يتوجه ملايين الزوار الشيعة من شتى أنحاء العالم صوب كربلاء في شهر صفر من كل عام لإحياء أربعينية الحسين بن علي بن أبي طالب.
يتوجه ملايين الزوار الشيعة من شتى أنحاء العالم صوب كربلاء في شهر صفر من كل عام لإحياء أربعينية الحسين بن علي بن أبي طالب.

يتوجه ملايين الزوار الشيعة من شتى أنحاء العراق وإيران والبحرين والكويت ولبنان وباكستان صوب كربلاء في شهر صفر من كل عام. تقصد تلك الحشود كربلاء لإحياء أربعينية الحسين بن علي بن أبي طالب، الذي قُتل في العاشر من محرم سنة 61ه. تذكر المصادر الروائية الشيعية أن السيدة زينب بنت علي والإمام الرابع علي زين العابدين توجها إلى كربلاء بعد أربعين يومًا من مقتل الحسين، وقابلا هناك الصحابي جابر بن عبد الله فزاروا جميعًا مرقد الحسين. واستنوا بذلك السنة التي ستظل قائمة حتى اليوم.

تنقل بعض الروايات عن الحسن العسكري (الإمام الحادي عشر) قوله: "علامات المؤمن خمسة: التختم باليمين، وتعفير الجبين، وصلوات إحدى وخمسين، وزيارة الأربعين، والجهر ببسم الله الرحمن الرحيم". وأورد الشيخ عباس القمي في كتابه "مفاتيح الجنان" زيارة مخصوصة في أربعينية الحسين عن الإمام السادس جعفر الصادق. جاء فيها "...أشهَدُ أنَّكَ كُنتَ نُوراً في الأصلابِ الشّامِخَةِ وَالأرحامِ المُطَهَّرَةِ، لَم تُنَجِّسكَ الجاهِلِيَّةُ بِأنجاسِها وَلَم تُلبِسكَ المُدلَهِمّاتُ مِن ثِيابِها، وَأشهَدُ أنَّكَ مِن دَعائِمِ الدّينِ وَأركانِ المُسلِمينَ وَمَعقِلِ المُؤمِنينَ، وَأشهَدُ أنَّكَ الإمامُ البَرُّ التَّقِيُّ الرَّضِيُّ الزَّكِيُّ الهادِي المَهدِيُّ، وَأشهَدُ أنَّ الأئِمَّةَ مِن وُلدِكَ كَلِمَةُ التَّقوى وَأعلامُ الهُدى وَالعُروَةُ الوُثقى، وَالحُجَّةُ على أهلِ الدُّنيا...".

في هذا المقال، نلقي الضوء على مسألة أربعينية الميت وأهميتها في مختلف الثقافات الدينية، لنرى كيف تمكنت الرمزية الهائلة للرقم 40 من التوسع والانتشار في كل من مصر وبلاد الشام والعراق عبر القرون.

 

المصريون القدماء

 

تبدأ قصة الرقم أربعين مع المصريين القدماء. سيلاحظ الباحث في تاريخ الحضارة المصرية القديمة أن هذا الرقم كان مرتبطًا بشكل وثيق بعملية التحنيط التي خضعت لها جثامين الموتى. كان الكهنة والأطباء يتخلصون من الأحشاء الداخلية الموجودة في جثمان المتوفى. وبعدها، يقومون بوضع كميات كبيرة من ملح النطرون في الجثمان لمدة أربعين يومًا كاملة وذلك للتأكد من تجفيف الجسم وحمايته من الفساد والتعفن.

إذا ما رجعنا للميثولوجيا المصرية القديمة، سنجد أن الرقم أربعين كان حاضرًا في العديد من القصص المشهورة. على سبيل المثال ورد في بعض الأساطير أن الإله "ست" مزَّق جثمان أخيه أوزير لأربعين قطعة. وورد في قصص أخرى أن الإلهة إيزيس تمكنت من إعادة زوجها أوزير للحياة مرة أخرى بعد أربعين يومًا من وفاته.

