لم يبقَ في العراق اليوم سوى 400 ألف مسيحي من أصل 1.5 مليون مسيحي تواجدوا في العراق في سنة 2003م
لم يبقَ في العراق اليوم سوى 400 ألف مسيحي من أصل 1.5 مليون مسيحي تواجدوا في العراق في سنة 2003م.

زار البابا فرنسيس الأراضي العراقية في مارس سنة 2021م في رحلة تاريخية حظيت باهتمام واسع من قِبل ملايين المسيحيين المنتشرين حول العالم. أتت تلك الزيارة في أعقاب نجاح القوات العراقية في هزيمة تنظيم داعش، واسترداد كافة المدن التي خضعت للتنظيم في السنوات السابقة.

أكد بابا الفاتيكان في زيارته أن "التناقص المأساوي في أعداد تلاميذ المسيح، هنا وفي جميع أنحاء الشرق الأوسط، ضرر جسيم لا يمكن تقديره". ورحب في كلمته التي ألقاها في الموصل "بعودة الجالية المسيحية إلى الموصل لتقوم بدورها الحيوي في عملية الشفاء والتجديد". كذلك صلى البابا "من أجل ضحايا الحرب والنزاعات المسلحة"، مؤكدا أن "الرجاء أقوى من الموت، والسلام أقوى من الحرب".

في الواقع، تعرض المسيحيون في المناطق التي سيطر عليها تنظيم داعش في كل من العراق وسوريا للعديد من المخاطر. بحسب بعض التقارير لم يبقَ في العراق اليوم سوى 400 ألف مسيحي من أصل 1.5 مليون مسيحي تواجدوا في العراق في سنة 2003م. أيضًا، تشير بعض التقديرات إلى أن هناك أكثر من 700 ألف مسيحي سوري فروا من بلادهم في أعقاب اندلاع الحرب في 2011م.

نلقي الضوء في هذا المقال على بعض الكنائس المهمة في العراق وسوريا. لنرى كيف احتفظت تلك المباني بذاكرة الأقليات المسيحية في البلدين. ولنتعرف على جانب من الظروف الصعبة التي لاقاها المسيحيون في السنين القليلة الماضية.

• كنيسة القديس يوسف

تقع كنيسة القديس يوسف في العاصمة العراقية بغداد. بُنيت سنة 1871م، وهي تتبع الكنائس الكاثوليكية اللاتينية. في أثناء الحرب العالمية الأولى، استولت القوات التركية العثمانية على الكنيسة وحولتها إلى مستشفى. وبعد هزيمة الأتراك ورحيلهم، تمت إعادة افتتاح وتجديد الكنيسة مرة أخرى في سنة 1923م.

تشتهر كنيسة القديس يوسف بشكل المميز، فهي عبارة "عن مبنى على شكل صليب له قبة نصف كروية رائعة مع أسطوانة دائرية ونوافذ على مستوى جناح الكنيسة، ويبلغ ارتفاعها 32 متراً، يعلوها فانوس مثمن الشكل يوجد على قمّته صليب. عن بعد، نستطيع رؤية الكنيسة بوضوح كمنارة في الحي".

رغم تميز عمارتها، تعاني الكنيسة من الكثير الأضرار ويطلب القائمون عليها العمل على ترميمها. حظيت الكنيسة بتسليط الأضواء عليها عندما زارها البابا فرنسيس وترأس القداس بها بحضور بطريرك بابل للكلدان الكاردينال مار لويس روفائيل ساكو.

• كنيسة سيدة النجاة

تقع كنيسة سيدة النجاة في حي الكرادة في العاصمة العراقية بغداد. تتبع الكنيسة للسريان الكاثوليك، وترتبط في الوجدان العراقي الجمعي بذكرى مؤسفة. في أواخر شهر أكتوبر سنة 2010م، اقتحم مسلحون تابعون لتنظيم دولة العراق الإسلامية الكنيسة أثناء تأدية مراسيم القداس. تم احتجاز العشرات من المسيحيين داخل الكنيسة كرهائن لساعات عدّة. بعدها، اقتحم رجال الأمن الكنيسة لتحرير الرهائن، ولكن قام المسلحون بتفجير أنفسهم. لقي ما يقرب من الستين شخصًا مصرعهم أثناء الاقتحام، فيما أصيب المئات من المسيحيين بجروح مختلفة.

