تعد مدينة بيت صيدا التاريخية من أهم أماكن الحج المسيحية.
تعد مدينة بيت صيدا التاريخية من أهم أماكن الحج المسيحية.

بعد أكثر من ثلاثة عقود على عمليات التنقيب الآثاري في منطقة سهل البطيحة في الجولان السوري، بحثاً عن مدينة بيت صيدا، حيث ولد خمسة من تلاميذ السيد المسيح، وحيث قام بعدد من "المعجزات" الشهيرة في الكتاب المقدس، تمكن الباحثون قبل أيام من قراءة نقش فسيفسائي يشير بشكل مؤكد إلى كنيسة على اسم القديس بطرس، يفترض أنها بنيت في مكان البيت الذي ولد فيه هو وشقيقه القديس أندراوس. وهذا كشف كبير قد يزيل الغموض ويحسم الجدل حول موقع مدينة بيت صيدا التي تعد واحدة من أهم أماكن الحج المسيحية.

عثر على الكنيسة التي بنيت في عهد الإمبراطور قسطنطين العظيم (272-337 م) في موقع "العرج" القريب من قرية المسعدية على شاطئ بحيرة طبرية الشمالي الشرقي، من جانب فريق التنقيب التابع لمعهد آثار كينيرت (طبرية)، برئاسة البروفيسورين مردخاي أفيام وستيفن نوتلي. وقرأ النقوش التي من المفترض أن تصدر في دراسة علمية خلال فترة قريبة، البروفيسور ليا دي سيجني من الجامعة العبرية، والبروفيسور جاكوب أشكنازي من كلية كينيرت.

ومما أفصح عنه العالمان، فإن النقش المعني محاط بميدالية دائرية مكونة من سطرين من الحجارة السوداء، ويشير إلى اسم المتبرع وهو "قسطنطينوس خادم المسيح"، وقد يكون الإمبراطور نفسه، ولقب القديس الذي كرست الكنيسة له هو "رئيس وقائد الرسل السماويين" وهذا لقب يطلق على القديس بطرس باعتباره الرسول الأول بعد المسيح، وهو يحتل جزءًا من أرضية فسيفسائية في غرفة الشماس بالكنيسة، مزينة جزئياً بأشكال نباتية وهندسية.

وعلى الرغم من وجود إشارات تشير إلى أن القديسة هيلانة والدة الإمبراطور قسطنطين ربما زارت المكان وأشرفت على بناء الكنيسة، إلا أن موقع المدينة الصحيح تم ذكره للمرة الأولى في عام 530م حين ذكر الإمبراطور تيودوسيوس أن موقع بيت صيدا إلى الشرق من كفر ناحوم بستة أميال، وعن منابع الأردن بنحو خمسين ميلاً. ويمكن القول إن ويليبالد، رئيس أساقفة بافاريا إيخستات، هو أول من أشار إشارة صريحة إلى هذه الكنيسة عندما زارها في العام 724م في عهد الخليفة الأموي هشام بن عبد الملك، حيث كتب محرر الرحلة: "ومن كفر ناحوم ذهبوا إلى بيت صيدا، مقر إقامة بطرس وأندراوس، حيث توجد الآن كنيسة في موقع منزلهم. باتوا هناك ليلتهم، وفي صباح اليوم التالي ذهبوا إلى كورازين (موقع الكرسي حالياً)، حيث شفى ربنا الممسوسين، وأرسل الشيطان إلى قطيع من الخنازير".

 

المدينة المفقودة

 

كانَ موقع بيت صيدا الحقيقي محل خلاف ومادة للجدل لدى الرحالة وعلماء الآثار الكتابيين في القرن التاسع عشر، وقد تم توثيق أكثر من 20 محاولة لتحديد موقع المدينة من قبل حجاج ورجال دين مسيحيين قبل عام 1800. وفي العقود الثلاثة الأخيرة، توصل علماء الآثار مستفيدين من المعطيات العلمية الجديدة إلى ما يشبه الإجماع بشأن موقع بيت صيدا وهو سهل البطيحة الذي يقبع في وسطه تل أثري يدعى تل الأعور.

