يبلغ طول الطريق من الكوفة وحتى مكة حوالي 1400 كم.
يبلغ طول درب زبيدة من الكوفة وحتى مكة حوالي 1400 كم.

حتى قبل خمسين عاما من الآن، كان طريق الحج الكوفي واحدا من أشهر مسالك المسافرين في رحلتهم إلى الحج، منطلقين من الكوفة أول عاصمة إسلامية خارج حدود الجزيرة العربية، وصولا إلى مكة والمدينة لأداء مناسك الحج، متخذين من محطات الاستراحة على "درب زبيدة" دليلا لهم.

عُرف طريق الحج الكوفي باسم "درب زبيدة" نسبة إلى زبيدة، زوجة الخليفة العباسي هارون الرشيد، التي تكفلت بعمارته، وأنشأت العديد من الآبار والبرك وأماكن الاستراحة على طول الطريق إلى مكة. بعد أن كان الحجاج يعانون من وعورة الطريق وشح المياه، ليُخلد الطريق ذكرها منذ ذلك التاريخ.

عاد درب زبيدة الى الواجهة بعد عقود من النسيان، إثر إعلان منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة (اليونسكو) إدراجه على اللائحة التمهيدية للتراث العالمي، في ملف عراقي سعودي مشترك سجلت كل دولة منهما فيه أربعة مواقع أثرية. شملت المواقع العراقية "محطة أم القرون" و"محطة الطلحات" و "محطة شِراف" و "محطة العقبة الحدودية".

"إحياء درب زبيدة التاريخي له أهمية خاصة بين العراق والسعودية، لما يمثله هذا الدرب من قيمة  تاريخية وثقافية رابطة بين البلدين على مر العصور". يقول المتحدث باسم وزارة الثقافة أحمد العلياوي لـ"ارفع صوتك".

ويضيف العلياوي أن التنسيق بين البلدين كان على "مستوى عال بين وزارتي الثقافة العراقية والسعودية، وكذلك بين الهيئة العامة للآثار والتراث العراقية وهيئة التراث السعودية". ويشمل هذا التنسيق "الدعم وتبادل المعلومات والخبرات والتعاون لإعداد الملف الذي سوف يقدم إلى منظمة التراث العالمي"، لاتخاذ قرارها النهائي بخصوص إدراج درب زبيدة في اللائحة النهائية لليونيسكو.

وبحسب العلياوي، فإن العمل بين البلدين "مستمر منذ عامين لإجراء المسوحات الميدانية على الأرض الصحراوية لإبراز معالم الطريق، وتشخيصه ومعرفة منازله القديمة"، كما تم "كتابة جميع تفاصيل الطريق، وضبط مساراته وأماكنه، بحسب متطلبات دقيقة من جانب اليونسكو، والأمور تتجه إلى إنهاء هذا الملف قريبا".

 

طريق الحج الكوفي

 

كان طريق الحج الكوفي دربا تمر عبره القوافل التجارية منذ عصور ما قبل الإسلام، متجهة من مكة والمدينة باتجاه مدينة الحيرة عاصمة المناذرة بالقرب من الموقع الذي قامت عليه لاحقا مدينة الكوفة عام 14 هـ/635م.

ازدادت أهمية الطريق بعد تشريع الحج كفريضة على كل مسلم قادر، وانتشار الإسلام على مساحة واسعة في العراق والشام وبلاد فارس، ليبدأ استخدامه كطريق لقوافل الحج خلال فترة الخلفاء الراشدين بدءا من العام 12 للهجرة.

توسع الطريق في عهد الخليفة عمر بن الخطاب الذي تولى الخلافة بين عامي 13هـ و23هـ، خاصة بعدما بُنيت في العراق أول مدينتين إسلاميتين هما البصرة والكوفة، وحُفرت الآبار على طول الطريق بين البصرة ومكة.

وفي خلافة عثمان بن عفان (23-35هـ)، حُفرت عيون المياه في منطقة "فيد"، وشيدت الآبار وتم شق الأنهار وبناء الاستراحات. زادت أهمية الكوفة بعد اتخاذها عاصمة من قبل الخليفة علي بن ابي طالب(35-40هـ) واستُخدمت المحطات والمنازل السابقة والمشهورة على طريق الكوفة (الربدة- فيد -الثعلبية) وجرى توسعتها.