• كنيسة الساعة بالموصل

تسمى هذه الكنيسة بكنيسة اللاتين أو كنيسة الدومنيكان، وتُعرف في الأوساط الشعبية باسم كنيسة الساعة، لكونها تقع في حي الساعة بمدينة الموصل. بُنيت هذه الكنيسة في ستينات القرن التاسع عشر على الطراز الروماني البيزنطي. وكانت مركزًا للآباء الدومنيكان، وهي تابعة للمذهب الكاثوليكي.

اشتهرت الكنيسة ببرجها العظيم، وبالساعة الشهيرة التي أُهديت إلى الآباء الدومنيكان من قِبل الإمبراطورة أوجيني دي منتيغو زوجة الإمبراطور الفرنسي نابليون الثالث. قامت عناصر تنظيم داعش بنهب محتويات الكنيسة، ثم أقدموا على تفجيرها في الثاني من أبريل سنة 2016م. في أبريل سنة 2020، أعلنت منظمة اليونسكو أنها ستبدأ -بمشاركة السلطات العراقية والدومنيكان- بمشروع إعادة ترميم الكنيسة.

 

• كنيسة الطاهرة الكبرى

تقع كنيسة الطاهرة الكبرى في قرقوش بمحافظة نينوى. وقد بُنيت في النصف الأول من القرن العشرين. تعرضت الكنيسة للتخريب في فترة سيطرة تنظيم داعش على الموصل. تم تحويل الكنيسة إلى ثكنة عسكرية، واستخدمت حجراتها كمخازن للسلاح، كما استخدمت الكنيسة نفسها كمقر للمحكمة الشرعية. سُلطت الأضواء على الكنيسة عندما زارها البابا فرنسيس في رحلته إلى العراق.

• الكنيسة المريمية

يعتقد الكثير من الباحثين أن الكنيسة المريمية بدمشق هي أقدم كنيسة في العالم. يرجع تاريخ تأسيسها لسنة 37م. وتُعتبر أكبر كنائس الشرق بشكل عام، ولا يوازيها في المساحة إلا كنيسة القديسين بطرس وبولس في أنطاكية.

سيطر المسلمون على الكنيسة لفترة بعد الاستيلاء على دمشق، ثم ردوها للمسيحيين الأرثوذكس عوضًا عن كنيسة يوحنا. تعرضت الكنيسة بعدها لبعض الحوادث المؤسفة، حُرقت في العصر العباسي والعصر الفاطمي. ولكن أُعيد بناؤها فيما بعد واهتم المسيحيون بتزيينها وتجميلها. في القرن الثاني عشر الميلادي زارها الرحالة المسلم ابن جبير الأندلسي، ووصفها بقوله: "في داخل البلد كنيسة لها عند الروم شأن عظيم تعرف بكنيسة مريم ليس بعد كنيسة بيت المقدس عندهم أفضل منها، وهي جميلة البناء تتضمن من التصاوير أمرًا عجيبًا يبهر الأفكار ويستوقف الأبصار، ومرآها عجيب".

تتبع الكنيسة طائفة الروم الأرثوذكس منذ قرون عديدة. وكانت تابعة فيما سبق لكرسي بطريرك أنطاكية. في سنة 1268م، وقع تغير مهم أثر كثيرًا في مستقبل الكنيسة المريمية. دمر السلطان المملوكي الظاهر بيبرس أنطاكية في سياق حروبه مع الصليبيين في تلك الفترة. اضطر البطاركة إلى الخروج من أنطاكية. وبحثوا لأنفسهم عن مقر جديد لكرسيهم. في سنة 1344م، اختار البطريرك الجديد إغناطيوس الثاني الكنيسة المريمية في دمشق لتصبح المقر الجديد للكرسي الأنطاكي.

• كنيسة حنانيا

تقع كنيسة حنانيا في حي باب توما بمدينة دمشق. وتُعدّ من أقدم الكنائس في العالم، ويعود تاريخ تأسيسها للقرن الأول الميلادي. تتمثل الأهمية التاريخية للكنيسة في كونها المكان الذي شهد تعميد بولس الرسول على يد القديس حنانيا، حسب المرويات المسيحية. يذكر العهد الجديد أن بولس خرج من فلسطين وتوجه إلى دمشق لمطاردة تلاميذ المسيح. في الطريق أُصيب بالعمى. وفي دمشق قام المسيحي حنانيا بشفاء بولس من العمى وعمده، ليتحول بولس إلى المسيحية وليسهم بالدور الأكبر في نشر الديانة الجديدة.

