صورة عن صفحة مايكل دانتي

أعلن البروفسور مايكل دانتي، مدير برنامج تثبيت التراث العراقي في جامعة بنسلفانيا، أمس على صفحته في موقع التواصل الاجتماعي "فيسبوك" أن البعثة الأميركية العراقية المشتركة اكتشفت بلاطة باب عليها كتابة آشورية محفوظة جيداً تعود لقصر الملك الآشوري أدد نيراري الثالث (811 - 783 ق.م) في نمرود.

وأوضح دانتي أن الاكتشاف الجديد يقع في منطقة الغرف العليا التي نقب فيها الدبلوماسي وعالم الآثار البريطاني أوستن هنري لايارد (1817 -1894 م) في منتصف القرن التاسع عشر، حيث يقوم الفريق الحالي بالتوسع في المنطقة المنقبة سابقاً، والتي عثر فيها لايارد على بلاطة بوابة مماثلة نقلت إلى المتحف البريطاني.

ومن خلال النظرة الأولى للنقوش المحفورة على درفة البوابة الحجرية يتضح أنها نسخة مكررة للبوابة الموجودة في المتحف البريطاني، وتذكر اسم الملك أدد نيراري وألقابه ومنجزاته.

ابن سميراميس

يعد أدد- نيراري الثالث واحدا من أعظم ملوك الدولة الآشورية الحديثة، أصبح ملكاً خلفاً لوالده شمشي أدد الخامس حين كان طفلا، فأصبحت والدته شامورامات، المعروفة في المصادر الإغريقية باسم سميراميس، وصية عليه لمدة خمس سنوات وجهت فيها عدداً من الحملات طالت بعض الشعوب الواقعة شمالي وشمالي غربي آشور.

ويشتهر أدد نيراري الثالث بحملاته التي وجهها إلى مناطق غربي الفرات (بلاد الشام الحالية) بعد أن توقفت في عهد والده شمشي أدد الخامس الذي كان مشغولاً بمشاكله الداخلية، وتشبه حملاته حملات جده شلمنصر الثالث (حكم من 858 إلى 823 ق.م) على بلاد الشام حيث اشتهرت له في التاريخ "معركة قرقر" الشهيرة التي ضمت تحالفاً لممالك بلاد الشام ضده، حيث ورد في مسلته المعروفة باسم "مسلة كورح" أول ذكر للعرب في التاريخ.   

وجه أدد- نيراري الثالث عدة حملات إلى غربي الفرات، مذكورة في كتابة بوابة قصره الذي يتم التنقيب به حالياً. وسبب هذه الحملات ثروات المنطقة التي كانت المملكة الآشورية بأمس الحاجة إليها. فبالإضافة إلى العبيد الذين كانوا يستخدمون في الأعمال المنهكة والمشدات الضخمة، كانت آشور بحاجة إلى الأخشاب والمعادن المطلوبة في أعمال البناء، بالإضافة إلى الجزية التي كانت تدعم خزينة الدولة الآشورية الحديثة.

غزو الشام

ويرد في كتابة أدد نيراري الثالث المحفوظة في المتحف البريطاني أنه بعد أن عبر الفرات أخضع بلاد حاتي عمورو وصور وصيدا وأدوم وبلاد الفلستيين إلى أن وصل إلى بحر غروب الشمس (البحر الأبيض المتوسط) وأنه فرض الجزية على هذه الممالك. ومن هناك، سار إلى دمشق وحاصرها وأن ملكها بسبب خوفه وهبته من الإله آشور خرّ راكعاً عند قدمي أدد نيراري، وخضع له.

ويقول إنه استولى على ألفين وثلاثمئة وزنة فضة، وعشرين وزنة ذهب، وثلاثة آلاف وزنة برونز، وخمسة لآلاف وزنة حديد، وأيضاً على ألبسة ونسيج ملون، وكتان، وسرير من العاج، وأريكة راحة من العاج المحاط المزين بالنقوش.

ويرد في المسلة المذكورة أنه هاجم بيت أغوشي، وعاصمتها أرفاد، وهي تل رفعت الحالية شمالي حلب، وكان ملكها آنذاك أترشمكي، وأنه ساهم في حل خلاف حدودي بين زكور ملك حماة، وأترشمكي ملك أرفاد.

 وفي مسلة بازرجيك، يذكر أدد نيراري الثالث أن أمه شامورامات رافقته في إحدى الحملات على غربي الفرات لمساندة ملك كوموه (جنوبي ملاطية في التركيا الحالية)، في مواجهة تحالف برئاسة أترشمكي ملك أرفاد، وأنهما حضرا بعد الانتصار ترسيم الحدود بين مملكتي كوموه المذكورة، ومملكة جرجوم (قرب مرعش في تركيا الحالية).

