يكتنف الغموض تاريخ دخول المسيحية إلى الجزيرة العربية بسبب تشتت معلومات التواريخ الكنسية للطوائف المتصارعة، أريوسية، وأرثوذوكسية، ويعقوبية، ونسطورية، وغياب شبه كامل لهذا الموضوع الحيوي عن التواريخ العربية الإسلامية، التي تربط الوجود المسيحي بشخصيات غامضة سبقت ظهور الدعوة المحمدية بسنوات قليلة.
لذلك؛ فإن أي حديث عن المسيحية في الجزيرة ينبغي له الجمع والتوفيق والمقارنة بين التواريخ المسيحية المختلفة، حيث تنطوي المؤلفات البيزنطية على معلومات مهمة عن الفترة المبكرة، وتختص اليعقوبية، بفروعها الثلاثة: السريانية والحبشية والقبطية، بسرد قصة مسيحيي نجران، أما النسطورية، بالإضافة إلى حديثها العابر عن نجران، فإنها تتشعب في أوضاع مسيحيي الخليج على وجه الخصوص.
خلط بين الهند واليمن
مع أهمية الروايات البيزنطية حول الدخول المبكر للمسيحية إلى الجزيرة العربية، إلا أنها، ولسبب مفاهيمي قديم، تخلط بين "الهند البعيدة" التي تعني بها شبه الجزيرة الهندية، والهند القريبة التي تعني بها جنوبي الجزيرة العربية، وهو ما أوقع الكثير من الباحثين والدارسين على فترات تاريخية طويلة في إشكاليات بحثية، انعكست على الدراسات التاريخية المسيحية المتعلقة بهذه المنطقة الحيوية.
ويمكن القول إن المصدر الأول الذي أشار إلى التبشير بالمسيحية في جنوبي الجزيرة العربية هو المؤرخ الكنسي يوسابيوس القيصري (265 - 339م)، صاحب الكتاب المصدر "التاريخ الكنسي"، إذ عرض فيه قصة الفيلسوف المسيحي الإسكندري بنتاينوس (توفي نحو عام 211م) الذي ذهب إلى "الهنود" ووجد نسخة من إنجيل متى باللغة العبرية بين أقلية عرفت المسيح هناك.
ولولا المؤرخ الكنسي روفينوس الأكويلي، حين حدد أن بنتاينوس بشر في "الهند القريبة"، لما عرفنا أن المقصود هي الجزيرة العربية، وبذلك فإن التبشير بالمسيحية، بحسب التاريخ الكنسي البيزنطي، بدأ على يد برتلماي أحد تلاميذ المسيح الاثني عشر، وهو الذي أوصل نسخة إنجيل متى إلى "الهند القريبة"، أي جنوبي الجزيرة العربية، بحسب تأكيد آخر من المؤرخ الكنسي جيروم.
الرواية البيزنطية
يروي المؤرخ الكنسي فيلوستورجيوس (توفي نحو عام 440 م) قصة دخول المسيحية إلى مدينة نجران في منطقة تهامة أيام الإمبراطور قنسطنطينوس الثاني نجل الإمبراطور قسطنطين العظيم؛ حين أرسل إلى أهل سبأ المعروفين باسم الحميريين، بحسب تعبيره، سفارة على رأسها ثيوفيلوس الهندي إلى موطنه، فنجح في تنصير الحاكم، رغم معارضة اليهود.
ويقول فيلوستورجيوس إن شعب سبأ هذا الذي يدعى بالحميريين ينحدر من نسل إبراهيم عبر زوجته قطورة، وتعرف بلادهم باسم العربية الكبرى، أو بلاد العرب السعيدة.
ويؤكد المؤرخ الكنسي فيلوستورجيوس أن ثيوفيلوس نجح في إقناع الحاكم الحميري ببناء ثلاث كنائس، واحدة في العاصمة ظفار، والثانية في ميناء عدن، والثالثة عند مدخل مضيق هرمز، بين عمان الحالية والإمارات.
ويقول إن أهل هذه البلاد يمارسون عادة الختان، ويقدمون القرابين لإله الشمس وإله القمر وبعض الآلهة المحلية، ويضيف أن عدداً غير قليل من اليهود يعيشون بينهم.
كما يتضح من النص، فإن المؤرخين الكنسيين كانوا يستخدمون مصطلح الهنود للتعبير عن عرب جنوبي الجزيرة، وإن دل هذا على شيء فإن يدل بشكل استنتاجي إلى أن ثيوفيلوس هو من عرب الجنوب، وليس من شبه الجزيرة الهندية كما تذهب بعض الدراسات المعاصرة.
ويذهب البروفيسور عرفان شهيد، المتخصص بتاريخ المسيحية العربية، إلى أن نص فيلوستورجيوس يؤكد أن المسيحية لم تترسخ في الجزيرة العربية إلا على يد ثيوفيلوس، وأن مهمة بنتاينوس قبل قرن ونصف القرن لم تكلل بالنجاح.
غير أن الدكتور عبد العزيز رمضان، أستاذ التاريخ في جامعة عين شمس، يرى أن مهمة ثيوفيلوس جاءت بعد نحو أربعة عقود من انقسام الكنيسة إلى معسكرين متعارضين، المعسكر النيقاوي، نسبة إلى مجمع نيقية، والمعسكر الأريوسي، حيث كانت عقيدة الأباطرة في ذلك الوقت أريوسية.
