يتوجه ملايين الزوار الشيعة من شتى أنحاء العالم صوب كربلاء في شهر صفر من كل عام لإحياء أربعينية الحسين بن علي بن أبي طالب.
يتوجه ملايين الزوار الشيعة من شتى أنحاء العالم صوب كربلاء في شهر صفر من كل عام لإحياء أربعينية الحسين بن علي بن أبي طالب.

يتوجه ملايين الزوار الشيعة من شتى أنحاء العراق وإيران والبحرين والكويت ولبنان وباكستان صوب كربلاء في شهر صفر من كل عام. تقصد تلك الحشود كربلاء لإحياء أربعينية الحسين بن علي بن أبي طالب، الذي قُتل في العاشر من محرم سنة 61ه. تذكر المصادر الروائية الشيعية أن السيدة زينب بنت علي والإمام الرابع علي زين العابدين توجها إلى كربلاء بعد أربعين يومًا من مقتل الحسين، وقابلا هناك الصحابي جابر بن عبد الله فزاروا جميعًا مرقد الحسين. واستنوا بذلك السنة التي ستظل قائمة حتى اليوم.

تنقل بعض الروايات عن الحسن العسكري (الإمام الحادي عشر) قوله: "علامات المؤمن خمسة: التختم باليمين، وتعفير الجبين، وصلوات إحدى وخمسين، وزيارة الأربعين، والجهر ببسم الله الرحمن الرحيم". وأورد الشيخ عباس القمي في كتابه "مفاتيح الجنان" زيارة مخصوصة في أربعينية الحسين عن الإمام السادس جعفر الصادق. جاء فيها "...أشهَدُ أنَّكَ كُنتَ نُوراً في الأصلابِ الشّامِخَةِ وَالأرحامِ المُطَهَّرَةِ، لَم تُنَجِّسكَ الجاهِلِيَّةُ بِأنجاسِها وَلَم تُلبِسكَ المُدلَهِمّاتُ مِن ثِيابِها، وَأشهَدُ أنَّكَ مِن دَعائِمِ الدّينِ وَأركانِ المُسلِمينَ وَمَعقِلِ المُؤمِنينَ، وَأشهَدُ أنَّكَ الإمامُ البَرُّ التَّقِيُّ الرَّضِيُّ الزَّكِيُّ الهادِي المَهدِيُّ، وَأشهَدُ أنَّ الأئِمَّةَ مِن وُلدِكَ كَلِمَةُ التَّقوى وَأعلامُ الهُدى وَالعُروَةُ الوُثقى، وَالحُجَّةُ على أهلِ الدُّنيا...".

في هذا المقال، نلقي الضوء على مسألة أربعينية الميت وأهميتها في مختلف الثقافات الدينية، لنرى كيف تمكنت الرمزية الهائلة للرقم 40 من التوسع والانتشار في كل من مصر وبلاد الشام والعراق عبر القرون.

 

المصريون القدماء

 

تبدأ قصة الرقم أربعين مع المصريين القدماء. سيلاحظ الباحث في تاريخ الحضارة المصرية القديمة أن هذا الرقم كان مرتبطًا بشكل وثيق بعملية التحنيط التي خضعت لها جثامين الموتى. كان الكهنة والأطباء يتخلصون من الأحشاء الداخلية الموجودة في جثمان المتوفى. وبعدها، يقومون بوضع كميات كبيرة من ملح النطرون في الجثمان لمدة أربعين يومًا كاملة وذلك للتأكد من تجفيف الجسم وحمايته من الفساد والتعفن.

إذا ما رجعنا للميثولوجيا المصرية القديمة، سنجد أن الرقم أربعين كان حاضرًا في العديد من القصص المشهورة. على سبيل المثال ورد في بعض الأساطير أن الإله "ست" مزَّق جثمان أخيه أوزير لأربعين قطعة. وورد في قصص أخرى أن الإلهة إيزيس تمكنت من إعادة زوجها أوزير للحياة مرة أخرى بعد أربعين يومًا من وفاته.

