لم يبقَ في العراق اليوم سوى 400 ألف مسيحي من أصل 1.5 مليون مسيحي تواجدوا في العراق في سنة 2003م
لم يبقَ في العراق اليوم سوى 400 ألف مسيحي من أصل 1.5 مليون مسيحي تواجدوا في العراق في سنة 2003م.

زار البابا فرنسيس الأراضي العراقية في مارس سنة 2021م في رحلة تاريخية حظيت باهتمام واسع من قِبل ملايين المسيحيين المنتشرين حول العالم. أتت تلك الزيارة في أعقاب نجاح القوات العراقية في هزيمة تنظيم داعش، واسترداد كافة المدن التي خضعت للتنظيم في السنوات السابقة.

أكد بابا الفاتيكان في زيارته أن "التناقص المأساوي في أعداد تلاميذ المسيح، هنا وفي جميع أنحاء الشرق الأوسط، ضرر جسيم لا يمكن تقديره". ورحب في كلمته التي ألقاها في الموصل "بعودة الجالية المسيحية إلى الموصل لتقوم بدورها الحيوي في عملية الشفاء والتجديد". كذلك صلى البابا "من أجل ضحايا الحرب والنزاعات المسلحة"، مؤكدا أن "الرجاء أقوى من الموت، والسلام أقوى من الحرب".

في الواقع، تعرض المسيحيون في المناطق التي سيطر عليها تنظيم داعش في كل من العراق وسوريا للعديد من المخاطر. بحسب بعض التقارير لم يبقَ في العراق اليوم سوى 400 ألف مسيحي من أصل 1.5 مليون مسيحي تواجدوا في العراق في سنة 2003م. أيضًا، تشير بعض التقديرات إلى أن هناك أكثر من 700 ألف مسيحي سوري فروا من بلادهم في أعقاب اندلاع الحرب في 2011م.

نلقي الضوء في هذا المقال على بعض الكنائس المهمة في العراق وسوريا. لنرى كيف احتفظت تلك المباني بذاكرة الأقليات المسيحية في البلدين. ولنتعرف على جانب من الظروف الصعبة التي لاقاها المسيحيون في السنين القليلة الماضية.

• كنيسة القديس يوسف

تقع كنيسة القديس يوسف في العاصمة العراقية بغداد. بُنيت سنة 1871م، وهي تتبع الكنائس الكاثوليكية اللاتينية. في أثناء الحرب العالمية الأولى، استولت القوات التركية العثمانية على الكنيسة وحولتها إلى مستشفى. وبعد هزيمة الأتراك ورحيلهم، تمت إعادة افتتاح وتجديد الكنيسة مرة أخرى في سنة 1923م.

تشتهر كنيسة القديس يوسف بشكل المميز، فهي عبارة "عن مبنى على شكل صليب له قبة نصف كروية رائعة مع أسطوانة دائرية ونوافذ على مستوى جناح الكنيسة، ويبلغ ارتفاعها 32 متراً، يعلوها فانوس مثمن الشكل يوجد على قمّته صليب. عن بعد، نستطيع رؤية الكنيسة بوضوح كمنارة في الحي".

رغم تميز عمارتها، تعاني الكنيسة من الكثير الأضرار ويطلب القائمون عليها العمل على ترميمها. حظيت الكنيسة بتسليط الأضواء عليها عندما زارها البابا فرنسيس وترأس القداس بها بحضور بطريرك بابل للكلدان الكاردينال مار لويس روفائيل ساكو.

• كنيسة سيدة النجاة

تقع كنيسة سيدة النجاة في حي الكرادة في العاصمة العراقية بغداد. تتبع الكنيسة للسريان الكاثوليك، وترتبط في الوجدان العراقي الجمعي بذكرى مؤسفة. في أواخر شهر أكتوبر سنة 2010م، اقتحم مسلحون تابعون لتنظيم دولة العراق الإسلامية الكنيسة أثناء تأدية مراسيم القداس. تم احتجاز العشرات من المسيحيين داخل الكنيسة كرهائن لساعات عدّة. بعدها، اقتحم رجال الأمن الكنيسة لتحرير الرهائن، ولكن قام المسلحون بتفجير أنفسهم. لقي ما يقرب من الستين شخصًا مصرعهم أثناء الاقتحام، فيما أصيب المئات من المسيحيين بجروح مختلفة.