 

بلاد الرافدين

 

ارتبط الرقم أربعون في بلاد الرافدين بالظروف الطبيعية والمناخية. لا يزال العراقيون والشاميون يتحدثون عن "مربعانية الشتاء"، وهي الفترة التي يشتد فيها البرد وتستمر لأربعين يومًا من 22 ديسمبر إلى 31 يناير في كل عام.

في الديانة السومرية القديمة، كان الرقم أربعون هو رقم إنكي إله الماء العذب والحكمة. أيضًا حضرت رمزية هذا الرقم من خلال قصة الإله تموز/ دموزي الذي قيل إنه مات في سن الأربعين. رمزية الرقم الغامض لم تقتصر على الديانات العراقية المندثرة بل استمرت موجودة مع بعض الديانات القائمة حتى اللحظة. على سبيل المثال، يرتبط الرقم40 بطقوس الوفاة والجنازة في كل من الديانتين المندائية والإيزيدية على الترتيب. تذكر الليدي دراوور في كتابها "الصابئة المندائيّون" أن روح المتوفى تصعد بعد الوفاة إلى المطهر، وتقضي فيه خمسة وأربعين يومًا، أما إذا كانت الروح طاهرة فإنها تقضي أربعين يومًا فحسب. بعدها تصل الروح في الأخير إلى موازين أباثر. في هذا المكان توزن الأرواح وتُحفظ فيه إلى أن تغادره. وتوضع حسنات الروح وسيّئاتها في كفتي ميزان، فإذا رُجّحت كفّة السيّئات، أو تساوت الكفّتان بقيت الروح في المطهر لنيل طهارة وعقوبة تتناسبان وخطيئتها.

ويشير عمار قربي في كتابه "تاريخ الإيزيدية" إلى ارتباط الرقم أربعين بفترة الحداد على الميت، فيقول: "... تتكرر زيارة النساء للقبر صباحًا ومساءً، طيلة فترة الحداد البالغة سبعة أيام. وفي كل مرة يجب أن يردد القوّال -وهو الفرد المنوط به إلقاء القول وإنشاد الأناشيدالدينية داخل الجماعة الإيزيدية- فوق القبر دعاء الترقيني -وهو دعاء ديني مكتوب باللغتين العربية والكردية- إضافة إلى الدق على الدف والنفخ في الشبابة على حد تعبير الإيزيدية. ولأهل الميت بعد انتهاء فترة الحداد أن يطلبوا من القوّال مواصلة ترديد الترقيني على فقيدهم أربعين يومًا، فيذهب عندئذ إلى القبر وحده لتنفيذ واجبه الديني وبدون الدف والشبابة. وتستمر زيارة النسوة بعد الأربعين، تقتصر زيارتهن للقبر على أيام الأربعاء والجمعة والأعياد، حاملات البخور معهن إلى المقبرة أيضًا".

 

اليهودية

 

تحدثت نصوص العهد القديم كثيرًا عن الرقم أربعين. سيجد الباحث في التاريخ اليهودي أن هذا الرقم ارتبط بالعديد من اللحظات المهمة في تاريخهم. على سبيل المثال ورد الرقم للمرة الأولى في الإصحاح السابع من سفر التكوين في سياق الحديث عن الفترة التي وقع فيها طوفان نوح. يذكر السفر الفترة التي تكون فيها الطوفان فيقول: "وَكَانَ الْمَطَرُ عَلَى الأَرْضِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا وَأَرْبَعِينَ لَيْلَةً". ورد الرقم نفسه في الإصحاح الخمسين من سفر التكوين في سياق الحديث عن وفاة النبي يعقوب. يحكي السفر عن الحزن الشديد الذي أصيب به النبي يوسف لمّا مات أبوه "فَوَقَعَ يُوسُفُ عَلَى وَجْهِ أَبِيهِ وَبَكَى عَلَيْهِ وَقَبَّلَه. وَأَمَرَ يُوسُفُ عَبِيدَهُ الأَطِبَّاءَ أَنْ يُحَنِّطُوا أَبَاهُ. فَحَنَّطَ الأَطِبَّاءُ إِسْرَائِيلَ. وَكَمُلَ لَهُ أَرْبَعُونَ يَوْمًا، لأَنَّهُ هكَذَا تَكْمُلُ أَيَّامُ الْمُحَنَّطِينَ. وَبَكَى عَلَيْهِ الْمِصْرِيُّونَ سَبْعِينَ يَوْمًا". تؤكد تلك الفقرة المعلومات المتوفرة عن ارتباط الرقم أربعين بالمصريين القدماء وبممارستهم لأعمال التحنيط.

