في أغسطس 2020، شهدت بيروت انفجارا ضخما في مرفئها أودى بحياة أكثر من 200 شخص.
في أغسطس 2020، شهدت بيروت انفجارا ضخما في مرفئها أودى بحياة أكثر من 200 شخص.

كلحن عذب يتدفق عبر الأسماع ويأسرها.. يعلو بحنو ثم يخرج عن النوتات حد النشاز والإزعاج قبل أن يعتدل، ثم يصمت ويعلو مجددا.. يختفي فيخيفك الصمت وترجو أن يعود صداه.. هكذا هي بيروت في كل تقلباتها عبر التاريخ. ولعل لملمة شتات بيروت بألحانها التي تتعدد وتمتزج وتذوي فيها الهويات من أصعب المهام، لكن الثابت الأكيد هو أن العاصمة اللبنانية هي مدينة التناقضات بامتياز.

على الساحل الشرقي للبحر الأبيض المتوسط، أبصرت بيروت النور قبل أكثر من أربعة آلاف عام، في منطقة ترافق ذكرها مع القداسة في الكتب الدينية، وبقي التاريخ شاهدا على هذا الحضور الأزلي من خلال الآثار والكتابات الهيروغليفية على ألواح الآجر. حضور متذبذب بين السلام والحرب وبين الغضب والسكينة، وبين التوازن والفوضى.

أخذت بيروت حصتها منذ فجر التاريخ، من الآلام والمآسي فأطبق الموت عليها مرارا، بيدي الطبيعة أو بيدي الإنسان. انقلبت على أهلها في سلسلة من الزلازل واختفى سورها الكنعاني تحت الأنقاض. فقدت الآلاف من سكانها وهجرها آلاف آخرون هربا من الهزات الأرضية ومن الحرائق في القرن السادس قبل الميلاد. وما بين وصفها بـ"المستعمرة الممتازة" في أيام الرومان والدمار الذي حل بها، فقدان لقيمتها.

لقد حمل المجد بيروت على أجنحة العظمة والسؤدد، فلقبت بـ"درة الشرق" و"درة تاج آل عثمان" في حقبات متباعدة وتغنى بها الكتاب من عرب وأجانب حتى تسمرت عيون الرومان والعرب والصليبيين والمماليك وسواهم عليها، فباتت ضحية للغزوات والحروب الخارجية والداخلية منها في حقب ليست ببعيدة.

لم تعرف مدينة في العالم قط هذا القدر من التغيرات والنسخ التي لا تنتهي من الروايات والتحولات، ولا تزال حتى اليوم تقف على مفترق طرق يبقى إرثها شاهدا عليه وشاهدا على ذوبان هوية الإنسان في هوية المكان والتكامل بين الإرث المادي والإرث غير المادي للمدينة المتجددة بكل المعاني الإيجابية والسلبية. وعلى الرغم من أن المحفوظات التي توحّد الروايات المتعددة لهذه المدينة لا تتوفر بسبب الإهمال أو بفعل التدمير، عكف كثر على البحث عن ماض لا يتفق الجميع على سرديته وحاضر لا يشبه الصورة التي تتبادر إلى بال من سمع عن بيروت على لسان الرحالة والمستشرقين والزوار.

يعيد إرث بيروت وتحديدا غير المادي منه تشكيل روح المدينة التي تنبض بالحرف وبروائح الخبز الطازج وقهوة الصباح.. وإذا أردنا استذكارها بشكل مقتضب، يمكننا اختصارها ببيروت الإنسان وبيروت المكان.

أما عن بيروت الإنسان فتعكس "انصهارا للسير الذاتية وتراكما للهويات وتفاعلا بين حضارات وتداخلا بين اللغات والثقافات" (د. محمد القوزي). ويشارك التراث العائلي المنسي خلا الروايات المتناقلة شفهيا وبعض الصور الفوتوغرافية والمراسلات وبعض وثائق الأحوال الشخصية، ملامح الحياة اليومية المتغيرة للبيروتي مثلا في أواخر القرن التاسع عشر وفي الفترة التي تلت. فيتزين بورتريه بيروت بصورة "الأفندي" وبشجاعة "القبضاي" وبرقي "ملكة الجمال" على سبيل المثال لا الحصر في أواخر القرن التاسع عشر.

