تعد قصائد "بانت سعاد" و"البردة" و"نهج البردة" أشهر قصائد المديح النبوي.
تعد قصائد "بانت سعاد" و"البردة" و"نهج البردة" أشهر قصائد المديح النبوي.

لمّا كان الشعر هو ديوان العرب، وأقرب الفنون إلى وجدانهم، فإننا سنجد أن تعبير المسلمين عن حبهم للنبي محمد وجد طريقه إلى العشرات من القصائد الشعرية الخالدة. كان شاعر النبي، حسان بن ثابت، من أول من مدح الرسول في قصائده عندما أنشد قائلًا:

وَأَحسَن مِنكَ لَم تَرَ قَطُّ عَيني ... وَأَجمَل مِنكَ لَم تَلِدِ النِساءُ

خُلِقتَ مُبَرَّءا مِن كُلِّ عَيبٍ ... كَأَنَّكَ قَد خُلِقتَ كَما تَشاءُ

نلقي الضوء في هذا المقال على ثلاث قصائد أنشدها أصحابها في مدح النبي. تمتعت تلك القصائد بقدر عظيم من الذيوع والشهرة عبر التاريخ. واعتاد المسلمون على استحضارها والتغني ببعض أبياتها في ذكرى مولد النبي في كل عام. لكن بعضها لم يخل من الجدل أيضا.

 

بانت سعاد.. قصيدة كعب الخالدة

 

صاحب هذا القصيدة هو كعب بن زهير بن أبي سلمى. تذكر المصادر التاريخية أن كعبًا كان يهجو النبي والمسلمين وأنه كان يساند قريشًا وأتباعها. أرسل له أخوه المسلم يخبره أن النبي أهدر دمه وأن حياته صارت تحت التهديد. عندها، قرر كعب أن يسافر إلى المدينة. أخفى شخصيته عن الجميع وذهب لمقابلة النبي ولمّا وصل عنده كشف عن حقيقته وأنشد قصيدته التي تألفت من ستين بيتًا.

بدأ كعب القصيدة بالغزل في محبوبته على عادة شعراء ذلك الزمان، فقال:

بانَت سُعادُ فَقَلبي اليَومَ مَتبولُ... مُتَيَّمٌ إِثرَها لَم يُجزَ مَكبولُ

وَما سُعادُ غَداةَ البَينِ إِذ رَحَلوا... إِلّا أَغَنُّ غَضيضُ الطَرفِ مَكحولُ

بعدها انتقل كعب لإظهار توبته وندمه على ما سبق منه من أعمال معادية للإسلام، فقال:

أُنْبِئْتُ أنَّ رَسُولَ اللهِ أَوْعَدَني ... والعَفْوُ عَنْدَ رَسُولِ اللهِ مَأْمُولُ

وقَدْ أَتَيْتُ رَسُولَ اللهِ مُعْتَذِرًا ... والعُذْرُ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ مَقْبولُ

بعدها شرع كعب في مدح النبي وأصحابه، فقال:

إنَّ الرَّسُولَ لَسَيْفٌ يُسْتَضاءُ بِهِ ... مُهَنَّدٌ مِنْ سُيوفِ اللهِ مَسْلُولُ

في فِتْيَةٍ مِنْ قُريْشٍ قالَ قائِلُهُمْ ... بِبَطْنِ مَكَّةَ لَمَّا أسْلَمُوا زُولُوا

تذكر الروايات التاريخية أن بعض المسلمين أرادوا أن يقتلوا كعبًا. ولكن النبي منعهم من ذلك. وقام بعدها وأهدى بردته -وهي الكساء الذي كان يلبسه- إلى كعب، فخرج عندها الشاعر فرحًا بعدما أعلن إسلامه وآمن على نفسه. تتحدث بعض المصادر التاريخية عن مصير البردة، والرمزية الكبيرة التي استحوذت عليها في الثقافة الإسلامية باعتبارها أداة من أدوات السلطة التي حرص الخلفاء على الحفاظ عليها.

