انتهى المطاف بالمنذر بن الحارث منفيا في حصن أتشي كاستيللو في صقلية. وظل هناك إلى أن توفي.
انتهى المطاف بالمنذر بن الحارث منفيا في حصن أتشي كاستيللو في صقلية. وظل هناك إلى أن توفي.

ربما كان قرار القسطنطينية بالقضاء على فيدرالية الغساسنة في سوريا، واحداً من أكثر القرارات إثارة للجدل في تاريخ الدولة البيزنطية. فبعد أن أُرسل المنذر الغساني إلى صقيلية للإقامة الجبرية، تبين أن الهدف ليس المنذر، المتهم ظلماً بخيانة الروم البيزنطيين، بل الهدف النهائي هو القضاء على هذه الدولة الفيدرالية ذات الطموحات الاستقلالية، وهو ما أثبتته طريقة التعامل مع الملك الغساني الجديد النعمان النجل الأكبر للملك المنذر، إذ سيق هو الآخر إلى صقيلية ليمضي بقية حياته إلى جانب والده في الحصن البيزنطي المقام لهما في مدينة كتانيا.

 

تمرد عام

 

بدأت قصة النعمان بعد سوق والده إلى الأسر. ونتيجة لذلك أعلن أبناؤه الأربعة الثورة على القسطنطينية، وبايعوا شقيقهم الأكبر النعمان بن المنذر الغساني، وكان أشد بأساً من والده في ساحة القتال، حسب تعبير يوحنا الآسيوي. يقول: "جمعوا جنودهم وانقضوا على حصن القائد مجنا بعد أن توجه إلى الملك، فنهبوا كل ما وجدوه بالحصن من ذهب وفضة ونحاس وحديد وملابس صوفية وقطنية وغلال وخمر وزيت، كما استولوا على قطعان الماشية كلها من أبقار وثيران وخراف وماعز، وكل ما وقع تحت أيديهم دون أن يقتلوا أحداً أو يحرقوا شيئاً".

قادت الملكة ماوية حربا شرسة ضد الرومان انتهت بتوقيع اتفاقية سلام مع الإمبراطور الروماني فالانس.
ماوية ملكة العرب "السراسين".. من تهديد بيزنطة إلى إنقاذها
لم يكم أمام الإمبراطور الروماني فالانس سوى طلب السلام. وهكذا، بعد أن فرضت ماوية شروط الحرب، فرضت أيضًا شروط السلام، ونجحت في فرض أسقف من أبناء شعبها، ومن مذهبها، ولم يكن أمام الأريوسيين سوى القبول، فعُيِّن موسى حسب الأصول كأول أسقف من العرب وللعرب.

ويضيف يوحنا الآسيوي: "ثم هاجم جنودهم القرى المحيطة، وخرجوا منها بغنائم لا حصر لها، ثم لاذوا بالبرية الداخلية وأقاموا معسكراً كبيراً. وتقاسموا الغنائم وهم متحفزون وعلى استعداد للقتال ويراقبون كل ما حولهم. وخرجوا ثانية بعد ذلك ونهبوا البلاد وساقوا الماشية ثم عادوا إلى البرية، حتى اضطرب إقليم الشرق كله الممتد إلى البحر الأبيض. وكان سكان المدن يلوذون بمدنهم ولا يتجاسرون على الظهور أمامهم. وأرسل حكام المدن وقادة الجيوش إليهم يسألونهم: لماذا تفعلون كل هذا؟ فأجابوهم بقولهم: ولماذا اقتاد الملك أبانا كالأسير بعد كل ما قام به من جهود، وحققه من انتصارات وبطولات مدافعاً عنه، ثم قطع الملك المعونات عنا ونحن لا نملك ما نقتات منه، لذا نحن مضطرون للسلب والنهب، وحسبنا أننا لا نقتل الأهلين ولا نحرق المدن".