وكان للأفندي البيروتي سيرة راقية من الأداء المهني والجدي ومن السعي للتسلح بالقدرات العلمية. ويصبح الأفندي نفسه الوجيه الذي يحرص على تعليم أبنائه ما بين لبنان والمهجر وحصولهم على شهادات أو حتى المساهمة في إطلاق المشاريع العلمية مثل "جمعية المقاصد"، فكنت لتقع على عائلة الأفندي المكونة من 9 أولاد ينتهون بحمل ألقاب الطبيب والمهندس والموسيقي والقاضي وما شابه. ويتميز هذا الأفندي بأناقة ورصانة تنطلي على عائلته وعلى هندسة منزله الداخلية وحتى على نمط حياة أولاده، وكان يساهم من خلال تمسكه بالانتماء لبيروت بالتزامن مع السعي للتعلم في معاهد السلطنة، في انتقال بيروت للحداثة وفي هويتها المبنية على التسامح وتقبل الآخر والتعاطي مع التحولات الكبرى بالتوازي مع التطورات الجيوسياسية (د. نادر سراج).

فأين هو هذا الأفندي اليوم؟ تكافح المدينة للحفاظ على نموذج المواطن-الإنسان الوفي ويكافح هذا الإنسان ليجد لقمة العيش، وغالبا ما يجبر الأفندي "الحديث" على النزول للشارع للمطالبة بأبسط حقوقه. يقول أحد البيارتة: "كيف لي أن أحافظ على "أبهة" الأفندي وأنا ما عدت قادرا على كيّ القميص أو ترقيع سترتي!". وعلى هذا المنوال، تغير تعريف "القبضاي" البيروتي الذي برز كبطل في الأفلام. لكن بيروت الإنسان تغيرت حدّ الشعور بالغربة، وذبل معها وهج القبضاي التراثي الحافل "بالوطنية والنخوة والإقدام والشرف مثل جميل رواس وسليم الدهون ورشيد شهاب الدين (كتاب بيروت المحروسة لحسان حلاق)" ليحل مكانه قطاع الطرق الذين يحكمون بالسلاح، فبات القبضاي مشروع إدانة وسذاجة في ظل انتشار الترهيب والاعتداءات والجرائم التي تمر بلا محاسبة. يقول د. القوزي في أحد بحوثه: "قبضاي اليوم يعيث فسادا وينشر الكبتاغون ويتاجر بالمخدرات".

وفي ذاكرة بيروت الإنسان أيضا، صور من بريق الجمال والسهرات ذات الطابع العالمي في كازينو لبنان الأول من نوعه، حيث انعقدت مسابقة ملكة جمال العالم في بيروت في العام 1962. وفاز لبنان بعدها بسنين بحصته من البريق مع تتويج البيروتية جورجينا رزق ملكة جمال الكون في العام 1971. وفي الفترة نفسها، عرفت بيروت انفتاحا وصل ذروته مع حقبة الجنون، حيث عرفت كل المفاصل تنظيما واستثمارا، حتى أكثرها إثارة للجدل على غرار شارع المتنبي المخصص لـ"بنات الهوى" بشكل مرخص وحيث يوجد مستوصف تخضع فيه "المومسات" لفحوص طبية دورية.

ويعكس هذا الشارع الكثير عن بيروت-المكان التي تنهل هويتها من سكانها. يشرح د. نادر سراج في بحث حول التراث، عن "رحلة مشوقة في أسواق بيروت العثمانية وشوارعها وأزقتها (...) وعن تحول البلدة الصغيرة إلى مدينة عالمية مزدهرة". وتشير البروفيسورة ناديا اسكندراني التي نظمت عددا من المؤتمرات المحلية والدولية حول بيروت إلى العصر الذهبي للمدينة والتي حرص الفنانون والمفكرون والكتاب على حفظه في قوالب تمزج بين الخيال والواقع. "يخضع إرث بيروت، وفقا لما تقول لـ"ارفع صوتك"، منذ زمن طويل لإعادة البناء. وإذا توقفنا عند الخمسينات، تلفتنا بيروت "الأنوار" بمساحاتها الثقافية التي تضم المدارس والصحف والمعارض ودور السينما مثل سينما روكسي التي يصفها صلاح ستيتيه الكاتب والسفير اللبناني في مذكراته، بالأجمل في ذلك الزمن في منطقة الشرق الأوسط قبل أن تختفي بفعل قذائف الحرب الأهلية".