بلغت بيت صيدا موقعاً بارزاً في التاريخ المسيحي عبر ارتباطها بالعديد من الأحداث الرئيسية في حياة السيد المسيح وحوارييه. وقد أشار العهد الجديد إلى أن هذه المدينة التي يعني اسمها مكان صيد السمك تقع إلى الشرق من نهر الأردن أي في منطقة الجولان، حيث التقى فيها يسوع بأتباعه الأوائل: بطرس وأندراوس ابنا يونا، ويوحنا ويعقوب ابنا صياد السمك زبدي، ورفيقهم الخامس فيليب الذي يوصف بأنه أخو المسيح. ويذكر "العهد الجديد" أن يسوع قام في بيت صيدا بمعجزة إطعام خمسة آلاف من خمسة أرغفة وسمكتين، وكذلك معجزة علاج الرجل الأعمى، ومعجزة المشي على الماء!.

 

محطات تاريخية

 

يذكر المؤرخ اليهودي جوزيفوس فلافيوس أن فيليب ابن هيرود الذي حكم الجولان من عام 4 قبل الميلاد إلى 34 ميلادية طوّرَ قريةَ بيت صيدا في سنة 30 ميلادية وجعلها مدينة "polis" وقام بتقوية تحصيناتها وزاد في عدد سكانها وأطلق عليها اسم "Julias" تكريماً لبنتِ الإمبراطور أغسطس قيصر. ولا يتضح لنا من خلال الأناجيل إن كانت بيت صيدا مدينة أو قرية عندما زارها السيد المسيح، فمتى ولوقا يصورانها كمدينة بينما مرقص يعتبرها قرية. وبالمقارنة مع قيصرية فيلبي والتي هي بانياس الجولان فإن فيها الكثير من معايير المدن حيث تسيطر على أراض شاسعة.

أما الدليل الذي يمكن أن يدعم كون بيت صيدا مدينة في عصر السيد المسيح وجود تراتب اجتماعي. فبالإضافة إلى تعامل السيد المسيح مع المستضعفين والمرضى ومؤازرته لهم في معظم وقته، نجد أنه تَعاملَ أيضاً مع شخص ثري هو زبدي الذي كَانَ قادراً على استخدام الأجراء. هذا التمايز الطبقي قد يؤشر إلى تركيبة مدينة وليس قرية.

 

رحلة البحث

 

وقد تشوشت الصورة كثيراً منذ الحروب الصليبية وحتى القرن الثامن عشر، عندما حج ريتشارد بوكوك وهو رئيس أساقفة أنغليكاني عام 1738 إلى شاطئ طبريا وشكك بمكان بيت صيدا حيث كان شائعاً في ذلك الزمن أن موقع عين التينة على الضفة الغربية لنهر الأردن هو المكان الذي يحج إليه المؤمنون على خطى السيد المسيح. وعندما قام مؤسس علم الآثار الكتابي البروفيسور الأميركي إدوارد روبنسون برحلته الاستكشافية إلى الأرض المقدّسة في 1838، تسلق التل الذي ينتصب وسط سهل البطيحة وحدّدَ مكان بيت صيدا على مسافة ميل ونصف الميل عن شاطئ البحيرة. وبعد أكثر من عشر سنوات أكد تومسون، وهو عالم آثار كتابي آخر أن أهالي البطيحة أخبروه أن بيت صيدا هي المسعدية، وهي إحدى قرى البطيحة وتقع إلى الجنوب الشرقي من التل، وهذا يدل على أن الاسم ظل متداولاً ومعروفاً من قبل أهل البلاد. وبعد نحو نصف قرن اقترح عالم الآثار الألماني غوتليب شوماخر موقع المدينة في قرية العرج أو المسعدية على اعتبار أن بيت صيدا كانت على الشاطئ، وهو المكان نفسه الذي عثر فيه على الكنيسة المذكورة.

