يبلغ طول الطريق من الكوفة وحتى مكة حوالي 1400 كم.
يبلغ طول درب زبيدة من الكوفة وحتى مكة حوالي 1400 كم.

حتى قبل خمسين عاما من الآن، كان طريق الحج الكوفي واحدا من أشهر مسالك المسافرين في رحلتهم إلى الحج، منطلقين من الكوفة أول عاصمة إسلامية خارج حدود الجزيرة العربية، وصولا إلى مكة والمدينة لأداء مناسك الحج، متخذين من محطات الاستراحة على "درب زبيدة" دليلا لهم.

عُرف طريق الحج الكوفي باسم "درب زبيدة" نسبة إلى زبيدة، زوجة الخليفة العباسي هارون الرشيد، التي تكفلت بعمارته، وأنشأت العديد من الآبار والبرك وأماكن الاستراحة على طول الطريق إلى مكة. بعد أن كان الحجاج يعانون من وعورة الطريق وشح المياه، ليُخلد الطريق ذكرها منذ ذلك التاريخ.

عاد درب زبيدة الى الواجهة بعد عقود من النسيان، إثر إعلان منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة (اليونسكو) إدراجه على اللائحة التمهيدية للتراث العالمي، في ملف عراقي سعودي مشترك سجلت كل دولة منهما فيه أربعة مواقع أثرية. شملت المواقع العراقية "محطة أم القرون" و"محطة الطلحات" و "محطة شِراف" و "محطة العقبة الحدودية".

"إحياء درب زبيدة التاريخي له أهمية خاصة بين العراق والسعودية، لما يمثله هذا الدرب من قيمة  تاريخية وثقافية رابطة بين البلدين على مر العصور". يقول المتحدث باسم وزارة الثقافة أحمد العلياوي لـ"ارفع صوتك".

ويضيف العلياوي أن التنسيق بين البلدين كان على "مستوى عال بين وزارتي الثقافة العراقية والسعودية، وكذلك بين الهيئة العامة للآثار والتراث العراقية وهيئة التراث السعودية". ويشمل هذا التنسيق "الدعم وتبادل المعلومات والخبرات والتعاون لإعداد الملف الذي سوف يقدم إلى منظمة التراث العالمي"، لاتخاذ قرارها النهائي بخصوص إدراج درب زبيدة في اللائحة النهائية لليونيسكو.

وبحسب العلياوي، فإن العمل بين البلدين "مستمر منذ عامين لإجراء المسوحات الميدانية على الأرض الصحراوية لإبراز معالم الطريق، وتشخيصه ومعرفة منازله القديمة"، كما تم "كتابة جميع تفاصيل الطريق، وضبط مساراته وأماكنه، بحسب متطلبات دقيقة من جانب اليونسكو، والأمور تتجه إلى إنهاء هذا الملف قريبا".

 

طريق الحج الكوفي

 

كان طريق الحج الكوفي دربا تمر عبره القوافل التجارية منذ عصور ما قبل الإسلام، متجهة من مكة والمدينة باتجاه مدينة الحيرة عاصمة المناذرة بالقرب من الموقع الذي قامت عليه لاحقا مدينة الكوفة عام 14 هـ/635م.

ازدادت أهمية الطريق بعد تشريع الحج كفريضة على كل مسلم قادر، وانتشار الإسلام على مساحة واسعة في العراق والشام وبلاد فارس، ليبدأ استخدامه كطريق لقوافل الحج خلال فترة الخلفاء الراشدين بدءا من العام 12 للهجرة.

توسع الطريق في عهد الخليفة عمر بن الخطاب الذي تولى الخلافة بين عامي 13هـ و23هـ، خاصة بعدما بُنيت في العراق أول مدينتين إسلاميتين هما البصرة والكوفة، وحُفرت الآبار على طول الطريق بين البصرة ومكة.

وفي خلافة عثمان بن عفان (23-35هـ)، حُفرت عيون المياه في منطقة "فيد"، وشيدت الآبار وتم شق الأنهار وبناء الاستراحات. زادت أهمية الكوفة بعد اتخاذها عاصمة من قبل الخليفة علي بن ابي طالب(35-40هـ) واستُخدمت المحطات والمنازل السابقة والمشهورة على طريق الكوفة (الربدة- فيد -الثعلبية) وجرى توسعتها.