ظهر الرقم أربعون مرة ثالثة في واحدة من أهم لحظات الدين اليهودي على الإطلاق. صعد النبي موسى إلى الجبل ليستلم الألواح والوصايا العشر من يهوه. وصام لفترة أربعين يومًا كاملة. يقول الإصحاح الرابع والثلاثون من سفر الخروج: "وَكَانَ هُنَاكَ عِنْدَ الرَّبِّ أَرْبَعِينَ نَهَارًا وَأَرْبَعِينَ لَيْلَةً، لَمْ يَأْكُلْ خُبْزًا وَلَمْ يَشْرَبْ مَاءً. فَكَتَبَ عَلَى اللَّوْحَيْنِ كَلِمَاتِ الْعَهْدِ، الْكَلِمَاتِ الْعَشَرَ". بعدها، ضُرب على بني إسرائيل التيه في البرية لمدة أربعين عامًا كاملة أيضا. واستمرت رمزية الرقم في المُتخيل اليهودي بعد الدخول لأرض فلسطين. يذكر العهد القديم أن كلًا من الملك داود وابنه سليمان قد حكما لمدة أربعين سنة كاملة.

يتكرر ارتباط الرقم أربعين أيضا بشخوص الأنبياء المقدسين في قصة النبي إيليا. ورد في الإصحاح التاسع عشر من سفر الملوك الأول أن إيليا خرج إلى الصحراء هاربًا من أعدائه "ثُمَّ سَارَ فِي الْبَرِّيَّةِ مَسِيرَةَ يَوْمٍ، حَتَّى أَتَى وَجَلَسَ تَحْتَ رَتَمَةٍ (شجرة صحراوية) وَطَلَبَ الْمَوْتَ لِنَفْسِهِ، وَقَالَ: «قَدْ كَفَى الآنَ يَا رَبُّ. خُذْ نَفْسِي لأَنَّنِي لَسْتُ خَيْرًا مِنْ آبَائِي» … وَإِذَا بِمَلاَكٍ قَدْ مَسَّهُ وَقَالَ: «قُمْ وَكُلْ». فَتَطَلَّعَ وَإِذَا كَعْكَةُ رَضْفٍ وَكُوزُ مَاءٍ عِنْدَ رَأْسِهِ، فَأَكَلَ وَشَرِبَ ثُمَّ رَجَعَ فَاضْطَجَعَ… فَقَامَ وَأَكَلَ وَشَرِبَ، وَسَارَ بِقُوَّةِ تِلْكَ الأَكْلَةِ أَرْبَعِينَ نَهَارًا وَأَرْبَعِينَ لَيْلَةً إِلَى جَبَلِ اللهِ حُورِيبَ…".

وتمت الإشارة كذلك إلى الرقم 40 في معرض التهديد والوعيد. يذكر الإصحاح الثالث من سفر يونان أن النبي يونان -وهو نفسه النبي يونس عند المسلمين- أنذر المذنبين والعصاة قائلًا: "فَابْتَدَأَ يُونَانُ يَدْخُلُ الْمَدِينَةَ مَسِيرَةَ يَوْمٍ وَاحِدٍ، وَنَادَى وَقَالَ: "بَعْدَ أَرْبَعِينَ يَوْمًا تَنْقَلِبُ نِينَوَى".