 

تدمير بصرى

يتابع يوحنا الآسيوي: "ثم توجه أبناء المنذر وجنودهم إلى مدينة بصرى، فحاصروها وقالوا لقادتها: أعطونا سلاح أبينا ومقتنياته الملكية التي بحوزتكم، فإن لم تفعلوا سنهدم ونحرق ونقتل كل ما نجده في مدينتكم وفي كورها. فلما سمع قائد الجيش كلامهم، وكان رجلاً شهيراً خبيراً بفنون القتال، تملكته الحمية وجمع جنده وخرج لقتالهم بعد أن استهان بهم كأعراب. واصطف جنود العرب في مواجهته وتغلبوا عليه وقتلوه هو وأكثر جنده، فلما رأى أهل المدينة ذلك المشهد اضطربوا وأرسلوا إليهم قائلين: دعكم من القتال ونحن نرد لكم مالكم فخذوه بسلام واتركونا. وهكذا أخرجوا لهم مقتنيات أبيهم فأخذوها وعادوا أدراجهم صوب معسكرهم في البرية، وظلوا زمناً طويلاً ينهبون ويسلبون المدن". وعندما علم الإمبراطور البيزنطي طيباريوس بما فعل أبناء المنذر أرسل القائد مجنا لكي يقيم أحد أخوة المنذر ملكاً عليهم خلفاً لأخيه، وإذا استطاع أن يخدع أبناء المنذر أو يتملقهم فيخضعهم أو يحاربهم ثم يقبض عليهم".

 

الإعداد للمؤامرة

 

أمر الإمبراطور طيباريوس قضاة المدن والقادة بالذهاب مع القائد مجنا بصحبة جيش جرار، وهكذا خرجوا في استعراض عظيم. وفي البداية أقاموا شقيق المنذر ملكاً، ولكنه مات بعد عشرين يوماً. واختارت قبائل عرب الشام النعمان رئيساً عليها، فكتب مجنا إليه ليأتيه قائلاً: "إذا جئتني أقيمك مكان أبيك".

 

وبحسب يوحنا الآسيوي أتى النعمان بغلام وألبسه رداءه وأرسله إلى مجنا مع نفر من الجنود، فلما رآه مجنا قال له: هل أنت النعمان؟، فأجابه الغلام: نعم أنا هو النعمان، وقد أتيتك كما أمرت. وعندئذ أمر مجنا جنوده بقوله: هذا هو عدو الملك، كبلوه بالأغلال. فضحك الغلام وقال: لقد انخدعتم مثلما أردتم أن تخادعوا، وحق المسيح لست أنا النعمان. وأراد مجنا أن يقتله، أما الغلام فقال: كان ملكي سيقتلني إن لم أقدم إليك، وكان الموت مصيري لأني جئت إليك، إذا الموت راحة لي. لهذا سجنه مجنا بعد أن عذبه، ثم مات مجنا القاتل الشرير، بحسب تعبير يوحنا الآسيوي.

 

نفي آخر إلى صقيلية

 

في السنة الرابعة من حكمه مرض الإمبراطور طيباريوس (582م)، وحين شعر بدنو أجله أقام موريقيوس مكانه، وهو زوج ابنته أغوسطا، وقام بوضع التاج على رأسه بحضور مجلس الشيوخ، وبعد يومين مات. أما النعمان بن المنذر فقد تجاسر بعد ذلك وتوجه إلى الملك موريقيوس، فاستقبله الأخير بالحفاوة وأقسم له أنه إذا حارب الفرس سيعيد أباه من المنفى، وطلب منه الانضمام إلى "القوانين الإيمانية الخلقيدونية"، مذهب الدولة الرسمي، فاعتذر النعمان بقوله: "إن كل قبائل العرب تدين بالمذهب الأرثوذكسي (المونوفيسي)، فإذا تقربت إلى الخلقيدونيين قتلوني. لهذا السبب حسب تعبير يوحنا الآسيوي، زادت نيران البغضاء اشتعالاً بينهما، ولما خرج النعمان من القصر أقسم ألا يعود ثانية إلى أرض الرومان برغبته، ولهذا قبضوا عليه وهو في طريق عودته، وأرسلوه إلى أبيه المنذر في صقيلية.