 

بلاد الرافدين

 

ارتبط الرقم أربعون في بلاد الرافدين بالظروف الطبيعية والمناخية. لا يزال العراقيون والشاميون يتحدثون عن "مربعانية الشتاء"، وهي الفترة التي يشتد فيها البرد وتستمر لأربعين يومًا من 22 ديسمبر إلى 31 يناير في كل عام.

في الديانة السومرية القديمة، كان الرقم أربعون هو رقم إنكي إله الماء العذب والحكمة. أيضًا حضرت رمزية هذا الرقم من خلال قصة الإله تموز/ دموزي الذي قيل إنه مات في سن الأربعين. رمزية الرقم الغامض لم تقتصر على الديانات العراقية المندثرة بل استمرت موجودة مع بعض الديانات القائمة حتى اللحظة. على سبيل المثال، يرتبط الرقم40 بطقوس الوفاة والجنازة في كل من الديانتين المندائية والإيزيدية على الترتيب. تذكر الليدي دراوور في كتابها "الصابئة المندائيّون" أن روح المتوفى تصعد بعد الوفاة إلى المطهر، وتقضي فيه خمسة وأربعين يومًا، أما إذا كانت الروح طاهرة فإنها تقضي أربعين يومًا فحسب. بعدها تصل الروح في الأخير إلى موازين أباثر. في هذا المكان توزن الأرواح وتُحفظ فيه إلى أن تغادره. وتوضع حسنات الروح وسيّئاتها في كفتي ميزان، فإذا رُجّحت كفّة السيّئات، أو تساوت الكفّتان بقيت الروح في المطهر لنيل طهارة وعقوبة تتناسبان وخطيئتها.

ويشير عمار قربي في كتابه "تاريخ الإيزيدية" إلى ارتباط الرقم أربعين بفترة الحداد على الميت، فيقول: "... تتكرر زيارة النساء للقبر صباحًا ومساءً، طيلة فترة الحداد البالغة سبعة أيام. وفي كل مرة يجب أن يردد القوّال -وهو الفرد المنوط به إلقاء القول وإنشاد الأناشيدالدينية داخل الجماعة الإيزيدية- فوق القبر دعاء الترقيني -وهو دعاء ديني مكتوب باللغتين العربية والكردية- إضافة إلى الدق على الدف والنفخ في الشبابة على حد تعبير الإيزيدية. ولأهل الميت بعد انتهاء فترة الحداد أن يطلبوا من القوّال مواصلة ترديد الترقيني على فقيدهم أربعين يومًا، فيذهب عندئذ إلى القبر وحده لتنفيذ واجبه الديني وبدون الدف والشبابة. وتستمر زيارة النسوة بعد الأربعين، تقتصر زيارتهن للقبر على أيام الأربعاء والجمعة والأعياد، حاملات البخور معهن إلى المقبرة أيضًا".

 

اليهودية

 

تحدثت نصوص العهد القديم كثيرًا عن الرقم أربعين. سيجد الباحث في التاريخ اليهودي أن هذا الرقم ارتبط بالعديد من اللحظات المهمة في تاريخهم. على سبيل المثال ورد الرقم للمرة الأولى في الإصحاح السابع من سفر التكوين في سياق الحديث عن الفترة التي وقع فيها طوفان نوح. يذكر السفر الفترة التي تكون فيها الطوفان فيقول: "وَكَانَ الْمَطَرُ عَلَى الأَرْضِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا وَأَرْبَعِينَ لَيْلَةً". ورد الرقم نفسه في الإصحاح الخمسين من سفر التكوين في سياق الحديث عن وفاة النبي يعقوب. يحكي السفر عن الحزن الشديد الذي أصيب به النبي يوسف لمّا مات أبوه "فَوَقَعَ يُوسُفُ عَلَى وَجْهِ أَبِيهِ وَبَكَى عَلَيْهِ وَقَبَّلَه. وَأَمَرَ يُوسُفُ عَبِيدَهُ الأَطِبَّاءَ أَنْ يُحَنِّطُوا أَبَاهُ. فَحَنَّطَ الأَطِبَّاءُ إِسْرَائِيلَ. وَكَمُلَ لَهُ أَرْبَعُونَ يَوْمًا، لأَنَّهُ هكَذَا تَكْمُلُ أَيَّامُ الْمُحَنَّطِينَ. وَبَكَى عَلَيْهِ الْمِصْرِيُّونَ سَبْعِينَ يَوْمًا". تؤكد تلك الفقرة المعلومات المتوفرة عن ارتباط الرقم أربعين بالمصريين القدماء وبممارستهم لأعمال التحنيط.