وتحت ركام الحرب الأهلية أيضا يحاول أن يختفي "الخط الأخضر" أو الحدود الفاصلة التي مزقت بيروت إلى رئتين معطلتين، بين بيروت الشرقية وبيروت الغربية اللتين شهدتا على اقتتال الأخوة. وبعد أن كانت بيروت أشبه بـ"اختصار للعالم العربي وبمدينة تعج بالايديولوجيات العالمية والتجديد والحداثة والتي تلهم الكتاب والفلاسفة والتي شكلت مركزا لإقامة للفنانين والصحافيين والرسامين والنحاتين"، باتت مدينة أشباح طرد منها الخوف السكان لتحل في المباني الميليشيات وينتشر القناصون. وجد هذا الخط مع الحرب الأهلية التي اندلعت في العام 1975 ويفترض أنه اختفى مع انتهائها مع اتفاق الطائف في العام 1989. لكن هذا الخط بقي جرحا في قلب العاصمة، توقظه الزلازل الطائفية بين الفينة والفينة، إما على الأرض وإما في النفوس. بينما بقيت المباني تشهد على رصاص الحرب الدموية الطويلة.

هذه المباني نفسها حاولت الثقافة إنقاذها من خلال فنون الشارع والغرافيتي في محاولة لإخفاء كراهية الماضي وتلوين سواد الأيام، لكن بيروت لم تهدأ يوما وبالأمس كانت ساحة لما عرف بـ"انتفاضة تشرين" التي اندلعت تنديدا بتدهور الظروف المعيشية. ساحة الشهداء أصبحت صرحا يكتسب رمزية متجددة حسب السياقات، فهي ساحة المدافع وساحة الحرية وساحة الاستقلال عن الوصاية السورية وساحة الديمقراطية الرافضة لكل أشكال القمع. ساحة تختصر الساحات اللبنانية، تشهد اليوم على تكدس نفايات الفساد على جوانب الشوارع وعلى إقفال مكتبات عريقة وعلى توقف الحركة الثقافية التي اعتادت أن تستقطب اللبنانيين والزوار إلى معارض سباقة. هذا على سبيل المثال، حال المعرض الأخير للكتاب العربي في دورته الـ63 والذي أصبح محط جدل يعكس الانقسام العمودي في الشارع اللبناني بفعل التعرض للتيارات الإقليمية والدولية، بعد الترويج لصور وكتب لقاسم سليماني، في لفتة رآها البعض شكلا من أشكال "تجلي السطوة الإيرانية على لبنان".

بيروت اللبنانية تعيش الانفصام بين الإرث والمعالم التاريخية التي تعيدها لعصر القصص الشعبية والتنوع اللساني والحكواتي في المقاهي والمساجد والكنائس والكنيس اليهودي والقصور المتميزة التي أصبحت متاحف مثل قصر سرسق الذي شيد في بدايات القرن العشرين ليشهد على أساليب العمارة الإيطالية والعثمانية التي اكتسبت صبغة لبنانية وقصر بسترس وسواهما الكثير وخط سكة الحديد، والتهديد الوجودي الذي يتجلى بأكثر صوره ترويعا مع انهيار ما تبقى من إهراءات القمح التي تلقت صفعة انفجار المرفأ لتحمي ما تبقى من بيروت، بينما بقى تمثال المهاجر صامدا وشاهدا على حقبة جديدة من التهجير والتفريغ.

إن روح بيروت المشتتة والتي تصرخ بين الأنقاض تطارد اليوم مراكب الهجرة غير الشرعية والتي حولت بقع الساحل إلى نقطة فرار بحثا عن مستقبل أفضل. يقال أن المكان يبني الذاكرة ويعكسها فأي ذكريات تتأصل في الذاكرة الجماعية للبنانيين وللناظرين لبيروت اليوم؟ تستمر أجنحة بيروت بالتكسر على  وقع التحولات العالمية، ويزداد تقوقعها أكثر فأكثر على الذات وعلى الخوف من الآخر.

