موظف في هيئة الآثار الإسرائيلية في أحد مواقع  بنياس الأثرية، في هضبة الجولان، في نوفمبر 2020.
موظف في هيئة الآثار الإسرائيلية في أحد مواقع بنياس الأثرية، في هضبة الجولان، في نوفمبر 2020.

قبل يومين، أعلنت سلطة الآثار الإسرائيلية عن اكتشاف كنز أثري "مهم للغاية" في موقع بلدة بانياس في هضبة الجولان، والتي تقوم على أنقاض مدينة قديمة عرفت في "العهد الجديد" باسم قيصرية فيليبي. وفي الوقت الذي ألهب هذا الاكتشاف خيال من يُسمون في سوريا بـ"الكنَّازة"، وهم لصوص الآثار، أعلن الباحثون أن اكتشاف هذا الكنز يقدم إضاءة مهمة للغاية على أوضاع سكان المدينة لحظة سقوط المدينة بيد القوات الإسلامية عام 636م.

يتكون الكنز من 44 قطعة عملة بيزنطية مسكوكة من الذهب الخالص أقدمها تعود لمطلع القرن الرابع، وأحدثها تخص الامبراطور هرقل تعود للعام 635م. وقد عثرت عليه شركة كهرباء صدفة، مخفياً في قاعدة جدار حجري مقطوع وقت "الفتح الإسلامي" للمدينة صلحاً على يد القائد شرحبيل بن حسنة. ويبدو أن صاحب الكنز أخفى ثروته في المكان نفسه الذي سبق أن وقف فيه السيد المسيح ليسلم مقاليد الكنيسة لبطرس الرسول، أمام النبع المنبثق من كهف المدينة المقدس، كنوع من التبرك كما يبدو، قبل أن يغادر آملاً بالعودة إليه في يوم ما، ولكن يبدو الوقت قد طال على الرجل فمات قبل أن يعود إلى كنزه. 

ومن المؤكد أن يشجع هذا الاكتشاف على افتتاح مواسم تنقيب جديدة في بعض المناطق التي لم يكن يخطر لعلماء الآثار أن ينقبوا بها، حيث يقدر حجم المكتشف من المدينة التاريخية المهمة بأقل من خمسة بالمائة من آثارها المتوقعة. وفي الوقت ذاته، من شأنه أن يشجع أيضاً الباحثين عن الكنوز في عموم المنطقة على المضي قدماً في تخريب المواقع الأثرية، سعياً للوصول إلى كنز شبيه بهذا الكنز من العملات الذهبية الخالصة، حيث هذا الطموح أقصى ما يحلم "الكنازة" به.

 

لوحة بانورامية فريدة 

 

تقدم بانياس لوحة بانورامية، فريدة من نوعها، بنبعها الجميل، ونهرها الغزير، وكهفها اللغز، وموقعها الرائع في حضن حرمون، وآثارها الوثنية، والمسيحية، والإسلامية، وبقايا سورها وقلعتها. والتي جمعت مزيجاً فريداً من الطبيعة الخلابة، والتاريخ الحافل بالأحداث، والثقافة الثرية بالتنوع، فصارت أحد أشهر المواقع القديمة، ليس في الجولان وحده، إنما في عموم منطقة الشرق الأوسط. وقد استمدت بانياس اسمها من الإله الوثني "بان" وهو إله الرعاة، والغابات، والحيوانات البرية، والجبال عند الإغريق.

وتشير بعض الدراسات إلى أن موقع بانياس كان مقدساً منذ فترة عبادة البعول (آلهة كنعانية). وهناك من يعتقد أنها هي نفسها موقع معبد بعل جاد أو بعل حرمون. ولكن الشائع أن السلوقيين هم أول من عزا إلى بانياس قوى ميتافيزيقية، بعد أن ذكرتهم مناظرها الطبيعية بموطنهم. لقد نقل هؤلاء أساطيرهم المتعلقة بالإله بان، إله الرعاة، والصيد، والغابات، والحيوانات البرية، والجبال المشهورة، والمعروف أيضاً بمزماره. ووفق الأسطورة، يعود فضل انتصار السلوقيين على البطالمة إلى هذا الإله، فقد جعل "بان" فيلة الأعداء تصاب بالذعر، خلال معركة بانيوم، التي دارت بين الطرفين، من أجل السيطرة على المنطقة.