يبلغ طول الطريق من الكوفة وحتى مكة حوالي 1400 كم. ويتكون من جزئين: الأول والأهم هو طريق الحج الكوفي الذي يبدأ من الكوفة ويجتاز الصحراء وصولا إلى منطقة بطن العقبة عند الحدود العراقية السعودية. أما الثاني فطريق حج البصرة، الذي يمر بشمال شرق الجزيرة العربية عبر وادي الباطن مخترقا صحراء الدهناء الصعبة ثم يمر بالقصيم ذات المياه العذبة. بعدها يسير محاذيا للطريق الكوفي، قبل أن يلتقيا داخل الاراضي السعودية في محطة "ميقات ذات عرق".

من أعظم المآثر العباسية مأثرة الشريفة الهاشمية زبيدة بنت جعفر درب زبيدة وهو طريق الحاج من العراق إلى مكة .. ( سعد الغامدى )

Posted by ‎معالم المدينه النبوية‎ on Wednesday, July 22, 2015
 

درب زبيدة في العصر العباسي

 

اهتم خلفاء الدولة العباسية (132-656هـ) بطريق الحج الكوفي، وكانوا يسلكونه بأنفسهم عند توجههم لإداء فريضة الحج، فشيدوا خزانات المياه وأماكن الاستراحة والحصون لحمايته، بداية من الخليفة أبو العباس السفاح الذي كان أول من أقام الأميال والأعلام على طول الطريق لإرشاد المسافرين.

أدى الخليفة أبو جعفر المنصور، مؤسس بغداد، مناسك الحج ست مرات. أشرف خلالها على تطوير الطريق بنفسه، من خلال إقامة الحصون وخزانات المياه. وتوفي وهو في طريقه إلى الحج على نفس الطريق ودفن بالقرب من مكة.

وبعده، اهتم الخليفة محمد المهدي (158-169هـ) بتنظيم الطريق وتمهيده، وأقام البريد بين مكة والمدينة وبغداد لأول مرة. وبهذا ربط بين الحكومة المركزية في بغداد مع أنحاء الجزيرة العربية عبر طرق مواصلات راقية التنظيم. وقام بتولية أول مشرف على الطريق وهو يقطين بن موسى. سار باقي الخلفاء على نفس النهج، وجميعهم خصصوا "ولاة"، يشرفون على الطريق ويراقبون صيانته وإعماره.

وفي عهد الخليفة هارون الرشيد ( 170-193هـ)، الذي أدى فريضة الحج تسع مرات، ازدهر طريق الحج الكوفي، بفضل الإسهامات الكبيرة لزوجته زبيدة بنت جعفر، التي تكفلت بتوفير السكن والماء للحجاج بعد تعرضها لعناء شديد خلال توجهها لإداء مناسك الحج لوعورة الطريق وقلة المياه.

"منارة أم القرون أحد أبرز المعالم الأثرية من العهد العباسي التي فقدها العِراق" المنارة ليست مئذنة، وإنما هي منارة...

Posted by ‎أحمد الملاح Ahmed AlMallah‎ on Saturday, March 6, 2021

ويذكر إبراهيم بن إسحاق الحربي (198-285هـ)، في كتابه "المناسك"، وجود إحدى عشر محطة ومنزلا على طريق الحج مزودة بوسائل حفظ المياه على شكل آبار وأحواض، إضافة إلى القصور والحصون. ويرجع الفضل في إنشائها إلى السيدة زبيدة زوجة الخليفة.

اهتمت زبيدة بنت جعفر أيضا بخدمة المحتاجين من الحجاج ممن تضطرهم ظروفهم المعيشية إلى قطع المسافة سيرا على الأقدام، لذلك اهتمت ببناء محطات استراحة ثانوية بين المحطات الرئيسية.

 وحين توجه الرحالة ابن جبير إلى الحج، كان مسرورا بطريق الكوفة لأنه عكس غيره من الطرق مزود بهذه الاستراحات الثانوية، حيث يقول: "هذه المصانع والبرك والآبار والمنازل من بغداد إلى مكة هي آثار السيدة زبيدة بنت جعفر زوج الخليفة هارون الرشيد. انتدبت لذلك مدة من حياتها فأبقت في هذه الطريق مرافق ومنافع تعم على وفود الله تعالى كل سنة من لدن وفاتها إلى الآن. ولولا آثارها الكريمة في ذلك لما سلكْتُ هذه الطريق والله كفيل بمجازاتها والرضاء عنها".

