يبلغ طول الطريق من الكوفة وحتى مكة حوالي 1400 كم.
يبلغ طول درب زبيدة من الكوفة وحتى مكة حوالي 1400 كم.

حتى قبل خمسين عاما من الآن، كان طريق الحج الكوفي واحدا من أشهر مسالك المسافرين في رحلتهم إلى الحج، منطلقين من الكوفة أول عاصمة إسلامية خارج حدود الجزيرة العربية، وصولا إلى مكة والمدينة لأداء مناسك الحج، متخذين من محطات الاستراحة على "درب زبيدة" دليلا لهم.

عُرف طريق الحج الكوفي باسم "درب زبيدة" نسبة إلى زبيدة، زوجة الخليفة العباسي هارون الرشيد، التي تكفلت بعمارته، وأنشأت العديد من الآبار والبرك وأماكن الاستراحة على طول الطريق إلى مكة. بعد أن كان الحجاج يعانون من وعورة الطريق وشح المياه، ليُخلد الطريق ذكرها منذ ذلك التاريخ.

عاد درب زبيدة الى الواجهة بعد عقود من النسيان، إثر إعلان منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة (اليونسكو) إدراجه على اللائحة التمهيدية للتراث العالمي، في ملف عراقي سعودي مشترك سجلت كل دولة منهما فيه أربعة مواقع أثرية. شملت المواقع العراقية "محطة أم القرون" و"محطة الطلحات" و "محطة شِراف" و "محطة العقبة الحدودية".

"إحياء درب زبيدة التاريخي له أهمية خاصة بين العراق والسعودية، لما يمثله هذا الدرب من قيمة  تاريخية وثقافية رابطة بين البلدين على مر العصور". يقول المتحدث باسم وزارة الثقافة أحمد العلياوي لـ"ارفع صوتك".

ويضيف العلياوي أن التنسيق بين البلدين كان على "مستوى عال بين وزارتي الثقافة العراقية والسعودية، وكذلك بين الهيئة العامة للآثار والتراث العراقية وهيئة التراث السعودية". ويشمل هذا التنسيق "الدعم وتبادل المعلومات والخبرات والتعاون لإعداد الملف الذي سوف يقدم إلى منظمة التراث العالمي"، لاتخاذ قرارها النهائي بخصوص إدراج درب زبيدة في اللائحة النهائية لليونيسكو.

وبحسب العلياوي، فإن العمل بين البلدين "مستمر منذ عامين لإجراء المسوحات الميدانية على الأرض الصحراوية لإبراز معالم الطريق، وتشخيصه ومعرفة منازله القديمة"، كما تم "كتابة جميع تفاصيل الطريق، وضبط مساراته وأماكنه، بحسب متطلبات دقيقة من جانب اليونسكو، والأمور تتجه إلى إنهاء هذا الملف قريبا".

 

طريق الحج الكوفي

 

كان طريق الحج الكوفي دربا تمر عبره القوافل التجارية منذ عصور ما قبل الإسلام، متجهة من مكة والمدينة باتجاه مدينة الحيرة عاصمة المناذرة بالقرب من الموقع الذي قامت عليه لاحقا مدينة الكوفة عام 14 هـ/635م.

ازدادت أهمية الطريق بعد تشريع الحج كفريضة على كل مسلم قادر، وانتشار الإسلام على مساحة واسعة في العراق والشام وبلاد فارس، ليبدأ استخدامه كطريق لقوافل الحج خلال فترة الخلفاء الراشدين بدءا من العام 12 للهجرة.

توسع الطريق في عهد الخليفة عمر بن الخطاب الذي تولى الخلافة بين عامي 13هـ و23هـ، خاصة بعدما بُنيت في العراق أول مدينتين إسلاميتين هما البصرة والكوفة، وحُفرت الآبار على طول الطريق بين البصرة ومكة.

وفي خلافة عثمان بن عفان (23-35هـ)، حُفرت عيون المياه في منطقة "فيد"، وشيدت الآبار وتم شق الأنهار وبناء الاستراحات. زادت أهمية الكوفة بعد اتخاذها عاصمة من قبل الخليفة علي بن ابي طالب(35-40هـ) واستُخدمت المحطات والمنازل السابقة والمشهورة على طريق الكوفة (الربدة- فيد -الثعلبية) وجرى توسعتها.