• كنيسة الساعة بالموصل

تسمى هذه الكنيسة بكنيسة اللاتين أو كنيسة الدومنيكان، وتُعرف في الأوساط الشعبية باسم كنيسة الساعة، لكونها تقع في حي الساعة بمدينة الموصل. بُنيت هذه الكنيسة في ستينات القرن التاسع عشر على الطراز الروماني البيزنطي. وكانت مركزًا للآباء الدومنيكان، وهي تابعة للمذهب الكاثوليكي.

اشتهرت الكنيسة ببرجها العظيم، وبالساعة الشهيرة التي أُهديت إلى الآباء الدومنيكان من قِبل الإمبراطورة أوجيني دي منتيغو زوجة الإمبراطور الفرنسي نابليون الثالث. قامت عناصر تنظيم داعش بنهب محتويات الكنيسة، ثم أقدموا على تفجيرها في الثاني من أبريل سنة 2016م. في أبريل سنة 2020، أعلنت منظمة اليونسكو أنها ستبدأ -بمشاركة السلطات العراقية والدومنيكان- بمشروع إعادة ترميم الكنيسة.

 

• كنيسة الطاهرة الكبرى

تقع كنيسة الطاهرة الكبرى في قرقوش بمحافظة نينوى. وقد بُنيت في النصف الأول من القرن العشرين. تعرضت الكنيسة للتخريب في فترة سيطرة تنظيم داعش على الموصل. تم تحويل الكنيسة إلى ثكنة عسكرية، واستخدمت حجراتها كمخازن للسلاح، كما استخدمت الكنيسة نفسها كمقر للمحكمة الشرعية. سُلطت الأضواء على الكنيسة عندما زارها البابا فرنسيس في رحلته إلى العراق.

• الكنيسة المريمية

يعتقد الكثير من الباحثين أن الكنيسة المريمية بدمشق هي أقدم كنيسة في العالم. يرجع تاريخ تأسيسها لسنة 37م. وتُعتبر أكبر كنائس الشرق بشكل عام، ولا يوازيها في المساحة إلا كنيسة القديسين بطرس وبولس في أنطاكية.

سيطر المسلمون على الكنيسة لفترة بعد الاستيلاء على دمشق، ثم ردوها للمسيحيين الأرثوذكس عوضًا عن كنيسة يوحنا. تعرضت الكنيسة بعدها لبعض الحوادث المؤسفة، حُرقت في العصر العباسي والعصر الفاطمي. ولكن أُعيد بناؤها فيما بعد واهتم المسيحيون بتزيينها وتجميلها. في القرن الثاني عشر الميلادي زارها الرحالة المسلم ابن جبير الأندلسي، ووصفها بقوله: "في داخل البلد كنيسة لها عند الروم شأن عظيم تعرف بكنيسة مريم ليس بعد كنيسة بيت المقدس عندهم أفضل منها، وهي جميلة البناء تتضمن من التصاوير أمرًا عجيبًا يبهر الأفكار ويستوقف الأبصار، ومرآها عجيب".

تتبع الكنيسة طائفة الروم الأرثوذكس منذ قرون عديدة. وكانت تابعة فيما سبق لكرسي بطريرك أنطاكية. في سنة 1268م، وقع تغير مهم أثر كثيرًا في مستقبل الكنيسة المريمية. دمر السلطان المملوكي الظاهر بيبرس أنطاكية في سياق حروبه مع الصليبيين في تلك الفترة. اضطر البطاركة إلى الخروج من أنطاكية. وبحثوا لأنفسهم عن مقر جديد لكرسيهم. في سنة 1344م، اختار البطريرك الجديد إغناطيوس الثاني الكنيسة المريمية في دمشق لتصبح المقر الجديد للكرسي الأنطاكي.