كما امتدح المؤرخ والرحالة والجغرافي، المسعودي، عمل السيدة زبيدة في كتابه "مروج الذهب"، ذكر فيه أنها وفرت لأهالي مكة المياه العذبة بإنشاء البرك وحفر الآبار. كان من أهمها عين المشاش التي كانت تزودهم بالمياه من مسافة تربو على 12 ميلا عن طريق مجرى تحت الأرض.

 

هجمات القرامطة والقبائل

 

مع تراجع قوة الدولة العباسية أواخر القرن الثالث الهجري وبداية القرن الرابع، بدأ القرامطة وبعض القبائل العربية بالإغارة على قوافل التجار. خُربت بعض المحطات ودُفنت البرك والآبار، وأصبح درب زبيدة غير آمن.

وفي العام 317 للهجرة، تمكن القرامطة من الدخول إلى مكة وقتلوا الحجاج داخل الحرم المكي، ثم رموا جثث القتلى في بئر زمزم، واقتلعوا الحجر الأسود من ركن الكعبة. وتوقف الحج إثرها لنحو عشر سنوات.

كانت هذه العوامل مجتمعة من أسباب اندثار معالم الطريق. وتسبب الخلل الأمني بتوقف الحجاج عن استخدام درب زبيدة إلا عند توفر الحماية العسكرية في مواسم الحج فقط.

ومع سقوط بغداد في أيدي المغول سنة 656 هـ، تعطلت المواصلات بين العراق والجزيرة العربية كما ظهرت دمشق بدلا من بغداد كمركز مهم ينطلق منه الحجاج.

وكانت قوافل التجارة والحج تغيب عن درب زبيدة فترات طويلة تصل أحيانا لعقد أو أكثر، ثم تعود لسلوكه بحسب الوضع الأمني. كما غاب الطريق عن الذكر في كتب الرحالة خلال تلك الفترة، حتى نهاية القرن الثاني عشر للهجرة وبداية القرن الثالث عشر، حين ذكره الرحالة الفارسي عبد الكريم عاقبت، و بند علي ميرزا.

سافر عبد الكريم عاقبت إلى العراق وبلاد الشام والجزيرة العربية، ووضع ملاحظاته عن طريق الحج بين العراق ومكة. وأعطى شرحاً للعوائق التي واجهته، على رأسها النزاع بين بغداد والقبائل على طول الطريق، والعواصف الرملية التي كان هبوبها يُضيع مسارات الطريق، كما ذكر أن المسافرين على الدرب يعانون من شح المياه.

أما بند علي ميرزا، فكتب مخطوطة وصف فيها الطريق إلى الديار المقدسة، وقال إنه يبدأ من بغداد إلى الحلة ثم النجف، وبعدها يسلك طريقا يسمى درب زبيدة، و منطقة السبيعي (أم القرون)، ثم يدخل صحراء النفوذ حتى يصل وادي العقيق ثم مكة.

عاد درب زبيدة للظهور في كتابات الرحالة والمستشرقين أواخر القرن الثامن عشر وبداية القرن التاسع عشر. وظل مطروقا حتى سبعينات القرن العشرين، لعدم وجود طريق معبد بين العراق والسعودية. لاحقا، تم إنشاء طريق "كربلاء - النخيب - عرعر"، وتُرك درب زبيدة للرمال التي غطت الكثير من معالمه.

 

محطات العراق الشاخصة

 

أجرى مركز دراسات العتبة الحسينية دراسة تضمنت مسحا قام به فريق متخصص من الجيولوجيين والجغرافيين والآثاريين في رحلة صحراوية شاقة استمرت بين عامي 2014 و2016، لرصد محطات درب زبيدة على طول المسافة بين الكوفة والحدود السعودية.

 الخبيرة الآثارية فوزية المالكي التي كانت أحد أعضاء الفريق قالت لـ"ارفع صوتك" إن فريقها "سار على درب زبيدة لمسافة تجاوزت 111 كيلومترا، من الحدود العراقية السعودية وصولا إلى الكوفة. وتم رصد 17 محطة على طول الطريق، من ضمنها المحطات الأربع التي تم اختيارها من قبل اليونسكو للانضمام الى التراث العالمي".

جميع تلك المحطات، بحسب الخبيرة الآثارية، "تحتوي على شواخص فوق الأرض، وهي من الشروط المهمة لانضمام أي موقع إلى قائمة التراث العالمي".