تقع الكنيسة تحت الأرض بما يقارب الأمتار الخمسة. وكان السبب في ذلك أن المسيحيين الأوائل تعرضوا للاضطهاد، وكانوا يبحثون عن مكان خفي لممارسة شعائرهم. من المُرجح أن الكنيسة هُدمت في القرون الأولى من الميلاد، وتحولت لأرض خربة. تذكر بعض المصادر التاريخية الإسلامية أن المسلمين لمّا عزموا على تحويل كنيسة القديس يوحنا المعمدان إلى المسجد الأموي، فإنهم أعطوا المسيحيين في المقابل مكان كنيسة يوحنا لترضيتهم. وكانت في تلك الفترة تُعرف باسم الكنيسة المُصلبة أو كنيسة الصليب. في سنة 1829، ابتاع الآباء الفرنسيسكان أرض الكنيسة وأُعيد بناؤها من جديد. وفي 1973، تم ترميم الكنيسة وسجلتها منظمة اليونيسكو ضمن قائمة التراث العالمي.

• كنيسة أم الزنار

تقع تلك الكنيسة في منطقة الحميدية بمدينة حمص السورية. ويرجع تأسيسها إلى سنة 59م تقريبًا. كانت الكنيسة عبارة عن قبو تحت الأرض تتم العبادة فيه سراً خشية من الحكم الوثني الروماني، ثم جرى توسيع بنائها في العهد المسيحي.

تُعدّ كنيسة أم الزنار واحدة من أقدم الكنائس الأثرية في سوريا. وأشهر ما تتميز به تلك المدينة هو "احتفاظها بزنار -حزام- العذراء مريم"!. وبحسب التقاليد الكنسية، فإن جميع الرسل كانوا حاضرين أثناء وفاة العذراء مريم، عدا القديس توما الذي كان يبشر بالمسيحية في أرض الهند. أتت الملائكة وحملت جسد مريم إلى السماء، وفي أثناء الصعود مر الركب على القديس توما الذي كان قادمًا من الهند. أعطى الملائكة زنار العذراء لتوما فاحتفظ به ولم يفارقه قط حتى توفى ودُفن بالهند. في أواخر القرن الرابع الميلادي نُقلت رفات توما والزنار من الهند إلى الرها. ثم بعد مائة عام تقريبًا، أخذ أحد الرهبان الزنار ونقله إلى حمص، ووضعه في الكنيسة التي ستُعرف منذ ذلك الوقت بكنيسة أم الزنار!.

يزور الكثير من المسيحيين الكنيسة في يوم الخامس عشر من أغسطس -وهو يوم انتقال العذراء إلى السماء- في كل عام، ويُعرض "الزنار المقدس" على الزائرين. تتميز الكنيسة بنمط معماري فريد من نوعه. يشهد عليه جمال أقواسها، وفن بنائها الحجري القديم، وقناطرها الرائعة. رغم ذلك تضررت الكنيسة بشكل كبير بالتزامن مع اندلاع الثورة السورية في 2011م وما تبعها من معارك بين الجيش السوري والتنظيمات المعارضة.

 

كنيسة شهداء الأرمن

تتبع الكنيسة طائفة الأرمن الأرثوذكس. ويرجع تاريخها لفترة الحرب العالمية الأولى عندما وقع الآلاف من الأرمن ضحايا على يد القوات العثمانية. تم ترحيل عدد كبير من الأرمن إلى منطقة دير الزور بسوريا كنوع من النفي والتشريد. بعد سنوات، قام الأرمن ببناء الكنيسة في دير الزور وخصصوها لتضم رفات أجدادهم من ضحايا الإبادة الجماعية، وافتتحت الكنيسة للمرة الأولى في سنة 1990م.