 

المسيحية

 

يظهر ارتباط الرقم أربعين بالمسيحية في حدثين رئيسين. يُعرف الحدث الأول بتجربة الشيطان. ورد تفصيل تلك الحادثة في إنجيل متى "...ثُمَّ أُصْعِدَ يَسُوعُ إِلَى الْبَرِّيَّةِ مِنَ الرُّوحِ لِيُجَرَّبَ مِنْ إِبْلِيسَ. فَبَعْدَ مَا صَامَ أَرْبَعِينَ نَهَارًا وَأَرْبَعِينَ لَيْلَةً، جَاعَ أَخِيرًا. فَتَقَدَّمَ إِلَيْهِ الْمُجَرِّبُ وَقَالَ لَهُ: «إِنْ كُنْتَ ابْنَ اللهِ فَقُلْ أَنْ تَصِيرَ هذِهِ الْحِجَارَةُ خُبْزًا".

يحاول القمص تادرس يعقوب ملطي في كتابه "شرح الكتاب المقدس" أن يبيّن السبب الذي حدا بالمسيح لصيام أربعين يومًا تحديدًا، فيقول: "إن رقم 40 يحمل معنى رمزي، فيرى القديس أوغسطينوس أن رقم 40 يحوي رقم "عشرة" أربع مرّات، ولما كان رقم 10 يُشير إلى كمال تطويبنا أو إلى المعرفة و"أربعة" تُشير إلى الزمن، فإن رقم 40 يُشير إلى كمال زماننا في حياة مطوّبة أو في حياة مملوءة معرفة. أو إن رقم 4 يُشير إلى الزمن لأن دوران السنة يحوي أربعة فصول زمنيّة (صيف وشتاء وخريف وربيع)، ودوران اليوم يحوي أربع فترات زمنيّة (باكر والظهيرة وعشية والليل) ...".

مسيحيون قدامى تحتفظ النجف بمقابرهم.. تعرف على مملكة الحيرة القديمة!
تشتهر مدينة النجف في شتى أنحاء العالم الإسلامي باعتبارها المدينة الشيعية المقدسة التي يواري ثراها جثمان الإمام علي بن أبي طالب، أول الأئمة المعصومين عند الشيعة الاثني عشرية. بدأت أهمية النجف قبل ظهور الإسلام بأربعة قرون كاملة. شهدت أرضها قيام مملكة الحيرة القديمة التي ارتبطت بعلاقات وثيقة مع الفرس الساسانيين. وأسهم ملوكها بشكل مؤثر في نشر المسيحية النسطورية في بعض أنحاء شبه الجزيرة العربية.

أما الحدث الثاني الذي ارتبط بالرقم أربعين فهي المدة التي قضاها المسيح بين قيامته من الموت وصعوده إلى السماء. اعتاد المسيحيون أن يستذكروا أمواتهم في اليوم الأربعين من الوفاة. ويتلون عندها ما يُعرف باسم "جناز الأربعين" والذي جاء فيه "كما قمت يا ربنا من الموت في اليوم الثالث، وبقيت معنا على الأرض مدة أربعين يومًا من بعد قيامتك، ثم في تمام الأربعين يومًا صعدت إلى السماوات أمام رسلك القديسين الأطهار، هكذا أصعد نفس أخينا الراقد [فلان] كما صعدت أنت. وأرحها في الأحضان السماوية. واغفر له كل خطاياه".

 

الإسلام

 

ورد الرقم أربعون في الآية الخامسة عشر من سورة الأحقاف "ووصينا الإنسان بوالديه إحسانًا حملته أمه كرهًا ووضعته كرهًا وحمله وفصاله ثلاثون شهرًا حتى إذا بلغ أشده وبلغ أربعين سنة قال رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي وعلى والدي وأن أعمل صالحًا ترضاه وأصلح لي في ذريتي إني تبت إليك وإني من المسلمين". تحدث العديد من العلماء أن سن الأربعين هو السن الذي بُعث فيه الأغلبية الغالبة من الأنبياء والرسل. ويتفق أغلبية المسلمين على القول بإن الوحي نزل على النبي محمد للمرة الأولى في سن الأربعين.