تروي لنا الأديبة فيفي أبو ديب التي اشتهرت بكتبها عن المدينة: "في جينات بيروت سر من الأسرار، يجعلها تبدو رائعة حتى في أسوأ حالاتها وفي غمرة الفساد الذي يتآكلها. لبيروت إغراء لا يمكن التنصل منه وطبقات متعددة تخبئ أعوام من النضال والقتال والرقص على الأنقاض والموت الذي يذكرنا بأننا جميعا سندفن تحت التراب نفسه بغض النظر عن معتقداتنا. فههنا مسجد الخضر في وسط المدينة، مبنيًا على كنيسة بنيت بدورها على معبد وثني. أما عن علاقتنا ببيروت فهي علاقة متناقضة تجمع بين الحب والنفور".. لحن الحب يتجلى في التمسك بالعيش فيها أو بالعودة إليها بينما يزداد النفور والنشاز كلما أشبعتنا هذه المدينة إحباطا كما حين يكتب أحدهم، مع انقطاع بيروت عن الحضارة بغياب الفيول لمحطات الإنترنت: "صباح الخير من العصر الحجري!"

 

 

مواضيع ذات صلة:

الرئيس العراقي السابق، صدام حسين، مستقبلا العاهل السعودي الملك فهد خلال قمة العربية في بغداد عام 1989.
الرئيس العراقي السابق، صدام حسين، مستقبلا العاهل السعودي الملك فهد خلال قمة العربية في بغداد عام 1989.

وصل وزير الخارجية السعودي فيصل بن فرحان في زيارة رسمية، الخميس، إلى العراق. وقالت وزارة الخارجية السعودية على منصة "إكس" إنه سيبحث سُبل تعزيز العلاقات الثنائية بين البلدين في مختلف المجالات.

تعيدنا هذه الزيارة، إلى البحث عن تفاصيل العلاقة بين البلدين، والمحطات التي مرت بها، والتغيرات التي طرأ عليها.

 

تاريخياً

في السنوات الأولى من عشرينيات القرن العشرين، وصل الملك فيصل بن الحسين إلى عرش العراق. آنذاك، كان عبد العزيز آل سعود سلطانَ نجد قد تمكن من فرض سيطرته على معظم أراضي شبه الجزيرة العربية.

تسبب الصراع القديم بين الأسرة الهاشمية في الحجاز، وأسرة آل سعود في نجد في اندلاع بعض المشكلات الحدودية بين الدولتين الناشئتين في تلك الفترة.

 في جنوبي العراق، وقعت مجموعة من الصدامات المسلحة بين القبائل التابعة للحكومة العراقية والقبائل التابعة للحكومة النجدية، التي ستتحول في ما بعد للمملكة العربية السعودية. 

على إثر ذلك بعث السير بيرسي كوكس المندوب السامي البريطاني في العراق إلى سلطان نجد عبد العزيز آل سعود، يطلب منه إرسال وفد إلى بغداد لبحث موضوع الحدود بين البلدين، فرفض الأخير لتخوفه من تأثر الوفد بالضغوط الإنجليزية العراقية.

أمام هذا الرفض، عرض كوكس إقامة المؤتمر في الأراضي النجدية ووافق آل سعود وقتها، ليُعقد مؤتمر "المحمرة"، حيث التقى كوكس مع الملك السعودي بهدف الاتفاق على إقامة حدود بين نجد والعراق. 

وقع المجتمعون اتفاقية "المحمرة" في مايو 1922، التي نصت على تبعية العشائر الساكنة على الحدود لأي من الدولتين، وجاء في المادة الأولى منها أن حكومتي العراق ونجد "تتعهدان أن تمنعا تعديات عشائرهما على الطرف الآخر ويكون الطرفان مُكلفان في تأديب عشائرهما".

بعد سبعة أشهر، تجدد اللقاء بهدف ترسيم الحدود الثلاثية بين نجد والعراق والكويت. وفي ديسمبر 1922، شهد ميناء العقير -الواقع قرب الإحساء- اجتماع عبد آل سعود وصبيح بك نشأت وزير المواصلات والأشغال ممثلاً عن الملك فيصل الأول ملك العراق، وجون مور الوكيل السياسي البريطاني في الكويت ممثلاً عن الكويت، والسير بيرسي كوكس. 

نتج عن هذا الاجتماع، ترسيم كوكس للحدود بين الدول الثلاث مستخدماً اللون الأحمر، وتقرر إنشاء منطقتين محايدتين الأولى بين الكويت ونجد، والثانية بين العراق ونجد.

خلال شهر فبراير 1930، وبعد سنوات طويلة من الصراع بين الأسرة السعودية في نجد والأسرة الهاشمية في الحجاز وسوريا والعراق، وقع الملك فيصل الأول من العراق والملك عبد العزيز معاهدة السلام على متن إحدى السفن الحربية البريطانية في الخليج العربي، ليتم بذلك تدشين العلاقات الثنائية بين البلدين بشكل رسمي.