اختصت الكنيسة بطابع معماري مميز يتماشى مع الهدف الذي بُنيت من أجله. أٌقيم نصبٌ تذكاري ضخم يخلّد ذكرى ضحايا الأرمن، يتوسطه خاتشكار -حجر الصليب- جيء به من أرمينيا، تشعل أمامه بصفة دائمة "شمعة الخلود"، وعلى جانبيه خمسة نماذج لـ"نصب شهداء الأرمن" موجودة في أنحاء العالم. أما في أسفل الكنيسة، فتوجد صالة يرتفع منها عمود يخترق منتصف الكنيسة ويسمّى بعمود الانبعاث. دُفن في أساسه بقايا من عظام الضحايا ورفاتهم التي اُنتشلت من مواقع عدة. وتحوي الصالة أيضا واجهات عرض لكتب ومنشورات وصور وثائقية تحكي حكاية الشعب الأرمني ومآسيه.

يمكن التعرف على الرمزية المهمة التي تحتلها الكنيسة في الوجدان الأرمني الجمعي إذا عرفنا أن الآلاف من الأرمن اعتادوا أن يزوروا الكنيسة في الرابع والعشرين من كل عام لإحياء ذكرى ضحايا الإبادة الجماعية. كانت الكنيسة بمثابة القبلة التي تجمع حولها الأرمن من كل مكان استذكارًا لمصابهم.

في سبتمبر 2014م، تعرضت الكنيسة للتدمير الجزئي عقب تفجيرها من قِبل بعض عناصر تنظيم داعش. مثل هذا الحدث ضربة موجعة للمسيحيين السوريين والأرمن. عبر عن ذلك البيان المشترك الصادر عن الأحزاب الأرمنية حينذاك. والذي جاء فيه "في الوقت الذي يتحضر فيه الشعب الأرمني لإحياء الذكرى المئوية للإبادة الأرمينية، وفي وقت كان يقام فيه المؤتمر العام الخامس الأرمني في أرمينيا، حيث جدد الأرمن مرة جديدة على مطالبة المجتمع الدولي بالعدالة، طالت يد الإجرام، بتفجير كنيسة شهداء الأرمن والمتحف المجاور في دير الزور، حيث يرقد رفات عدد كبير من شهداء الإبادة الجماعية الأرمنية".

بعد طرد تنظيم داعش من دير الزور، أُقيم في أبريل الماضي أول قداس بعد انقطاع استمر لأكثر من عشر سنوات بسبب ما تعرضت له الكنيسة من تدمير على يد التنظيمات الإرهابية.

 

مواضيع ذات صلة:

يتوجه ملايين الزوار الشيعة من شتى أنحاء العالم صوب كربلاء في شهر صفر من كل عام لإحياء أربعينية الحسين بن علي بن أبي طالب.
يتوجه ملايين الزوار الشيعة من شتى أنحاء العالم صوب كربلاء في شهر صفر من كل عام لإحياء أربعينية الحسين بن علي بن أبي طالب.

يتوجه ملايين الشيعة من شتى أنحاء العراق وإيران والبحرين والكويت ولبنان وباكستان صوب كربلاء في شهر صفر من كل عام. تقصد تلك الحشود المدينة العراقية المقدسة لإحياء أربعينية الإمام الحسين بن علي بن أبي طالب، الذي قُتل في موقعة عاشوراء في العاشر من محرم سنة 61 هـ.

تُعرف تلك المسيرة باسم "الـمَشَّايَة" لأن الملايين من زوار الحسين يمشون فيها على أقدامهم، ويقطعون مسافات كبيرة للوصول إلى كربلاء. ما هي تلك المسيرة؟ ماذا عن جذورها التاريخية؟ وما هي مكانتها في طقوس الأربعين؟ وكيف ارتبطت ببعض الأحداث السياسية؟

 

 الجذور التاريخية لزيارة الحسين

 

تذكر المصادر الروائية الشيعية أن السيدة زينب بنت علي وابن أخيها علي زين العابدين (الإمام الرابع) توجها إلى كربلاء بعد أربعين يوماً من مقتل الحسين، وقابلا هناك الصحابي جابر بن عبد الله فزاروا جميعاً قبر الحسين. واستنوا بذلك السنة التي ستظل قائمة حتى اليوم.