ارتبط رقم أربعون في الإسلام بالطهارة. على سبيل المثال يتفق الفقهاء أن الحد الأقصى لطهارة الأم النفساء هو أربعون يومًا. يقول الترمذي: "أجمع أهل العلم من أصحاب النبي ومن بعدهم على أن النفساء تدع الصلاة أربعين يومًا إلا أن ترى الطهر قبل ذلك فتغتسل وتصلي".

من جهة أخرى، اُستخدم الرقم أربعون لضرب المثل في التحذير من مغبة ممارسة الفواحش والخطايا. ورد في صحيح مسلم "من أتى عرافًا فسأله عن شيء لم تُقبل له صلاة أربعين ليلة". أيضًا، ذكر الحاكم النيسابوري في كتابه المُستدرك على الصحيحين "ما من أحد يشربها -الخمر- فيقبل الله له صلاة أربعين ليلة، ولا يموت وفي مثانته منها شيء إلا حُرمت عليه بها الجنة، فإن مات في أربعين ليلة مات ميتة جاهلية".

تحدثت بعض الروايات الضعيفة عن ارتباط الرقم أربعين بمراحل خلق الإنسان الأول، من ذلك ما نُسب للنبي من قوله: "إن الله خمر طينة آدم بيده أربعين صباحًا"، كما ارتبط الرقم ببعض المراتب المشهورة عند الصوفية ومنها مرتبة الأبدال. ورد في بعض الروايات "الأبدال بالشام وهم أربعون رجلًا كلما مات رجل أبدل الله مكانه رجلًا. يُسقي بهم الغيث ويُنتصر بهم على الأعداء ويُصرف عن أهل الشام بهم العذاب".

 

مواضيع ذات صلة:

ث
أرشيفية من لحظة تتويج الرباع العراقي عبد الواحد عزيز بالبرونزية في أولمبياد روما 1960

مع انطلاق أولمبياد باريس يستذكر العراقيون الرباع عبد الواحد عزيز، صاحب الميدالية البرونزية الوحيدة، وأحد الأبطال الذين لقبّوا بـ"قاهري الحديد" في البصرة.

ولد عبد الواحد عزيز عام 1931 في مدينة البصرة الغنية بالنفط والمطلة على الخليج العربي متعددة الأعراق والثقافات. وبحسب السيرة الذاتية التي نشرت على موقع نقابة الرياضيين العراقيين فإن عزيز كان مولعاً بالرياضة، إذ مارس كرة القدم والسلة والطائرة بالإضافة للسباحة قبل أن يستقر على رياضة رفع الأثقال أوائل الخمسينيات في نادي الاتحاد الرياضي.

انتقل للتدريب في نادي الشروق بمنطقة العشار، وهناك تعرف عليه الرباع ورئيس اتحاد الأثقال في البصرة والحكم الدولي السابق عبد الباقي ياسين التميمي الذي تحدث لـ "ارفع صوتك" عن تلك المرحلة الذهبية في حياة الرياضيين العراقيين وطموح الرباعين أن يحصد العراق وساماً ملوناً في رياضة رفع الأثقال.

يروي التميمي: "كانت الرياضة هواية يمارسها أبناء المجتمع البصري بشكل فطري ودون أن تكون هناك رعاية من الدولة لتطوير هذه الألعاب. فكان فعلاً مجتمعياً قائماً على حب الرياضيين لهواياتهم بالدرجة الأولى".

في تلك الفترة برز العديد من الرباعين في البصرة وكان يطلق عليهم اسم "قاهري الحديد" بالإضافة إلى العديد  من الرياضات الفردية، فضهر العديد من الأبطال ونال كثير منهم الألقاب على مستوى العراق والعالم العربي وبطولات آسيا.