 

معرة النعمان

 

ثمة نقش يوناني على لوح برونزي عثر عليه في معرة النعمان فيه نص تكريمي للنعمان، ربما يشير إلى أنه اعتقل في هذه المدينة هذا نصه ترجمته: "نعمان الأمجد والمقاتل القديس والحاكم". وهذا النص يميط اللثام عن سبب تسمية مدينة المعرة باسمها المعروف "معرة النعمان"، بعد أن ظهرت روايات عديدة تحاول تفسير هذا الاسم.

وبعد ذلك انقسمت مملكة العرب الغساسنة، إلى خمس عشرة زعامة، ودار معظمهم في فلك الفرس، ثم أخذت "الهرطقات" تنتشر بينهم، كما يقول يوحنا الآسيوي، الذي يختم قصة تعاظم مملكة العرب أتباع الروم وانهيارها عند نبأ اعتقال النعمان ونفيه.

وثمة قصيدة للنابغة الذبياني حول غياب النعمان نلمح صدى لوعة وأملا بعودته، التي ستعيد للغساسنة مجدهم الذي فقدوه. يقول النابغة:

وَإِن يَرجِعِ النُعمانُ نَفرَح وَنَبتَهِج      وَيَأتِ مَعَدّاً مُلكُها وَرَبيعُها

وَيَرجِع إِلى غَسّانَ مُلكٌ وَسُؤدُدٌ       وَتِلكَ المُنى لَو أَنَّنا نَستَطيعُها

وَإِن يَهلِكِ النُعمانُ تُعرَ مَطِيَّهُ          وَيُلقَ إِلى جَنبِ الفِناءِ قُطوعُها

وَتَنحَط حَصانٌ آخِرَ اللَيلِ نَحطَةً       تَقَضقَضُ مِنها أَو تَكادُ ضُلوعُها

عَلى إِثرِ خَيرِ الناسِ إِن كانَ هالِكاً      وَإِن كانَ في جَنبِ الفَتاةِ ضَجيعُها

 

وكان من نتيجة ذلك أن الفرس الساسانيين سيطروا عسكرياً على الشرق، ووقع الامبراطور موريقيوس على استسلامه للقوة الفارسية، وعقده صلحاً غير متكافئ مع خصوم مملكته التقليديين، وقد عادت الحرب لتندلع مجدداً بعد مقتله على يد الإمبراطور فوكاس، حيث وصلت الأمور إلى مرحلة احتلال القوات الفارسية كامل بلاد الشام (613-614م) في أيام كسرى برويز (590 - 628 م) الذي هاجم الإمبراطورية البيزنطية واستولى على مصر وفلسطين، وقطع بذلك عنها شرايين التجارة العالمية المهمة. وكان ذلك نتيجة الموقف المحايد للغساسنة من الحرب.

 

مصائر غريبة

 

بعد أن توقف يوحنا الآسيوي عن التأريخ للغساسنة بعد اعتقال ونفي المنذر وابنه النعمان إلى جزيرة صقلية، لا نجد في المصادر التاريخية شيئاً عن أحوال عرب الروم الغساسنة، باستثناء بعض الوثائق الكنسية التي تشير إحداها، وهي رسالة لبطريرك أنطاكية الأرثوذكسي (المونوفيسي) بطرس بن بولس القالينيقي المعروف ببطرس الثالث (581-591) حول خلافه مع بابا الإسكندرية دوميان، وإلى اجتماعهما في جابية الجولان بحضور عدد كبير من رجال الإكليروس، وقيام الحاكم العربي الغساني (أحد أشقاء النعمان)، بدور الوساطة بينهما في سنة 587م، حسب تاريخ الرسالة، وهو ما يؤكد استمرار الغساسنة في لعب دور محوري في تاريخ الكنيسة الأرثوذكسية (المونوفيسية).