يبلغ طول الطريق من الكوفة وحتى مكة حوالي 1400 كم. ويتكون من جزئين: الأول والأهم هو طريق الحج الكوفي الذي يبدأ من الكوفة ويجتاز الصحراء وصولا إلى منطقة بطن العقبة عند الحدود العراقية السعودية. أما الثاني فطريق حج البصرة، الذي يمر بشمال شرق الجزيرة العربية عبر وادي الباطن مخترقا صحراء الدهناء الصعبة ثم يمر بالقصيم ذات المياه العذبة. بعدها يسير محاذيا للطريق الكوفي، قبل أن يلتقيا داخل الاراضي السعودية في محطة "ميقات ذات عرق".

من أعظم المآثر العباسية مأثرة الشريفة الهاشمية زبيدة بنت جعفر درب زبيدة وهو طريق الحاج من العراق إلى مكة .. ( سعد الغامدى )

Posted by ‎معالم المدينه النبوية‎ on Wednesday, July 22, 2015
 

درب زبيدة في العصر العباسي

 

اهتم خلفاء الدولة العباسية (132-656هـ) بطريق الحج الكوفي، وكانوا يسلكونه بأنفسهم عند توجههم لإداء فريضة الحج، فشيدوا خزانات المياه وأماكن الاستراحة والحصون لحمايته، بداية من الخليفة أبو العباس السفاح الذي كان أول من أقام الأميال والأعلام على طول الطريق لإرشاد المسافرين.

أدى الخليفة أبو جعفر المنصور، مؤسس بغداد، مناسك الحج ست مرات. أشرف خلالها على تطوير الطريق بنفسه، من خلال إقامة الحصون وخزانات المياه. وتوفي وهو في طريقه إلى الحج على نفس الطريق ودفن بالقرب من مكة.

وبعده، اهتم الخليفة محمد المهدي (158-169هـ) بتنظيم الطريق وتمهيده، وأقام البريد بين مكة والمدينة وبغداد لأول مرة. وبهذا ربط بين الحكومة المركزية في بغداد مع أنحاء الجزيرة العربية عبر طرق مواصلات راقية التنظيم. وقام بتولية أول مشرف على الطريق وهو يقطين بن موسى. سار باقي الخلفاء على نفس النهج، وجميعهم خصصوا "ولاة"، يشرفون على الطريق ويراقبون صيانته وإعماره.

وفي عهد الخليفة هارون الرشيد ( 170-193هـ)، الذي أدى فريضة الحج تسع مرات، ازدهر طريق الحج الكوفي، بفضل الإسهامات الكبيرة لزوجته زبيدة بنت جعفر، التي تكفلت بتوفير السكن والماء للحجاج بعد تعرضها لعناء شديد خلال توجهها لإداء مناسك الحج لوعورة الطريق وقلة المياه.

"منارة أم القرون أحد أبرز المعالم الأثرية من العهد العباسي التي فقدها العِراق" المنارة ليست مئذنة، وإنما هي منارة...

Posted by ‎أحمد الملاح Ahmed AlMallah‎ on Saturday, March 6, 2021

ويذكر إبراهيم بن إسحاق الحربي (198-285هـ)، في كتابه "المناسك"، وجود إحدى عشر محطة ومنزلا على طريق الحج مزودة بوسائل حفظ المياه على شكل آبار وأحواض، إضافة إلى القصور والحصون. ويرجع الفضل في إنشائها إلى السيدة زبيدة زوجة الخليفة.

اهتمت زبيدة بنت جعفر أيضا بخدمة المحتاجين من الحجاج ممن تضطرهم ظروفهم المعيشية إلى قطع المسافة سيرا على الأقدام، لذلك اهتمت ببناء محطات استراحة ثانوية بين المحطات الرئيسية.

 وحين توجه الرحالة ابن جبير إلى الحج، كان مسرورا بطريق الكوفة لأنه عكس غيره من الطرق مزود بهذه الاستراحات الثانوية، حيث يقول: "هذه المصانع والبرك والآبار والمنازل من بغداد إلى مكة هي آثار السيدة زبيدة بنت جعفر زوج الخليفة هارون الرشيد. انتدبت لذلك مدة من حياتها فأبقت في هذه الطريق مرافق ومنافع تعم على وفود الله تعالى كل سنة من لدن وفاتها إلى الآن. ولولا آثارها الكريمة في ذلك لما سلكْتُ هذه الطريق والله كفيل بمجازاتها والرضاء عنها".