 

حل اللغز

 

في العام 1991 تشكل ائتلاف أكاديمي عالمي للبحث عن بيت صيدا، حيث شاركت فيه 17 جامعة وكلية من كافة أنحاء أميركا وأوروبا، برئاسة جامعة نبراسكا أوماها، وجامعة هاردفورد الأميركيتين. وترأس فريق التنقيب البروفيسور رامي عرب.

واعتمد فريق علماء الآثار على خبرات البروفسور جاك شرودر، الذي ألقىَ نظرة واحدة فقط على الخرائط الجيولوجية للمنطقة، ثم صاغ الفرضية التي حلت اللغز في نهاية عام 2001، وملخصها أن خط شاطئ البحيرة اليوم ليس بالضرورة هو نفسه الخط القديم. فالتل يقع فوق أحد أكثر المواقع الزلزالية نشاطاً في العالم. وقد دعم نظرية شرودر العثور على كائنات بحرية بعيدة عن الشاطئ، وهو ما يشير إلى تغير منسوب البحيرة وانزياح خط الشاطئ.

وبتحليل الكاربون 14 تبين أن مواد عضوية كانت تحت الصخور يعود تاريخها إلى الفترة بين عامي 68 و375 ميلادي. ولذلك، اتفق علماء وخبراء الائتلاف الأكاديمي على نتيجة واحدة تتمثل بوقوع حدث كارثي، من المرجح أنه زلزال كبير ترافق مع فيضان، وقع عام 363 م، كنس كمية كبيرة مِنْ الصخور والحصى والتربة ومصنوعات يدوية عبر السهلِ الذي يمتد أمام التل، بشكل قطع صلة بيت صيدا عن خط الشاطئ.

 

لوحة آثارية

 

من الاكتشافات الجديرة بالاهتمام بوابة للمدينة تعود إلى القرن التاسع قبل الميلاد، وهي من أفضل البوابات التي ما زالت محتفظة بتفاصيلها في عموم المنطقة. وطبقا للمسح الراداري فإن حائط المدينة الذي مازال يحتفظ بارتفاع يبلغ أكثر من متر ونصف المتر يعود إلى فترة أقدم من هذا التاريخ. وعليه، فإن المدينة بنيت على مرحلتين وفي جزأين، جزء مرتفع وجزء منخفض. الجزء المرتفع يضم الأبنية العامة والتحصينات، والجزء الأوطأ يضم الحيّ السكني.

كتلة بوابة المدينة تظهر وجود بابين لكل منهما برجان، باب للمدخل الخارجي وآخر للداخلي، يفصل بينهما ميدان معبّد كبير، وتظهر الأرض المرصوفة آثار عجلات العربات التي يبدو أنها كانت منتشرة بكثرة. كما عثر على أربع غرف مليئة بالأنقاض تعود إلى بناء عام للمدينة من الفترة التي سبقت الهجوم الآشوري، والغريب أن البوابة امتصت صدمة الهجوم الآشوري وكذلك صدمة زلزال كبير أصابها.

وتم التنقيب في حي يعود إلى الفترة الهللينية (332-37 قبل الميلاد)، وتبين أنه يتضمن عدداً من البيوت الخاصة وفي كل بيت عدد من الغرف التي تحيط بفناء مبلط. وفي شرق الفناء مكان نموذجي كمطبخ وإلى الشمال غرفة طعام ويعتقد فريق الآثاريين أن غرف النوم كانت في طابق ثان.

أحد البيوت يعود إلى صياد سمك، وجدت فيه أدوات تعبر عن ثقافة متطورة ارتبطت بصناعة صيد السمك مثل شبكة صيد مع ثقالاتها ومراسي وإبر وصنارات صيد. إحدى الصنارات لم تكن قد ثنيت، مما يشير إلى أنها صنعت في المكان، كما عثر على مفتاح بيت الصياد محتفظاً بشكله العام رغم أنه مصنوع من الحديد، وقد تم إهداء نسخة مصنوعة طبق الأصل من هذا المفتاح للبابا يوحنا بولص الثاني عندما زار الأراضي المقدسة مطلع الألفية الثالثة وطاف بمروحية فوق موقع بيت صيدا لإلقاء نظرة على هذا المكان المقدس.