على سبيل المثال، عرض الخليفة الأموي الأول معاوية بن أبي سفيان أن يشتري من كعب تلك البردة، ولكنه رفض وقال: "لم أكن لأوثر بثوب رسول الله أحدًا". تذكر بعض الروايات أن معاوية اشترى البردة من ورثة كعب بعد وفاته بعشرة آلاف درهم، وأنها ظلت في خزائن الأمويين حتى سقطت دولتهم سنة 132ه ليستولي عليها العباسيون فيما بعد. توجد بعض الآراء التي تذهب إلى أن البردة نُقلت بعد قرون إلى إسطنبول وأنها هي نفسها المعروضة حاليًا في متحف طوب كابي الشهير. تذهب آراء أخرى إلى أن معاوية كُفن بالبردة عند وفاته.

 

بردة البوصيري.. أشهر المدائح في الشعر الصوفي

تسمى تلك القصيدة بـ"الكواكب الدرية في مدح خير البرية"، وتقع في 160 بيتًا. وصاحبها هو محمد بن سعيد بن حماد البوصيري الذي عاش في القرن الثامن من الهجرة. تذكر الروايات الصوفية أن البوصيري أصيب بالشلل فلم يكن قادرًا على مغادرة منزله، وأنه كان يتغنى بأبيات القصيدة ليل نهار. نام البوصيري ذات ليلة فحلم بنفسه ينشد القصيدة أمام النبي، وأنه -أي النبي- خلع بردته وكسا بها البوصيري بعدما انتهى من القصيدة. قام الشاعر من النوم فوجد نفسه سليمًا معافى. ومن هنا اُشتهرت القصيدة باسم البردة. من أشهر ما جاء فيها، قول البوصيري:

محمد سيد الكونين والثقليــــن ... والفريقين من عُرْب ومنْ عجــمِ

نبينا الآمرُ الناهي فلا أحــــدٌ ... أبرَّ في قولِ لا منه ولا نعــــمِ

هو الحبيب الذي ترجى شفاعـته ... لكل هولٍ من الأهوال مقتحـــمِ

دعا إلى الله فالمستمسكون بــه ... مستمسكون بحبلٍ غير منفصـــمِ

تعرضت بردة البوصيري للانتقاد من قِبل العديد من علماء ومشايخ السلفية في العصر الحديث -ومن أشهرهم كل من عبد العزيز بن باز، وابن عثيمين، وناصر الدين الألباني- وذلك بسبب ما ورد فيها من جمل وتراكيب لغوية اعتبروها مغالية في مدح النبي. على سبيل المثال رد ابن باز على أحد السائلين الذين أرادوا معرفة الحكم الشرعي في البيت الذي جاء فيه "فإن من جودك الدنيا وضرتها... ومن علومك علم اللوح والقلم"، بقوله: "هذه أبيات منكرة، شرك... لا تجوز، بل هذه من الشرك الأكبر نعوذ بالله، فإن الرسول ليس من جوده الدنيا وضرتها، ضرتها الآخرة، هذا من جود الرب جل وعلا، من ملك الرب جل وعلا، ما يملكه النبي، ولا يعلم ما في اللوح والقلم، ما يعلم الغيب... هذا شرك أكبر، أعوذ بالله، الذي يجير من النار هو الله وحده، لكن اتباع النبي من أسباب السلامة، اتباع النبي من أسباب السلامة من النار. أما النبي فلا يملك الدنيا والآخرة، ولا يجير من النار، بل هو عبد مأمور...".