انتهى المطاف بالمنذر بن الحارث منفيا في حصن أتشي كاستيللو في صقلية. وظل هناك إلى أن توفي.
مأساة المنذر الغساني.. أمضى حياته في خدمة الروم ومات منفياً في صقلية
كتب المنذر إلى الإمبراطور الروماني جستين الثاني (565-578م) يخبره بانتصاراته وباحتياجاته المالية لكي يعد جيشه استعداداً لهجوم انتقامي متوقع من المناذرة "عرب الفرس". لكن جستين غضب من طلب المنذر، ولعنه وتوعده بالعقاب القاسي، وأضمر في نفسه أن يقتله.

ولكن، مع ظهور التهديدات الإسلامية القادمة من الجزيرة العربية، استعانت الإمبراطورية البيزنطية بالغساسنة الملتحقين بكنيستها للوقوف في وجه المد القادم من الجنوب، فحاولت إعادة إنتاج مملكة الغساسنة الموحدة عبر الاعتراف بملكها الجديد جبلة ابن الأيهم، والذي شارك في معركة اليرموك الحاسمة. ولكن قوته العسكرية لم تكن لتتفوق على قوة خالد بن الوليد، فانهزم مع أتباعه، هو وجيوش الفيدراليات البيزنطية الأخرى، وتوجه للاستقرار في قبادوقيا وسط الأناضول، التي أقطعه الإمبراطور هرقل أراض فيها. وبحسب المؤرخين السريان وغير السريان، فإن الامبراطور البيزنطي نقفور الأول المعاصر لهارون الرشيد هو حفيده، ولذلك وصفه هارون الرشيد في الرسالة الشهيرة بـ "كلب الروم"، في دلالة على وصمه بخيانة أبناء جلدته العرب. أما حفيد الملك النعمان الغساني، حسان بن النعمان، فقد اعتنق الإسلام وقاد على رأس جيش من الغساسنة المسلمين فتوح إفريقيا في عهد عبد الملك بن مروان، وقد شكا فيما بعد سوء المعاملة، فاعتزل القيادة، وأمضى بقية حياته في بلاد الروم، وهي إشارة قد تعني عودته إلى مسيحيته.

لقد مثلت قصة صعود وسقوط مملكة الغساسنة واحدة من أكثر القصص درامية في التاريخ، إذ دفع ملوكها ثمن الخلافات العقائدية الدموية خلال الفترة البيزنطية، وعادوا ليدفعوا الثمن نتيجة وقوفهم مع البيزنطيين ضد العرب المسلمين، وثم دفعوا ثمن وقوفهم مع المسلمين ضد البيزنطيين، في زمن لم يكن للتسامح الديني أي اعتبار.

 

مواضيع ذات صلة:

صورة أرشيفية لمدينة تدمر الأثرية في سوريا- وكالات
صورة أرشيفية لمدينة تدمر الأثرية في سوريا- وكالات

تعمل منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة ("اليونسكو") على الاهتمام بالمواقع الأثرية المنتشرة في دول العالم كافة. لذلك، أعدت المنظمة ما عُرف باسم "قائمة التراث العالمي"، وهي القائمة التي تتضمن العشرات من المواقع الأثرية القديمة التي تتعاظم أهميتها بسبب تاريخها الثقافي والحضاري. 

من جهة أخرى، أعدت "اليونسكو" قائمة ثانية بعنوان "التراث العالمي المعرض للخطر". في تلك القائمة، جمعت المنظمة المواقع المُهددة بسبب النزاعات العسكرية المسلحة، والزلازل، والتلوث البيئي، والتوسّع الحضري غير المنضبط، وغير ذلك من الأسباب التي من شأنها تهديد المواقع الأثرية. في هذا السياق، أُدرجت 7 دول عربية ضمن قائمة التراث العالمي المعرض للخطر، وهي: مصر، ليبيا، الأراضي الفلسطينية، سوريا، العراق، اليمن، ولبنان. نلقي الضوء في هذا التقرير على أهم المواقع الأثرية المُعرضة للخطر في هذه الدول.

