يتوجه ملايين الزوار الشيعة من شتى أنحاء العراق وإيران والبحرين والكويت ولبنان وباكستان صوب كربلاء في شهر صفر من كل عام. تقصد تلك الحشود كربلاء لإحياء أربعينية الحسين بن علي بن أبي طالب، الذي قُتل في العاشر من محرم سنة 61ه. تذكر المصادر الروائية الشيعية أن السيدة زينب بنت علي والإمام الرابع علي زين العابدين توجها إلى كربلاء بعد أربعين يومًا من مقتل الحسين، وقابلا هناك الصحابي جابر بن عبد الله فزاروا جميعًا مرقد الحسين. واستنوا بذلك السنة التي ستظل قائمة حتى اليوم.
تنقل بعض الروايات عن الحسن العسكري (الإمام الحادي عشر) قوله: "علامات المؤمن خمسة: التختم باليمين، وتعفير الجبين، وصلوات إحدى وخمسين، وزيارة الأربعين، والجهر ببسم الله الرحمن الرحيم". وأورد الشيخ عباس القمي في كتابه "مفاتيح الجنان" زيارة مخصوصة في أربعينية الحسين عن الإمام السادس جعفر الصادق. جاء فيها "...أشهَدُ أنَّكَ كُنتَ نُوراً في الأصلابِ الشّامِخَةِ وَالأرحامِ المُطَهَّرَةِ، لَم تُنَجِّسكَ الجاهِلِيَّةُ بِأنجاسِها وَلَم تُلبِسكَ المُدلَهِمّاتُ مِن ثِيابِها، وَأشهَدُ أنَّكَ مِن دَعائِمِ الدّينِ وَأركانِ المُسلِمينَ وَمَعقِلِ المُؤمِنينَ، وَأشهَدُ أنَّكَ الإمامُ البَرُّ التَّقِيُّ الرَّضِيُّ الزَّكِيُّ الهادِي المَهدِيُّ، وَأشهَدُ أنَّ الأئِمَّةَ مِن وُلدِكَ كَلِمَةُ التَّقوى وَأعلامُ الهُدى وَالعُروَةُ الوُثقى، وَالحُجَّةُ على أهلِ الدُّنيا...".
في هذا المقال، نلقي الضوء على مسألة أربعينية الميت وأهميتها في مختلف الثقافات الدينية، لنرى كيف تمكنت الرمزية الهائلة للرقم 40 من التوسع والانتشار في كل من مصر وبلاد الشام والعراق عبر القرون.
المصريون القدماء
تبدأ قصة الرقم أربعين مع المصريين القدماء. سيلاحظ الباحث في تاريخ الحضارة المصرية القديمة أن هذا الرقم كان مرتبطًا بشكل وثيق بعملية التحنيط التي خضعت لها جثامين الموتى. كان الكهنة والأطباء يتخلصون من الأحشاء الداخلية الموجودة في جثمان المتوفى. وبعدها، يقومون بوضع كميات كبيرة من ملح النطرون في الجثمان لمدة أربعين يومًا كاملة وذلك للتأكد من تجفيف الجسم وحمايته من الفساد والتعفن.
إذا ما رجعنا للميثولوجيا المصرية القديمة، سنجد أن الرقم أربعين كان حاضرًا في العديد من القصص المشهورة. على سبيل المثال ورد في بعض الأساطير أن الإله "ست" مزَّق جثمان أخيه أوزير لأربعين قطعة. وورد في قصص أخرى أن الإلهة إيزيس تمكنت من إعادة زوجها أوزير للحياة مرة أخرى بعد أربعين يومًا من وفاته.
بلاد الرافدين
ارتبط الرقم أربعون في بلاد الرافدين بالظروف الطبيعية والمناخية. لا يزال العراقيون والشاميون يتحدثون عن "مربعانية الشتاء"، وهي الفترة التي يشتد فيها البرد وتستمر لأربعين يومًا من 22 ديسمبر إلى 31 يناير في كل عام.
