حتى قبل خمسين عاما من الآن، كان طريق الحج الكوفي واحدا من أشهر مسالك المسافرين في رحلتهم إلى الحج، منطلقين من الكوفة أول عاصمة إسلامية خارج حدود الجزيرة العربية، وصولا إلى مكة والمدينة لأداء مناسك الحج، متخذين من محطات الاستراحة على "درب زبيدة" دليلا لهم.
عُرف طريق الحج الكوفي باسم "درب زبيدة" نسبة إلى زبيدة، زوجة الخليفة العباسي هارون الرشيد، التي تكفلت بعمارته، وأنشأت العديد من الآبار والبرك وأماكن الاستراحة على طول الطريق إلى مكة. بعد أن كان الحجاج يعانون من وعورة الطريق وشح المياه، ليُخلد الطريق ذكرها منذ ذلك التاريخ.
عاد درب زبيدة الى الواجهة بعد عقود من النسيان، إثر إعلان منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة (اليونسكو) إدراجه على اللائحة التمهيدية للتراث العالمي، في ملف عراقي سعودي مشترك سجلت كل دولة منهما فيه أربعة مواقع أثرية. شملت المواقع العراقية "محطة أم القرون" و"محطة الطلحات" و "محطة شِراف" و "محطة العقبة الحدودية".
"درب زبيدة” الذي يربط بين مكة في #السعودية والكوفة في #العراق في طريقه ليدرج على لائحة اليونسكو للتراث العالمي. يعد #درب_زبيدة أحد أهم طرق الحج التاريخية في الجزيرة العربية، ويبلغ طوله حوالي 1400 كيلوميتر. تم شقه في عهد العباسيين، وسلكته القوفل التجارية قديماً. pic.twitter.com/aF4ZGkj4nf
— IrfaaSawtak ارفع صوتك (@IrfaaSawtak) September 21, 2022
"إحياء درب زبيدة التاريخي له أهمية خاصة بين العراق والسعودية، لما يمثله هذا الدرب من قيمة تاريخية وثقافية رابطة بين البلدين على مر العصور". يقول المتحدث باسم وزارة الثقافة أحمد العلياوي لـ"ارفع صوتك".
ويضيف العلياوي أن التنسيق بين البلدين كان على "مستوى عال بين وزارتي الثقافة العراقية والسعودية، وكذلك بين الهيئة العامة للآثار والتراث العراقية وهيئة التراث السعودية". ويشمل هذا التنسيق "الدعم وتبادل المعلومات والخبرات والتعاون لإعداد الملف الذي سوف يقدم إلى منظمة التراث العالمي"، لاتخاذ قرارها النهائي بخصوص إدراج درب زبيدة في اللائحة النهائية لليونيسكو.
وبحسب العلياوي، فإن العمل بين البلدين "مستمر منذ عامين لإجراء المسوحات الميدانية على الأرض الصحراوية لإبراز معالم الطريق، وتشخيصه ومعرفة منازله القديمة"، كما تم "كتابة جميع تفاصيل الطريق، وضبط مساراته وأماكنه، بحسب متطلبات دقيقة من جانب اليونسكو، والأمور تتجه إلى إنهاء هذا الملف قريبا".
طريق الحج الكوفي
كان طريق الحج الكوفي دربا تمر عبره القوافل التجارية منذ عصور ما قبل الإسلام، متجهة من مكة والمدينة باتجاه مدينة الحيرة عاصمة المناذرة بالقرب من الموقع الذي قامت عليه لاحقا مدينة الكوفة عام 14 هـ/635م.
ازدادت أهمية الطريق بعد تشريع الحج كفريضة على كل مسلم قادر، وانتشار الإسلام على مساحة واسعة في العراق والشام وبلاد فارس، ليبدأ استخدامه كطريق لقوافل الحج خلال فترة الخلفاء الراشدين بدءا من العام 12 للهجرة.
توسع الطريق في عهد الخليفة عمر بن الخطاب الذي تولى الخلافة بين عامي 13هـ و23هـ، خاصة بعدما بُنيت في العراق أول مدينتين إسلاميتين هما البصرة والكوفة، وحُفرت الآبار على طول الطريق بين البصرة ومكة.