 

سوريا

تحتوي سوريا على أكبر عدد من المواقع الأثرية المُعرضة للخطر بين الدول العربية. تتمثل تلك الأخطار في الصراعات العسكرية المسلحة التي بدأت منذ سنة 2011م، ولم تنته معاركها حتى اللحظة. من أهم المواقع الأثرية المتواجدة في القائمة، موقع "مدينة حلب القديمة" في شمالي سوريا. يحتوي الموقع على العشرات من الأبنية والمساجد والمنازل والأسواق. وفي سنة 1986م أعلنت اليونسكو الموقع جزءًا من التراث العالمي.

تحتوي سوريا أيضاً على موقع "مدينة بُصْرَى التاريخية". والتي تتبع محافظة درعا، وتقع على مسافة 140 كم من دمشق. بحسب المصادر التاريخية الإسلامية، كانت بصرى عاصمة دينية وتجارية مهمة على طريق الحرير القديم. وترتبط المدينة بذكرى خاصة في الذاكرة الإسلامية بسبب الروايات التي تذكر أن النبي محمد قد مر بها في شبابه قبل البعثة. وأنه قابل فيها الراهب بحيرى النصراني. والذي تنبأ بأن هذا الشاب سوف يصبح نبي العرب الذي بشرت به الكتب القديمة.

كذلك تحتوي سوريا على موقع "مدينة دمشق القديمة"، وموقع "المدن المنسية" التي تقع ضمن الحدود الإدارية لمحافظتي حلب وإدلب. ويعود بناؤها إلى الفترة بين القرنين الأول والسابع للميلاد. وتشتهر بكاتدرائية القديس سمعان العمودي التي كانت مكاناً للحج المسيحي لقرون طويلة.

تتضمن القائمة أيضاً قلعتي الحصن وصلاح الدين. تعود الأولى لفترة الحروب الصليبية، وتقع ضمن سلاسل جبال الساحل في محافظة حمص في سوريا. أما القلعة الثانية، فتقع في مدينة اللاذقية. وتعتبر واحدة من أهم قلاع القرون الوسطى المحفوظة في العالم. في سنة 2006م، سجل اليونسكو القلعتين على لائحة التراث العالمي.

أيضاً، تحضر مدينة تدمر التاريخية في قائمة المواقع الأثرية المُعرضة للخطر. تقع المدينة في محافظة حمص في الجزء الأوسط من سوريا. ويعود تاريخها إلى العصر الحجري الحديث. اشتهرت تدمر بثرائها الذي حققته من كونها مركزاً تجارياً مهماً على طريق الحرير الشهير. في القرن الثالث الميلادي، تمكن ملوك تدمر من الاستقلال عن الحكم الفارسي. وفي عهد الملكة الشهيرة زنوبيا تأسست مملكة تدمر الشهيرة. وخاضت الحرب ضد الإمبراطورية الرومانية قبل أن تُهزم وتفقد استقلالها. في 2015م، سيطرت عناصر تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام "داعش" على موقع مدينة تدمر، وخرّبت ودمّرت الكثير من المواقع الأثرية المهمة في المدينة، قبل أن تستعيد القوات السورية سيطرتها عليها في العام 2017م.

الاعتداء على قبر معاوية يجدد المخاوف.. من يحمي الآثار السورية؟
تعرّض قبر معاوية للتدمير في أيام العباسيين، وأعيد بناؤه أكثر من مرة، بحسب الباحث السوري تيسير خلف، و"لدينا شاهدة قبر من الفترة الأيوبية- المملوكية، ويبدو انه جدّد حينذاك". والاعتداء الذي وقع عليه مؤخراً كان لفظياً ولم يتعرض القبر لأي أذى ماديّ.

العراق

في تصنيفات "اليونسكو" تقع بعض المواقع الأثرية المُهددة بالخطر في العراق. على رأس تلك المواقع "مدينة أشور القديمة". تقع المدينة على بعد 60 ميلاً جنوبي مدينة الموصل حالياً في شمال العراق. وكانت عاصمة للمملكة الأشورية التي توسعت في الألف الثاني قبل الميلاد، قبل أن تسقط على يد الميديين والبابليين في سنة 612 ق.م.