كما امتدح المؤرخ والرحالة والجغرافي، المسعودي، عمل السيدة زبيدة في كتابه "مروج الذهب"، ذكر فيه أنها وفرت لأهالي مكة المياه العذبة بإنشاء البرك وحفر الآبار. كان من أهمها عين المشاش التي كانت تزودهم بالمياه من مسافة تربو على 12 ميلا عن طريق مجرى تحت الأرض.

 

هجمات القرامطة والقبائل

 

مع تراجع قوة الدولة العباسية أواخر القرن الثالث الهجري وبداية القرن الرابع، بدأ القرامطة وبعض القبائل العربية بالإغارة على قوافل التجار. خُربت بعض المحطات ودُفنت البرك والآبار، وأصبح درب زبيدة غير آمن.

وفي العام 317 للهجرة، تمكن القرامطة من الدخول إلى مكة وقتلوا الحجاج داخل الحرم المكي، ثم رموا جثث القتلى في بئر زمزم، واقتلعوا الحجر الأسود من ركن الكعبة. وتوقف الحج إثرها لنحو عشر سنوات.

كانت هذه العوامل مجتمعة من أسباب اندثار معالم الطريق. وتسبب الخلل الأمني بتوقف الحجاج عن استخدام درب زبيدة إلا عند توفر الحماية العسكرية في مواسم الحج فقط.

ومع سقوط بغداد في أيدي المغول سنة 656 هـ، تعطلت المواصلات بين العراق والجزيرة العربية كما ظهرت دمشق بدلا من بغداد كمركز مهم ينطلق منه الحجاج.

وكانت قوافل التجارة والحج تغيب عن درب زبيدة فترات طويلة تصل أحيانا لعقد أو أكثر، ثم تعود لسلوكه بحسب الوضع الأمني. كما غاب الطريق عن الذكر في كتب الرحالة خلال تلك الفترة، حتى نهاية القرن الثاني عشر للهجرة وبداية القرن الثالث عشر، حين ذكره الرحالة الفارسي عبد الكريم عاقبت، و بند علي ميرزا.

سافر عبد الكريم عاقبت إلى العراق وبلاد الشام والجزيرة العربية، ووضع ملاحظاته عن طريق الحج بين العراق ومكة. وأعطى شرحاً للعوائق التي واجهته، على رأسها النزاع بين بغداد والقبائل على طول الطريق، والعواصف الرملية التي كان هبوبها يُضيع مسارات الطريق، كما ذكر أن المسافرين على الدرب يعانون من شح المياه.

أما بند علي ميرزا، فكتب مخطوطة وصف فيها الطريق إلى الديار المقدسة، وقال إنه يبدأ من بغداد إلى الحلة ثم النجف، وبعدها يسلك طريقا يسمى درب زبيدة، و منطقة السبيعي (أم القرون)، ثم يدخل صحراء النفوذ حتى يصل وادي العقيق ثم مكة.

عاد درب زبيدة للظهور في كتابات الرحالة والمستشرقين أواخر القرن الثامن عشر وبداية القرن التاسع عشر. وظل مطروقا حتى سبعينات القرن العشرين، لعدم وجود طريق معبد بين العراق والسعودية. لاحقا، تم إنشاء طريق "كربلاء - النخيب - عرعر"، وتُرك درب زبيدة للرمال التي غطت الكثير من معالمه.

 

محطات العراق الشاخصة

 

أجرى مركز دراسات العتبة الحسينية دراسة تضمنت مسحا قام به فريق متخصص من الجيولوجيين والجغرافيين والآثاريين في رحلة صحراوية شاقة استمرت بين عامي 2014 و2016، لرصد محطات درب زبيدة على طول المسافة بين الكوفة والحدود السعودية.

 الخبيرة الآثارية فوزية المالكي التي كانت أحد أعضاء الفريق قالت لـ"ارفع صوتك" إن فريقها "سار على درب زبيدة لمسافة تجاوزت 111 كيلومترا، من الحدود العراقية السعودية وصولا إلى الكوفة. وتم رصد 17 محطة على طول الطريق، من ضمنها المحطات الأربع التي تم اختيارها من قبل اليونسكو للانضمام الى التراث العالمي".

جميع تلك المحطات، بحسب الخبيرة الآثارية، "تحتوي على شواخص فوق الأرض، وهي من الشروط المهمة لانضمام أي موقع إلى قائمة التراث العالمي".