عملة عليها صورة الملك إيسباسينو عثر عليها في دورا اوروبس السورية.
"خاراكس".. مملكة ميسان التي تؤجل الفيضانات والحروب اكتشافها
شغل موقع مدينة "خاراكس" كما تسمى باليونانية، و"كرك سباسينو" كما تسمى بالتدمرية، علماء الآثار منذ القرن التاسع عشر، نظراً لأهمية هذه المدينة في التاريخ الكلاسيكي للعراق وإيران، ولأنها كانت واحدة من أهم المراكز التجارية العالمية خلال أكثر من خمسة قرون.

وتصف الأسطورة هذا الإله الوثني، بأن نصفه على شكل إنسان، في حين نصفه الآخر على هيئة تيس. وتتباين الآراء حوله، فهو يسكن في المغاور والكهوف، وطائش ومرح، ويعزف بمزماره القصبي، أو مزمار الرعاة، ويسلي حوريات الماء والحيوانات، ويعشق النساء، وتعشقه الفتيات والحسناوات، ويقيم حفلات صاخبة، ماجنة طوال الليل، ترقص فيها الحوريات على أنغامه، وهو في الوقت ذاته كائن قبيح إلى درجة مخيفة، حتى أن الكثير من الباحثين يعتقدون أن شكل الشيطان في المعتقدات المسيحية اقتبس عن شكل هذا الإله الوثني.

شيد الإغريق معبداً لهذا الإله، في هذا الموقع الرائع، وقرب المغارة الكبيرة، التي تشكل أحد مكونات المشهد العام الأساس، وربما كان هذا المعبد أصلاً لبعل حرمون، وأصبح لاحقاً للإله "بان"، وهو معبد جمع بين المنظر الطبيعي، الساحر بجماله وهيبته، وبين فنون الهندسة المعمارية والنحت، وبشكل يتناسب مع الطبيعة الخاصة لهذا الإله، وهي طبيعة محببة ومخيفة في آن واحد.

 

مدينة مترامية الأطراف

 

دلت الدراسات الأخيرة أن مدينة بانياس كانت قد شملت في قمة مجدها كل المرتفعات التي تقع إلى الشمال من نهر بانياس، ووصلت حدودها شمالاً إلى منحدرات تل الأحمر وإلى الغرب حتى نقطة تقارب خط الحدود الدولية، ومن الجنوب حتى الجروف الشمالية لنهر بانياس، حيث تم العثور في المنطقة الجنوبية الواقعة بقرب وادي سعار على قسم من سور المدينة الذي يعود تاريخه إلى القرن الرابع الميلادي. وقد تم إغلاق هذا السور من الشرق باتجاه الجرف الواقع فوق نبع بانياس، كما تم العثور في الكروم الغربية لقرية جباتا الزيت على بقايا بيوت تابعة لضاحية بانياس القديمة، وهذا يعني أن المدينة كانت قد أقيمت على مساحة تزيد عن كيلو متر مربع، وامتازت مبانيها بالفخامة والاتساع وخاصة المباني الواقعة في المنطقة الشمالية التي بدت كالفيلات المطلية بالكلس الأبيض والملون، المرصوفة أرضيتها بالفسيفساء، وبخاصة البناء الكبير ذي الطابقين الذي يقع جنوب نهر بانياس مقابل نادي الضباط القديم، حيث يمكن للمرء أن يعرف من آثار هذا البناء الفخم مدى روعة البناء الذي عرفته مدينة بانياس في القدم.

ومن الجهة الأخرى عثر إلى الشمال الغربي من نهر بانياس قبل عدة سنوات على بقايا حمام يتكون من عدة برك يعود تاريخه إلى العهد الروماني الأخير، علماً أن المصادر العربية تشير إلى أن الوزير الفاطمي معلى بن حيدرة هو الذي بنى الحمام في بانياس أو على الأقل جدده.

ويعتقد أن محور مركز البلدة قد ربط المنطقة التي تربط النبع حتى نهر سعار بالمدينة الإسلامية، ذلك لأن الحجارة المنحوتة الكبيرة التي وجدت في المدخل تشير إلى وجود مبان ضخمة عامة كانت في هذا المكان رغم عدم استكشافها جميعاً حتى الآن. وجاءت الدراسات الخاصة بآثار بانياس لكي تكشف أن المناطق السكنية في ضاحيتها كانت تمتد على مسافة ساعة أو ساعتين عن البلدة مشياً على الأقدام.