• كنيسة حنانيا

تقع كنيسة حنانيا في حي باب توما بمدينة دمشق. وتُعدّ من أقدم الكنائس في العالم، ويعود تاريخ تأسيسها للقرن الأول الميلادي. تتمثل الأهمية التاريخية للكنيسة في كونها المكان الذي شهد تعميد بولس الرسول على يد القديس حنانيا، حسب المرويات المسيحية. يذكر العهد الجديد أن بولس خرج من فلسطين وتوجه إلى دمشق لمطاردة تلاميذ المسيح. في الطريق أُصيب بالعمى. وفي دمشق قام المسيحي حنانيا بشفاء بولس من العمى وعمده، ليتحول بولس إلى المسيحية وليسهم بالدور الأكبر في نشر الديانة الجديدة.

تقع الكنيسة تحت الأرض بما يقارب الأمتار الخمسة. وكان السبب في ذلك أن المسيحيين الأوائل تعرضوا للاضطهاد، وكانوا يبحثون عن مكان خفي لممارسة شعائرهم. من المُرجح أن الكنيسة هُدمت في القرون الأولى من الميلاد، وتحولت لأرض خربة. تذكر بعض المصادر التاريخية الإسلامية أن المسلمين لمّا عزموا على تحويل كنيسة القديس يوحنا المعمدان إلى المسجد الأموي، فإنهم أعطوا المسيحيين في المقابل مكان كنيسة يوحنا لترضيتهم. وكانت في تلك الفترة تُعرف باسم الكنيسة المُصلبة أو كنيسة الصليب. في سنة 1829، ابتاع الآباء الفرنسيسكان أرض الكنيسة وأُعيد بناؤها من جديد. وفي 1973، تم ترميم الكنيسة وسجلتها منظمة اليونيسكو ضمن قائمة التراث العالمي.

• كنيسة أم الزنار

تقع تلك الكنيسة في منطقة الحميدية بمدينة حمص السورية. ويرجع تأسيسها إلى سنة 59م تقريبًا. كانت الكنيسة عبارة عن قبو تحت الأرض تتم العبادة فيه سراً خشية من الحكم الوثني الروماني، ثم جرى توسيع بنائها في العهد المسيحي.

تُعدّ كنيسة أم الزنار واحدة من أقدم الكنائس الأثرية في سوريا. وأشهر ما تتميز به تلك المدينة هو "احتفاظها بزنار -حزام- العذراء مريم"!. وبحسب التقاليد الكنسية، فإن جميع الرسل كانوا حاضرين أثناء وفاة العذراء مريم، عدا القديس توما الذي كان يبشر بالمسيحية في أرض الهند. أتت الملائكة وحملت جسد مريم إلى السماء، وفي أثناء الصعود مر الركب على القديس توما الذي كان قادمًا من الهند. أعطى الملائكة زنار العذراء لتوما فاحتفظ به ولم يفارقه قط حتى توفى ودُفن بالهند. في أواخر القرن الرابع الميلادي نُقلت رفات توما والزنار من الهند إلى الرها. ثم بعد مائة عام تقريبًا، أخذ أحد الرهبان الزنار ونقله إلى حمص، ووضعه في الكنيسة التي ستُعرف منذ ذلك الوقت بكنيسة أم الزنار!.

يزور الكثير من المسيحيين الكنيسة في يوم الخامس عشر من أغسطس -وهو يوم انتقال العذراء إلى السماء- في كل عام، ويُعرض "الزنار المقدس" على الزائرين. تتميز الكنيسة بنمط معماري فريد من نوعه. يشهد عليه جمال أقواسها، وفن بنائها الحجري القديم، وقناطرها الرائعة. رغم ذلك تضررت الكنيسة بشكل كبير بالتزامن مع اندلاع الثورة السورية في 2011م وما تبعها من معارك بين الجيش السوري والتنظيمات المعارضة.