وجد أيضاً ختم من الصلصال، يصوّر شبكة تعود إلى سفينة فينيقية الطراز ومقدمة سفينة على شكل رأس حصان. وكل ذلك يدعم نظرية أن بيت صيدا كانت أقرب إلى الشاطئ في عهد السيد المسيح. ووجد أيضاً بيت يحتوي قبواً للتخمير وجرار نبيذ كبيرة، وقد دعي هذا المكان "بيت صانعِ النبيذ".

 

مواضيع ذات صلة:

FILE - Iranian Supreme Leader Ayatollah Ali Khamenei speaks in Tehran, Iran, July 5, 2024. Secretary of State Antony Blinken…
المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي- تعبيرية

أعلنت الحكومة السودانية الأحد الماضي أن قائد الجيش عبد الفتاح البرهان تسلّم أوراق اعتماد السفير الإيراني، كما أرسل في المقابل سفيراً لبلاده إلى طهران، ما يعزز من فرص التقارب بين البلدين بعد قطيعة استمرت ثماني سنوات.

تأتي هذه الخطوة في سياق محاولات طهران المستمرة لنشر نفوذها داخل القارة الأفريقية. وذلك من خلال نشر أيديولوجية الثورة الإيرانية والترويج لنظرية الولي الفقيه.

 

شرق أفريقيا

اهتمت طهران بتأمين حدودها الجيوسياسية المرتبطة بتجارة النفط في خليج هرمز من خلال مد نفوذها في منطقة القرن الأفريقي، وهي المنطقة التي تضم عدداً من الدول الواقعة على البحر الأحمر شرقي أفريقيا، منها إريتريا، وإثيوبيا، والصومال، وجيبوتي.

بحسب ما يذكر الباحث محمد رمضان أبو شعيشع في دراسته "الوجود الإيراني في القرن الأفريقي: دراسة حالة على إريتريا"، فإن طهران قامت بتزويد إريتريا بالمئات من عناصر "فيلق القدس" وضباط البحرية والخبراء العسكريين من الحرس الثوري الإيراني الذين يشرفون على قواعد صاروخية بطول الساحل الإريتري على البحر الأحمر، المقابل للمملكة العربية السعودية واليمن.

لخدمة الهدف ذاته، استعادت إيران علاقتها الدبلوماسية مع جيبوتي في سبتمبر 2023م بعد 7 سنوات من القطيعة. يذكر أبو شعيشع أن الجانبين -الإيراني والجيبوتي- توصلا إلى توقيع مذكرة تفاهم للتعاون المشترك، تضمنت تلك المذكرة بناء مراكز للتدريب، والإعفاء من تأشيرات الدخول لمواطني البلدين، بالإضافة إلى منح البنك الإيراني قروضاً للبنك المركزي الجيبوتي، وتقديم منح للطلاب بهدف الدراسة في الجامعات الإيرانية.

محاولات إيران نشر نفوذها في شرقي أفريقيا وصلت إلى دولة جزر القمر الواقعة في المحيط الهندي. بدأت تلك المحاولات في عهد الرئيس القمري الأسبق أحمد سامبي، الذي درس العلوم الدينية في إيران في ثمانينات القرن الماضي. وتتلمذ وقتها على يد آية الله محمد تقي مصباح اليزدي. خلال فترة حكم سامبي، قدمت طهران دعماً كبيراً لجزر القمر من خلال بعض المنظمات الخيرية، ومنها على سبيل المثال، لجنة إمداد الإمام الخميني التي قدمت العون المالي لمئات الأسر، وافتتحت مركزاً لتدريب الشباب على الحرف. كما افتتح الهلال الأحمر الإيراني مستشفى في العاصمة موروني وقدم خدماته بالمجان.