كانت مدينة بانياس في العهدين الروماني والبيزنطي ولا شك مدينة عامرة وفخمة. وما خرائب هذه المدينة بحجارتها من النوع المنحوت وأعمدتها المزدانة بالتيجان الحجرية المنقوشة، إلا خير دليل على فخامة الأبنية العامة والخاصة التي وجدت في بانياس، رغم أن ما بقي الآن من خرائب ما هي إلا جزء فقط من أبنية هذه المدينة، التي كانت لمئات السنوات مدينة هامة كسميتها قيصرية الواقعة على الساحل الفلسطيني. وخلال الفترة الفاطمية في القرن الحادي عشر بعد الميلاد تمت إحاطة المدينة بالسور الذي استخدم أيضاً خلال فترة الحروب الصليبية.

 

في تاريخها المسيحي 

 

تحتل بانياس أهمية خاصة في الموروث المسيحي. ففيها سلم يسوع رسوله بطرس مقاليد السلطة في الكنيسة، وليقيمه راعي رعاة الكنيسة، وأساساً لها، بحسب إنجيل متى (16/13 ـ 19). وأورد المؤرخ الكنسي يوسابيوس القيصري في كتابه "تاريخ الكنيسة" نصاً يتحدث عن تمثال رفعته نازفة الدم البانياسية، إذ يقول: "ولدت نازفة الدم، التي أبرأها يسوع، في بانياس. يقولون إن بيتها ما زال يرى في المدينة والنصب التذكارية المدهشة للفضل الذي منحها إياه مخلصنا ما تزال قائمة". 

ورغم تلك المكانة، فإن المسيحية انتشرت ببطء بادئ الأمر، في بانياس، بسبب المقاومة الوثنية، واضطهادات الأباطرة، وولاتهم، والحكام المحليين. وبدأت المسيحية تلقى تجاوباً متنامياً، منذ بدايات السلام الروماني، الذي بزغ فجره في عهد الإمبراطور قسطنطين الكبير، بعد أن أطلق الحرية للدين المسيحي، فحظيت المدينة بكرسي أسقفي يمثل منطقة الجولان.

مسيحيون قدامى تحتفظ النجف بمقابرهم.. تعرف على مملكة الحيرة القديمة!
تشتهر مدينة النجف في شتى أنحاء العالم الإسلامي باعتبارها المدينة الشيعية المقدسة التي يواري ثراها جثمان الإمام علي بن أبي طالب، أول الأئمة المعصومين عند الشيعة الاثني عشرية. بدأت أهمية النجف قبل ظهور الإسلام بأربعة قرون كاملة. شهدت أرضها قيام مملكة الحيرة القديمة التي ارتبطت بعلاقات وثيقة مع الفرس الساسانيين. وأسهم ملوكها بشكل مؤثر في نشر المسيحية النسطورية في بعض أنحاء شبه الجزيرة العربية.

كانت بانياس كرسياً أسقفياً لأبرشية في القرن الرابع، ودخلت ضمن تبعية فينقية الأولى (البحرية) وقاعدتها مدينة ومتروبوليتية صور، الخاضعة لبطريركية أنطاكية، في نهاية القرن الرابع، ومطلع القرن الخامس. واحتلت المرتبة الثانية عشرة، في سلم الأسقفيات التابعة لصور، وتميزت عن هذه الأسقفيات الاثنتي عشرة بأنها كانت الوحيدة، التي لا تقع على البحر. وتظهر العودة إلى سجل إعادة تنظيم إدارة الأبرشيات، في البطريركية الانطاكية، وفي صلاحيات هذه البطريركية في القرن العاشر ( 910 ـ 968م) أن بانياس كانت أيضاً تابعة لميتروبوليتية صور الكبرى، والتي بلغ عدد أسقفياتها ثلاث عشرة أسقفية، احتلت بانياس المرتبة العاشرة في قائمة هذه الأسقفيات. وذلك قبل عملية تهجير المسيحيين الأرثوذوكس منها، بعد سقوط مدينة طرسوس والثغور الشمالية بيد نقفور فوكاس عام 965م، حيث جرى توطين مهجري طرسوس والمصيصة والثغور الشمالية مكان مسيحيي بانياس.

لقد شهدت بانياس جميع التحولات التي مرت بها بلاد الشام عبر تاريخها الطويل، من معقل وثني، إلى مركز مسيحي، لعب دوراً كبيراً في تاريخ المسيحية، إلى ولاية إسلامية، ثم مملكة صليبية قبل استعادتها على يد الأيوبيين. واضمحل شأنها منذ العصر المملوكي إلى أن تحولت إلى قرية متوسطة سقطت في العام 1967 بيد القوات الإسرائيلية.