 

كنيسة شهداء الأرمن

تتبع الكنيسة طائفة الأرمن الأرثوذكس. ويرجع تاريخها لفترة الحرب العالمية الأولى عندما وقع الآلاف من الأرمن ضحايا على يد القوات العثمانية. تم ترحيل عدد كبير من الأرمن إلى منطقة دير الزور بسوريا كنوع من النفي والتشريد. بعد سنوات، قام الأرمن ببناء الكنيسة في دير الزور وخصصوها لتضم رفات أجدادهم من ضحايا الإبادة الجماعية، وافتتحت الكنيسة للمرة الأولى في سنة 1990م.

اختصت الكنيسة بطابع معماري مميز يتماشى مع الهدف الذي بُنيت من أجله. أٌقيم نصبٌ تذكاري ضخم يخلّد ذكرى ضحايا الأرمن، يتوسطه خاتشكار -حجر الصليب- جيء به من أرمينيا، تشعل أمامه بصفة دائمة "شمعة الخلود"، وعلى جانبيه خمسة نماذج لـ"نصب شهداء الأرمن" موجودة في أنحاء العالم. أما في أسفل الكنيسة، فتوجد صالة يرتفع منها عمود يخترق منتصف الكنيسة ويسمّى بعمود الانبعاث. دُفن في أساسه بقايا من عظام الضحايا ورفاتهم التي اُنتشلت من مواقع عدة. وتحوي الصالة أيضا واجهات عرض لكتب ومنشورات وصور وثائقية تحكي حكاية الشعب الأرمني ومآسيه.

يمكن التعرف على الرمزية المهمة التي تحتلها الكنيسة في الوجدان الأرمني الجمعي إذا عرفنا أن الآلاف من الأرمن اعتادوا أن يزوروا الكنيسة في الرابع والعشرين من كل عام لإحياء ذكرى ضحايا الإبادة الجماعية. كانت الكنيسة بمثابة القبلة التي تجمع حولها الأرمن من كل مكان استذكارًا لمصابهم.

في سبتمبر 2014م، تعرضت الكنيسة للتدمير الجزئي عقب تفجيرها من قِبل بعض عناصر تنظيم داعش. مثل هذا الحدث ضربة موجعة للمسيحيين السوريين والأرمن. عبر عن ذلك البيان المشترك الصادر عن الأحزاب الأرمنية حينذاك. والذي جاء فيه "في الوقت الذي يتحضر فيه الشعب الأرمني لإحياء الذكرى المئوية للإبادة الأرمينية، وفي وقت كان يقام فيه المؤتمر العام الخامس الأرمني في أرمينيا، حيث جدد الأرمن مرة جديدة على مطالبة المجتمع الدولي بالعدالة، طالت يد الإجرام، بتفجير كنيسة شهداء الأرمن والمتحف المجاور في دير الزور، حيث يرقد رفات عدد كبير من شهداء الإبادة الجماعية الأرمنية".

بعد طرد تنظيم داعش من دير الزور، أُقيم في أبريل الماضي أول قداس بعد انقطاع استمر لأكثر من عشر سنوات بسبب ما تعرضت له الكنيسة من تدمير على يد التنظيمات الإرهابية.

 

مواضيع ذات صلة:

صورة أرشيفية لمدينة تدمر الأثرية في سوريا- وكالات
صورة أرشيفية لمدينة تدمر الأثرية في سوريا- وكالات

تعمل منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة ("اليونسكو") على الاهتمام بالمواقع الأثرية المنتشرة في دول العالم كافة. لذلك، أعدت المنظمة ما عُرف باسم "قائمة التراث العالمي"، وهي القائمة التي تتضمن العشرات من المواقع الأثرية القديمة التي تتعاظم أهميتها بسبب تاريخها الثقافي والحضاري. 

من جهة أخرى، أعدت "اليونسكو" قائمة ثانية بعنوان "التراث العالمي المعرض للخطر". في تلك القائمة، جمعت المنظمة المواقع المُهددة بسبب النزاعات العسكرية المسلحة، والزلازل، والتلوث البيئي، والتوسّع الحضري غير المنضبط، وغير ذلك من الأسباب التي من شأنها تهديد المواقع الأثرية. في هذا السياق، أُدرجت 7 دول عربية ضمن قائمة التراث العالمي المعرض للخطر، وهي: مصر، ليبيا، الأراضي الفلسطينية، سوريا، العراق، اليمن، ولبنان. نلقي الضوء في هذا التقرير على أهم المواقع الأثرية المُعرضة للخطر في هذه الدول.