ظهر الرقم أربعون مرة ثالثة في واحدة من أهم لحظات الدين اليهودي على الإطلاق. صعد النبي موسى إلى الجبل ليستلم الألواح والوصايا العشر من يهوه. وصام لفترة أربعين يومًا كاملة. يقول الإصحاح الرابع والثلاثون من سفر الخروج: "وَكَانَ هُنَاكَ عِنْدَ الرَّبِّ أَرْبَعِينَ نَهَارًا وَأَرْبَعِينَ لَيْلَةً، لَمْ يَأْكُلْ خُبْزًا وَلَمْ يَشْرَبْ مَاءً. فَكَتَبَ عَلَى اللَّوْحَيْنِ كَلِمَاتِ الْعَهْدِ، الْكَلِمَاتِ الْعَشَرَ". بعدها، ضُرب على بني إسرائيل التيه في البرية لمدة أربعين عامًا كاملة أيضا. واستمرت رمزية الرقم في المُتخيل اليهودي بعد الدخول لأرض فلسطين. يذكر العهد القديم أن كلًا من الملك داود وابنه سليمان قد حكما لمدة أربعين سنة كاملة.

يتكرر ارتباط الرقم أربعين أيضا بشخوص الأنبياء المقدسين في قصة النبي إيليا. ورد في الإصحاح التاسع عشر من سفر الملوك الأول أن إيليا خرج إلى الصحراء هاربًا من أعدائه "ثُمَّ سَارَ فِي الْبَرِّيَّةِ مَسِيرَةَ يَوْمٍ، حَتَّى أَتَى وَجَلَسَ تَحْتَ رَتَمَةٍ (شجرة صحراوية) وَطَلَبَ الْمَوْتَ لِنَفْسِهِ، وَقَالَ: «قَدْ كَفَى الآنَ يَا رَبُّ. خُذْ نَفْسِي لأَنَّنِي لَسْتُ خَيْرًا مِنْ آبَائِي» … وَإِذَا بِمَلاَكٍ قَدْ مَسَّهُ وَقَالَ: «قُمْ وَكُلْ». فَتَطَلَّعَ وَإِذَا كَعْكَةُ رَضْفٍ وَكُوزُ مَاءٍ عِنْدَ رَأْسِهِ، فَأَكَلَ وَشَرِبَ ثُمَّ رَجَعَ فَاضْطَجَعَ… فَقَامَ وَأَكَلَ وَشَرِبَ، وَسَارَ بِقُوَّةِ تِلْكَ الأَكْلَةِ أَرْبَعِينَ نَهَارًا وَأَرْبَعِينَ لَيْلَةً إِلَى جَبَلِ اللهِ حُورِيبَ…".

وتمت الإشارة كذلك إلى الرقم 40 في معرض التهديد والوعيد. يذكر الإصحاح الثالث من سفر يونان أن النبي يونان -وهو نفسه النبي يونس عند المسلمين- أنذر المذنبين والعصاة قائلًا: "فَابْتَدَأَ يُونَانُ يَدْخُلُ الْمَدِينَةَ مَسِيرَةَ يَوْمٍ وَاحِدٍ، وَنَادَى وَقَالَ: "بَعْدَ أَرْبَعِينَ يَوْمًا تَنْقَلِبُ نِينَوَى".