مواضيع ذات صلة:

صورة أرشيفية لمدينة تدمر الأثرية في سوريا- وكالات
صورة أرشيفية لمدينة تدمر الأثرية في سوريا- وكالات

تعمل منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة ("اليونسكو") على الاهتمام بالمواقع الأثرية المنتشرة في دول العالم كافة. لذلك، أعدت المنظمة ما عُرف باسم "قائمة التراث العالمي"، وهي القائمة التي تتضمن العشرات من المواقع الأثرية القديمة التي تتعاظم أهميتها بسبب تاريخها الثقافي والحضاري. 

من جهة أخرى، أعدت "اليونسكو" قائمة ثانية بعنوان "التراث العالمي المعرض للخطر". في تلك القائمة، جمعت المنظمة المواقع المُهددة بسبب النزاعات العسكرية المسلحة، والزلازل، والتلوث البيئي، والتوسّع الحضري غير المنضبط، وغير ذلك من الأسباب التي من شأنها تهديد المواقع الأثرية. في هذا السياق، أُدرجت 7 دول عربية ضمن قائمة التراث العالمي المعرض للخطر، وهي: مصر، ليبيا، الأراضي الفلسطينية، سوريا، العراق، اليمن، ولبنان. نلقي الضوء في هذا التقرير على أهم المواقع الأثرية المُعرضة للخطر في هذه الدول.

 

سوريا

تحتوي سوريا على أكبر عدد من المواقع الأثرية المُعرضة للخطر بين الدول العربية. تتمثل تلك الأخطار في الصراعات العسكرية المسلحة التي بدأت منذ سنة 2011م، ولم تنته معاركها حتى اللحظة. من أهم المواقع الأثرية المتواجدة في القائمة، موقع "مدينة حلب القديمة" في شمالي سوريا. يحتوي الموقع على العشرات من الأبنية والمساجد والمنازل والأسواق. وفي سنة 1986م أعلنت اليونسكو الموقع جزءًا من التراث العالمي.

تحتوي سوريا أيضاً على موقع "مدينة بُصْرَى التاريخية". والتي تتبع محافظة درعا، وتقع على مسافة 140 كم من دمشق. بحسب المصادر التاريخية الإسلامية، كانت بصرى عاصمة دينية وتجارية مهمة على طريق الحرير القديم. وترتبط المدينة بذكرى خاصة في الذاكرة الإسلامية بسبب الروايات التي تذكر أن النبي محمد قد مر بها في شبابه قبل البعثة. وأنه قابل فيها الراهب بحيرى النصراني. والذي تنبأ بأن هذا الشاب سوف يصبح نبي العرب الذي بشرت به الكتب القديمة.

كذلك تحتوي سوريا على موقع "مدينة دمشق القديمة"، وموقع "المدن المنسية" التي تقع ضمن الحدود الإدارية لمحافظتي حلب وإدلب. ويعود بناؤها إلى الفترة بين القرنين الأول والسابع للميلاد. وتشتهر بكاتدرائية القديس سمعان العمودي التي كانت مكاناً للحج المسيحي لقرون طويلة.

تتضمن القائمة أيضاً قلعتي الحصن وصلاح الدين. تعود الأولى لفترة الحروب الصليبية، وتقع ضمن سلاسل جبال الساحل في محافظة حمص في سوريا. أما القلعة الثانية، فتقع في مدينة اللاذقية. وتعتبر واحدة من أهم قلاع القرون الوسطى المحفوظة في العالم. في سنة 2006م، سجل اليونسكو القلعتين على لائحة التراث العالمي.

أيضاً، تحضر مدينة تدمر التاريخية في قائمة المواقع الأثرية المُعرضة للخطر. تقع المدينة في محافظة حمص في الجزء الأوسط من سوريا. ويعود تاريخها إلى العصر الحجري الحديث. اشتهرت تدمر بثرائها الذي حققته من كونها مركزاً تجارياً مهماً على طريق الحرير الشهير. في القرن الثالث الميلادي، تمكن ملوك تدمر من الاستقلال عن الحكم الفارسي. وفي عهد الملكة الشهيرة زنوبيا تأسست مملكة تدمر الشهيرة. وخاضت الحرب ضد الإمبراطورية الرومانية قبل أن تُهزم وتفقد استقلالها. في 2015م، سيطرت عناصر تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام "داعش" على موقع مدينة تدمر، وخرّبت ودمّرت الكثير من المواقع الأثرية المهمة في المدينة، قبل أن تستعيد القوات السورية سيطرتها عليها في العام 2017م.