في الديانة السومرية القديمة، كان الرقم أربعون هو رقم إنكي إله الماء العذب والحكمة. أيضًا حضرت رمزية هذا الرقم من خلال قصة الإله تموز/ دموزي الذي قيل إنه مات في سن الأربعين. رمزية الرقم الغامض لم تقتصر على الديانات العراقية المندثرة بل استمرت موجودة مع بعض الديانات القائمة حتى اللحظة. على سبيل المثال، يرتبط الرقم40 بطقوس الوفاة والجنازة في كل من الديانتين المندائية والإيزيدية على الترتيب. تذكر الليدي دراوور في كتابها "الصابئة المندائيّون" أن روح المتوفى تصعد بعد الوفاة إلى المطهر، وتقضي فيه خمسة وأربعين يومًا، أما إذا كانت الروح طاهرة فإنها تقضي أربعين يومًا فحسب. بعدها تصل الروح في الأخير إلى موازين أباثر. في هذا المكان توزن الأرواح وتُحفظ فيه إلى أن تغادره. وتوضع حسنات الروح وسيّئاتها في كفتي ميزان، فإذا رُجّحت كفّة السيّئات، أو تساوت الكفّتان بقيت الروح في المطهر لنيل طهارة وعقوبة تتناسبان وخطيئتها.
ويشير عمار قربي في كتابه "تاريخ الإيزيدية" إلى ارتباط الرقم أربعين بفترة الحداد على الميت، فيقول: "... تتكرر زيارة النساء للقبر صباحًا ومساءً، طيلة فترة الحداد البالغة سبعة أيام. وفي كل مرة يجب أن يردد القوّال -وهو الفرد المنوط به إلقاء القول وإنشاد الأناشيدالدينية داخل الجماعة الإيزيدية- فوق القبر دعاء الترقيني -وهو دعاء ديني مكتوب باللغتين العربية والكردية- إضافة إلى الدق على الدف والنفخ في الشبابة على حد تعبير الإيزيدية. ولأهل الميت بعد انتهاء فترة الحداد أن يطلبوا من القوّال مواصلة ترديد الترقيني على فقيدهم أربعين يومًا، فيذهب عندئذ إلى القبر وحده لتنفيذ واجبه الديني وبدون الدف والشبابة. وتستمر زيارة النسوة بعد الأربعين، تقتصر زيارتهن للقبر على أيام الأربعاء والجمعة والأعياد، حاملات البخور معهن إلى المقبرة أيضًا".
اليهودية
تحدثت نصوص العهد القديم كثيرًا عن الرقم أربعين. سيجد الباحث في التاريخ اليهودي أن هذا الرقم ارتبط بالعديد من اللحظات المهمة في تاريخهم. على سبيل المثال ورد الرقم للمرة الأولى في الإصحاح السابع من سفر التكوين في سياق الحديث عن الفترة التي وقع فيها طوفان نوح. يذكر السفر الفترة التي تكون فيها الطوفان فيقول: "وَكَانَ الْمَطَرُ عَلَى الأَرْضِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا وَأَرْبَعِينَ لَيْلَةً". ورد الرقم نفسه في الإصحاح الخمسين من سفر التكوين في سياق الحديث عن وفاة النبي يعقوب. يحكي السفر عن الحزن الشديد الذي أصيب به النبي يوسف لمّا مات أبوه "فَوَقَعَ يُوسُفُ عَلَى وَجْهِ أَبِيهِ وَبَكَى عَلَيْهِ وَقَبَّلَه. وَأَمَرَ يُوسُفُ عَبِيدَهُ الأَطِبَّاءَ أَنْ يُحَنِّطُوا أَبَاهُ. فَحَنَّطَ الأَطِبَّاءُ إِسْرَائِيلَ. وَكَمُلَ لَهُ أَرْبَعُونَ يَوْمًا، لأَنَّهُ هكَذَا تَكْمُلُ أَيَّامُ الْمُحَنَّطِينَ. وَبَكَى عَلَيْهِ الْمِصْرِيُّونَ سَبْعِينَ يَوْمًا". تؤكد تلك الفقرة المعلومات المتوفرة عن ارتباط الرقم أربعين بالمصريين القدماء وبممارستهم لأعمال التحنيط.