 

سوريا

تحتوي سوريا على أكبر عدد من المواقع الأثرية المُعرضة للخطر بين الدول العربية. تتمثل تلك الأخطار في الصراعات العسكرية المسلحة التي بدأت منذ سنة 2011م، ولم تنته معاركها حتى اللحظة. من أهم المواقع الأثرية المتواجدة في القائمة، موقع "مدينة حلب القديمة" في شمالي سوريا. يحتوي الموقع على العشرات من الأبنية والمساجد والمنازل والأسواق. وفي سنة 1986م أعلنت اليونسكو الموقع جزءًا من التراث العالمي.

تحتوي سوريا أيضاً على موقع "مدينة بُصْرَى التاريخية". والتي تتبع محافظة درعا، وتقع على مسافة 140 كم من دمشق. بحسب المصادر التاريخية الإسلامية، كانت بصرى عاصمة دينية وتجارية مهمة على طريق الحرير القديم. وترتبط المدينة بذكرى خاصة في الذاكرة الإسلامية بسبب الروايات التي تذكر أن النبي محمد قد مر بها في شبابه قبل البعثة. وأنه قابل فيها الراهب بحيرى النصراني. والذي تنبأ بأن هذا الشاب سوف يصبح نبي العرب الذي بشرت به الكتب القديمة.

كذلك تحتوي سوريا على موقع "مدينة دمشق القديمة"، وموقع "المدن المنسية" التي تقع ضمن الحدود الإدارية لمحافظتي حلب وإدلب. ويعود بناؤها إلى الفترة بين القرنين الأول والسابع للميلاد. وتشتهر بكاتدرائية القديس سمعان العمودي التي كانت مكاناً للحج المسيحي لقرون طويلة.

تتضمن القائمة أيضاً قلعتي الحصن وصلاح الدين. تعود الأولى لفترة الحروب الصليبية، وتقع ضمن سلاسل جبال الساحل في محافظة حمص في سوريا. أما القلعة الثانية، فتقع في مدينة اللاذقية. وتعتبر واحدة من أهم قلاع القرون الوسطى المحفوظة في العالم. في سنة 2006م، سجل اليونسكو القلعتين على لائحة التراث العالمي.

أيضاً، تحضر مدينة تدمر التاريخية في قائمة المواقع الأثرية المُعرضة للخطر. تقع المدينة في محافظة حمص في الجزء الأوسط من سوريا. ويعود تاريخها إلى العصر الحجري الحديث. اشتهرت تدمر بثرائها الذي حققته من كونها مركزاً تجارياً مهماً على طريق الحرير الشهير. في القرن الثالث الميلادي، تمكن ملوك تدمر من الاستقلال عن الحكم الفارسي. وفي عهد الملكة الشهيرة زنوبيا تأسست مملكة تدمر الشهيرة. وخاضت الحرب ضد الإمبراطورية الرومانية قبل أن تُهزم وتفقد استقلالها. في 2015م، سيطرت عناصر تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام "داعش" على موقع مدينة تدمر، وخرّبت ودمّرت الكثير من المواقع الأثرية المهمة في المدينة، قبل أن تستعيد القوات السورية سيطرتها عليها في العام 2017م.

الاعتداء على قبر معاوية يجدد المخاوف.. من يحمي الآثار السورية؟
تعرّض قبر معاوية للتدمير في أيام العباسيين، وأعيد بناؤه أكثر من مرة، بحسب الباحث السوري تيسير خلف، و"لدينا شاهدة قبر من الفترة الأيوبية- المملوكية، ويبدو انه جدّد حينذاك". والاعتداء الذي وقع عليه مؤخراً كان لفظياً ولم يتعرض القبر لأي أذى ماديّ.