وبحسب ما يذكر ابن طاووس الحلي في كتابه "اللهوف في قتلى الطفوف" فإن الخليفة الأموي يزيد بن معاوية بن أبي سفيان أمر برد السبايا والأسارى من الشام إلى المدينة في الحجاز، ومعهم رأس الحسين بن علي. لمّا بلغ الركب أرض العراق قالت السيدة زينب للدليل: مر بنا على طريق كربلاء، فمضى بهم حتّى أشرفوا على مكان المعركة. وكان الصحابي جابر بن عبد الله الأنصاري، وجماعة من بني هاشم، قد وردوا العراق لزيارة قبر الحسين. فالتقى هؤلاء جميعاً مع بعضهم البعض وزاروا قبر الحسين بعد أربعين يوماً من مقتله. صادف هذا اليوم العشرين من شهر صفر. وسُمي في الثقافة العراقية باسم يوم "مرد الرأس" لاعتقاد الشيعة برجوع رأس الحسين بن علي من الشام إلى العراق ودفنه مع الجسد في كربلاء.

بحسب ما يذكر محمد علي الطباطبائي في كتابه "رجوع الركب بعد الكرب"، فإن الشيعة منذ ذلك التاريخ قاموا بتنظيم الزيارة لضريح الحسين بشكل فردي طوال زمني الدولة الأموية والدولة العباسية. وفي القرن الرابع الهجري، تحولت الزيارة إلى طقس جماعي مُعترف به من قِبل الدولة في العصر البويهي. يفسر مهدي شمس الدين أسباب هذا التغيير في كتابه "واقعة كربلاء في الوجدان الشعبي"، فيقول: "كان البويهيون الشيعة قد سيطروا على العراق وإيران، مجرِّدين الخليفة العبّاسي تدريجياً من كلّ سلطانٍ فعليّ. وقد أتاح ذلك لموطن المأتم الحسيني الأُمّ أن ينعم بحرّية طالما فقدها في ممارسة الشعائر الحسينيّة. وهكذا تطوّر المأتم الحسيني شكلاً ونوعاً في العراق وإيران تطوّراً كبيراً".

في العصور اللاحقة، ترسخت الزيارة الأربعينية إلى كربلاء ولا سيما في الفترات التي حُكمت فيها إيران من قِبل دول شيعية، ومنها كل من الدولة المغولية الإيليخانية في القرن الثامن الهجري والدولة الصفوية في القرن الحادي عشر الهجري. قام حكام تلك الدول بتعمير ضريح الحسين وأضرحة كبار الشخصيات الشيعية في كربلاء، وأنفقوا الأموال الضخمة في سبيل تسهيل مهمة السفر إليها. وبذلك صارت أربعينية الحسين حدثاً مهماً ينتظره الشيعة في كل سنة.

في القرن التاسع عشر الميلادي، قام رجل الدين الشيعي ميرزا حسين نوري بإحياء مراسم المشي لزيارة ضريح الحسين في كربلاء. ولاقى هذا التقليد تجاوباً كبيراً من جانب الشيعة في كل من العراق وإيران. مع مرور الوقت، صار من المعتاد أن يجتمع الزوار العراقيون في منطقة "رأس البيشة" الحدودية الواقعة إلى الجنوب من محافظة البصرة قبل انطلاقهم في المسير نحو كربلاء. بالنسبة للزوار القادمين من دول أخرى، فإن أغلبهم يجتمعون في مدينة النجف لزيارة ضريح الإمام علي بن أبي طالب، ثم ينطلقون بعدها قاصدين كربلاء سيراً على الأقدام.

يتوجه ملايين الزوار الشيعة من شتى أنحاء العالم صوب كربلاء في شهر صفر من كل عام لإحياء أربعينية الحسين بن علي بن أبي طالب.
من المصريين القدامى إلى أربعينية الحسين.. ما سر الرقم أربعين في كل الديانات؟
في مصر القديمة، كان الفراعنة يحنطون موتاهم 40 يوما. وفي اليهودية، صام موسى 40 يوما ليستلم الشريعة فوق جبل الطور. وفي المسيحية قضى المسيح 40 يوما بين قيامته من الموت وصعوده إلى السماء، وفي الإسلام، بعث النبي محمد وهو ابن 40 سنة. فما قصة هذا الرقم المميز؟