في يونيو 2014م، سيطر تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام على المدينة التاريخية. وتم تخريب بعض المواقع الأثرية قبل أن تتمكن القوات العراقية من استعادة السيطرة الكاملة على المنطقة في سبتمبر 2016م.

كذلك، تتضمن القائمة "مدينة سامراء التاريخية". تقع المدينة شرقي نهر دجلة في محافظة صلاح الدين، وتبعد 125 كيلومتر شمالي العاصمة بغداد. تتحدث المصادر التاريخية عن ظروف تأسيس وإعمار تلك المدينة في العصر العباسي. بحسب تلك المصادر، قرر الخليفة المعتصم بالله أن يبني تلك المدينة ويتخذها عاصمة لدولته بسبب كثرة الجند الأتراك في بغداد. تحكي بعض القصص أن هذا المكان كان مملوكاً لبعض الرهبان المسيحيين. وأن المعتصم اشتراه منهم بأربعة آلاف دينار. وعزم على أن يبني فيه مدينة جديدة "ونقل إليها أنواع الأشجار والغروس، واُختطت الخطط والدروب، وجدوا في بنائها، وشُيدت القصور، واُستنبطت المياه من دجله وغيرها وتسامع الناس وقصدوها، وكثرت بها المعايش"، بحسب ما يذكر شمس الدين الذهبي في كتابه "سيّر أعلام النبلاء".

حافظت سامراء على مجدها وعظمتها لما يزيد على نصف قرن. اتخذها المعتصم وخلفاؤه عاصمة لدولتهم الواسعة المترامية الأطراف. ودُفن فيها العديد من الخلفاء. كما شيّد الخليفة المتوكل سنة 245ه على أرضها المسجد المشهور بمئذنته الملوية.

بعد أن غادرها العباسيون، تعرضت سامراء للتهميش وعدم الاهتمام. قبل أن تتعرض للتخريب والتدمير إبان فترة الغزو المغولي للعراق في القرن السابع الهجري. قيل إن الناس غيروا اسمها في تلك الفترة ليصبح "ساء من رأى". وصف الرحالة المغربي الشهير ابن بطوطة الحالة المؤسفة التي أصيبت بها المدينة عند زيارته لها سنة 727ه. يقول ابن بطوطة: "...وقد استولى الخراب على هذه المدينة فلم يبق منها إلا القليل وهي معتدلة الهواء رائقة الحسن على بلائها، ودروس معالمها". في سنة 2007م، ضمت "اليونيسكو" سامراء إلى قائمة التراث العالمي.

شيد الخليفة المتوكل سنة 245ه في سامراء المسجد الجامع المشهور بمئذنته الملوية.
"عاصمة الخلفاء" و"منفى الأئمة".. قصة مدينة سامراء
تقع مدينة سامراء في وسط العراق. وتشغل أهمية كبرى في أوساط العراقيين، خاصة الشيعة في البلاد، باعتبارها المكان الذي دُفن فيه كل من الإمامين العاشر والحادي عشر علي الهادي والحسن العسكري. ما قصة هذه المدينة؟ وماذا كانت ظروف بنائها؟ وما أهم الأحداث في تاريخها؟ وما هي أسباب قداستها؟