وفي خلافة عثمان بن عفان (23-35هـ)، حُفرت عيون المياه في منطقة "فيد"، وشيدت الآبار وتم شق الأنهار وبناء الاستراحات. زادت أهمية الكوفة بعد اتخاذها عاصمة من قبل الخليفة علي بن ابي طالب(35-40هـ) واستُخدمت المحطات والمنازل السابقة والمشهورة على طريق الكوفة (الربدة- فيد -الثعلبية) وجرى توسعتها.
#زيارة ||
— الكلية التقنية بحائل (@tvtc_g_HailCoT) September 27, 2022
بمناسبة #يوم_السياحة_العالمي وبالتعاون مع مكتب هيئة التراث بمدينة فيد زار مجموعة من متدربي قسم السياحة في الكلية التقنية بحائل مدينة #فيد التاريخية #درب_زبيدة.#التدريب_التقني pic.twitter.com/QzOQU9MHGn
يبلغ طول الطريق من الكوفة وحتى مكة حوالي 1400 كم. ويتكون من جزئين: الأول والأهم هو طريق الحج الكوفي الذي يبدأ من الكوفة ويجتاز الصحراء وصولا إلى منطقة بطن العقبة عند الحدود العراقية السعودية. أما الثاني فطريق حج البصرة، الذي يمر بشمال شرق الجزيرة العربية عبر وادي الباطن مخترقا صحراء الدهناء الصعبة ثم يمر بالقصيم ذات المياه العذبة. بعدها يسير محاذيا للطريق الكوفي، قبل أن يلتقيا داخل الاراضي السعودية في محطة "ميقات ذات عرق".
من أعظم المآثر العباسية مأثرة الشريفة الهاشمية زبيدة بنت جعفر درب زبيدة وهو طريق الحاج من العراق إلى مكة .. ( سعد الغامدى )
Posted by معالم المدينه النبوية on Wednesday, July 22, 2015
درب زبيدة في العصر العباسي
اهتم خلفاء الدولة العباسية (132-656هـ) بطريق الحج الكوفي، وكانوا يسلكونه بأنفسهم عند توجههم لإداء فريضة الحج، فشيدوا خزانات المياه وأماكن الاستراحة والحصون لحمايته، بداية من الخليفة أبو العباس السفاح الذي كان أول من أقام الأميال والأعلام على طول الطريق لإرشاد المسافرين.
أدى الخليفة أبو جعفر المنصور، مؤسس بغداد، مناسك الحج ست مرات. أشرف خلالها على تطوير الطريق بنفسه، من خلال إقامة الحصون وخزانات المياه. وتوفي وهو في طريقه إلى الحج على نفس الطريق ودفن بالقرب من مكة.
وبعده، اهتم الخليفة محمد المهدي (158-169هـ) بتنظيم الطريق وتمهيده، وأقام البريد بين مكة والمدينة وبغداد لأول مرة. وبهذا ربط بين الحكومة المركزية في بغداد مع أنحاء الجزيرة العربية عبر طرق مواصلات راقية التنظيم. وقام بتولية أول مشرف على الطريق وهو يقطين بن موسى. سار باقي الخلفاء على نفس النهج، وجميعهم خصصوا "ولاة"، يشرفون على الطريق ويراقبون صيانته وإعماره.
وفي عهد الخليفة هارون الرشيد ( 170-193هـ)، الذي أدى فريضة الحج تسع مرات، ازدهر طريق الحج الكوفي، بفضل الإسهامات الكبيرة لزوجته زبيدة بنت جعفر، التي تكفلت بتوفير السكن والماء للحجاج بعد تعرضها لعناء شديد خلال توجهها لإداء مناسك الحج لوعورة الطريق وقلة المياه.
"منارة أم القرون أحد أبرز المعالم الأثرية من العهد العباسي التي فقدها العِراق" المنارة ليست مئذنة، وإنما هي منارة...