 

أول موقع تم اختياره من قبل اليونسكو كان "بطن العقبة" الحدودي، وهو موقع "تتجاوز مساحته الكيلومتر الواحد، ويقع في منخفض تحيط به التلول لحمايته"، عُثر في هذا الموقع على "بنايات عديدة وسوق يحتوي على مخازن تجارية، إضافة إلى أربع برك للماء وبئرين"، كما تم اكتشاف "بقايا تعود لعصور موغلة في القدم تحتوي نقوش بالخط الكوفي والصفائي".

وتقع محطة "شِراف" هي الأُخرى على أرض منخفضة تحيط بها مرتفعات طبيعية "عُثِر فيها على بقايا أسس لبناء كبير يبلغ سمك جداره مترا ونصف المتر". أحصى الفريق "أكثر من 72 بئراً ما يزال بعضها مستخدماً من قبل الرعاة حتى الآن"، وتشير الدلائل بحسب الخبيرة الآثارية فوزية المالكي إلى ان هذه المحطة "تعرضت للتدمير الكامل على يد القراطة حيث دمرت المباني وتحولت إلى أكوام من الحجارة".

أما المحطة الثالثة على قائمة اليونسكو، "الطلحة"، فكانت "منطقة مترامية الأطراف تتجاوز مساحتها ثلاثة كيلومترات"، عَثر فيها الفريق على "بقايا أُسس سور المدينة، والكثير من الأبنية من ضمنها كنيسة ومقبرة تتجه نحو بيت المقدس، وجامع مع مقبرة للمسلمين تتجه قبورهم نحو مكة المكرمة، إضافة إلى أربع برك للمياه".

آخر المحطات وأقربها إلى الكوفة، كانت محطة أم القرون، وهي عبارة عن "منارة كان يتم استخدامها لإرشاد الحجاج بإشعال النيران أعلاها ليلا، وتبعد 52 كيلومترا عن مركز محافظة النجف". سميت أم القرون بهذا الاسم "لاستخدام قرون الحيوانات داخل البناء ما بين صفوف الطابوق". وتشير الخبيرة الآثارية إلى إن جزءا من هذه المنارة "تهدم وسقط على الأرض، بسبب عوامل التعرية الطبيعية والعواصف الترابية الشديدة".

 

مواضيع ذات صلة:

صورة من جزيرة سقطرى اليمنية حيث يتكلم أهلها اللغة السقطرية- تعبيرية
صورة من جزيرة سقطرى اليمنية حيث يتكلم أهلها اللغة السقطرية- تعبيرية

في بدايات القرن السابع الميلادي، فتح المسلمون جميع أنحاء شبه الجزيرة العربية. بعدها، وبشكل متدرج، استطاعت اللغة العربية الحجازية الشمالية -المُستخدمة في قبيلة قريش- أن تفرض نفسها في المناطق العربية الجنوبية.

 بعد قرون، انعزلت اللهجات اليمنية الجنوبية واقتصر استعمالها على بعض الشعوب. وصارت هناك فوارق واسعة بينها وبين اللغة العربية التقليدية، حتى اعتبرها بعض علماء اللغة مستقلة عن العربية. وفي ذلك شاع قول بعض اللغوين "ما لسان حِمير -اللهجة اليمنية- بلساننا ولا عربيتهم بعربيتنا".

رغم ذلك، بقيت بعض اللغات اليمنية القديمة حاضرة في جنوبي شبه الجزيرة العربية حتى الآن، لكنها مهددة بالاندثار، فيما تحاول العديد من المؤسسات المعنية بإنقاذها. فماذا نعرف عن هذه اللغات؟

اللغة المهرية

تُنسب إلى قبيلة المهرة التي سكنت شرقي اليمن منذ قرون طويلة، واعتاد النسابون أن يرجعوا أصلها إلى مهرة بن حيدان بن عمرو بن لحاف بن قضاعة. 

تُعدّ المهرية واحدة من أقسام اللغات العربية الجنوبية الشرقية الحديثة، ويعتبرها معظم الباحثين لغة سامية بدائية فيما يرى آخرون أنها امتداد للغة الأكدية العراقية القديمة.

تنتشر حاليا في شرق اليمن وسلطنة عمان والكويت والإمارات والسعودية. كما تتواجد بشكل أقل في بعض بلدان شرق أفريقيا كتنزانيا وكينيا. ويزيد عدد المتحدثين بها عن 200 ألف شخص.