 

المسيحية

 

يظهر ارتباط الرقم أربعين بالمسيحية في حدثين رئيسين. يُعرف الحدث الأول بتجربة الشيطان. ورد تفصيل تلك الحادثة في إنجيل متى "...ثُمَّ أُصْعِدَ يَسُوعُ إِلَى الْبَرِّيَّةِ مِنَ الرُّوحِ لِيُجَرَّبَ مِنْ إِبْلِيسَ. فَبَعْدَ مَا صَامَ أَرْبَعِينَ نَهَارًا وَأَرْبَعِينَ لَيْلَةً، جَاعَ أَخِيرًا. فَتَقَدَّمَ إِلَيْهِ الْمُجَرِّبُ وَقَالَ لَهُ: «إِنْ كُنْتَ ابْنَ اللهِ فَقُلْ أَنْ تَصِيرَ هذِهِ الْحِجَارَةُ خُبْزًا".

يحاول القمص تادرس يعقوب ملطي في كتابه "شرح الكتاب المقدس" أن يبيّن السبب الذي حدا بالمسيح لصيام أربعين يومًا تحديدًا، فيقول: "إن رقم 40 يحمل معنى رمزي، فيرى القديس أوغسطينوس أن رقم 40 يحوي رقم "عشرة" أربع مرّات، ولما كان رقم 10 يُشير إلى كمال تطويبنا أو إلى المعرفة و"أربعة" تُشير إلى الزمن، فإن رقم 40 يُشير إلى كمال زماننا في حياة مطوّبة أو في حياة مملوءة معرفة. أو إن رقم 4 يُشير إلى الزمن لأن دوران السنة يحوي أربعة فصول زمنيّة (صيف وشتاء وخريف وربيع)، ودوران اليوم يحوي أربع فترات زمنيّة (باكر والظهيرة وعشية والليل) ...".

مسيحيون قدامى تحتفظ النجف بمقابرهم.. تعرف على مملكة الحيرة القديمة!
تشتهر مدينة النجف في شتى أنحاء العالم الإسلامي باعتبارها المدينة الشيعية المقدسة التي يواري ثراها جثمان الإمام علي بن أبي طالب، أول الأئمة المعصومين عند الشيعة الاثني عشرية. بدأت أهمية النجف قبل ظهور الإسلام بأربعة قرون كاملة. شهدت أرضها قيام مملكة الحيرة القديمة التي ارتبطت بعلاقات وثيقة مع الفرس الساسانيين. وأسهم ملوكها بشكل مؤثر في نشر المسيحية النسطورية في بعض أنحاء شبه الجزيرة العربية.

أما الحدث الثاني الذي ارتبط بالرقم أربعين فهي المدة التي قضاها المسيح بين قيامته من الموت وصعوده إلى السماء. اعتاد المسيحيون أن يستذكروا أمواتهم في اليوم الأربعين من الوفاة. ويتلون عندها ما يُعرف باسم "جناز الأربعين" والذي جاء فيه "كما قمت يا ربنا من الموت في اليوم الثالث، وبقيت معنا على الأرض مدة أربعين يومًا من بعد قيامتك، ثم في تمام الأربعين يومًا صعدت إلى السماوات أمام رسلك القديسين الأطهار، هكذا أصعد نفس أخينا الراقد [فلان] كما صعدت أنت. وأرحها في الأحضان السماوية. واغفر له كل خطاياه".

 

الإسلام

 

ورد الرقم أربعون في الآية الخامسة عشر من سورة الأحقاف "ووصينا الإنسان بوالديه إحسانًا حملته أمه كرهًا ووضعته كرهًا وحمله وفصاله ثلاثون شهرًا حتى إذا بلغ أشده وبلغ أربعين سنة قال رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي وعلى والدي وأن أعمل صالحًا ترضاه وأصلح لي في ذريتي إني تبت إليك وإني من المسلمين". تحدث العديد من العلماء أن سن الأربعين هو السن الذي بُعث فيه الأغلبية الغالبة من الأنبياء والرسل. ويتفق أغلبية المسلمين على القول بإن الوحي نزل على النبي محمد للمرة الأولى في سن الأربعين.

ارتبط رقم أربعون في الإسلام بالطهارة. على سبيل المثال يتفق الفقهاء أن الحد الأقصى لطهارة الأم النفساء هو أربعون يومًا. يقول الترمذي: "أجمع أهل العلم من أصحاب النبي ومن بعدهم على أن النفساء تدع الصلاة أربعين يومًا إلا أن ترى الطهر قبل ذلك فتغتسل وتصلي".