يبلغ طول الطريق من الكوفة وحتى مكة حوالي 1400 كم. ويتكون من جزئين: الأول والأهم هو طريق الحج الكوفي الذي يبدأ من الكوفة ويجتاز الصحراء وصولا إلى منطقة بطن العقبة عند الحدود العراقية السعودية. أما الثاني فطريق حج البصرة، الذي يمر بشمال شرق الجزيرة العربية عبر وادي الباطن مخترقا صحراء الدهناء الصعبة ثم يمر بالقصيم ذات المياه العذبة. بعدها يسير محاذيا للطريق الكوفي، قبل أن يلتقيا داخل الاراضي السعودية في محطة "ميقات ذات عرق".

من أعظم المآثر العباسية مأثرة الشريفة الهاشمية زبيدة بنت جعفر درب زبيدة وهو طريق الحاج من العراق إلى مكة .. ( سعد الغامدى )

Posted by ‎معالم المدينه النبوية‎ on Wednesday, July 22, 2015
 

درب زبيدة في العصر العباسي

 

اهتم خلفاء الدولة العباسية (132-656هـ) بطريق الحج الكوفي، وكانوا يسلكونه بأنفسهم عند توجههم لإداء فريضة الحج، فشيدوا خزانات المياه وأماكن الاستراحة والحصون لحمايته، بداية من الخليفة أبو العباس السفاح الذي كان أول من أقام الأميال والأعلام على طول الطريق لإرشاد المسافرين.

أدى الخليفة أبو جعفر المنصور، مؤسس بغداد، مناسك الحج ست مرات. أشرف خلالها على تطوير الطريق بنفسه، من خلال إقامة الحصون وخزانات المياه. وتوفي وهو في طريقه إلى الحج على نفس الطريق ودفن بالقرب من مكة.

وبعده، اهتم الخليفة محمد المهدي (158-169هـ) بتنظيم الطريق وتمهيده، وأقام البريد بين مكة والمدينة وبغداد لأول مرة. وبهذا ربط بين الحكومة المركزية في بغداد مع أنحاء الجزيرة العربية عبر طرق مواصلات راقية التنظيم. وقام بتولية أول مشرف على الطريق وهو يقطين بن موسى. سار باقي الخلفاء على نفس النهج، وجميعهم خصصوا "ولاة"، يشرفون على الطريق ويراقبون صيانته وإعماره.

وفي عهد الخليفة هارون الرشيد ( 170-193هـ)، الذي أدى فريضة الحج تسع مرات، ازدهر طريق الحج الكوفي، بفضل الإسهامات الكبيرة لزوجته زبيدة بنت جعفر، التي تكفلت بتوفير السكن والماء للحجاج بعد تعرضها لعناء شديد خلال توجهها لإداء مناسك الحج لوعورة الطريق وقلة المياه.

"منارة أم القرون أحد أبرز المعالم الأثرية من العهد العباسي التي فقدها العِراق" المنارة ليست مئذنة، وإنما هي منارة...

Posted by ‎أحمد الملاح Ahmed AlMallah‎ on Saturday, March 6, 2021

ويذكر إبراهيم بن إسحاق الحربي (198-285هـ)، في كتابه "المناسك"، وجود إحدى عشر محطة ومنزلا على طريق الحج مزودة بوسائل حفظ المياه على شكل آبار وأحواض، إضافة إلى القصور والحصون. ويرجع الفضل في إنشائها إلى السيدة زبيدة زوجة الخليفة.

اهتمت زبيدة بنت جعفر أيضا بخدمة المحتاجين من الحجاج ممن تضطرهم ظروفهم المعيشية إلى قطع المسافة سيرا على الأقدام، لذلك اهتمت ببناء محطات استراحة ثانوية بين المحطات الرئيسية.