العراق

في تصنيفات "اليونسكو" تقع بعض المواقع الأثرية المُهددة بالخطر في العراق. على رأس تلك المواقع "مدينة أشور القديمة". تقع المدينة على بعد 60 ميلاً جنوبي مدينة الموصل حالياً في شمال العراق. وكانت عاصمة للمملكة الأشورية التي توسعت في الألف الثاني قبل الميلاد، قبل أن تسقط على يد الميديين والبابليين في سنة 612 ق.م.

في يونيو 2014م، سيطر تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام على المدينة التاريخية. وتم تخريب بعض المواقع الأثرية قبل أن تتمكن القوات العراقية من استعادة السيطرة الكاملة على المنطقة في سبتمبر 2016م.

كذلك، تتضمن القائمة "مدينة سامراء التاريخية". تقع المدينة شرقي نهر دجلة في محافظة صلاح الدين، وتبعد 125 كيلومتر شمالي العاصمة بغداد. تتحدث المصادر التاريخية عن ظروف تأسيس وإعمار تلك المدينة في العصر العباسي. بحسب تلك المصادر، قرر الخليفة المعتصم بالله أن يبني تلك المدينة ويتخذها عاصمة لدولته بسبب كثرة الجند الأتراك في بغداد. تحكي بعض القصص أن هذا المكان كان مملوكاً لبعض الرهبان المسيحيين. وأن المعتصم اشتراه منهم بأربعة آلاف دينار. وعزم على أن يبني فيه مدينة جديدة "ونقل إليها أنواع الأشجار والغروس، واُختطت الخطط والدروب، وجدوا في بنائها، وشُيدت القصور، واُستنبطت المياه من دجله وغيرها وتسامع الناس وقصدوها، وكثرت بها المعايش"، بحسب ما يذكر شمس الدين الذهبي في كتابه "سيّر أعلام النبلاء".

حافظت سامراء على مجدها وعظمتها لما يزيد على نصف قرن. اتخذها المعتصم وخلفاؤه عاصمة لدولتهم الواسعة المترامية الأطراف. ودُفن فيها العديد من الخلفاء. كما شيّد الخليفة المتوكل سنة 245ه على أرضها المسجد المشهور بمئذنته الملوية.

بعد أن غادرها العباسيون، تعرضت سامراء للتهميش وعدم الاهتمام. قبل أن تتعرض للتخريب والتدمير إبان فترة الغزو المغولي للعراق في القرن السابع الهجري. قيل إن الناس غيروا اسمها في تلك الفترة ليصبح "ساء من رأى". وصف الرحالة المغربي الشهير ابن بطوطة الحالة المؤسفة التي أصيبت بها المدينة عند زيارته لها سنة 727ه. يقول ابن بطوطة: "...وقد استولى الخراب على هذه المدينة فلم يبق منها إلا القليل وهي معتدلة الهواء رائقة الحسن على بلائها، ودروس معالمها". في سنة 2007م، ضمت "اليونيسكو" سامراء إلى قائمة التراث العالمي.

شيد الخليفة المتوكل سنة 245ه في سامراء المسجد الجامع المشهور بمئذنته الملوية.
"عاصمة الخلفاء" و"منفى الأئمة".. قصة مدينة سامراء
تقع مدينة سامراء في وسط العراق. وتشغل أهمية كبرى في أوساط العراقيين، خاصة الشيعة في البلاد، باعتبارها المكان الذي دُفن فيه كل من الإمامين العاشر والحادي عشر علي الهادي والحسن العسكري. ما قصة هذه المدينة؟ وماذا كانت ظروف بنائها؟ وما أهم الأحداث في تاريخها؟ وما هي أسباب قداستها؟