من جهة أخرى، اُستخدم الرقم أربعون لضرب المثل في التحذير من مغبة ممارسة الفواحش والخطايا. ورد في صحيح مسلم "من أتى عرافًا فسأله عن شيء لم تُقبل له صلاة أربعين ليلة". أيضًا، ذكر الحاكم النيسابوري في كتابه المُستدرك على الصحيحين "ما من أحد يشربها -الخمر- فيقبل الله له صلاة أربعين ليلة، ولا يموت وفي مثانته منها شيء إلا حُرمت عليه بها الجنة، فإن مات في أربعين ليلة مات ميتة جاهلية".

تحدثت بعض الروايات الضعيفة عن ارتباط الرقم أربعين بمراحل خلق الإنسان الأول، من ذلك ما نُسب للنبي من قوله: "إن الله خمر طينة آدم بيده أربعين صباحًا"، كما ارتبط الرقم ببعض المراتب المشهورة عند الصوفية ومنها مرتبة الأبدال. ورد في بعض الروايات "الأبدال بالشام وهم أربعون رجلًا كلما مات رجل أبدل الله مكانه رجلًا. يُسقي بهم الغيث ويُنتصر بهم على الأعداء ويُصرف عن أهل الشام بهم العذاب".

 

مواضيع ذات صلة:

FILE - Iranian Supreme Leader Ayatollah Ali Khamenei speaks in Tehran, Iran, July 5, 2024. Secretary of State Antony Blinken…
المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي- تعبيرية

أعلنت الحكومة السودانية الأحد الماضي أن قائد الجيش عبد الفتاح البرهان تسلّم أوراق اعتماد السفير الإيراني، كما أرسل في المقابل سفيراً لبلاده إلى طهران، ما يعزز من فرص التقارب بين البلدين بعد قطيعة استمرت ثماني سنوات.

تأتي هذه الخطوة في سياق محاولات طهران المستمرة لنشر نفوذها داخل القارة الأفريقية. وذلك من خلال نشر أيديولوجية الثورة الإيرانية والترويج لنظرية الولي الفقيه.

 

شرق أفريقيا

اهتمت طهران بتأمين حدودها الجيوسياسية المرتبطة بتجارة النفط في خليج هرمز من خلال مد نفوذها في منطقة القرن الأفريقي، وهي المنطقة التي تضم عدداً من الدول الواقعة على البحر الأحمر شرقي أفريقيا، منها إريتريا، وإثيوبيا، والصومال، وجيبوتي.

بحسب ما يذكر الباحث محمد رمضان أبو شعيشع في دراسته "الوجود الإيراني في القرن الأفريقي: دراسة حالة على إريتريا"، فإن طهران قامت بتزويد إريتريا بالمئات من عناصر "فيلق القدس" وضباط البحرية والخبراء العسكريين من الحرس الثوري الإيراني الذين يشرفون على قواعد صاروخية بطول الساحل الإريتري على البحر الأحمر، المقابل للمملكة العربية السعودية واليمن.

لخدمة الهدف ذاته، استعادت إيران علاقتها الدبلوماسية مع جيبوتي في سبتمبر 2023م بعد 7 سنوات من القطيعة. يذكر أبو شعيشع أن الجانبين -الإيراني والجيبوتي- توصلا إلى توقيع مذكرة تفاهم للتعاون المشترك، تضمنت تلك المذكرة بناء مراكز للتدريب، والإعفاء من تأشيرات الدخول لمواطني البلدين، بالإضافة إلى منح البنك الإيراني قروضاً للبنك المركزي الجيبوتي، وتقديم منح للطلاب بهدف الدراسة في الجامعات الإيرانية.