ميدالية يتيمة منذ 1960.. ما حظوظ العراق في أولمبياد باريس؟
خوض غمار أولمبياد باريس 2024 لا يختلف عن المشاركات السابقة للعراق والعامل المشترك هو غياب ‏التفاؤل عن بلد ما زال يبحث عن مكان مفقود له في هذه الألعاب التي أحرز فيها ميدالية يتيمة خلال تاريخه، وكانت ‏باللون البرونزي عبر الربّاع الراحل عبد الواحد عزيز في روما 1960.‏

الطريق إلى الأولمبياد

أقيمت أول بطولة نظامية في رفع الاثقال عام 1944 في العاصمة بغداد، وأُسس أول اتحاد لرفع الأثقال رسمياً في 1950، وبعدها بعامين أصبح العراق عضواً في الاتحاد الدولي لرفع الأثقال.

كان للرباع عزيز "مساهمة كبيرة في إبراز رياضة رفع الاثقال التي تفرغ لها كلياً عام 1951"، بحسب التميمي، موضحاً "بدأت داخلياً عندما شارك عزيز بأول بطولة وطنية له في العام ذاته واحتل المركز الثاني في وزن الديك (56 كغم)، وهو الإنجاز الذي كرره في العام التالي. بعدها بعامين ظهر لأول مرة دولياً في دورة الألعاب العربية التي أقيمت في الإسكندرية بمصر عام 1953، بوزن الريشة (60 كغم) آنذاك، وحصل على الميدالية الفضية".

"ومن هناك بدأ عزيز يشق طريقه نحو الأولمبياد التي تُعقد مرة واحدة كل أربعة سنوات، فكان مخلصاً في التدريب تحت إشراف المدرب جميل بطرس وهو واحد من أهم مدربي رياضة رفع الأثقال في البصرة آنذاك"، يتابع التميمي.

كان جميل بطرس موظفاً في مصلحة الموانئ العراقية، فيما كان عزيز موظفاً في دائرة الكهرباء، يصفهما التميمي بقوله "كلاهما كانا مواظبين على التدريب بعد الانتهاء من عملهما في دوائرهما الرسمية، كما كانا يتدربان أيضا في منزلهما المزود بمتطلبات بسيطة للتدريب على رفع الأثقال".

خلال تلك المدة كان التدريب يتكون من ثلاث فقرات وهو الضغط والنتر والخطف، أما حالياً فتم إلغاء الضغط.

ويشرح التميمي الطريقة التي كان يتدرب بها عزيز: "كان مخلصاً في تدريبه لا يتركه ولو ليوم واحد"، معللاً ذلك بأن "رياضة رفع الأثقال قاسية تحتاج إلى تدريب مستمر ونظام غذائي صارم حتى لا يتأثر بارتفاع وانخفاض الوزن خلال المنافسات العربية والدولية". 

ونتيجة لكل ذلك التدريب بدأ عزيز بحصد الميداليات الواحدة تلو الأخرى، بدأت من دورة الألعاب العربية الثانية التي أقيمت في بيروت عام 1957 حيث تمكن عزيز من نيل المركز الأول والميدالية الذهبية في فعالية وزن المتوسط (75 كغم).

وفي العام نفسه أقيمت في طهران بطولة آسيا برفع الأثقال والمتداخلة مع بطولة العالم، شارك فيها بفعالية الوزن الخفيف (67.5 كغم) حيث حصد المركز الأول بمجموع رفعات بلغ (362.5 كغم)، ليكون الرباع الوحيد في آسيا والشرق الأوسط الذي عبر حاجز الـ(360 كغم) ضمن فئة الخفيف.

أما مشاركته الثانية وهي الأبرز فجاءت في العاصمة البولندية وارسو عام 1959 ونال بها المركز الثالث بعد أن قلل من وزنه إلى الوزن الخفيف. حصل على الميدالية البرونزية في بطولة العالم عام 1959 وهو ما جعله منافساً في أولمبياد روما عام 1960.

يقول التميمي إن وصول عزيز للأولمبياد "كان حدثاً عظيماً أثر في جميع اللاعبين وانتظرناه بفارغ الصبر".

