الأميركية للتصدي لأي هجوم مُحتمل من القوات العراقية المتمركزة على الحدود العراقية الكويتية السعودية.

في يناير 1991، وبالتزامن مع انطلاق عملية "ثعلب الصحراء"، قامت العراق بإطلاق العشرات من صواريخ سكود على عدد من المدن السعودية، مثل الرياض والجبيل البحرية والظهران وحفر الباطن. 

كما ألغت بغداد جميع المواثيق التي عقدتها مع السعودية منذ سنة 1968 بسبب مشاركتها في التحالف الدولي. 

مع نهاية يناير 1991، شهدت العلاقات السعودية العراقية تطوراً مهماً بعدما قامت القوات العراقية بالسيطرة على مدينة الخفجي، الواقعة شرقي السعودية، قبل أن تتمكن قوات التحالف الدولي من استعادة السيطرة عليها.

ما بعد الغزو الأميركي 

قامت الولايات المتحدة الأميركية بغزو العراق عام 2003 وأسقطت نظام صدام حسين. حينها، أكدت الرياض على عدم دعمها لتلك الحرب، وأعلن وزير الخارجية السعودي أن بلاده لن تقصف العراق أو تسمح باستخدام قواعدها للهجوم على أراضيه. 

على الرغم من ذلك، نقلت بعض التقارير الإخبارية عن عدد من المسؤولين الأميركيين أن السعودية وافقت على استخدام القوات الأميركية لمجالها الجوي وقواعدها الجوية مركزاً للعمليات أثناء اندلاع الحرب.

بحسب دراسة "تطور العلاقات السعودية العراقية... الدوافع والتحديات"، لم تتغير العلاقات بين العراق والسعودية عقب سقوط صدام حسين، حيث حافظت على توترها بالتزامن مع صعود التيار السياسي الشيعي العراقي.

 آثرت الرياض أن تبتعد عن الساحة العراقية مفسحةً الطريق لغريمها العتيد إيران لمقاسمة الولايات المتحدة الأميركية النفوذ داخل بلاد الرافدين.

وفقاً لما يذكره الباحث جوزيف مكميلان في دراسته "المملكة العربية السعودية والعراق.. النفط والدين وتناحر طويل مستمر" المنشورة على موقع "معهد السلام الأميركي"، فإن الرؤية السعودية للعلاقات مع العراق في تلك الفترة تركزت على مشكلة التدفق المُحتمل للعناصر الجهادية من الشمال إلى الجنوب "نظراً إلى صعوبة السيطرة الفعلية على الحدود".

وشعر السعوديون بمخاوف حقيقية من أن يصبح العراق الذي تعمّه الفوضى نقطة جذب للإرهابيين، الذين يعتبرون أن الصراع في العراق تكرار إلى حد ما لتجربة المجاهدين الأجانب في أفغانستان في الثمانينات.

رغم سياستها التي تميل للبعد عن الشأن العراقي في تلك المرحلة، عملت الرياض في بعض الأحيان على إظهار التقارب مع بغداد. ففي أكتوبر 2006، حاولت أن تستغل نفوذها الديني والروحي لوضع حد للتناحر الطائفي المتزايد في الأراضي العراقية.

بعد حادثة تفجير مرقد "الإمامين العسكريين" بمدينة سامراء، استضافت السعودية مؤتمراً للمصالحة العراقية برعاية منظمة المؤتمر الإسلامي، نتج عنه توقيع أطراف سنية وشيعية على الوثيقة المعروفة باسم "وثيقة مكة"، التي حرّمت الاقتتال المذهبي والاعتداء على المساجد في العراق.

هذا الاهتمام بالشأن العراقي ظهر مرة أخرى عام 2007، إذ انتقد الملك السعودي الراحل عبد الله بن عبد العزيز، عبر خطابه، بقاء القوات الأميركية في العراق، قائلاً "في العراق الحبيب تُراق الدماء بين الإخوة في ظل احتلال أجنبي غير مشروع.. لن نسمح لقوى من خارج المنطقة أن ترسم مستقبل المنطقة".

محاولات للتقارب

شهدت السنوات الأخيرة، محاولات جادة لإعادة العلاقات الثنائية بين السعودية والعراق. في ديسمبر 2015 تم الإعلان عن افتتاح السفارة السعودية بالعراق، بعد ربع قرن من إغلاقها. ولكن بعد شهر واحد، ساءت العلاقات بين الجانبين مرة أخرى، بعدما أدلى السفير السعودي في بغداد ببعض التصريحات التي حملت انتقاداً للحشد الشعبي.

لاقت تلك التصريحات ردود فعل غاضبة من جانب البرلمانيين العراقيين، وطُلب من السعودية سحب سفيرها من بغداد. في أكتوبر 2016، أرسلت السعودية عبد العزيز الشمري سفيراً جديداً لها في العراق.

بعد سنة واحدة، مرت العلاقة بين البلدين بتطور مهم، إذ استؤنفت رحلات الطيران من السعودية إلى بغداد، بعد انقطاع دام 27 سنة. في الوقت ذاته، زار رئيس الوزراء العراقي الأسبق حيدر عبادي الرياض، لحضور مراسم توقيع اتفاقية مجلس التنسيق السعودي العراقي. 

في يوليو من السنة نفسها، زار زعيم التيار الصدري في العراق مقتدى الصدر السعودية. وأجرى مقابلة مهمة مع ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان في جدة. 

من جهة أخرى، شهد عام 2021 تطورا نوعيا في العلاقات الاقتصادية بين البلدين، بعد أن تم الاتفاق بين بغداد والرياض على تأسيس صندوق مشترك يقدر رأس ماله بـ3 مليارات دولار يضمن مشاركة القطاع الخاص، وإنجاز مشروع الربط الكهربائي بين البلدين، والاتفاق على تعزيز فرص الاستثمار للشركات السعودية في العراق.