محاولات إيران نشر نفوذها في شرقي أفريقيا وصلت إلى دولة جزر القمر الواقعة في المحيط الهندي. بدأت تلك المحاولات في عهد الرئيس القمري الأسبق أحمد سامبي، الذي درس العلوم الدينية في إيران في ثمانينات القرن الماضي. وتتلمذ وقتها على يد آية الله محمد تقي مصباح اليزدي. خلال فترة حكم سامبي، قدمت طهران دعماً كبيراً لجزر القمر من خلال بعض المنظمات الخيرية، ومنها على سبيل المثال، لجنة إمداد الإمام الخميني التي قدمت العون المالي لمئات الأسر، وافتتحت مركزاً لتدريب الشباب على الحرف. كما افتتح الهلال الأحمر الإيراني مستشفى في العاصمة موروني وقدم خدماته بالمجان.

تراجع زخم العلاقات الإيرانية القمرية بشكل ملحوظ عقب رحيل الرئيس سامبي، وفي سنة 2016م، قطعت جزر القمر علاقاتها الدبلوماسية مع إيران تضامناً مع السعودية بعد الاعتداء على بعثتها الدبلوماسية في طهران. واتهم الرئيس القمري طهران وقتها بأنها "استغلت ضيق ذات اليد لإقامة مشروعها الصفوي الشيعي في إحدى جزر القمر، ولكن لن نسمح لها بتمرير مشروعها في بلادنا...". مؤخراً، شهدت العلاقات بين البلدين انفراجه واضحة عقب الإعلان عن فوز رئيس جمهورية جزر القمر، غزالي عثمان، بولاية رئاسية ثالثة. أرسل الرئيس الإيراني الراحل، إبراهيم رئيسي، برقية تهنئة لنظيره القمري، ودعاه إلى "فتح صفحة جديدة في التعاون الثنائي والدولي لصالح البلدين".

لم يختلف الوضع كثيراً بالنسبة للعلاقات الإيرانية السودانية. أُفتتح أول مركز ثقافي إيراني في السودان في سنة 1988م في عهد حكومة رئيس الوزراء الأسبق الصادق المهدي. وتزايدت أنشطة المركز بشكل كبير عقب وصول الرئيس السابق عمر البشير إلى السلطة. في تلك الفترة، عُقدت العديد من الاتفاقيات العسكرية بين البلدين. وسمحت الخرطوم لطهران بإمدادها بمساعدات مالية بقيمة 17 مليون دولار وأسلحة صينية بقيمة 300 مليون دولار، فضلاً عن إرسال إيران 2000 فرد من الحرس الثوري الإيراني للسودان لإنشاء وتدريب "قوات الدفاع الشعبي" على غرار قوات الباسيج الإيرانية. في سنة 2009م، ظهر النفوذ الإيراني في السودان بشكل أكثر وضوحاً على المستوى الشعبي. وذلك بعدما نظم الشيعة السودانيون احتفالاً علنياً كبيراً بمناسبة ذكرى مولد الإمام المهدي.

في سبتمبر 2014م، تراجع زخم العلاقات بين البلدين، بعدما قررت السلطات السودانية إغلاق عدد من المراكز الثقافية الإيرانية في البلاد، وامهال القائمين عليها 72 ساعة لمغادرة البلاد. بعد أقل من سنتين، أعلن السودان قطع علاقاته مع إيران تضامناً مع السعودية. في هذا السياق، صرح الرئيس البشير في إحدى المقابلات الإعلامية أن "ايران سعت لترويج التشيع في السودان". بشكل عام، عملت طهران على توطيد وجودها في العديد من دول شرق أفريقيا من خلال استغلال نفوذها الديني والدبلوماسي. على سبيل المثال، يذكر الباحث سعيد الصباغ في دراسته "سياسة إيران تجاه القرن الافريقي وشرق إفريقيا" أن طهران عقدت مؤتمراً دولياً في مدينة قم في سنة 2016م. نُظم المؤتمر بالتعاون مع ما يسمى اتحاد الطلاب الأفارقة بإيران، وناقش الاستراتيجيات المختلفة لنشر المذهب الشيعي في أفريقيا، بمشاركة حوالي 200 طالب وداعية شيعي من 30 دولة أفريقية.