هل يحرز العراق الذهب في أولمبياد باريس؟
وتتألف بعثة العراق في أولمبياد باريس 2024 المقرر إجراؤها بين 26 يوليو الجاري و11 أغسطس المقبل، بحسب بيان للجنة الأولمبية العراقية، من 26 رياضياً في ألعاب كرة القدم ورفع الأثقال وألعاب القوى والجودو والسباحة إضافة إلى الإداريين والمدربين والأطباء والمعالجين.

برونزية روما

وصل عبد الواحد عزيز برفقة مدربه جميل بطرس إلى روما، وهناك تمكن من التنافس وكان مرشحاً قوي للحصول على المركز الأول أو الثاني بسبب الأرقام التي حققها برفعه مجموعة قدرها (380 كغم) وهو رقم متساو مع ما حققه اللاعب السنغافوري تان هو ليوانغ، فيما تقدم عليهما السوفيتي يوشو بيف بـ(397.5 كغم).

"بعد التعادل، تقرر بحسب أنظمة ولوائح الأولمبياد في حال التساوي يتم الأخذ بنظر الاعتبار أوزان المتسابقين لتحديد الفائز. لتفصل 400 غرام زيادة في وزن عزيز عن الفضية، فاحتل المركز الثالث وحصل على الميدالية البرونزية.

منذ ذلك الحين، لم يتمكن أي رياضي عراقي من تحقيق ما يوازي هذا الإنجاز، لذلك صار لقب ميداليته "اليتيمة"، وفق عبد الباقي ياسين التميمي.

وعن الجو العام في العراق، يتذكر "كنتُ وبقية الرياضيين خصوصاً الرباعين نتابع  أخبار الأولمبياد عبر الصحف والإذاعة، فلم يكن ممكناً حينها رؤية النقل المباشر للألعاب الرياضية، ورأينا لحظة فوزه في نسخة مسجلة عبر التلفاز".

"كانت فرحة لا يمكن وصفها"، يضيف التميمي، مكملاً "عندما عاد عزيز إلى العراق تم تكريمه باحتفالين متواضعين الأول في بغداد والثاني في محافظة البصرة".

بععد عودته، أعرب عزيز عن دهشته بحجم التطور الرياضي الذي رآه في الألولمبياد وحجم الإمكانيات المتوفرة للاعبين من قبل بلادهم، وكيف أنه ذهب برفقة مدربه فقط، مقارنة بغيره من اللاعبين الذين وصلوا روما برفقة العديد من الأشخاص والمدربين لتهيئتهم من أجل المسابقات.

كان أكثر ما تمناه عزيز للعراقيين، يقول التميمي "توفير الإمكانيات التي توفرها دول العالم المتقدم للاعبيهم في المنافسات" وهو الأمر الذي لم يتحقق.

يوضح "تراجعت رياضة رفع الأثقال كثيراً خصوصاً في البصرة، لظروف كثيرة منها الحروب والأوضاع الأمنية وعدم توفير الدعم".

كذلك، لم يستمر عزيز بعد الأولمبياد في رفع الأثقال فقد عانى من مشاكل صحية لم تسمح له بالبقاء طويلاً في اللعبة، كونها من الألعاب الشاقة. 

توفي عزيز بعمر صغير أوائل الثمانينيات، يقول التميمي، مردفاً "خسرنا بطلاً عراقياً كان يمكن أن تكون له إنجازات كبيرة في عالم التدريب كما كان صاحب الإنجاز الوحيد للعراق في الأولمبياد".

ورغم التراجع الذي تواجهه الرياضات الفردية بشكل عام، إلا أن التميمي يبدو متفائلاً، بقوله "أنظر بأمل كبير إلى رياضة رفع الأثقال لتكون من جديد الرافد الأساسي لميدالية أولمبية جديدة في أولمبياد باريس الحالية، نظراً للأرقام التي حققها المتأهل إلى الأولمبياد الرباع علي عمار، وألا تبقى الميدالية العراقية الوحيدة في الأولمبياد يتيمة".