على الجهة المقابلة، حققت القصيدة انتشارًا غير مسبوق في الدوائر الصوفية منذ نطق البوصيري بها وحتى اللحظة. كان من المعتاد أن ينشدها المنشدون في المساجد والزوايا في أيام الجمعة، وفي المناسبات الدينية كالأعياد ومطالع الشهور القمرية. يقول زكي مبارك في كتابه "المدائح النبوية في الأدب العربي" متحدثًا عن البوصيري وقصيدته: "البوصيري بهذه البردة هو الأستاذ الأعظم لجماهير المسلمين، ولقصيدته أثر في تعليمهم الأدب والتاريخ والأخلاق، فعن البردة تلّقى الناس طوائف من الألفاظ والتعابير غنيت بها لغة التخاطب، وعن البردة عرفوا أبوابًا من السيرة النبوية، وعن البردة تلّقوا أبلغ درس في كرم الشمائل والخلال. وليس من القليل أن تنفذ هذه القصيدة بسحرها الأخاذ إلى مختلف الأقطار الإسلامية، وأن يكون الحرص على تلاوتها وحفظها من وسائل التقرب إلى الله والرسول".

 

نهج البردة.. عندما أفلت أمير الشعراء من العقاب

 

كتب أمير الشعراء أحمد شوقي تلك القصيدة على نفس القافية التي كُتبت بها قصيدة بردة البوصيري. تألفت نهج البردة من 190 بيتًا، واشتهرت بشكل كبير حتى أنشدتها كوكب الشرق أم كلثوم من تلحين رياض السنباطي سنة 1946م.

يعود تأليف تلك القصيدة لسنة 1909م وتوجد قصة مثيرة خلف تأليفها. عزم الخديوي عباس حلمي على أداء فريضة الحج في تلك السنة، فأمر حاشيته بأن يتجهزوا للسفر معه إلى الحجاز. كان أحمد شوقي هو الشاعر الخاص بالخديوي، وكان من الطبيعي أن ينتقل كواحد من الحاشية إلى ميناء السويس ليركب المركب المتوجه للحجاز بصحبة الخديوي. قبل أن تتحرك السفينة نزل منها أحمد شوقي وعاد للقاهرة ولمّا عرف عباس حلمي بذلك غضب غضبًا شديدًا.

حاول أمير الشعراء أن يصالح الخديوي قُبيل عودته من الحج، فكتب قصيدة نهج البردة وذهب بها إلى شيخ الأزهر سليم البشري لشرحها، ثم أعطى الكتاب للكاتب المعروف محمد المويلحي ليكتب التقديم. كان هدف شوقي من كل هذا أن يُعجب الخديوي من القصيدة والشرح والتقديم وأن يؤدي ذلك للعفو عنه. كتب المويلحي في مقدمة الكتاب مشيدًا بتلك القصيدة: "...إن قصيدة تُصنع في مدح الرسول، وتوضع تذكارًا لحج المليك، ويكون شيخ الإسلام شارحها، وشاعر الأمير قائلها، لهى جديرة بأن تنحني لها الرؤوس إعظامًا وإكبارًا، والله يتقبلها من قائلها قولًا حسنًا، وينفع المسلمين ببركة شارحها نفعًا جمًا...". رجع الخديوي من الحج وأُعجب بالقصيدة لمّا أطلع عليها، ونجحت بذلك خطة أحمد شوقي.

بدأ شوقي القصيدة بالغزل على العادة الدارجة بين الشعراء، فقال:

ريمٌ عَلى القاعِ بَينَ البانِ وَالعَلَمِ... أَحَلَّ سَفكَ دَمي في الأَشهُرِ الحُرُمِ

رَمى القَضاءُ بِعَينَي جُؤذَرٍ أَسَداً... يا ساكِنَ القاعِ أَدرِك ساكِنَ الأَجَمِ

لَمّا رَنا حَدَّثَتني النَفسُ قائِلَةً... يا وَيحَ جَنبِكَ بِالسَهمِ المُصيبِ رُمي

 جَحَدتُها وَكَتَمتُ السَهمَ في كَبِدي... جُرحُ الأَحِبَّةِ عِندي غَيرُ ذي أَلَمِ

تحول أحمد شوقي بعد ذلك ليبدأ في مدح النبي، فقال:

مُحَمَّدٌ صَفوَةُ الباري وَرَحمَتُهُ... وَبُغيَةُ اللَهِ مِن خَلقٍ وَمِن نَسَمِ

وَصاحِبُ الحَوضِ يَومَ الرُسلِ سائِلَةٌ.. مَتى الوُرودُ وَجِبريلُ الأَمينُ ظَمي

تجدر الإشارة إلى أن نهج البردة لم تكن القصيدة الوحيدة التي تم تأليفها على سمت بردة البوصيري. في الحقيقة نظم الشعراء العشرات من القصائد المشابهة في حب النبي. من أخر تلك القصائد القصيدتان التي أضطلع بتأليفهما كل من الشاعر المصري خالد الشيباني، والشاعر الفلسطيني تميم البرغوثي.

 

مواضيع ذات صلة:

FILE - Iranian Supreme Leader Ayatollah Ali Khamenei speaks in Tehran, Iran, July 5, 2024. Secretary of State Antony Blinken…
المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي- تعبيرية

أعلنت الحكومة السودانية الأحد الماضي أن قائد الجيش عبد الفتاح البرهان تسلّم أوراق اعتماد السفير الإيراني، كما أرسل في المقابل سفيراً لبلاده إلى طهران، ما يعزز من فرص التقارب بين البلدين بعد قطيعة استمرت ثماني سنوات.

تأتي هذه الخطوة في سياق محاولات طهران المستمرة لنشر نفوذها داخل القارة الأفريقية. وذلك من خلال نشر أيديولوجية الثورة الإيرانية والترويج لنظرية الولي الفقيه.

 

شرق أفريقيا

اهتمت طهران بتأمين حدودها الجيوسياسية المرتبطة بتجارة النفط في خليج هرمز من خلال مد نفوذها في منطقة القرن الأفريقي، وهي المنطقة التي تضم عدداً من الدول الواقعة على البحر الأحمر شرقي أفريقيا، منها إريتريا، وإثيوبيا، والصومال، وجيبوتي.

بحسب ما يذكر الباحث محمد رمضان أبو شعيشع في دراسته "الوجود الإيراني في القرن الأفريقي: دراسة حالة على إريتريا"، فإن طهران قامت بتزويد إريتريا بالمئات من عناصر "فيلق القدس" وضباط البحرية والخبراء العسكريين من الحرس الثوري الإيراني الذين يشرفون على قواعد صاروخية بطول الساحل الإريتري على البحر الأحمر، المقابل للمملكة العربية السعودية واليمن.

لخدمة الهدف ذاته، استعادت إيران علاقتها الدبلوماسية مع جيبوتي في سبتمبر 2023م بعد 7 سنوات من القطيعة. يذكر أبو شعيشع أن الجانبين -الإيراني والجيبوتي- توصلا إلى توقيع مذكرة تفاهم للتعاون المشترك، تضمنت تلك المذكرة بناء مراكز للتدريب، والإعفاء من تأشيرات الدخول لمواطني البلدين، بالإضافة إلى منح البنك الإيراني قروضاً للبنك المركزي الجيبوتي، وتقديم منح للطلاب بهدف الدراسة في الجامعات الإيرانية.

محاولات إيران نشر نفوذها في شرقي أفريقيا وصلت إلى دولة جزر القمر الواقعة في المحيط الهندي. بدأت تلك المحاولات في عهد الرئيس القمري الأسبق أحمد سامبي، الذي درس العلوم الدينية في إيران في ثمانينات القرن الماضي. وتتلمذ وقتها على يد آية الله محمد تقي مصباح اليزدي. خلال فترة حكم سامبي، قدمت طهران دعماً كبيراً لجزر القمر من خلال بعض المنظمات الخيرية، ومنها على سبيل المثال، لجنة إمداد الإمام الخميني التي قدمت العون المالي لمئات الأسر، وافتتحت مركزاً لتدريب الشباب على الحرف. كما افتتح الهلال الأحمر الإيراني مستشفى في العاصمة موروني وقدم خدماته بالمجان.