تراجع زخم العلاقات الإيرانية القمرية بشكل ملحوظ عقب رحيل الرئيس سامبي، وفي سنة 2016م، قطعت جزر القمر علاقاتها الدبلوماسية مع إيران تضامناً مع السعودية بعد الاعتداء على بعثتها الدبلوماسية في طهران. واتهم الرئيس القمري طهران وقتها بأنها "استغلت ضيق ذات اليد لإقامة مشروعها الصفوي الشيعي في إحدى جزر القمر، ولكن لن نسمح لها بتمرير مشروعها في بلادنا...". مؤخراً، شهدت العلاقات بين البلدين انفراجه واضحة عقب الإعلان عن فوز رئيس جمهورية جزر القمر، غزالي عثمان، بولاية رئاسية ثالثة. أرسل الرئيس الإيراني الراحل، إبراهيم رئيسي، برقية تهنئة لنظيره القمري، ودعاه إلى "فتح صفحة جديدة في التعاون الثنائي والدولي لصالح البلدين".

لم يختلف الوضع كثيراً بالنسبة للعلاقات الإيرانية السودانية. أُفتتح أول مركز ثقافي إيراني في السودان في سنة 1988م في عهد حكومة رئيس الوزراء الأسبق الصادق المهدي. وتزايدت أنشطة المركز بشكل كبير عقب وصول الرئيس السابق عمر البشير إلى السلطة. في تلك الفترة، عُقدت العديد من الاتفاقيات العسكرية بين البلدين. وسمحت الخرطوم لطهران بإمدادها بمساعدات مالية بقيمة 17 مليون دولار وأسلحة صينية بقيمة 300 مليون دولار، فضلاً عن إرسال إيران 2000 فرد من الحرس الثوري الإيراني للسودان لإنشاء وتدريب "قوات الدفاع الشعبي" على غرار قوات الباسيج الإيرانية. في سنة 2009م، ظهر النفوذ الإيراني في السودان بشكل أكثر وضوحاً على المستوى الشعبي. وذلك بعدما نظم الشيعة السودانيون احتفالاً علنياً كبيراً بمناسبة ذكرى مولد الإمام المهدي.

في سبتمبر 2014م، تراجع زخم العلاقات بين البلدين، بعدما قررت السلطات السودانية إغلاق عدد من المراكز الثقافية الإيرانية في البلاد، وامهال القائمين عليها 72 ساعة لمغادرة البلاد. بعد أقل من سنتين، أعلن السودان قطع علاقاته مع إيران تضامناً مع السعودية. في هذا السياق، صرح الرئيس البشير في إحدى المقابلات الإعلامية أن "ايران سعت لترويج التشيع في السودان". بشكل عام، عملت طهران على توطيد وجودها في العديد من دول شرق أفريقيا من خلال استغلال نفوذها الديني والدبلوماسي. على سبيل المثال، يذكر الباحث سعيد الصباغ في دراسته "سياسة إيران تجاه القرن الافريقي وشرق إفريقيا" أن طهران عقدت مؤتمراً دولياً في مدينة قم في سنة 2016م. نُظم المؤتمر بالتعاون مع ما يسمى اتحاد الطلاب الأفارقة بإيران، وناقش الاستراتيجيات المختلفة لنشر المذهب الشيعي في أفريقيا، بمشاركة حوالي 200 طالب وداعية شيعي من 30 دولة أفريقية.