وربما "كان لقرب مسيحيي جنوب الجزيرة العربية من الحبشة ومصر المتأثرتين بالنيقاوية، أثر في جعلهم أكثر موالاة للمعسكر المناوئ للإمبراطور قنسطنطيوس الأريوسي المتعصب، وربما كان ذلك أيضاً سبباً كافياً لفيلوستورجيوس أو ثيوفيلوس، وكلاهما أريوسيان، لتجنب الإشارة إليهم"، بحسب تعبير الدكتور رمضان.
رواية قبطية
يخبرنا المؤرخ القبطي يوحنا النقيوسي برواية مختلفة حول دخول المسيحية إلى جنوبي الجزيرة العربية، إذ ينسبها إلى امرأة مقدسة عذراء تدعى ثيوجونوستا، تم أسرها من دير على حدود الإمبراطورية الرومانية، واقتيادها إلى ملك اليمن وإعطائها له هدية.
ويقول النقيوسي إن هذه المرأة أصبحت ثرية جدا، وعلى يديها تم شفاء الكثيرين ونجحت في استقطاب ملك الهنود إلى الإيمان؛ فصار بفضلها مسيحياً هو وشعبه.
ويضيف أن ملك هذا الشعب طلب تعيين أسقف لشعبه فتم لهم ذلك، وعين لهم أسقفا مقدسا، يدعى ثيونيوس.
وتنطوي رواية النقيوسي على تفاصيل تتعلق بالصراع بين المعسكرين اليعقوبي والأريوسي على هذه المنطقة، وإصرار ملك الحبشة على رفض التوغل الأريوسي في بلاده.
روايتان نسطورية وحبشية
في المصادر التاريخية النسطورية نقرأ رواية مختلفة حول دخول المسيحية إلى الجزيرة العربية ترد في "حولية سعرت" الشهيرة، إذ تقول الحولية: "كان في أرض نجران باليمن، في أيام يزدجرد، تاجر معروف اسمه حنان خرج إلى القسطنطينية في تجارة. وعاد إلى بلده. ثم أراد قصد بلد فارس. واجتاز الحيرة وألف النصارى وعرف مقالتهم. فتعمد بها وأقام فيها مدة. ثم عاد إلى بلده. ودعا الناس إلى ما دخل فيه، ونصَّر أهل بيته وجماعة من أهل البلد وتلك الناحية. واتصل به قوم عاونوه على نقل أهل بلد حمير ونواحيه المقاربة لبلد الحبشة إلى النصرانية".
والحديث عن حنان هذا يؤكد أنه تلقى المسيحية على يد النساطرة في الحيرة وليس في القسطنطينية، وهو ما يرشحه لأن يكون داعية نسطوري، وليس بوصفه مدخلاً للمسيحية على وجه العموم إلى الجزيرة العربية.
وتحتفظ التواريخ الحبشية بقصة تدعى "أعمال أزقير"، تروي حكاية نشر المسيحية في نجران على يد قس حبشي يدعى أزقير، في عهد الملك الحميري شرحبيل يعقوب.
تقول القصة إن زعماء نجران غضبوا منه ومزقوا خيمته، وكسروا صليبها، واقتادوه إلى السجن، وفي السجن أذهلت معجزاته السجناء والسجانين فاعتنقوا المسيحية. وهو أمر أثار نقمة الملك الحميري فأمر باقتياده إلى العاصمة ظفار، للمثول أمامه في القصر الملكي.
وفي طريقه إلى العاصمة جرت معجزات أخرى بين يديه، أسهمت في كسب الكثيرين للإيمان المسيحي، بحسب القصة، وفي قصر الملك الحميري خاض أزقير مناظرة مع اليهود أحرجتهم وأدت لأن يطلب أحد حاخاماتهم إعادة أزقير إلى نجران وإعدامه مع أتباعه من الرجال والنساء والأطفال، وهو ما كان بحسب القصة الحبشية.
إشكالية الرواية السريانية
ثمة رواية سريانية، ترد في سيرة حياة سمعان العمودي، تتحدث عن توجه بعض المسيحيين من عرب الجنوب إلى المناطق الحدودية بين سوريا وقليقية لزيارة الراهب سمعان العمودي.
وهذا الخبر يعني فيما يعنيه وجود جماعة مسيحية في جنوبي الجزيرة العربية قبل قدوم أزقير الحبشي، بسبب تزامن قصة أزقير مع هذه القصة، وقبل قصة حيان الذي تذكره حولية سعرت.
وهي أمور تجعل الباحث يشكك في صحة أي من هذه الروايات التي تحاول فيها كل طائفة احتكار التبشير وإدخال المسيحية والإيمان المسيحي إلى الجزيرة العربية لنفسها، خصوصاً في ظل غياب آثار ووثائق تدل على أي من المزاعم السابقة، علماً أن هذه المزاعم تهدف بالدرجة الأولى إلى القول إن أتباعها هم الكنيسة الأم التي انشق عنها الآخرون، وهي قضية ظلت تشغل الطوائف المسيحية طوال العصر البيزنطي.
ولكن ما يجمع هذه الروايات أن المسيحية انتشرت في الجزيرة العربية في مطلع العصر البيزنطي، وهي فترة مبكرة لا نجد الكثير من آثارها وتأثيراتها على التاريخ العربي والإسلامي، باستثناء نجران والنجرانيين، بعكس الديانة اليهودية التي تظهر بقوة في الآثار والنقوش، وحتى في السيرة النبوية ذاتها.