ظهر الرقم أربعون مرة ثالثة في واحدة من أهم لحظات الدين اليهودي على الإطلاق. صعد النبي موسى إلى الجبل ليستلم الألواح والوصايا العشر من يهوه. وصام لفترة أربعين يومًا كاملة. يقول الإصحاح الرابع والثلاثون من سفر الخروج: "وَكَانَ هُنَاكَ عِنْدَ الرَّبِّ أَرْبَعِينَ نَهَارًا وَأَرْبَعِينَ لَيْلَةً، لَمْ يَأْكُلْ خُبْزًا وَلَمْ يَشْرَبْ مَاءً. فَكَتَبَ عَلَى اللَّوْحَيْنِ كَلِمَاتِ الْعَهْدِ، الْكَلِمَاتِ الْعَشَرَ". بعدها، ضُرب على بني إسرائيل التيه في البرية لمدة أربعين عامًا كاملة أيضا. واستمرت رمزية الرقم في المُتخيل اليهودي بعد الدخول لأرض فلسطين. يذكر العهد القديم أن كلًا من الملك داود وابنه سليمان قد حكما لمدة أربعين سنة كاملة.
يتكرر ارتباط الرقم أربعين أيضا بشخوص الأنبياء المقدسين في قصة النبي إيليا. ورد في الإصحاح التاسع عشر من سفر الملوك الأول أن إيليا خرج إلى الصحراء هاربًا من أعدائه "ثُمَّ سَارَ فِي الْبَرِّيَّةِ مَسِيرَةَ يَوْمٍ، حَتَّى أَتَى وَجَلَسَ تَحْتَ رَتَمَةٍ (شجرة صحراوية) وَطَلَبَ الْمَوْتَ لِنَفْسِهِ، وَقَالَ: «قَدْ كَفَى الآنَ يَا رَبُّ. خُذْ نَفْسِي لأَنَّنِي لَسْتُ خَيْرًا مِنْ آبَائِي» … وَإِذَا بِمَلاَكٍ قَدْ مَسَّهُ وَقَالَ: «قُمْ وَكُلْ». فَتَطَلَّعَ وَإِذَا كَعْكَةُ رَضْفٍ وَكُوزُ مَاءٍ عِنْدَ رَأْسِهِ، فَأَكَلَ وَشَرِبَ ثُمَّ رَجَعَ فَاضْطَجَعَ… فَقَامَ وَأَكَلَ وَشَرِبَ، وَسَارَ بِقُوَّةِ تِلْكَ الأَكْلَةِ أَرْبَعِينَ نَهَارًا وَأَرْبَعِينَ لَيْلَةً إِلَى جَبَلِ اللهِ حُورِيبَ…".
وتمت الإشارة كذلك إلى الرقم 40 في معرض التهديد والوعيد. يذكر الإصحاح الثالث من سفر يونان أن النبي يونان -وهو نفسه النبي يونس عند المسلمين- أنذر المذنبين والعصاة قائلًا: "فَابْتَدَأَ يُونَانُ يَدْخُلُ الْمَدِينَةَ مَسِيرَةَ يَوْمٍ وَاحِدٍ، وَنَادَى وَقَالَ: "بَعْدَ أَرْبَعِينَ يَوْمًا تَنْقَلِبُ نِينَوَى".
المسيحية
يظهر ارتباط الرقم أربعين بالمسيحية في حدثين رئيسين. يُعرف الحدث الأول بتجربة الشيطان. ورد تفصيل تلك الحادثة في إنجيل متى "...ثُمَّ أُصْعِدَ يَسُوعُ إِلَى الْبَرِّيَّةِ مِنَ الرُّوحِ لِيُجَرَّبَ مِنْ إِبْلِيسَ. فَبَعْدَ مَا صَامَ أَرْبَعِينَ نَهَارًا وَأَرْبَعِينَ لَيْلَةً، جَاعَ أَخِيرًا. فَتَقَدَّمَ إِلَيْهِ الْمُجَرِّبُ وَقَالَ لَهُ: «إِنْ كُنْتَ ابْنَ اللهِ فَقُلْ أَنْ تَصِيرَ هذِهِ الْحِجَارَةُ خُبْزًا".