 

أول موقع تم اختياره من قبل اليونسكو كان "بطن العقبة" الحدودي، وهو موقع "تتجاوز مساحته الكيلومتر الواحد، ويقع في منخفض تحيط به التلول لحمايته"، عُثر في هذا الموقع على "بنايات عديدة وسوق يحتوي على مخازن تجارية، إضافة إلى أربع برك للماء وبئرين"، كما تم اكتشاف "بقايا تعود لعصور موغلة في القدم تحتوي نقوش بالخط الكوفي والصفائي".

وتقع محطة "شِراف" هي الأُخرى على أرض منخفضة تحيط بها مرتفعات طبيعية "عُثِر فيها على بقايا أسس لبناء كبير يبلغ سمك جداره مترا ونصف المتر". أحصى الفريق "أكثر من 72 بئراً ما يزال بعضها مستخدماً من قبل الرعاة حتى الآن"، وتشير الدلائل بحسب الخبيرة الآثارية فوزية المالكي إلى ان هذه المحطة "تعرضت للتدمير الكامل على يد القراطة حيث دمرت المباني وتحولت إلى أكوام من الحجارة".

أما المحطة الثالثة على قائمة اليونسكو، "الطلحة"، فكانت "منطقة مترامية الأطراف تتجاوز مساحتها ثلاثة كيلومترات"، عَثر فيها الفريق على "بقايا أُسس سور المدينة، والكثير من الأبنية من ضمنها كنيسة ومقبرة تتجه نحو بيت المقدس، وجامع مع مقبرة للمسلمين تتجه قبورهم نحو مكة المكرمة، إضافة إلى أربع برك للمياه".

آخر المحطات وأقربها إلى الكوفة، كانت محطة أم القرون، وهي عبارة عن "منارة كان يتم استخدامها لإرشاد الحجاج بإشعال النيران أعلاها ليلا، وتبعد 52 كيلومترا عن مركز محافظة النجف". سميت أم القرون بهذا الاسم "لاستخدام قرون الحيوانات داخل البناء ما بين صفوف الطابوق". وتشير الخبيرة الآثارية إلى إن جزءا من هذه المنارة "تهدم وسقط على الأرض، بسبب عوامل التعرية الطبيعية والعواصف الترابية الشديدة".

 

مواضيع ذات صلة:

مسجد "الرسول الأعظم" في إحدى المناطق السياحية المعروفة داخل العاصمة العُمانية مسقط- تعبيرية
مسجد "الرسول الأعظم" في إحدى المناطق السياحية المعروفة داخل العاصمة العُمانية مسقط- تعبيرية

لأكثر من 10 ساعات استمر الهجوم الدموي في محيط مسجد "الإمام علي" بمنطقة "الوادي الكبير" في العاصمة العُمانية مسقط، بين ليل الاثنين وصباح الثلاثاء الماضيين.

وجاء عشية إحياء الشيعة حول العالم "يوم عاشوراء"، حيث يستذكرون في فعالياته  مقتل الإمام الحسين في معركة كربلاء عام 680.

أسفر الهجوم عن مقتل ستة أشخاص، أربعة باكستانيين وهندي وشرطي عُماني، إضافة إلى ثلاثة مهاجمين، كما أصيب نحو 28 آخرين بجروح.

تبنى تنظيم داعش العملية في السلطنة الخليجية الهادئة التي لم يسبق أن شهدت مثل هذه الهجمات من قبل، بخلاف دول مجاورة.

وخلافا لبقية دول الخليج التي يحكمها السُّنة، تتبع عُمان المذهب الإباضي، ولكن لديها عدد كبير من السكان السنّة وأقلية شيعية صغيرة، إلا أنها مؤثرة. فماذا نعرف عن شيعة عُمان وأبرز القبائل العُمانية المحسوبة عليهم؟ وما هو وضعهم الحقوقي والاجتماعي والسياسي كأقلية دينية في البلاد؟

 

التاريخ والأصل

يشير الباحث محمد صادق إسماعيل في كتابه "حقوق عربية ضائعة: قراءة في قضايا اجتماعية معاصرة" إلى الصعوبات الكبيرة التي تواجه الباحثين الراغبين في التعرف على تاريخ التشيّع الإمامي في سلطنة عُمان.