 وحين توجه الرحالة ابن جبير إلى الحج، كان مسرورا بطريق الكوفة لأنه عكس غيره من الطرق مزود بهذه الاستراحات الثانوية، حيث يقول: "هذه المصانع والبرك والآبار والمنازل من بغداد إلى مكة هي آثار السيدة زبيدة بنت جعفر زوج الخليفة هارون الرشيد. انتدبت لذلك مدة من حياتها فأبقت في هذه الطريق مرافق ومنافع تعم على وفود الله تعالى كل سنة من لدن وفاتها إلى الآن. ولولا آثارها الكريمة في ذلك لما سلكْتُ هذه الطريق والله كفيل بمجازاتها والرضاء عنها".

كما امتدح المؤرخ والرحالة والجغرافي، المسعودي، عمل السيدة زبيدة في كتابه "مروج الذهب"، ذكر فيه أنها وفرت لأهالي مكة المياه العذبة بإنشاء البرك وحفر الآبار. كان من أهمها عين المشاش التي كانت تزودهم بالمياه من مسافة تربو على 12 ميلا عن طريق مجرى تحت الأرض.

 

هجمات القرامطة والقبائل

 

مع تراجع قوة الدولة العباسية أواخر القرن الثالث الهجري وبداية القرن الرابع، بدأ القرامطة وبعض القبائل العربية بالإغارة على قوافل التجار. خُربت بعض المحطات ودُفنت البرك والآبار، وأصبح درب زبيدة غير آمن.

وفي العام 317 للهجرة، تمكن القرامطة من الدخول إلى مكة وقتلوا الحجاج داخل الحرم المكي، ثم رموا جثث القتلى في بئر زمزم، واقتلعوا الحجر الأسود من ركن الكعبة. وتوقف الحج إثرها لنحو عشر سنوات.

كانت هذه العوامل مجتمعة من أسباب اندثار معالم الطريق. وتسبب الخلل الأمني بتوقف الحجاج عن استخدام درب زبيدة إلا عند توفر الحماية العسكرية في مواسم الحج فقط.

ومع سقوط بغداد في أيدي المغول سنة 656 هـ، تعطلت المواصلات بين العراق والجزيرة العربية كما ظهرت دمشق بدلا من بغداد كمركز مهم ينطلق منه الحجاج.

وكانت قوافل التجارة والحج تغيب عن درب زبيدة فترات طويلة تصل أحيانا لعقد أو أكثر، ثم تعود لسلوكه بحسب الوضع الأمني. كما غاب الطريق عن الذكر في كتب الرحالة خلال تلك الفترة، حتى نهاية القرن الثاني عشر للهجرة وبداية القرن الثالث عشر، حين ذكره الرحالة الفارسي عبد الكريم عاقبت، و بند علي ميرزا.

سافر عبد الكريم عاقبت إلى العراق وبلاد الشام والجزيرة العربية، ووضع ملاحظاته عن طريق الحج بين العراق ومكة. وأعطى شرحاً للعوائق التي واجهته، على رأسها النزاع بين بغداد والقبائل على طول الطريق، والعواصف الرملية التي كان هبوبها يُضيع مسارات الطريق، كما ذكر أن المسافرين على الدرب يعانون من شح المياه.

أما بند علي ميرزا، فكتب مخطوطة وصف فيها الطريق إلى الديار المقدسة، وقال إنه يبدأ من بغداد إلى الحلة ثم النجف، وبعدها يسلك طريقا يسمى درب زبيدة، و منطقة السبيعي (أم القرون)، ثم يدخل صحراء النفوذ حتى يصل وادي العقيق ثم مكة.

عاد درب زبيدة للظهور في كتابات الرحالة والمستشرقين أواخر القرن الثامن عشر وبداية القرن التاسع عشر. وظل مطروقا حتى سبعينات القرن العشرين، لعدم وجود طريق معبد بين العراق والسعودية. لاحقا، تم إنشاء طريق "كربلاء - النخيب - عرعر"، وتُرك درب زبيدة للرمال التي غطت الكثير من معالمه.

 

محطات العراق الشاخصة

 

أجرى مركز دراسات العتبة الحسينية دراسة تضمنت مسحا قام به فريق متخصص من الجيولوجيين والجغرافيين والآثاريين في رحلة صحراوية شاقة استمرت بين عامي 2014 و2016، لرصد محطات درب زبيدة على طول المسافة بين الكوفة والحدود السعودية.