Posted by أحمد الملاح Ahmed AlMallah on Saturday, March 6, 2021
ويذكر إبراهيم بن إسحاق الحربي (198-285هـ)، في كتابه "المناسك"، وجود إحدى عشر محطة ومنزلا على طريق الحج مزودة بوسائل حفظ المياه على شكل آبار وأحواض، إضافة إلى القصور والحصون. ويرجع الفضل في إنشائها إلى السيدة زبيدة زوجة الخليفة.
اهتمت زبيدة بنت جعفر أيضا بخدمة المحتاجين من الحجاج ممن تضطرهم ظروفهم المعيشية إلى قطع المسافة سيرا على الأقدام، لذلك اهتمت ببناء محطات استراحة ثانوية بين المحطات الرئيسية.
وحين توجه الرحالة ابن جبير إلى الحج، كان مسرورا بطريق الكوفة لأنه عكس غيره من الطرق مزود بهذه الاستراحات الثانوية، حيث يقول: "هذه المصانع والبرك والآبار والمنازل من بغداد إلى مكة هي آثار السيدة زبيدة بنت جعفر زوج الخليفة هارون الرشيد. انتدبت لذلك مدة من حياتها فأبقت في هذه الطريق مرافق ومنافع تعم على وفود الله تعالى كل سنة من لدن وفاتها إلى الآن. ولولا آثارها الكريمة في ذلك لما سلكْتُ هذه الطريق والله كفيل بمجازاتها والرضاء عنها".
كما امتدح المؤرخ والرحالة والجغرافي، المسعودي، عمل السيدة زبيدة في كتابه "مروج الذهب"، ذكر فيه أنها وفرت لأهالي مكة المياه العذبة بإنشاء البرك وحفر الآبار. كان من أهمها عين المشاش التي كانت تزودهم بالمياه من مسافة تربو على 12 ميلا عن طريق مجرى تحت الأرض.
هجمات القرامطة والقبائل
مع تراجع قوة الدولة العباسية أواخر القرن الثالث الهجري وبداية القرن الرابع، بدأ القرامطة وبعض القبائل العربية بالإغارة على قوافل التجار. خُربت بعض المحطات ودُفنت البرك والآبار، وأصبح درب زبيدة غير آمن.
وفي العام 317 للهجرة، تمكن القرامطة من الدخول إلى مكة وقتلوا الحجاج داخل الحرم المكي، ثم رموا جثث القتلى في بئر زمزم، واقتلعوا الحجر الأسود من ركن الكعبة. وتوقف الحج إثرها لنحو عشر سنوات.
كانت هذه العوامل مجتمعة من أسباب اندثار معالم الطريق. وتسبب الخلل الأمني بتوقف الحجاج عن استخدام درب زبيدة إلا عند توفر الحماية العسكرية في مواسم الحج فقط.
ومع سقوط بغداد في أيدي المغول سنة 656 هـ، تعطلت المواصلات بين العراق والجزيرة العربية كما ظهرت دمشق بدلا من بغداد كمركز مهم ينطلق منه الحجاج.
وكانت قوافل التجارة والحج تغيب عن درب زبيدة فترات طويلة تصل أحيانا لعقد أو أكثر، ثم تعود لسلوكه بحسب الوضع الأمني. كما غاب الطريق عن الذكر في كتب الرحالة خلال تلك الفترة، حتى نهاية القرن الثاني عشر للهجرة وبداية القرن الثالث عشر، حين ذكره الرحالة الفارسي عبد الكريم عاقبت، و بند علي ميرزا.
سافر عبد الكريم عاقبت إلى العراق وبلاد الشام والجزيرة العربية، ووضع ملاحظاته عن طريق الحج بين العراق ومكة. وأعطى شرحاً للعوائق التي واجهته، على رأسها النزاع بين بغداد والقبائل على طول الطريق، والعواصف الرملية التي كان هبوبها يُضيع مسارات الطريق، كما ذكر أن المسافرين على الدرب يعانون من شح المياه.