وعلى الرغم من قِدم هذا الوجود إلا أنه لم يحظ باهتمام المؤرخين، بحسب إسماعيل، قائلاً "الشخص الذي يريد أن يبحث في تاريخ شيعة عُمان عليه أن يقوم بالرجوع إلى الكثير من المصادر للوصول إلى المعلومات الصحيحة والدقيقة، لأن تاريخ عُمان قد دُوّن على المذاهب الأخرى غير المذهب الشيعي...".

ومن الممكن تحديد البدايات الأولى للحضور الشيعي في عُمان بالعقد الثالث من القرن الأول الهجري. في تلك الفترة، خاض الإمام علي بن أبي طالب عدداً من الحروب ضد الخارجين على سلطته بعدما تولى الخلافة، وفق ما يذكر شبر بن شرف بن علي الموسوي في كتابه "الطائفة الإمامية في عُمان: التاريخ والأدب والتجديد".

يضيف "جيش الإمام علي شهد حضوراً كثيفاً من جانب قبائل الأزد العمانية. حارب أفراد القبيلة بجوار الخليفة الرابع، وحافظوا على ولائهم له عقب وفاته. وظهر ذلك في مساندتهم المستمرة للإمامين الحسن والحسين بن علي على الترتيب".

في القرون الأولى من الهجرة، اشتهرت العديد من الشخصيات العمانية التي اعتنقت التشيّع الإمامي. منهم على سبيل المثال، اللغوي الشهير الخليل بن أحمد الفراهيدي، الذي وصفه محسن الأمين في كتابه "أعيان الشيعة" بقوله "كان أفضل الناس في الأدب، وقوله حجةٌ فيه، واخترع علم العروض، وفضله أشهر من أن يُذكر...".

ومنهم أيضاً، الفقيه المعروف ابن أبي عُقيل العماني، الذي امتدحه رجل الدين العراقي المعاصر محمد مهدي بحر العلوم في كتابه "الفوائد الرجالية" فقال إنه "أول من هذب الفقه واستعمل النظر، وقسّم البحث عن الأصول والفروع في ابتداء الغيبة الكبرى...".

ورغم غلبة المذهب الإباضي على معظم نواحي عُمان، إلا أن الوجود الشيعي ظل قائماً في العديد من المدن والقرى على مرّ القرون.

 

التوزيع الديموغرافي

في الوقت الحالي، يُقدّر عدد أتباع الشيعة الإمامية في عُمان بنحو 100 ألف نسمة من إجمالي عدد السكان الذي يبلغ مليونين و330 ألف نسمة، منهم مليون و800 مواطن عُماني.

يتحدث وضاح الهاشمي، الباحث العماني في تاريخ المذاهب لـ"ارفع صوتك" عن توزيع الطائفة الشيعية داخل عمان.

ويشرح أنهم ينتظمون في عدد من القبائل، هي: "البحارنة" وهم الشيعة العرب، و"الموسويون" وهم من الأشراف العلويين من ذرية موسى الكاظم بن جعفر الصادق، و"العجم" ترجع أصولهم إلى إيران خصوصاً مناطق الساحل الإيراني، ويعيشون منذ قرون في مسقط ومنطقة مطرح وفي منطقة الباطنة أيضاً بينما يعيش القليل منهم في مسندم ومدينة صور الساحلية. كذلك، تعرف عُمان قبائل "اللواتية" الشيعية التي هاجرت من عُمان في زمن الفتوحات الإسلامية إلى السند والهند وبعدها رجعت إلى عُمان مرة.

يضيف الهاشمي "كانت قبائل اللواتية تعتنق التشيع الإسماعيلي الأغاخاني في أول الأمر. ثم تحولت في القرن التاسع عشر الميلادي إلى المذهب الإمامي الإثني عشري".

في كتابها "الموجز في تاريخ سلطنة عمان القديم والحديث"، تلقي الباحثة شيرين إسماعيل أحمد الضوء على المكانة المُعتبرة التي حظي بها العديد من الشيعة داخل السلطنة في العقود الأخيرة.