 الخبيرة الآثارية فوزية المالكي التي كانت أحد أعضاء الفريق قالت لـ"ارفع صوتك" إن فريقها "سار على درب زبيدة لمسافة تجاوزت 111 كيلومترا، من الحدود العراقية السعودية وصولا إلى الكوفة. وتم رصد 17 محطة على طول الطريق، من ضمنها المحطات الأربع التي تم اختيارها من قبل اليونسكو للانضمام الى التراث العالمي".

جميع تلك المحطات، بحسب الخبيرة الآثارية، "تحتوي على شواخص فوق الأرض، وهي من الشروط المهمة لانضمام أي موقع إلى قائمة التراث العالمي".

 

أول موقع تم اختياره من قبل اليونسكو كان "بطن العقبة" الحدودي، وهو موقع "تتجاوز مساحته الكيلومتر الواحد، ويقع في منخفض تحيط به التلول لحمايته"، عُثر في هذا الموقع على "بنايات عديدة وسوق يحتوي على مخازن تجارية، إضافة إلى أربع برك للماء وبئرين"، كما تم اكتشاف "بقايا تعود لعصور موغلة في القدم تحتوي نقوش بالخط الكوفي والصفائي".

وتقع محطة "شِراف" هي الأُخرى على أرض منخفضة تحيط بها مرتفعات طبيعية "عُثِر فيها على بقايا أسس لبناء كبير يبلغ سمك جداره مترا ونصف المتر". أحصى الفريق "أكثر من 72 بئراً ما يزال بعضها مستخدماً من قبل الرعاة حتى الآن"، وتشير الدلائل بحسب الخبيرة الآثارية فوزية المالكي إلى ان هذه المحطة "تعرضت للتدمير الكامل على يد القراطة حيث دمرت المباني وتحولت إلى أكوام من الحجارة".

أما المحطة الثالثة على قائمة اليونسكو، "الطلحة"، فكانت "منطقة مترامية الأطراف تتجاوز مساحتها ثلاثة كيلومترات"، عَثر فيها الفريق على "بقايا أُسس سور المدينة، والكثير من الأبنية من ضمنها كنيسة ومقبرة تتجه نحو بيت المقدس، وجامع مع مقبرة للمسلمين تتجه قبورهم نحو مكة المكرمة، إضافة إلى أربع برك للمياه".

آخر المحطات وأقربها إلى الكوفة، كانت محطة أم القرون، وهي عبارة عن "منارة كان يتم استخدامها لإرشاد الحجاج بإشعال النيران أعلاها ليلا، وتبعد 52 كيلومترا عن مركز محافظة النجف". سميت أم القرون بهذا الاسم "لاستخدام قرون الحيوانات داخل البناء ما بين صفوف الطابوق". وتشير الخبيرة الآثارية إلى إن جزءا من هذه المنارة "تهدم وسقط على الأرض، بسبب عوامل التعرية الطبيعية والعواصف الترابية الشديدة".

 

مواضيع ذات صلة:

صورة أرشيفية لمدينة تدمر الأثرية في سوريا- وكالات
صورة أرشيفية لمدينة تدمر الأثرية في سوريا- وكالات

تعمل منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة ("اليونسكو") على الاهتمام بالمواقع الأثرية المنتشرة في دول العالم كافة. لذلك، أعدت المنظمة ما عُرف باسم "قائمة التراث العالمي"، وهي القائمة التي تتضمن العشرات من المواقع الأثرية القديمة التي تتعاظم أهميتها بسبب تاريخها الثقافي والحضاري. 

من جهة أخرى، أعدت "اليونسكو" قائمة ثانية بعنوان "التراث العالمي المعرض للخطر". في تلك القائمة، جمعت المنظمة المواقع المُهددة بسبب النزاعات العسكرية المسلحة، والزلازل، والتلوث البيئي، والتوسّع الحضري غير المنضبط، وغير ذلك من الأسباب التي من شأنها تهديد المواقع الأثرية. في هذا السياق، أُدرجت 7 دول عربية ضمن قائمة التراث العالمي المعرض للخطر، وهي: مصر، ليبيا، الأراضي الفلسطينية، سوريا، العراق، اليمن، ولبنان. نلقي الضوء في هذا التقرير على أهم المواقع الأثرية المُعرضة للخطر في هذه الدول.