 

شمال أفريقيا

في عام 1993، اتهمت الجزائر إيران بتقديم الدعم السياسي والإعلامي لـ"الجبهة الإسلامية للإنقاذ". على إثر ذلك، قطعت الجزائر علاقاتها مع طهران. وطلب الجزائريون من السفير الإيراني مغادرة البلاد بشكل فوري. بعد 7 سنوات، أُعيدت العلاقات الدبلوماسية بين البلدين مرة أخرى. وتطورت بشكل كبير فيما بعد. في مارس الماضي، وقع مسؤولون من إيران والجزائر 6 اتفاقيات تعاون مشترك في مجالات مختلفة بحضور رئيسي البلدين.  جاءت تلك الاتفاقيات في مجالات النفط والغاز والعلوم والتكنولوجيا والاقتصاد القائم على المعرفة والرياضة والسياحة والإعلام.

من جهة أخرى، لم تنجح طهران في إثبات وجودها في المغرب. يرجع ذلك لسببين رئيسين، أولهما موقف طهران الداعي لنشر التشيع في المغرب، وثانيهما اعتراف طهران في سنة 1980م بجبهة البوليساريو، والتي تسعى لتحرير الصحراء الغربية مما تراه استعماراً مغربياً. في سنة 2009م، اعلنت المغرب قطع علاقتها مع طهران، وذكرت الرباط في بيانها الرسمي أن الإيرانيين مارسوا أنشطة متعددة بهدف نشر التشيع في المغرب. وأن هذه الأنشطة "تستهدف الإساءة إلى المقومات الدينية الجوهرية للمملكة والمس بالهوية الراسخة للشعب المغربي ووحدة عقيدته ومذهبه السني المالكي"، وذلك بحسب ما يذكر السيد أبو داود في كتابه "تصاعد المد الإيراني: في العالم العربي".

في سنة 2015م، عادت العلاقات بين البلدين لفترة وجيزة، قبل أن تُقطع مرة أخرى في مايو 2018م. عندما أعلن المغرب قطع علاقاته الدبلوماسية مع إيران، متهماً إياها وحليفها "حزب الله" اللبناني بدعم جبهة البوليساريو في الصحراء الغربية. في هذا السياق، ذكر عدد من التقارير المغربية أن بعض الخبراء العسكريين التابعين لحزب الله سافروا إلى الجزائر -وتحديداً لمدينة تندوف- لتأهيل قيادات من جبهة البوليساريو الانفصالية على استخدام صواريخ أرض-جو، والصواريخ المضادة للطائرات.

 

غرب أفريقيا

ارتبطت ظاهرة نشر التشيع وتمدد النفوذ الإيراني في غرب افريقيا باسم رجل الدين الشيعي النيجيري إبراهيم الزكزاكي. تأثر الزكزاكي في شبابه بأفكار الثورة الإيرانية. وفي سنة 1980م سافر إلى طهران للمرة الأولى من أجل المشاركة في الذكرى الأولى للثورة الإسلامية. وهناك، أعتنق المذهب الشيعي بشكل رسمي والتقى بالعديد من قيادات الثورة.

يذكر الباحث العراقي حيدر عبد الجليل في دراسته "دور الفكر الحسيني في نشر الإسلام المحمدي" أن الزكزاكي اُعتقل أكثر من مرة من قِبل السلطات النيجيرية في فترة الثمانينيات والتسعينيات من القرن الماضي، بسبب أنشطته الدعوية الداعية إلى نشر المذهب الشيعي في شمال نيجيريا من خلال تأسيس "الحركة الإسلامية في نيجيريا". أسس الزكزاكي عشرات المدارس الدينية الإسلامية التي تدرس المذهب الشيعي الإمامي، وأقام حسينية "بقية الله" في منطقة زاريا.  كما أسس عدة مؤسسات خيرية لتقديم الخدمات المالية والصحية والتعليمية. ومنها "مؤسسة الشهداء"، التي قامت على "رعاية أبناء الشهداء وكفالة الأيتام". و"مؤسسة الزهراء"، التي عملت على حفر الآبار وشق قنوات المياه وتخليص المسجونين ومساعدة الأرامل.