الاعتداء على قبر معاوية يجدد المخاوف.. من يحمي الآثار السورية؟
تعرّض قبر معاوية للتدمير في أيام العباسيين، وأعيد بناؤه أكثر من مرة، بحسب الباحث السوري تيسير خلف، و"لدينا شاهدة قبر من الفترة الأيوبية- المملوكية، ويبدو انه جدّد حينذاك". والاعتداء الذي وقع عليه مؤخراً كان لفظياً ولم يتعرض القبر لأي أذى ماديّ.

العراق

في تصنيفات "اليونسكو" تقع بعض المواقع الأثرية المُهددة بالخطر في العراق. على رأس تلك المواقع "مدينة أشور القديمة". تقع المدينة على بعد 60 ميلاً جنوبي مدينة الموصل حالياً في شمال العراق. وكانت عاصمة للمملكة الأشورية التي توسعت في الألف الثاني قبل الميلاد، قبل أن تسقط على يد الميديين والبابليين في سنة 612 ق.م.

في يونيو 2014م، سيطر تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام على المدينة التاريخية. وتم تخريب بعض المواقع الأثرية قبل أن تتمكن القوات العراقية من استعادة السيطرة الكاملة على المنطقة في سبتمبر 2016م.

كذلك، تتضمن القائمة "مدينة سامراء التاريخية". تقع المدينة شرقي نهر دجلة في محافظة صلاح الدين، وتبعد 125 كيلومتر شمالي العاصمة بغداد. تتحدث المصادر التاريخية عن ظروف تأسيس وإعمار تلك المدينة في العصر العباسي. بحسب تلك المصادر، قرر الخليفة المعتصم بالله أن يبني تلك المدينة ويتخذها عاصمة لدولته بسبب كثرة الجند الأتراك في بغداد. تحكي بعض القصص أن هذا المكان كان مملوكاً لبعض الرهبان المسيحيين. وأن المعتصم اشتراه منهم بأربعة آلاف دينار. وعزم على أن يبني فيه مدينة جديدة "ونقل إليها أنواع الأشجار والغروس، واُختطت الخطط والدروب، وجدوا في بنائها، وشُيدت القصور، واُستنبطت المياه من دجله وغيرها وتسامع الناس وقصدوها، وكثرت بها المعايش"، بحسب ما يذكر شمس الدين الذهبي في كتابه "سيّر أعلام النبلاء".

حافظت سامراء على مجدها وعظمتها لما يزيد على نصف قرن. اتخذها المعتصم وخلفاؤه عاصمة لدولتهم الواسعة المترامية الأطراف. ودُفن فيها العديد من الخلفاء. كما شيّد الخليفة المتوكل سنة 245ه على أرضها المسجد المشهور بمئذنته الملوية.

بعد أن غادرها العباسيون، تعرضت سامراء للتهميش وعدم الاهتمام. قبل أن تتعرض للتخريب والتدمير إبان فترة الغزو المغولي للعراق في القرن السابع الهجري. قيل إن الناس غيروا اسمها في تلك الفترة ليصبح "ساء من رأى". وصف الرحالة المغربي الشهير ابن بطوطة الحالة المؤسفة التي أصيبت بها المدينة عند زيارته لها سنة 727ه. يقول ابن بطوطة: "...وقد استولى الخراب على هذه المدينة فلم يبق منها إلا القليل وهي معتدلة الهواء رائقة الحسن على بلائها، ودروس معالمها". في سنة 2007م، ضمت "اليونيسكو" سامراء إلى قائمة التراث العالمي.

شيد الخليفة المتوكل سنة 245ه في سامراء المسجد الجامع المشهور بمئذنته الملوية.
"عاصمة الخلفاء" و"منفى الأئمة".. قصة مدينة سامراء
تقع مدينة سامراء في وسط العراق. وتشغل أهمية كبرى في أوساط العراقيين، خاصة الشيعة في البلاد، باعتبارها المكان الذي دُفن فيه كل من الإمامين العاشر والحادي عشر علي الهادي والحسن العسكري. ما قصة هذه المدينة؟ وماذا كانت ظروف بنائها؟ وما أهم الأحداث في تاريخها؟ وما هي أسباب قداستها؟