 

سوريا

تحتوي سوريا على أكبر عدد من المواقع الأثرية المُعرضة للخطر بين الدول العربية. تتمثل تلك الأخطار في الصراعات العسكرية المسلحة التي بدأت منذ سنة 2011م، ولم تنته معاركها حتى اللحظة. من أهم المواقع الأثرية المتواجدة في القائمة، موقع "مدينة حلب القديمة" في شمالي سوريا. يحتوي الموقع على العشرات من الأبنية والمساجد والمنازل والأسواق. وفي سنة 1986م أعلنت اليونسكو الموقع جزءًا من التراث العالمي.

تحتوي سوريا أيضاً على موقع "مدينة بُصْرَى التاريخية". والتي تتبع محافظة درعا، وتقع على مسافة 140 كم من دمشق. بحسب المصادر التاريخية الإسلامية، كانت بصرى عاصمة دينية وتجارية مهمة على طريق الحرير القديم. وترتبط المدينة بذكرى خاصة في الذاكرة الإسلامية بسبب الروايات التي تذكر أن النبي محمد قد مر بها في شبابه قبل البعثة. وأنه قابل فيها الراهب بحيرى النصراني. والذي تنبأ بأن هذا الشاب سوف يصبح نبي العرب الذي بشرت به الكتب القديمة.

كذلك تحتوي سوريا على موقع "مدينة دمشق القديمة"، وموقع "المدن المنسية" التي تقع ضمن الحدود الإدارية لمحافظتي حلب وإدلب. ويعود بناؤها إلى الفترة بين القرنين الأول والسابع للميلاد. وتشتهر بكاتدرائية القديس سمعان العمودي التي كانت مكاناً للحج المسيحي لقرون طويلة.

تتضمن القائمة أيضاً قلعتي الحصن وصلاح الدين. تعود الأولى لفترة الحروب الصليبية، وتقع ضمن سلاسل جبال الساحل في محافظة حمص في سوريا. أما القلعة الثانية، فتقع في مدينة اللاذقية. وتعتبر واحدة من أهم قلاع القرون الوسطى المحفوظة في العالم. في سنة 2006م، سجل اليونسكو القلعتين على لائحة التراث العالمي.

أيضاً، تحضر مدينة تدمر التاريخية في قائمة المواقع الأثرية المُعرضة للخطر. تقع المدينة في محافظة حمص في الجزء الأوسط من سوريا. ويعود تاريخها إلى العصر الحجري الحديث. اشتهرت تدمر بثرائها الذي حققته من كونها مركزاً تجارياً مهماً على طريق الحرير الشهير. في القرن الثالث الميلادي، تمكن ملوك تدمر من الاستقلال عن الحكم الفارسي. وفي عهد الملكة الشهيرة زنوبيا تأسست مملكة تدمر الشهيرة. وخاضت الحرب ضد الإمبراطورية الرومانية قبل أن تُهزم وتفقد استقلالها. في 2015م، سيطرت عناصر تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام "داعش" على موقع مدينة تدمر، وخرّبت ودمّرت الكثير من المواقع الأثرية المهمة في المدينة، قبل أن تستعيد القوات السورية سيطرتها عليها في العام 2017م.

الاعتداء على قبر معاوية يجدد المخاوف.. من يحمي الآثار السورية؟
تعرّض قبر معاوية للتدمير في أيام العباسيين، وأعيد بناؤه أكثر من مرة، بحسب الباحث السوري تيسير خلف، و"لدينا شاهدة قبر من الفترة الأيوبية- المملوكية، ويبدو انه جدّد حينذاك". والاعتداء الذي وقع عليه مؤخراً كان لفظياً ولم يتعرض القبر لأي أذى ماديّ.