تراجع زخم العلاقات الإيرانية القمرية بشكل ملحوظ عقب رحيل الرئيس سامبي، وفي سنة 2016م، قطعت جزر القمر علاقاتها الدبلوماسية مع إيران تضامناً مع السعودية بعد الاعتداء على بعثتها الدبلوماسية في طهران. واتهم الرئيس القمري طهران وقتها بأنها "استغلت ضيق ذات اليد لإقامة مشروعها الصفوي الشيعي في إحدى جزر القمر، ولكن لن نسمح لها بتمرير مشروعها في بلادنا...". مؤخراً، شهدت العلاقات بين البلدين انفراجه واضحة عقب الإعلان عن فوز رئيس جمهورية جزر القمر، غزالي عثمان، بولاية رئاسية ثالثة. أرسل الرئيس الإيراني الراحل، إبراهيم رئيسي، برقية تهنئة لنظيره القمري، ودعاه إلى "فتح صفحة جديدة في التعاون الثنائي والدولي لصالح البلدين".

لم يختلف الوضع كثيراً بالنسبة للعلاقات الإيرانية السودانية. أُفتتح أول مركز ثقافي إيراني في السودان في سنة 1988م في عهد حكومة رئيس الوزراء الأسبق الصادق المهدي. وتزايدت أنشطة المركز بشكل كبير عقب وصول الرئيس السابق عمر البشير إلى السلطة. في تلك الفترة، عُقدت العديد من الاتفاقيات العسكرية بين البلدين. وسمحت الخرطوم لطهران بإمدادها بمساعدات مالية بقيمة 17 مليون دولار وأسلحة صينية بقيمة 300 مليون دولار، فضلاً عن إرسال إيران 2000 فرد من الحرس الثوري الإيراني للسودان لإنشاء وتدريب "قوات الدفاع الشعبي" على غرار قوات الباسيج الإيرانية. في سنة 2009م، ظهر النفوذ الإيراني في السودان بشكل أكثر وضوحاً على المستوى الشعبي. وذلك بعدما نظم الشيعة السودانيون احتفالاً علنياً كبيراً بمناسبة ذكرى مولد الإمام المهدي.

في سبتمبر 2014م، تراجع زخم العلاقات بين البلدين، بعدما قررت السلطات السودانية إغلاق عدد من المراكز الثقافية الإيرانية في البلاد، وامهال القائمين عليها 72 ساعة لمغادرة البلاد. بعد أقل من سنتين، أعلن السودان قطع علاقاته مع إيران تضامناً مع السعودية. في هذا السياق، صرح الرئيس البشير في إحدى المقابلات الإعلامية أن "ايران سعت لترويج التشيع في السودان". بشكل عام، عملت طهران على توطيد وجودها في العديد من دول شرق أفريقيا من خلال استغلال نفوذها الديني والدبلوماسي. على سبيل المثال، يذكر الباحث سعيد الصباغ في دراسته "سياسة إيران تجاه القرن الافريقي وشرق إفريقيا" أن طهران عقدت مؤتمراً دولياً في مدينة قم في سنة 2016م. نُظم المؤتمر بالتعاون مع ما يسمى اتحاد الطلاب الأفارقة بإيران، وناقش الاستراتيجيات المختلفة لنشر المذهب الشيعي في أفريقيا، بمشاركة حوالي 200 طالب وداعية شيعي من 30 دولة أفريقية.