Iran's Supreme Leader Ayatollah Ali Khamenei meets with Palestinian group Hamas' top leader, Ismail Haniyeh, in Tehran
"حماس" الإخوانية وإيران الخمينية.. علاقة يعززها الإسلام السياسي
قبل أيام زار رئيس المكتب السياسي لحركة "حماس" طهران للمرة الثانية منذ السابع من أكتوبر 2023. هنية المقيم في قطر، يشكّل أحد أبرز الوجوه السياسية لـ"حماس". وزيارته إلى إيران تعيد إلى الواجهة تاريخ العلاقات بين ولاية الفقيه والإخوان المسلمين.

شهدت السنوات الماضية اندلاع العديد من المواجهات بين الجيش النيجيري من جهة، والحركة الإسلامية في نيجيريا من جهة أخرى. بدأت تلك المواجهات في يونيو 2005م، عندما نشرت نيجيريا مئات الجنود في مدينة سوكوتو الواقعة في أقصى غرب البلاد؛ على خلفية اندلاع أحداث العنف الطائفي بين السنة والشيعة التي أدت إلى مقتل 12 شخصاً. في نوفمبر 2015، استهدف تفجير انتحاري موكباً للمسلمين الشيعة قرب مدينة كانو شمالي نيجيريا وأوقع 21 قتيلاً.  وفي ديسمبر من العام نفسه اشتعلت الأوضاع في زاريا بعدما قُتل مئات المسلمين الشيعة على يد جنود الجيش النيجيري أثناء خروج بعض المظاهرات في "يوم القدس العالمي"، الذي يحتفل به الشيعة الموالون لإيران في الجمعة الأخيرة من رمضان سنوياً. شهدت تلك الأحداث تدمير منزل الزكزاكي والقبض عليه عقب إصابته بعيارات نارية، فيما قُتل ثلاثة من أبنائه، فضلاً عن نائب زعيم الحركة. في 2021م، قضت المحكمة العليا بولاية كادونا في نيجيريا بإطلاق سراح الزكزاكي بعد اعتقاله لمدة 6 سنوات، وفي يوليو من تلك السنة تم الإفراج بشكل نهائي عن الزعيم الشيعي، وخرج مرة أخرى لأنصاره.

بشكل عام، أعلن الزكزاكي في العديد من المناسبات عن ولائه الكامل للنظام الإسلامي في طهران، وعن اعتناقه نظرية الولي الفقيه، التي تجعل من "الحركة الإسلامية" في نيجيريا ذراعاً من أذرع المرشد الأعلى علي خامنئي. في أغسطس 2023م، انتقد الزكزاكي التدخل الغربي في شؤون القارة الإفريقية، وسار على نهج الثورة الإيرانية في موقفها المناهض للإمبريالية العالمية. من بين تصريحاته بهذا الخصوص، أن "أميركا وفرنسا قد تتسببان في أزمة بين نيجيريا والنيجر... من الواضح أن هذه ليست حربنا، بل حرباً بين أميركا وفرنسا". في أكتوبر من العام نفسه، سافر الزكزاكي إلى طهران للمرة الأولى عقب الإفراج عنه، وحظي باستقبال شعبي حاشد، كما التقى بالعديد من قيادات الجمهورية الإسلامية على رأسهم المرشد علي خامنئي، الذي وصف الزكزاكي بأنه "مجاهد حقيقي في سبيل الله".

من جهة أخرى، عملت إيران على استغلال العوامل الاقتصادية والتجارية لترسيخ وجودها في دول غرب أفريقيا. في مارس 2023م، نظمت إيران تجمعاً اقتصادياً مع عدد من سفراء دول غرب أفريقيا. وفي إبريل 2024م، استضافت طهران المؤتمر الاقتصادي الثاني لها مع أكثر من 40 دولة أفريقية، بهدف توسيع التعاون الاقتصادي مع الدول الأفريقية.  تسعى طهران إلى رفع حجم تجارتها مع أفريقيا إلى 12 مليار دولار، أي عشر أضعاف تجارتها الحالية التي سجلت 1.28 مليار دولار في سنة 2021م.