 

حرب الخليج الأولى

مثّل حكم النظام البعثي في العراق تهديداً مبطناً للمملكة العربية السعودية، خاصة أن البعثيين في بغداد رفعوا رايات القومية والاشتراكية. كان من الطبيعي أن تثير تلك الشعارات شكوك الرياض التي تعتمد نظام حكم ملكي وراثي.

في أواخر سبعينيات القرن العشرين، وبالتزامن مع حراك آية الله الخميني في إيران وانتصار الثورة الإسلامية، تقاربت مصالح الطرفين -السعودية والعراق- بعدما وجدا في حكم الملالي خصماً مشتركا لكليهما، ذلك أن الخميني أعلن صراحةً عن نيته في تصدير مبادئ الثورة للدول العربية المجاورة.

أعلنت الرياض دعمها لصدام حسين في حرب الخليج الأولى التي دارت في ثمانينيات القرن العشرين، وظهر ذلك الدعم في التأييد الدبلوماسي والمساعدات المالية وشراء الأسلحة.

بحسب بعض المصادر الإيرانية، فإن الرياض قدمت للعراق نحو 30 مليار دولار من مجموع المساعدات التي قدمتها الدول العربية -البالغ حجمها 70 مليار دولار- خلال سنوات الحرب ضد إيران.

طائرة تابعة للخطوط الجوية البريطانية- صورة تعبيرية.
احتجزوا كرهائن إبان الغزو العراقي للكويت.. ركاب رحلة طيران يعتزمون مقاضاة الحكومة البريطانية
يعتزم ركاب وطاقم رحلة شركة الخطوط الجوية البريطانية (بريتيش إيرويز) الذين تم احتجازهم رهائن في الكويت عام 1990 رفع دعوى ضد الحكومة البريطانية وشركة الطيران للمطالبة بتعويضات، وفق ما أفادت شركة محاماة، الثلاثاء.
 

حرب الخليج الثانية

في 1990، تزايدت حدة التصريحات العدائية بين العراق والكويت بسبب الخلاف حول حصص إنتاج النفط. ومحاولة منه لتقريب وجهات النظر بين الطرفين، قام الملك السعودي فهد بن عبد العزيز بدعوة البلدين لعقد مباحثات في جدة للتوصل إلى حل بشأن خلافاتهما. 

عُقدت تلك المباحثات في يوليو 1990 لكنها لم تثمر في تخفيف حدة التوتر. ففي بداية أغسطس، أعلن صدام حسين الحرب على الكويت، وقام باجتياحها خلال ساعات معدودة، الأمر الذي عارضته السعودية بشكل قاطع، واعتبرته تهديداً لسلامة أراضيها.

بناءً على ذلك، طلبت الرياض من واشنطن الاستعانة بالقوات الأميركية للتصدي لأي هجوم مُحتمل من القوات العراقية المتمركزة على الحدود العراقية الكويتية السعودية.

في يناير 1991، وبالتزامن مع انطلاق عملية "ثعلب الصحراء"، قامت العراق بإطلاق العشرات من صواريخ سكود على عدد من المدن السعودية، مثل الرياض والجبيل البحرية والظهران وحفر الباطن. 

كما ألغت بغداد جميع المواثيق التي عقدتها مع السعودية منذ سنة 1968 بسبب مشاركتها في التحالف الدولي. 

مع نهاية يناير 1991، شهدت العلاقات السعودية العراقية تطوراً مهماً بعدما قامت القوات العراقية بالسيطرة على مدينة الخفجي، الواقعة شرقي السعودية، قبل أن تتمكن قوات التحالف الدولي من استعادة السيطرة عليها.

ما بعد الغزو الأميركي 

قامت الولايات المتحدة الأميركية بغزو العراق عام 2003 وأسقطت نظام صدام حسين. حينها، أكدت الرياض على عدم دعمها لتلك الحرب، وأعلن وزير الخارجية السعودي أن بلاده لن تقصف العراق أو تسمح باستخدام قواعدها للهجوم على أراضيه. 

على الرغم من ذلك، نقلت بعض التقارير الإخبارية عن عدد من المسؤولين الأميركيين أن السعودية وافقت على استخدام القوات الأميركية لمجالها الجوي وقواعدها الجوية مركزاً للعمليات أثناء اندلاع الحرب.