العراق

في تصنيفات "اليونسكو" تقع بعض المواقع الأثرية المُهددة بالخطر في العراق. على رأس تلك المواقع "مدينة أشور القديمة". تقع المدينة على بعد 60 ميلاً جنوبي مدينة الموصل حالياً في شمال العراق. وكانت عاصمة للمملكة الأشورية التي توسعت في الألف الثاني قبل الميلاد، قبل أن تسقط على يد الميديين والبابليين في سنة 612 ق.م.

في يونيو 2014م، سيطر تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام على المدينة التاريخية. وتم تخريب بعض المواقع الأثرية قبل أن تتمكن القوات العراقية من استعادة السيطرة الكاملة على المنطقة في سبتمبر 2016م.

كذلك، تتضمن القائمة "مدينة سامراء التاريخية". تقع المدينة شرقي نهر دجلة في محافظة صلاح الدين، وتبعد 125 كيلومتر شمالي العاصمة بغداد. تتحدث المصادر التاريخية عن ظروف تأسيس وإعمار تلك المدينة في العصر العباسي. بحسب تلك المصادر، قرر الخليفة المعتصم بالله أن يبني تلك المدينة ويتخذها عاصمة لدولته بسبب كثرة الجند الأتراك في بغداد. تحكي بعض القصص أن هذا المكان كان مملوكاً لبعض الرهبان المسيحيين. وأن المعتصم اشتراه منهم بأربعة آلاف دينار. وعزم على أن يبني فيه مدينة جديدة "ونقل إليها أنواع الأشجار والغروس، واُختطت الخطط والدروب، وجدوا في بنائها، وشُيدت القصور، واُستنبطت المياه من دجله وغيرها وتسامع الناس وقصدوها، وكثرت بها المعايش"، بحسب ما يذكر شمس الدين الذهبي في كتابه "سيّر أعلام النبلاء".

حافظت سامراء على مجدها وعظمتها لما يزيد على نصف قرن. اتخذها المعتصم وخلفاؤه عاصمة لدولتهم الواسعة المترامية الأطراف. ودُفن فيها العديد من الخلفاء. كما شيّد الخليفة المتوكل سنة 245ه على أرضها المسجد المشهور بمئذنته الملوية.

بعد أن غادرها العباسيون، تعرضت سامراء للتهميش وعدم الاهتمام. قبل أن تتعرض للتخريب والتدمير إبان فترة الغزو المغولي للعراق في القرن السابع الهجري. قيل إن الناس غيروا اسمها في تلك الفترة ليصبح "ساء من رأى". وصف الرحالة المغربي الشهير ابن بطوطة الحالة المؤسفة التي أصيبت بها المدينة عند زيارته لها سنة 727ه. يقول ابن بطوطة: "...وقد استولى الخراب على هذه المدينة فلم يبق منها إلا القليل وهي معتدلة الهواء رائقة الحسن على بلائها، ودروس معالمها". في سنة 2007م، ضمت "اليونيسكو" سامراء إلى قائمة التراث العالمي.

شيد الخليفة المتوكل سنة 245ه في سامراء المسجد الجامع المشهور بمئذنته الملوية.
"عاصمة الخلفاء" و"منفى الأئمة".. قصة مدينة سامراء
تقع مدينة سامراء في وسط العراق. وتشغل أهمية كبرى في أوساط العراقيين، خاصة الشيعة في البلاد، باعتبارها المكان الذي دُفن فيه كل من الإمامين العاشر والحادي عشر علي الهادي والحسن العسكري. ما قصة هذه المدينة؟ وماذا كانت ظروف بنائها؟ وما أهم الأحداث في تاريخها؟ وما هي أسباب قداستها؟