تُعدّ المهرية من اللغات غير المكتوبة، أي أن متحدثيها يتوارثونها شفوياً، وتتكون من حروف اللغة العربية الـ28، بالإضافة إلى خمسة حروف أخرى.

في كتابه "مهرة في مصادر اللغة والأدب"، يذكر الباحث عامر بلحاف العديد من الألفاظ المهرية التي وردت في المعاجم والقواميس اللغوية العربية التراثية.

 من تلك الألفاظ كلمة "الزفن" التي تحمل معنى الرقص، وجاءت تلك الكلمة بهذا المعنى في بعض الروايات والأحاديث المنسوبة للنبي. على سبيل المثال ذكر البخاري في "صحيحه" عن عائشة خبر قدوم وفد الحبشة إلى المدينة، وفيه: "فجعلوا يزفنون" أي يرقصون. 

من الأمثلة الأخرى كلمة "بربور" بمعنى ثرثار كثير الحديث، وكلمة "حوور" وهو اللون الأسود، وكلمة "كركر" بمعنى ضحك وقهقه.

 يشير بلحاف إلى أن الكثير من اللغوين العرب القدامى أوضحوا في كتاباتهم أن اللغة المهرية لغة خاصة، مختلفة عن اللغة العربية التقليدية. لكنهم ذكروا أن المهرية لغة متروكة و"مرغوب عنها"، الأمر الذي يشهد على غلبة اللهجات العربية الشمالية على شبه الجزيرة العربية بعد الإسلام.

السقطرية

تُنسب تلك اللغة إلى سقطرى، وهي أرخبيل يمني يتبع إقليم حضرموت ويتكون من ست جزر على المحيط الهندي قبالة سواحل القرن الأفريقي. يشيع استخدام السقطرية داخل الجزر التابعة للأرخبيل، وتتميز بوجود بعض الحروف المختلفة عن العديد من اللغات السامية، منها "الشين الجانبية"، و"اللام الجانبية". 

بشكل عام، هناك أربع مجموعات من اللهجات السقطرية، وهي اللهجات المحكية في الساحل الشمالي، واللهجات المحكية في الساحل الجنوبي، واللهجات التي يتحدث بها البدو في الجبال في وسط الجزيرة، واللهجة التي يتحدث بها أهالي جزيرة عبد الكوري.

في العقود الماضية، بُذلت العديد من المحاولات لدراسة السقطرية وتدوين نصوصها الأدبية بهدف الحفاظ عليها. 

بدأت تلك المحاولات في أواخر القرن التاسع عشر الميلادي، عندما زار المستشرق النمساوي دافيد هاينريش مُولَّر أرخبيل سقطرى، وعمل على تدوين وتسجيل بعض مفردات اللغة السقطرية. 

في سنة 2014، تم تطوير نظام كتابة اللغة السقطرية على يد فريق روسي بقيادة الدكتور فيتالي نومكين. عكف الفريق على دراسة هذه اللغة لمدة خمس سنوات كاملة، وبعدها نشر النظام الكتابي المُقترح في كتاب بعنوان "مجموعة الأدب الشفوي السقطري".

 في أكتوبر 2017، حاولت الحكومة اليمنية المشاركة في إحياء اللغة السقطرية، وذلك عندما وجه رئيس الوزراء اليمني السابق أحمد عبيد بن دغر، وزارة الثقافة، لإنشاء مركز اللغة المهرية والسقطرية للدراسات والبحوث، إلا أن تلك التوجيهات لم تطبق على أرض الواقع بسبب أحداث الحرب الأهلية اليمنية.

يُعدّ مشروع حماية الأدب الشعبي في سقطرى المدعوم من قِبل الحكومة الألمانية ومعهد "جوته"، آخر المحاولات الداعمة للغة السقطرية. استهدف المشروع حماية الأدب الشعبي في جزيرة سقطرى من خلال "جمعه ومراجعته وتوثيقه وإتاحته باللغة السقطرية ثم اللغة العربية والإنجليزية. ثم العمل على الترويج له من خلال منصات إعلامية وثقافية وأكاديمية متنوعة...". 

تمكن فريق العمل من نشر كتاب "تُوْتِيَتَنْ دِ سَاقَطْرِيْ" أو "حكايات من التراث الشعبي في سقطرى"، كما طور المشروع أداة إلكترونية يمكن من خلالها تحويل اللغة السقطرية المكتوبة بالحروف العربية إلى حروف لاتينية.