وتحظى شعيرة المشي لزيارة ضريح الحسين في كربلاء بمكانة دينية مقدسة بحسب التقليد الديني الشيعي المتوارث. في كتابه "السَير على الأقدام الى كربلاء المقدسة.. أهدَافه- مَشروعيته- آدَابَه"، جمع محمود المقدس الغريفي العديد من النصوص الدينية التي تؤكد على أهمية هذه الشعيرة. من ذلك ما نُقل عن الإمام الحادي عشر الحسن العسكري من قوله: "علامات المؤمن خمسة: التختم باليمين، وتعفير الجبين، وصلوات إحدى وخمسين، وزيارة الأربعين، والجهر ببسم الله الرحمن الرحيم". وروي عن الإمام الخامس محمد الباقر: "مرو شيعتنا بزيارة الحسين بن علي عليهما السلام؛ فإن زيارته تدفع الهدم والغرق والحرق وأكل السبع، وزيارته مفترضة على من أقر للحسين عليه السلام بالإمامة".

 

"المشاية".. البعد السياسي والاجتماعي

 

ارتبطت شعيرة المشي لزيارة الحسين بالعديد من الأبعاد السياسية والاجتماعية. في القرن السادس عشر الميلادي، تنافس الصفويون والعثمانيون على حكم العراق. وطيلة وقوع كربلاء تحت الحكم العثماني، حاول الصفويون استبدال شعيرة المشي إلى كربلاء بالمشي إلى مدينة مشهد في إيران، حيث دُفن الإمام الثامن علي الرضا. في هذا السياق، تذكر العديد من المصادر التاريخية أن الشاه عباس الصفوي سافر سيراً على الأقدام من أصفهان إلى مشهد، وقطع في هذه الرحلة ما يزيد عن 1200 كيلومتر على مدار 28 يوماً. وكان يريد بذلك مضاهاة مسيرة الأربعين الحسينية.

في العصر الحديث، ارتبطت مسيرة الأربعين بالصراع مع النظام البعثي في العراق. عمل صدام حسين بشتى الوسائل من أجل إجهاض أي مسيرات في أربعينية الحسين. وتسبب ذلك في وقوع العديد من المصادمات بين السلطة وجماهير الشيعة. كانت أحداث صفر في الرابع من فبراير عام 1977م أشهر تلك المصادمات على الإطلاق.

من جهة أخرى، تميزت المشاية الحسينية بالعديد من السمات المجتمعية البارزة، خصوصاً وأنها واحدة من أكبر التجمعات البشرية الموثقة حول العالم. في سنة 2014م، شهد الطريق الرابط بين محافظتي كربلاء والنجف، إقامة أكبر صلاة جماعة امتدت لنحو 30 كيلومترا بمشاركة آلاف المصلين والزائرين المتجهين الى كربلاء. وفي سنة 2023م، أعلنت العتبة العباسية بكربلاء أن العدد الكلي للزائرين الذين قصدوا مدينة كربلاء لأداء مراسم زيارة أربعينية الإمام الحسين بلغ أكثر من 22 مليون زائر. في سنة 2019، أدرجت منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو) عنصر الضيافة وتوفير الخدمات خلال زيارة الأربعين في القائمة التمثيلية للتراث الثقافي غير المادي للبشرية.

في السياق نفسه، يُعد توزيع الطعام على زائري الأربعين من المعالم المميزة لزيارة صفر. يقوم الكثير من المتطوعين بطبخ كميات كبيرة من الطعام. وتوزع تلك الأطعمة على الزوار دون مقابل. من أشهر أنواع الطعام التي توزع في تلك المناسبة "كعك العباس" والذي يُحضّر من الطحين والسكر واليانسون والزيت. وهناك أيضا "خبز العباس" وهو عبارة عن رغيف من الخبز المحشو باللحوم والتوابل والملفوف بالخضروات المتنوعة والسلطات، ويُقدم في أحيان كثيرة مع اللبن. كذلك، تُعد أكلة "القيمة النجفية" واحدة من أشهر الأكلات التراثية التي توزع على زوار كربلاء في أربعينية الحسين. يعود أصل كلمة القيمة على الأرجح إلى جذور فارسية قديمة بمعنى المرق. وتُنسب تلك الأكلة في الغالب لمدينة النجف (القيمة النجفية)، كما تُسمى أحياناً باسم القيمة الحسينية، وذلك بسبب ارتباطها بمناسبتي عاشوراء وزيارة الأربعين.