بحسب دراسة "تطور العلاقات السعودية العراقية... الدوافع والتحديات"، لم تتغير العلاقات بين العراق والسعودية عقب سقوط صدام حسين، حيث حافظت على توترها بالتزامن مع صعود التيار السياسي الشيعي العراقي.

 آثرت الرياض أن تبتعد عن الساحة العراقية مفسحةً الطريق لغريمها العتيد إيران لمقاسمة الولايات المتحدة الأميركية النفوذ داخل بلاد الرافدين.

وفقاً لما يذكره الباحث جوزيف مكميلان في دراسته "المملكة العربية السعودية والعراق.. النفط والدين وتناحر طويل مستمر" المنشورة على موقع "معهد السلام الأميركي"، فإن الرؤية السعودية للعلاقات مع العراق في تلك الفترة تركزت على مشكلة التدفق المُحتمل للعناصر الجهادية من الشمال إلى الجنوب "نظراً إلى صعوبة السيطرة الفعلية على الحدود".

وشعر السعوديون بمخاوف حقيقية من أن يصبح العراق الذي تعمّه الفوضى نقطة جذب للإرهابيين، الذين يعتبرون أن الصراع في العراق تكرار إلى حد ما لتجربة المجاهدين الأجانب في أفغانستان في الثمانينات.

رغم سياستها التي تميل للبعد عن الشأن العراقي في تلك المرحلة، عملت الرياض في بعض الأحيان على إظهار التقارب مع بغداد. ففي أكتوبر 2006، حاولت أن تستغل نفوذها الديني والروحي لوضع حد للتناحر الطائفي المتزايد في الأراضي العراقية.

بعد حادثة تفجير مرقد "الإمامين العسكريين" بمدينة سامراء، استضافت السعودية مؤتمراً للمصالحة العراقية برعاية منظمة المؤتمر الإسلامي، نتج عنه توقيع أطراف سنية وشيعية على الوثيقة المعروفة باسم "وثيقة مكة"، التي حرّمت الاقتتال المذهبي والاعتداء على المساجد في العراق.

هذا الاهتمام بالشأن العراقي ظهر مرة أخرى عام 2007، إذ انتقد الملك السعودي الراحل عبد الله بن عبد العزيز، عبر خطابه، بقاء القوات الأميركية في العراق، قائلاً "في العراق الحبيب تُراق الدماء بين الإخوة في ظل احتلال أجنبي غير مشروع.. لن نسمح لقوى من خارج المنطقة أن ترسم مستقبل المنطقة".

محاولات للتقارب

شهدت السنوات الأخيرة، محاولات جادة لإعادة العلاقات الثنائية بين السعودية والعراق. في ديسمبر 2015 تم الإعلان عن افتتاح السفارة السعودية بالعراق، بعد ربع قرن من إغلاقها. ولكن بعد شهر واحد، ساءت العلاقات بين الجانبين مرة أخرى، بعدما أدلى السفير السعودي في بغداد ببعض التصريحات التي حملت انتقاداً للحشد الشعبي.

لاقت تلك التصريحات ردود فعل غاضبة من جانب البرلمانيين العراقيين، وطُلب من السعودية سحب سفيرها من بغداد. في أكتوبر 2016، أرسلت السعودية عبد العزيز الشمري سفيراً جديداً لها في العراق.

بعد سنة واحدة، مرت العلاقة بين البلدين بتطور مهم، إذ استؤنفت رحلات الطيران من السعودية إلى بغداد، بعد انقطاع دام 27 سنة. في الوقت ذاته، زار رئيس الوزراء العراقي الأسبق حيدر عبادي الرياض، لحضور مراسم توقيع اتفاقية مجلس التنسيق السعودي العراقي. 

في يوليو من السنة نفسها، زار زعيم التيار الصدري في العراق مقتدى الصدر السعودية. وأجرى مقابلة مهمة مع ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان في جدة. 

من جهة أخرى، شهد عام 2021 تطورا نوعيا في العلاقات الاقتصادية بين البلدين، بعد أن تم الاتفاق بين بغداد والرياض على تأسيس صندوق مشترك يقدر رأس ماله بـ3 مليارات دولار يضمن مشاركة القطاع الخاص، وإنجاز مشروع الربط الكهربائي بين البلدين، والاتفاق على تعزيز فرص الاستثمار للشركات السعودية في العراق.