اليمن

تتضمن القائمة ثلاثة مواقع يمنية مهمة. وجميعها مُهدد بسبب الحرب الأهلية اليمنية التي تدور منذ سنوات بين الحوثيين وقوات التحالف الذي تقوده المملكة العربية السعودية. يُعدّ موقع "معالم مملكة سبأ القديمة" هو الموقع اليمني الأول في القائمة. يقع هذا الموقع في محافظة مأرب شرق اليمن، ويضم مواقع أثرية وبقايا مستوطنات كبيرة مع المعابد والأسوار التي تعود للألف الأول قبل الميلاد. في سنة 2023م، أُدرجت تلك المعالم على قائمة التراث العالمي وضمن قائمة التراث العالمي المعرض للخطر من قِبل "اليونيسكو". الموقع الثاني هو مدينة زبيد التاريخية، والتي تبعد عن العاصمة صنعاء مسافة 233 كم تقريباً. وكانت مدينة زبيد عاصمة اليمن من القرن الثالث عشر إلى القرن الخامس عشر الميلاديين. أما الموقع الثالث، فهو مدينة صنعاء القديمة. والتي بدأت حضارتها منذ القرن الخامس قبل الميلاد. قبل أن تصبح عاصمة لمملكة سبأ في القرن الأول للميلاد. في العصر الإسلامي، صارت صنعاء واحدة من أهم الحواضر الإسلامية. وتميزت منازلها ومساجدها وأسواقها وأسوارها بطراز معماري رفيع المستوى. في سنة 1980م، تبنى "اليونيسكو" حملة دولية لحماية مدينة صنعاء القديمة والحفاظ على معالمها المعمارية. وفي سنة 2015م، أُدرجت في قائمة التراث العالمي المعرض للخطر، بعدما تعرضت بعض أحياء المدينة لقصف صاروخي من قِبل قوات التحالف.

 

 

فلسطين ومصر وليبيا ولبنان

تشهد القائمة حضور مجموعة أخرى من الدول العربية. في الأراضي الفلسطينية، يتواجد موقع "البلدة القديمة بالقدس". وهي المنطقة المُحاطة بسور سليمان القانوني. من المعروف أن البلدة تشهد أهمية كُبرى في الذاكرة الدينية الإبراهيمية. ففيها المسجد الأقصى ومسجد قبة الصخرة اللذان يحظيان بمكانة كبيرة لدى المسلمين. وكذلك كنيسة القيامة لدى المسيحيين. فضلاً عن جبل الهيكل والجدار الغربي لليهود. في سنة 1981م، قامت "اليونيسكو" بضم البلدة القديمة في القدس إلى قائمة التراث العالمي.

في مصر، يوجد موقع منطقة "أبو مينا الأثرية" والذي يقع عند الحافة الشمالية للصحراء الغربية. اكتسبت المنطقة أهميتها بسبب احتوائها على مدفن القديس مينا. ولهذا السبب كانت المنطقة أحد أهم مراكز الحج المسيحي في القرون الوسطى. حالياً، تضم المنطقة مجموعة من الآثار القبطية والكنائس والأديرة. في سنة 2001م، أصبحت المنطقة مهددة بالخطر بسبب ارتفاع منسوب المياه الجوفية والأملاح في المنطقة.

في السياق نفسه، تتواجد بعض المواقع الليبية المهمة في القائمة. ومنها على سبيل المثال المواقع الأثرية في "مدينة صبراتة" الواقعة على بعد 70 كم غربي مدينة طرابلس، والتي تحتوي على عدد كبير من الآثار الرومانية. ومدينة "لبدة الكبرى"، التي تقع على بعد 120 كم شرقي مدينة طرابلس. وكانت من أهم مدن الشمال الأفريقي في عصر الإمبراطورية الرومانية.

في لبنان، يتواجد "معرض رشيد كرامي الدولي" في طرابلس. والذي أدرجته اليونسكو في القائمة في سنة 2023م. وجاء في حيثيات اختيار اليونسكو للمعرض "أنه يُعدّ من ناحية حجمه وغنى الأنماط الهندسية فيه، أحد الأعمال المهمة التي تمثل فن العمارة الحديث في القرن العشرين بالمنطقة العربية من الشرق الأوسط". مما يُذكر أن المعرض من تصميم المهندي البرازيلي الأصل أوسكار نيماير، وأن انتهاء تشييده تزامن مع اندلاع الحرب الأهلية اللبنانية في سبعينيات القرن العشرين. ويعاني الموقع من الإهمال ونقص الموارد المالية اللازمة لصيانته.