 

شمال أفريقيا

في عام 1993، اتهمت الجزائر إيران بتقديم الدعم السياسي والإعلامي لـ"الجبهة الإسلامية للإنقاذ". على إثر ذلك، قطعت الجزائر علاقاتها مع طهران. وطلب الجزائريون من السفير الإيراني مغادرة البلاد بشكل فوري. بعد 7 سنوات، أُعيدت العلاقات الدبلوماسية بين البلدين مرة أخرى. وتطورت بشكل كبير فيما بعد. في مارس الماضي، وقع مسؤولون من إيران والجزائر 6 اتفاقيات تعاون مشترك في مجالات مختلفة بحضور رئيسي البلدين.  جاءت تلك الاتفاقيات في مجالات النفط والغاز والعلوم والتكنولوجيا والاقتصاد القائم على المعرفة والرياضة والسياحة والإعلام.

من جهة أخرى، لم تنجح طهران في إثبات وجودها في المغرب. يرجع ذلك لسببين رئيسين، أولهما موقف طهران الداعي لنشر التشيع في المغرب، وثانيهما اعتراف طهران في سنة 1980م بجبهة البوليساريو، والتي تسعى لتحرير الصحراء الغربية مما تراه استعماراً مغربياً. في سنة 2009م، اعلنت المغرب قطع علاقتها مع طهران، وذكرت الرباط في بيانها الرسمي أن الإيرانيين مارسوا أنشطة متعددة بهدف نشر التشيع في المغرب. وأن هذه الأنشطة "تستهدف الإساءة إلى المقومات الدينية الجوهرية للمملكة والمس بالهوية الراسخة للشعب المغربي ووحدة عقيدته ومذهبه السني المالكي"، وذلك بحسب ما يذكر السيد أبو داود في كتابه "تصاعد المد الإيراني: في العالم العربي".

في سنة 2015م، عادت العلاقات بين البلدين لفترة وجيزة، قبل أن تُقطع مرة أخرى في مايو 2018م. عندما أعلن المغرب قطع علاقاته الدبلوماسية مع إيران، متهماً إياها وحليفها "حزب الله" اللبناني بدعم جبهة البوليساريو في الصحراء الغربية. في هذا السياق، ذكر عدد من التقارير المغربية أن بعض الخبراء العسكريين التابعين لحزب الله سافروا إلى الجزائر -وتحديداً لمدينة تندوف- لتأهيل قيادات من جبهة البوليساريو الانفصالية على استخدام صواريخ أرض-جو، والصواريخ المضادة للطائرات.

 

غرب أفريقيا

ارتبطت ظاهرة نشر التشيع وتمدد النفوذ الإيراني في غرب افريقيا باسم رجل الدين الشيعي النيجيري إبراهيم الزكزاكي. تأثر الزكزاكي في شبابه بأفكار الثورة الإيرانية. وفي سنة 1980م سافر إلى طهران للمرة الأولى من أجل المشاركة في الذكرى الأولى للثورة الإسلامية. وهناك، أعتنق المذهب الشيعي بشكل رسمي والتقى بالعديد من قيادات الثورة.

يذكر الباحث العراقي حيدر عبد الجليل في دراسته "دور الفكر الحسيني في نشر الإسلام المحمدي" أن الزكزاكي اُعتقل أكثر من مرة من قِبل السلطات النيجيرية في فترة الثمانينيات والتسعينيات من القرن الماضي، بسبب أنشطته الدعوية الداعية إلى نشر المذهب الشيعي في شمال نيجيريا من خلال تأسيس "الحركة الإسلامية في نيجيريا". أسس الزكزاكي عشرات المدارس الدينية الإسلامية التي تدرس المذهب الشيعي الإمامي، وأقام حسينية "بقية الله" في منطقة زاريا.  كما أسس عدة مؤسسات خيرية لتقديم الخدمات المالية والصحية والتعليمية. ومنها "مؤسسة الشهداء"، التي قامت على "رعاية أبناء الشهداء وكفالة الأيتام". و"مؤسسة الزهراء"، التي عملت على حفر الآبار وشق قنوات المياه وتخليص المسجونين ومساعدة الأرامل.