اليمن

تتضمن القائمة ثلاثة مواقع يمنية مهمة. وجميعها مُهدد بسبب الحرب الأهلية اليمنية التي تدور منذ سنوات بين الحوثيين وقوات التحالف الذي تقوده المملكة العربية السعودية. يُعدّ موقع "معالم مملكة سبأ القديمة" هو الموقع اليمني الأول في القائمة. يقع هذا الموقع في محافظة مأرب شرق اليمن، ويضم مواقع أثرية وبقايا مستوطنات كبيرة مع المعابد والأسوار التي تعود للألف الأول قبل الميلاد. في سنة 2023م، أُدرجت تلك المعالم على قائمة التراث العالمي وضمن قائمة التراث العالمي المعرض للخطر من قِبل "اليونيسكو". الموقع الثاني هو مدينة زبيد التاريخية، والتي تبعد عن العاصمة صنعاء مسافة 233 كم تقريباً. وكانت مدينة زبيد عاصمة اليمن من القرن الثالث عشر إلى القرن الخامس عشر الميلاديين. أما الموقع الثالث، فهو مدينة صنعاء القديمة. والتي بدأت حضارتها منذ القرن الخامس قبل الميلاد. قبل أن تصبح عاصمة لمملكة سبأ في القرن الأول للميلاد. في العصر الإسلامي، صارت صنعاء واحدة من أهم الحواضر الإسلامية. وتميزت منازلها ومساجدها وأسواقها وأسوارها بطراز معماري رفيع المستوى. في سنة 1980م، تبنى "اليونيسكو" حملة دولية لحماية مدينة صنعاء القديمة والحفاظ على معالمها المعمارية. وفي سنة 2015م، أُدرجت في قائمة التراث العالمي المعرض للخطر، بعدما تعرضت بعض أحياء المدينة لقصف صاروخي من قِبل قوات التحالف.

 

 

فلسطين ومصر وليبيا ولبنان

تشهد القائمة حضور مجموعة أخرى من الدول العربية. في الأراضي الفلسطينية، يتواجد موقع "البلدة القديمة بالقدس". وهي المنطقة المُحاطة بسور سليمان القانوني. من المعروف أن البلدة تشهد أهمية كُبرى في الذاكرة الدينية الإبراهيمية. ففيها المسجد الأقصى ومسجد قبة الصخرة اللذان يحظيان بمكانة كبيرة لدى المسلمين. وكذلك كنيسة القيامة لدى المسيحيين. فضلاً عن جبل الهيكل والجدار الغربي لليهود. في سنة 1981م، قامت "اليونيسكو" بضم البلدة القديمة في القدس إلى قائمة التراث العالمي.

في مصر، يوجد موقع منطقة "أبو مينا الأثرية" والذي يقع عند الحافة الشمالية للصحراء الغربية. اكتسبت المنطقة أهميتها بسبب احتوائها على مدفن القديس مينا. ولهذا السبب كانت المنطقة أحد أهم مراكز الحج المسيحي في القرون الوسطى. حالياً، تضم المنطقة مجموعة من الآثار القبطية والكنائس والأديرة. في سنة 2001م، أصبحت المنطقة مهددة بالخطر بسبب ارتفاع منسوب المياه الجوفية والأملاح في المنطقة.

في السياق نفسه، تتواجد بعض المواقع الليبية المهمة في القائمة. ومنها على سبيل المثال المواقع الأثرية في "مدينة صبراتة" الواقعة على بعد 70 كم غربي مدينة طرابلس، والتي تحتوي على عدد كبير من الآثار الرومانية. ومدينة "لبدة الكبرى"، التي تقع على بعد 120 كم شرقي مدينة طرابلس. وكانت من أهم مدن الشمال الأفريقي في عصر الإمبراطورية الرومانية.

في لبنان، يتواجد "معرض رشيد كرامي الدولي" في طرابلس. والذي أدرجته اليونسكو في القائمة في سنة 2023م. وجاء في حيثيات اختيار اليونسكو للمعرض "أنه يُعدّ من ناحية حجمه وغنى الأنماط الهندسية فيه، أحد الأعمال المهمة التي تمثل فن العمارة الحديث في القرن العشرين بالمنطقة العربية من الشرق الأوسط". مما يُذكر أن المعرض من تصميم المهندي البرازيلي الأصل أوسكار نيماير، وأن انتهاء تشييده تزامن مع اندلاع الحرب الأهلية اللبنانية في سبعينيات القرن العشرين. ويعاني الموقع من الإهمال ونقص الموارد المالية اللازمة لصيانته.