وتبيّن أن "اللواتية شغلوا مناصب حكومية ممتازة. على سبيل المثال عُين مقبول بن علي بن سلطان وزيراً للتجارة والصناعة عام 1993، وعُين محمد بن موسى اليوسف وزير دولة لشؤون التنمية في 1994. كما عُينت راجحة بنت عبد الأمير اللواتي، كأول امرأة عُمانية في منصب وكيل وزارة الشؤون التخطيط في مجلس التنمية، قبل أن تشغل منصب وزير السياحة في فترة لاحقة. بالإضافة لخديجة بنت حسن اللواتي، التي كانت أول امرأة تشغل منصب سفير، عندما عُينت كسفيرة لسلطنة عُمان لدى هولندا".

كذلك، تذكر أحمد، أن "البحارنة أيضاً شغلوا مراتب محترمة في المجتمع العُماني. ساعدهم في ذلك تميزهم في مجالات العمل الحر والتجارة، مثل عائلة درويش التي تملك شركة محسن حيدر درويش، وتُعدّ من العائلات الثرية في السلطنة".

"وكان للبحارنة نفوذ سياسي واسع لا سيما أنهم يشغلون مواقع مهمة في الديوان السلطاني، منهم الدكتور عاصم الجمالي، أول وزير للصحة في 1970، الذي تولى لفترة وجيزة رئاسة الوزراء بالوكالة" تتابع أحمد.

 

نموذج التعايش 

على العكس من حالة التضييق التي تعاني منها معظم الأقليات الشيعية في الدول الخليجية، يتمتع شيعة عُمان بهامش واسع من التسامح وحرية ممارسة طقوسهم وشعائرهم.

يعترف شبر الموسوي بهذا التسامح، فيؤكد في كتابه أن الشيعة في عُمان "يحظون باستقلالية تامة في إدارة شؤون مذهبهم. وتبدو مظاهر تلك الاستقلالية في بناء وتشييد العديد من المساجد الخاصة بهم، وإنشاء وتسيير المؤسسات الخيرية، مثل (صناديق القرض الحسن)، و(مساعدة الأيتام)، و(أبناء السبيل)، بالإضافة لإدارة الأوقاف الجعفرية والمأتم والحسينيات".

"لهذا نجد أن مساجد أتباع أهل البيت وحسينياتهم تتوزع على العديد من المحافظات والمدن والقرى التي يقطنونها. يُمارسون شعائرهم فيها بكل حرية وطمأنينة. وفي مسقط لوحدها عددها 21؛ كما أن هناك العديد من المساجد في الباطنة، من أشهرها مسجد الإمام علي بن أبي طالب في المصنعة، ومسجد الفيروز في الخابورة..."، بحسب الموسوي.

من جهته، يؤكد وضاح الهاشمي على ذلك، مردفاً أن "عموم الشيعية العمانيين يتمتعون بكافة حقوقهم كمواطنين في السلطنة. فيتولون مختلف الوظائف الحكومية، ويتشاركون مع السنة والإباضية في كافة الحقوق والواجبات دون تمييز أو تفرقة في المعاملة".

ويقول "حتى أن الشيعة يتزاوجون من أهل المذاهب الأخرى دون حساسية تُذكر. ويخوضون المنافسات الانتخابية للوصول لمقاعد مجلس الشورى دون الحاجة للحصول على حصة انتخابية -كوتا- مخصصة لهم، كما هو الوضع في العديد من الدول الأخرى".

وهناك العديد من الشواهد الدّالة على انعقاد حالة فريدة من التسامح المذهبي داخل عُمان. ففي نوفمبر 2022، شهدت مسقط افتتاح جامع "السلام الكبير" على مساحة تزيد عن 13 ألف متر مربع بما يجعله أكبر جامع للمسلمين الشيعة في السلطنة.

حضر ذلك الافتتاح العديد من رموز وعلماء السنة والإباضية، ولم يجدوا بأساً في الصلاة بجوار الشيعة، وهو أمر يخالف الصورة النمطية الشائعة عن حالة الاحتقان المذهبي السائدة في معظم الدول العربية.

في السياق نفسه، تم توثيق العديد من حالات التعايش السلمي الهادئ بين الشيعة العُمانيين من جهة وأصحاب المذاهب المخالفة من جهة أخرى. على سبيل المثال، اشتهر مقطع فيديو  لحفل زفاف لعريس سني وعروس شيعية المذهب، فيما تولى العقد مفتي الإباضية في عُُمان.

ونَشرت بعض الصفحات على موقع "إكس" قيام بعض السنة والإباضية بمشاركة الشيعة العمانيين طقوسهم بمناسبة ذكرى مقتل الإمام الحسين في شهر محرم.