A Kurdish woman dances with others during the Newroz celebrations marking the start of spring in Istanbul, Turkey, Sunday,…
منها الآرامية والأمازيغية والكردية.. جولة على لغات الأقليات في الدول العربية
"لا يجوز، في الدول التي توجد فيها أقليات اثنية أو دينية أو لغوية، أن يُحرم الأشخاص المنتسبون إلى الأقليات المذكورة من حق التمتع بثقافتهم الخاصة أو المجاهرة بدينهم وإقامة شعائره أو استخدام لغتهم، بالاشتراك مع الأعضاء الآخرين في جماعتهم"، هذا ما تنص عليه المادة رقم 27 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية. ومن هنا، تبدو اللغات التي تتحدث بها الأقليات العرقية ، أساساً لحريتها وخصوصيتها. فما هي أبرز اللغات التي تتحدث بها الأقليات في الدول العربية؟

الشحرية

تُعدّ الشحرية واحدة من اللغات السامية القديمة، وتُنسب إلى قبائل الشحرى التي تسكن محافظة ظفار في سلطنة عمان. وتًعرف أيضاً باللغة الجبالية، بسبب انتشارها في بعض أنحاء الريف.

توجد العديد من اللهجات للغة الشحرية، وجميعها تُنطق ولا تُكتب. وعلى عكس العديد من اللغات الشفوية المعروفة، تستند الشحرية إلى مجموعة من القواعد والأسس اللغوية. من ذلك أن لها ضمائر منفصلة وأسماء إشارة مفصلة للذكر والأنثى والمفرد والمثنى والجمع. كما أن الشحرية تحتوي على كل حروف اللغة العربية ما عدا حروف "ص، ق، ض"، هذا بالإضافة إلى 8 حروف أخرى خاصة بها.

من الخصائص المميزة للشحرية أنه يتم عكس بعض الكلمات العربية لتعطي نفس المعنى باللغة الشحرية. على سبيل المثال، يتم قلب كلمة "قتل" باللغة العربية لتصبح كلمة "لتق" باللغة الشحرية. أيضاً تتميز اللغة الشحرية بظاهرة الشنشنة وهي قلب كاف الخطاب للأنثى شيناً.

من النقاط المثيرة للاهتمام، أن هناك تشابهاً واضحاً بين اللغة الشحرية واللغة الأمازيغية المنتشرة في شمالي غرب أفريقيا، حتى ذهب العديد من المؤرخين والباحثين إلى وجود أصل مشترك بين أهل ظفار والأمازيغ. من هؤلاء الرحالة المغربي الشهير ابن بطوطة الذي زار ظفار في القرن الثامن الهجري وأشار إلى الشبه بين الظفاريين وأهل المغرب.

في العقود الأخيرة، اهتم العديد من الباحثين بدراسة اللغة الشحرية الذين أصدروا مؤلفات عدة في المجال، مثل كتاب "لسان ظفار الحميري" لمحمد بن سالم المعشني، وكتاب "لهجة مهرة وآدابها" لعلي محسن آل حفيظ، وكتاب "لغة عاد" لعلي أحمد محاش الشحري.

 

الخولانية

هي إحدى اللغات السامية القديمة وأخذت اسمها من قبائل خولان، المنسوبة إلى خولان بن عامر. تنتشر تلك اللغة بين القاطنين في جنوبي غرب المملكة العربية السعودية وشمالي اليمن.

توجد العديد من اللهجات لتلك اللغة، ومنها لهجة بني مالك، ولهجة الريث، ولهجة العبادل. أما أشهر لهجات الخولانية فهي اللهجة الفيفية المنتشرة في محافظة فيفا السعودية الجبلية.

من جهة أخرى، توجد العديد من القواعد المعروفة للغة الخولانية. منها استخدام أداة التعريف "أم" بدلاً من أداة التعريف "أل" المُستخدمة بشكل اعتيادي في اللغة العربية.

 توجد بعض الروايات التي تذكر أن الرسول محمد استخدم "أم" عند حديثه مع بعض القبائل اليمنية القديمة. على سبيل المثال، جاء في مسند أحمد بن حنبل أن "النبي نهى بعض اليمنيين عن الصيام في السفر، فقال لهم (ليس من امبر امصيام في امسفر".