اليمن

تتضمن القائمة ثلاثة مواقع يمنية مهمة. وجميعها مُهدد بسبب الحرب الأهلية اليمنية التي تدور منذ سنوات بين الحوثيين وقوات التحالف الذي تقوده المملكة العربية السعودية. يُعدّ موقع "معالم مملكة سبأ القديمة" هو الموقع اليمني الأول في القائمة. يقع هذا الموقع في محافظة مأرب شرق اليمن، ويضم مواقع أثرية وبقايا مستوطنات كبيرة مع المعابد والأسوار التي تعود للألف الأول قبل الميلاد. في سنة 2023م، أُدرجت تلك المعالم على قائمة التراث العالمي وضمن قائمة التراث العالمي المعرض للخطر من قِبل "اليونيسكو". الموقع الثاني هو مدينة زبيد التاريخية، والتي تبعد عن العاصمة صنعاء مسافة 233 كم تقريباً. وكانت مدينة زبيد عاصمة اليمن من القرن الثالث عشر إلى القرن الخامس عشر الميلاديين. أما الموقع الثالث، فهو مدينة صنعاء القديمة. والتي بدأت حضارتها منذ القرن الخامس قبل الميلاد. قبل أن تصبح عاصمة لمملكة سبأ في القرن الأول للميلاد. في العصر الإسلامي، صارت صنعاء واحدة من أهم الحواضر الإسلامية. وتميزت منازلها ومساجدها وأسواقها وأسوارها بطراز معماري رفيع المستوى. في سنة 1980م، تبنى "اليونيسكو" حملة دولية لحماية مدينة صنعاء القديمة والحفاظ على معالمها المعمارية. وفي سنة 2015م، أُدرجت في قائمة التراث العالمي المعرض للخطر، بعدما تعرضت بعض أحياء المدينة لقصف صاروخي من قِبل قوات التحالف.

 

 

فلسطين ومصر وليبيا ولبنان

تشهد القائمة حضور مجموعة أخرى من الدول العربية. في الأراضي الفلسطينية، يتواجد موقع "البلدة القديمة بالقدس". وهي المنطقة المُحاطة بسور سليمان القانوني. من المعروف أن البلدة تشهد أهمية كُبرى في الذاكرة الدينية الإبراهيمية. ففيها المسجد الأقصى ومسجد قبة الصخرة اللذان يحظيان بمكانة كبيرة لدى المسلمين. وكذلك كنيسة القيامة لدى المسيحيين. فضلاً عن جبل الهيكل والجدار الغربي لليهود. في سنة 1981م، قامت "اليونيسكو" بضم البلدة القديمة في القدس إلى قائمة التراث العالمي.

في مصر، يوجد موقع منطقة "أبو مينا الأثرية" والذي يقع عند الحافة الشمالية للصحراء الغربية. اكتسبت المنطقة أهميتها بسبب احتوائها على مدفن القديس مينا. ولهذا السبب كانت المنطقة أحد أهم مراكز الحج المسيحي في القرون الوسطى. حالياً، تضم المنطقة مجموعة من الآثار القبطية والكنائس والأديرة. في سنة 2001م، أصبحت المنطقة مهددة بالخطر بسبب ارتفاع منسوب المياه الجوفية والأملاح في المنطقة.

في السياق نفسه، تتواجد بعض المواقع الليبية المهمة في القائمة. ومنها على سبيل المثال المواقع الأثرية في "مدينة صبراتة" الواقعة على بعد 70 كم غربي مدينة طرابلس، والتي تحتوي على عدد كبير من الآثار الرومانية. ومدينة "لبدة الكبرى"، التي تقع على بعد 120 كم شرقي مدينة طرابلس. وكانت من أهم مدن الشمال الأفريقي في عصر الإمبراطورية الرومانية.

في لبنان، يتواجد "معرض رشيد كرامي الدولي" في طرابلس. والذي أدرجته اليونسكو في القائمة في سنة 2023م. وجاء في حيثيات اختيار اليونسكو للمعرض "أنه يُعدّ من ناحية حجمه وغنى الأنماط الهندسية فيه، أحد الأعمال المهمة التي تمثل فن العمارة الحديث في القرن العشرين بالمنطقة العربية من الشرق الأوسط". مما يُذكر أن المعرض من تصميم المهندي البرازيلي الأصل أوسكار نيماير، وأن انتهاء تشييده تزامن مع اندلاع الحرب الأهلية اللبنانية في سبعينيات القرن العشرين. ويعاني الموقع من الإهمال ونقص الموارد المالية اللازمة لصيانته.