 

شمال أفريقيا

في عام 1993، اتهمت الجزائر إيران بتقديم الدعم السياسي والإعلامي لـ"الجبهة الإسلامية للإنقاذ". على إثر ذلك، قطعت الجزائر علاقاتها مع طهران. وطلب الجزائريون من السفير الإيراني مغادرة البلاد بشكل فوري. بعد 7 سنوات، أُعيدت العلاقات الدبلوماسية بين البلدين مرة أخرى. وتطورت بشكل كبير فيما بعد. في مارس الماضي، وقع مسؤولون من إيران والجزائر 6 اتفاقيات تعاون مشترك في مجالات مختلفة بحضور رئيسي البلدين.  جاءت تلك الاتفاقيات في مجالات النفط والغاز والعلوم والتكنولوجيا والاقتصاد القائم على المعرفة والرياضة والسياحة والإعلام.

من جهة أخرى، لم تنجح طهران في إثبات وجودها في المغرب. يرجع ذلك لسببين رئيسين، أولهما موقف طهران الداعي لنشر التشيع في المغرب، وثانيهما اعتراف طهران في سنة 1980م بجبهة البوليساريو، والتي تسعى لتحرير الصحراء الغربية مما تراه استعماراً مغربياً. في سنة 2009م، اعلنت المغرب قطع علاقتها مع طهران، وذكرت الرباط في بيانها الرسمي أن الإيرانيين مارسوا أنشطة متعددة بهدف نشر التشيع في المغرب. وأن هذه الأنشطة "تستهدف الإساءة إلى المقومات الدينية الجوهرية للمملكة والمس بالهوية الراسخة للشعب المغربي ووحدة عقيدته ومذهبه السني المالكي"، وذلك بحسب ما يذكر السيد أبو داود في كتابه "تصاعد المد الإيراني: في العالم العربي".

في سنة 2015م، عادت العلاقات بين البلدين لفترة وجيزة، قبل أن تُقطع مرة أخرى في مايو 2018م. عندما أعلن المغرب قطع علاقاته الدبلوماسية مع إيران، متهماً إياها وحليفها "حزب الله" اللبناني بدعم جبهة البوليساريو في الصحراء الغربية. في هذا السياق، ذكر عدد من التقارير المغربية أن بعض الخبراء العسكريين التابعين لحزب الله سافروا إلى الجزائر -وتحديداً لمدينة تندوف- لتأهيل قيادات من جبهة البوليساريو الانفصالية على استخدام صواريخ أرض-جو، والصواريخ المضادة للطائرات.

 

غرب أفريقيا

ارتبطت ظاهرة نشر التشيع وتمدد النفوذ الإيراني في غرب افريقيا باسم رجل الدين الشيعي النيجيري إبراهيم الزكزاكي. تأثر الزكزاكي في شبابه بأفكار الثورة الإيرانية. وفي سنة 1980م سافر إلى طهران للمرة الأولى من أجل المشاركة في الذكرى الأولى للثورة الإسلامية. وهناك، أعتنق المذهب الشيعي بشكل رسمي والتقى بالعديد من قيادات الثورة.

يذكر الباحث العراقي حيدر عبد الجليل في دراسته "دور الفكر الحسيني في نشر الإسلام المحمدي" أن الزكزاكي اُعتقل أكثر من مرة من قِبل السلطات النيجيرية في فترة الثمانينيات والتسعينيات من القرن الماضي، بسبب أنشطته الدعوية الداعية إلى نشر المذهب الشيعي في شمال نيجيريا من خلال تأسيس "الحركة الإسلامية في نيجيريا". أسس الزكزاكي عشرات المدارس الدينية الإسلامية التي تدرس المذهب الشيعي الإمامي، وأقام حسينية "بقية الله" في منطقة زاريا.  كما أسس عدة مؤسسات خيرية لتقديم الخدمات المالية والصحية والتعليمية. ومنها "مؤسسة الشهداء"، التي قامت على "رعاية أبناء الشهداء وكفالة الأيتام". و"مؤسسة الزهراء"، التي عملت على حفر الآبار وشق قنوات المياه وتخليص المسجونين ومساعدة الأرامل.