يحاول القمص تادرس يعقوب ملطي في كتابه "شرح الكتاب المقدس" أن يبيّن السبب الذي حدا بالمسيح لصيام أربعين يومًا تحديدًا، فيقول: "إن رقم 40 يحمل معنى رمزي، فيرى القديس أوغسطينوس أن رقم 40 يحوي رقم "عشرة" أربع مرّات، ولما كان رقم 10 يُشير إلى كمال تطويبنا أو إلى المعرفة و"أربعة" تُشير إلى الزمن، فإن رقم 40 يُشير إلى كمال زماننا في حياة مطوّبة أو في حياة مملوءة معرفة. أو إن رقم 4 يُشير إلى الزمن لأن دوران السنة يحوي أربعة فصول زمنيّة (صيف وشتاء وخريف وربيع)، ودوران اليوم يحوي أربع فترات زمنيّة (باكر والظهيرة وعشية والليل) ...".
أما الحدث الثاني الذي ارتبط بالرقم أربعين فهي المدة التي قضاها المسيح بين قيامته من الموت وصعوده إلى السماء. اعتاد المسيحيون أن يستذكروا أمواتهم في اليوم الأربعين من الوفاة. ويتلون عندها ما يُعرف باسم "جناز الأربعين" والذي جاء فيه "كما قمت يا ربنا من الموت في اليوم الثالث، وبقيت معنا على الأرض مدة أربعين يومًا من بعد قيامتك، ثم في تمام الأربعين يومًا صعدت إلى السماوات أمام رسلك القديسين الأطهار، هكذا أصعد نفس أخينا الراقد [فلان] كما صعدت أنت. وأرحها في الأحضان السماوية. واغفر له كل خطاياه".
الإسلام
ورد الرقم أربعون في الآية الخامسة عشر من سورة الأحقاف "ووصينا الإنسان بوالديه إحسانًا حملته أمه كرهًا ووضعته كرهًا وحمله وفصاله ثلاثون شهرًا حتى إذا بلغ أشده وبلغ أربعين سنة قال رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي وعلى والدي وأن أعمل صالحًا ترضاه وأصلح لي في ذريتي إني تبت إليك وإني من المسلمين". تحدث العديد من العلماء أن سن الأربعين هو السن الذي بُعث فيه الأغلبية الغالبة من الأنبياء والرسل. ويتفق أغلبية المسلمين على القول بإن الوحي نزل على النبي محمد للمرة الأولى في سن الأربعين.
ارتبط رقم أربعون في الإسلام بالطهارة. على سبيل المثال يتفق الفقهاء أن الحد الأقصى لطهارة الأم النفساء هو أربعون يومًا. يقول الترمذي: "أجمع أهل العلم من أصحاب النبي ومن بعدهم على أن النفساء تدع الصلاة أربعين يومًا إلا أن ترى الطهر قبل ذلك فتغتسل وتصلي".
من جهة أخرى، اُستخدم الرقم أربعون لضرب المثل في التحذير من مغبة ممارسة الفواحش والخطايا. ورد في صحيح مسلم "من أتى عرافًا فسأله عن شيء لم تُقبل له صلاة أربعين ليلة". أيضًا، ذكر الحاكم النيسابوري في كتابه المُستدرك على الصحيحين "ما من أحد يشربها -الخمر- فيقبل الله له صلاة أربعين ليلة، ولا يموت وفي مثانته منها شيء إلا حُرمت عليه بها الجنة، فإن مات في أربعين ليلة مات ميتة جاهلية".
تحدثت بعض الروايات الضعيفة عن ارتباط الرقم أربعين بمراحل خلق الإنسان الأول، من ذلك ما نُسب للنبي من قوله: "إن الله خمر طينة آدم بيده أربعين صباحًا"، كما ارتبط الرقم ببعض المراتب المشهورة عند الصوفية ومنها مرتبة الأبدال. ورد في بعض الروايات "الأبدال بالشام وهم أربعون رجلًا كلما مات رجل أبدل الله مكانه رجلًا. يُسقي بهم الغيث ويُنتصر بهم على الأعداء ويُصرف عن أهل الشام بهم العذاب".