اليمن

تتضمن القائمة ثلاثة مواقع يمنية مهمة. وجميعها مُهدد بسبب الحرب الأهلية اليمنية التي تدور منذ سنوات بين الحوثيين وقوات التحالف الذي تقوده المملكة العربية السعودية. يُعدّ موقع "معالم مملكة سبأ القديمة" هو الموقع اليمني الأول في القائمة. يقع هذا الموقع في محافظة مأرب شرق اليمن، ويضم مواقع أثرية وبقايا مستوطنات كبيرة مع المعابد والأسوار التي تعود للألف الأول قبل الميلاد. في سنة 2023م، أُدرجت تلك المعالم على قائمة التراث العالمي وضمن قائمة التراث العالمي المعرض للخطر من قِبل "اليونيسكو". الموقع الثاني هو مدينة زبيد التاريخية، والتي تبعد عن العاصمة صنعاء مسافة 233 كم تقريباً. وكانت مدينة زبيد عاصمة اليمن من القرن الثالث عشر إلى القرن الخامس عشر الميلاديين. أما الموقع الثالث، فهو مدينة صنعاء القديمة. والتي بدأت حضارتها منذ القرن الخامس قبل الميلاد. قبل أن تصبح عاصمة لمملكة سبأ في القرن الأول للميلاد. في العصر الإسلامي، صارت صنعاء واحدة من أهم الحواضر الإسلامية. وتميزت منازلها ومساجدها وأسواقها وأسوارها بطراز معماري رفيع المستوى. في سنة 1980م، تبنى "اليونيسكو" حملة دولية لحماية مدينة صنعاء القديمة والحفاظ على معالمها المعمارية. وفي سنة 2015م، أُدرجت في قائمة التراث العالمي المعرض للخطر، بعدما تعرضت بعض أحياء المدينة لقصف صاروخي من قِبل قوات التحالف.

 

 

فلسطين ومصر وليبيا ولبنان

تشهد القائمة حضور مجموعة أخرى من الدول العربية. في الأراضي الفلسطينية، يتواجد موقع "البلدة القديمة بالقدس". وهي المنطقة المُحاطة بسور سليمان القانوني. من المعروف أن البلدة تشهد أهمية كُبرى في الذاكرة الدينية الإبراهيمية. ففيها المسجد الأقصى ومسجد قبة الصخرة اللذان يحظيان بمكانة كبيرة لدى المسلمين. وكذلك كنيسة القيامة لدى المسيحيين. فضلاً عن جبل الهيكل والجدار الغربي لليهود. في سنة 1981م، قامت "اليونيسكو" بضم البلدة القديمة في القدس إلى قائمة التراث العالمي.

في مصر، يوجد موقع منطقة "أبو مينا الأثرية" والذي يقع عند الحافة الشمالية للصحراء الغربية. اكتسبت المنطقة أهميتها بسبب احتوائها على مدفن القديس مينا. ولهذا السبب كانت المنطقة أحد أهم مراكز الحج المسيحي في القرون الوسطى. حالياً، تضم المنطقة مجموعة من الآثار القبطية والكنائس والأديرة. في سنة 2001م، أصبحت المنطقة مهددة بالخطر بسبب ارتفاع منسوب المياه الجوفية والأملاح في المنطقة.

في السياق نفسه، تتواجد بعض المواقع الليبية المهمة في القائمة. ومنها على سبيل المثال المواقع الأثرية في "مدينة صبراتة" الواقعة على بعد 70 كم غربي مدينة طرابلس، والتي تحتوي على عدد كبير من الآثار الرومانية. ومدينة "لبدة الكبرى"، التي تقع على بعد 120 كم شرقي مدينة طرابلس. وكانت من أهم مدن الشمال الأفريقي في عصر الإمبراطورية الرومانية.

في لبنان، يتواجد "معرض رشيد كرامي الدولي" في طرابلس. والذي أدرجته اليونسكو في القائمة في سنة 2023م. وجاء في حيثيات اختيار اليونسكو للمعرض "أنه يُعدّ من ناحية حجمه وغنى الأنماط الهندسية فيه، أحد الأعمال المهمة التي تمثل فن العمارة الحديث في القرن العشرين بالمنطقة العربية من الشرق الأوسط". مما يُذكر أن المعرض من تصميم المهندي البرازيلي الأصل أوسكار نيماير، وأن انتهاء تشييده تزامن مع اندلاع الحرب الأهلية اللبنانية في سبعينيات القرن العشرين. ويعاني الموقع من الإهمال ونقص الموارد المالية اللازمة لصيانته.