Iran's Supreme Leader Ayatollah Ali Khamenei meets with Palestinian group Hamas' top leader, Ismail Haniyeh, in Tehran
"حماس" الإخوانية وإيران الخمينية.. علاقة يعززها الإسلام السياسي
قبل أيام زار رئيس المكتب السياسي لحركة "حماس" طهران للمرة الثانية منذ السابع من أكتوبر 2023. هنية المقيم في قطر، يشكّل أحد أبرز الوجوه السياسية لـ"حماس". وزيارته إلى إيران تعيد إلى الواجهة تاريخ العلاقات بين ولاية الفقيه والإخوان المسلمين.

شهدت السنوات الماضية اندلاع العديد من المواجهات بين الجيش النيجيري من جهة، والحركة الإسلامية في نيجيريا من جهة أخرى. بدأت تلك المواجهات في يونيو 2005م، عندما نشرت نيجيريا مئات الجنود في مدينة سوكوتو الواقعة في أقصى غرب البلاد؛ على خلفية اندلاع أحداث العنف الطائفي بين السنة والشيعة التي أدت إلى مقتل 12 شخصاً. في نوفمبر 2015، استهدف تفجير انتحاري موكباً للمسلمين الشيعة قرب مدينة كانو شمالي نيجيريا وأوقع 21 قتيلاً.  وفي ديسمبر من العام نفسه اشتعلت الأوضاع في زاريا بعدما قُتل مئات المسلمين الشيعة على يد جنود الجيش النيجيري أثناء خروج بعض المظاهرات في "يوم القدس العالمي"، الذي يحتفل به الشيعة الموالون لإيران في الجمعة الأخيرة من رمضان سنوياً. شهدت تلك الأحداث تدمير منزل الزكزاكي والقبض عليه عقب إصابته بعيارات نارية، فيما قُتل ثلاثة من أبنائه، فضلاً عن نائب زعيم الحركة. في 2021م، قضت المحكمة العليا بولاية كادونا في نيجيريا بإطلاق سراح الزكزاكي بعد اعتقاله لمدة 6 سنوات، وفي يوليو من تلك السنة تم الإفراج بشكل نهائي عن الزعيم الشيعي، وخرج مرة أخرى لأنصاره.

بشكل عام، أعلن الزكزاكي في العديد من المناسبات عن ولائه الكامل للنظام الإسلامي في طهران، وعن اعتناقه نظرية الولي الفقيه، التي تجعل من "الحركة الإسلامية" في نيجيريا ذراعاً من أذرع المرشد الأعلى علي خامنئي. في أغسطس 2023م، انتقد الزكزاكي التدخل الغربي في شؤون القارة الإفريقية، وسار على نهج الثورة الإيرانية في موقفها المناهض للإمبريالية العالمية. من بين تصريحاته بهذا الخصوص، أن "أميركا وفرنسا قد تتسببان في أزمة بين نيجيريا والنيجر... من الواضح أن هذه ليست حربنا، بل حرباً بين أميركا وفرنسا". في أكتوبر من العام نفسه، سافر الزكزاكي إلى طهران للمرة الأولى عقب الإفراج عنه، وحظي باستقبال شعبي حاشد، كما التقى بالعديد من قيادات الجمهورية الإسلامية على رأسهم المرشد علي خامنئي، الذي وصف الزكزاكي بأنه "مجاهد حقيقي في سبيل الله".

من جهة أخرى، عملت إيران على استغلال العوامل الاقتصادية والتجارية لترسيخ وجودها في دول غرب أفريقيا. في مارس 2023م، نظمت إيران تجمعاً اقتصادياً مع عدد من سفراء دول غرب أفريقيا. وفي إبريل 2024م، استضافت طهران المؤتمر الاقتصادي الثاني لها مع أكثر من 40 دولة أفريقية، بهدف توسيع التعاون الاقتصادي مع الدول الأفريقية.  تسعى طهران إلى رفع حجم تجارتها مع أفريقيا إلى 12 مليار دولار، أي عشر أضعاف تجارتها الحالية التي سجلت 1.28 مليار دولار في سنة 2021م.