Iran's Supreme Leader Ayatollah Ali Khamenei meets with Palestinian group Hamas' top leader, Ismail Haniyeh, in Tehran
"حماس" الإخوانية وإيران الخمينية.. علاقة يعززها الإسلام السياسي
قبل أيام زار رئيس المكتب السياسي لحركة "حماس" طهران للمرة الثانية منذ السابع من أكتوبر 2023. هنية المقيم في قطر، يشكّل أحد أبرز الوجوه السياسية لـ"حماس". وزيارته إلى إيران تعيد إلى الواجهة تاريخ العلاقات بين ولاية الفقيه والإخوان المسلمين.

شهدت السنوات الماضية اندلاع العديد من المواجهات بين الجيش النيجيري من جهة، والحركة الإسلامية في نيجيريا من جهة أخرى. بدأت تلك المواجهات في يونيو 2005م، عندما نشرت نيجيريا مئات الجنود في مدينة سوكوتو الواقعة في أقصى غرب البلاد؛ على خلفية اندلاع أحداث العنف الطائفي بين السنة والشيعة التي أدت إلى مقتل 12 شخصاً. في نوفمبر 2015، استهدف تفجير انتحاري موكباً للمسلمين الشيعة قرب مدينة كانو شمالي نيجيريا وأوقع 21 قتيلاً.  وفي ديسمبر من العام نفسه اشتعلت الأوضاع في زاريا بعدما قُتل مئات المسلمين الشيعة على يد جنود الجيش النيجيري أثناء خروج بعض المظاهرات في "يوم القدس العالمي"، الذي يحتفل به الشيعة الموالون لإيران في الجمعة الأخيرة من رمضان سنوياً. شهدت تلك الأحداث تدمير منزل الزكزاكي والقبض عليه عقب إصابته بعيارات نارية، فيما قُتل ثلاثة من أبنائه، فضلاً عن نائب زعيم الحركة. في 2021م، قضت المحكمة العليا بولاية كادونا في نيجيريا بإطلاق سراح الزكزاكي بعد اعتقاله لمدة 6 سنوات، وفي يوليو من تلك السنة تم الإفراج بشكل نهائي عن الزعيم الشيعي، وخرج مرة أخرى لأنصاره.

بشكل عام، أعلن الزكزاكي في العديد من المناسبات عن ولائه الكامل للنظام الإسلامي في طهران، وعن اعتناقه نظرية الولي الفقيه، التي تجعل من "الحركة الإسلامية" في نيجيريا ذراعاً من أذرع المرشد الأعلى علي خامنئي. في أغسطس 2023م، انتقد الزكزاكي التدخل الغربي في شؤون القارة الإفريقية، وسار على نهج الثورة الإيرانية في موقفها المناهض للإمبريالية العالمية. من بين تصريحاته بهذا الخصوص، أن "أميركا وفرنسا قد تتسببان في أزمة بين نيجيريا والنيجر... من الواضح أن هذه ليست حربنا، بل حرباً بين أميركا وفرنسا". في أكتوبر من العام نفسه، سافر الزكزاكي إلى طهران للمرة الأولى عقب الإفراج عنه، وحظي باستقبال شعبي حاشد، كما التقى بالعديد من قيادات الجمهورية الإسلامية على رأسهم المرشد علي خامنئي، الذي وصف الزكزاكي بأنه "مجاهد حقيقي في سبيل الله".

من جهة أخرى، عملت إيران على استغلال العوامل الاقتصادية والتجارية لترسيخ وجودها في دول غرب أفريقيا. في مارس 2023م، نظمت إيران تجمعاً اقتصادياً مع عدد من سفراء دول غرب أفريقيا. وفي إبريل 2024م، استضافت طهران المؤتمر الاقتصادي الثاني لها مع أكثر من 40 دولة أفريقية، بهدف توسيع التعاون الاقتصادي مع الدول الأفريقية.  تسعى طهران إلى رفع حجم تجارتها مع أفريقيا إلى 12 مليار دولار، أي عشر أضعاف تجارتها الحالية التي سجلت 1.28 مليار دولار في سنة 2021م.