أما بند علي ميرزا، فكتب مخطوطة وصف فيها الطريق إلى الديار المقدسة، وقال إنه يبدأ من بغداد إلى الحلة ثم النجف، وبعدها يسلك طريقا يسمى درب زبيدة، و منطقة السبيعي (أم القرون)، ثم يدخل صحراء النفوذ حتى يصل وادي العقيق ثم مكة.
عاد درب زبيدة للظهور في كتابات الرحالة والمستشرقين أواخر القرن الثامن عشر وبداية القرن التاسع عشر. وظل مطروقا حتى سبعينات القرن العشرين، لعدم وجود طريق معبد بين العراق والسعودية. لاحقا، تم إنشاء طريق "كربلاء - النخيب - عرعر"، وتُرك درب زبيدة للرمال التي غطت الكثير من معالمه.
محطات العراق الشاخصة
أجرى مركز دراسات العتبة الحسينية دراسة تضمنت مسحا قام به فريق متخصص من الجيولوجيين والجغرافيين والآثاريين في رحلة صحراوية شاقة استمرت بين عامي 2014 و2016، لرصد محطات درب زبيدة على طول المسافة بين الكوفة والحدود السعودية.
الخبيرة الآثارية فوزية المالكي التي كانت أحد أعضاء الفريق قالت لـ"ارفع صوتك" إن فريقها "سار على درب زبيدة لمسافة تجاوزت 111 كيلومترا، من الحدود العراقية السعودية وصولا إلى الكوفة. وتم رصد 17 محطة على طول الطريق، من ضمنها المحطات الأربع التي تم اختيارها من قبل اليونسكو للانضمام الى التراث العالمي".
جميع تلك المحطات، بحسب الخبيرة الآثارية، "تحتوي على شواخص فوق الأرض، وهي من الشروط المهمة لانضمام أي موقع إلى قائمة التراث العالمي".
أول موقع تم اختياره من قبل اليونسكو كان "بطن العقبة" الحدودي، وهو موقع "تتجاوز مساحته الكيلومتر الواحد، ويقع في منخفض تحيط به التلول لحمايته"، عُثر في هذا الموقع على "بنايات عديدة وسوق يحتوي على مخازن تجارية، إضافة إلى أربع برك للماء وبئرين"، كما تم اكتشاف "بقايا تعود لعصور موغلة في القدم تحتوي نقوش بالخط الكوفي والصفائي".
وتقع محطة "شِراف" هي الأُخرى على أرض منخفضة تحيط بها مرتفعات طبيعية "عُثِر فيها على بقايا أسس لبناء كبير يبلغ سمك جداره مترا ونصف المتر". أحصى الفريق "أكثر من 72 بئراً ما يزال بعضها مستخدماً من قبل الرعاة حتى الآن"، وتشير الدلائل بحسب الخبيرة الآثارية فوزية المالكي إلى ان هذه المحطة "تعرضت للتدمير الكامل على يد القراطة حيث دمرت المباني وتحولت إلى أكوام من الحجارة".
أما المحطة الثالثة على قائمة اليونسكو، "الطلحة"، فكانت "منطقة مترامية الأطراف تتجاوز مساحتها ثلاثة كيلومترات"، عَثر فيها الفريق على "بقايا أُسس سور المدينة، والكثير من الأبنية من ضمنها كنيسة ومقبرة تتجه نحو بيت المقدس، وجامع مع مقبرة للمسلمين تتجه قبورهم نحو مكة المكرمة، إضافة إلى أربع برك للمياه".
آخر المحطات وأقربها إلى الكوفة، كانت محطة أم القرون، وهي عبارة عن "منارة كان يتم استخدامها لإرشاد الحجاج بإشعال النيران أعلاها ليلا، وتبعد 52 كيلومترا عن مركز محافظة النجف". سميت أم القرون بهذا الاسم "لاستخدام قرون الحيوانات داخل البناء ما بين صفوف الطابوق". وتشير الخبيرة الآثارية إلى إن جزءا من هذه المنارة "تهدم وسقط على الأرض، بسبب عوامل التعرية الطبيعية والعواصف الترابية الشديدة".