وفي مسلة سبعة ومسلة تل الرماح التي عثر عليها في جبل سنجار يذكر أدد نيراري الثالث أنه كلف واليه نرجال إيرش بحكم الرصافة الواقعة بين تدمر والرقة.

بوابة مشكي

وقبل أيام أعلن البروفيسور دانتي أن فريقه وصل إلى أرضية بوابة مشكي في قصر الملك الآشوري أسر حدون التي سبق لتنظيم "داعش" أن دمرها. ويبدو أن الهدف من هذه التنقيبات هو محاولة الوصول إلى معلومات جديدة عن مدى مقاومة أسسها وجدرانها في حال تمت إعادة بنائها من جديد، علماً أن التنقيبات في مشكي توقفت في سبعينات القرن العشرين.

وهذه البوابة شهدت تنقيبات غير شرعية نفذها تنظيم "داعش" على مدى ثلاث سنوات، وقد أفاد أكاديميون عراقيون أنه كان يشرف على هذه التنقيبات آثاري يلقبونه بلقب "مسيو"، حيث توقفت تنقيبات "داعش" في أنفاق مسجد النبي يونس الواقع ضمن قصر أسر حدون (توفي عام 669 قبل الميلاد) وابنه سنحاريب (حكم من 722 إلى 705 ق.م) بعد تدميره بحجة وجود ضريح فيه، قبل تحرير الموصل بشهر واحد.

فجر تنظيم داعش مسجد النبي يونس في 24 يوليو 2014، أي بعد شهر فقط من احتلاله للموصل  في يونيو 2014.
تل التوبة..الناجي من بطش داعش يثري العالم بمكتشفات تُرى للمرة الأولى
من هذه الآثار، أربعة ثيران مجنحة كبيرة متضررة، وتحتاج إلى عناية خاصة، وثلاثة ثيران مجنحة أصغر حجما. بعض هذه الثيران يتم رصفها على شكل مكعبات ليتكون منها الثور المجنح، وهي طريقة جديدة لم يتم التعرف على مثيل لها سابقا.

وقد أشارت الوثائق التي اكتشفت في الرقة وحلب العائدة لتنظيم "داعش" إلى طلبات مقدمة إلى ما يسمى "ديوان الركاز" للحصول على إجازات تنقيب في تل النبي يونس وغيرها من مواقع أثرية.

وبوابة مشكي هي واحدة من أهم المعالم التاريخية في العراق، بنيت حوالي العام 700 قبل الميلاد، حين نقل سنحاريب العاصمة الآشورية إلى نينوى وأطلق عليها اسم "بوابة مشكي"، التي تعني "باب الإله".

وحين بدأ "برنامج تثبيت التراث العراقي" العمل على إعادة بناء البوابة، ذكر دانتي أنهم اكتشفوا ما وصفه بأنه اكتشاف نادر إلى درجة لا يمكن تصوّرها، يمثل سبعة ألواح من الرخام المزين بزخارف ورسوم تصوّر جنوداً آشوريين يطلقون سهاماً، وأشجار نخيل، ورمّان، وتين، تعود جميعها إلى قصر سنحاريب، مدفونة تحت أنقاض البوابة.

وتحظى هذه التنقيبات بدعم منظمة أليف الفرنسية السويسرية، وبالتعاون بين برنامج تثبيت التراث العراقي في جامعة بنسلفانيا برئاسة البروفيسور دانتي، والمتحف البريطاني بعضوية البروفيسور جون ماكغانيس ومارك الطويل، ومشاركة آثاريي مفتشية آثار وتراث نينوى في الموصل.

مواضيع ذات صلة:

صورة من جزيرة سقطرى اليمنية حيث يتكلم أهلها اللغة السقطرية- تعبيرية
صورة من جزيرة سقطرى اليمنية حيث يتكلم أهلها اللغة السقطرية- تعبيرية

في بدايات القرن السابع الميلادي، فتح المسلمون جميع أنحاء شبه الجزيرة العربية. بعدها، وبشكل متدرج، استطاعت اللغة العربية الحجازية الشمالية -المُستخدمة في قبيلة قريش- أن تفرض نفسها في المناطق العربية الجنوبية.

 بعد قرون، انعزلت اللهجات اليمنية الجنوبية واقتصر استعمالها على بعض الشعوب. وصارت هناك فوارق واسعة بينها وبين اللغة العربية التقليدية، حتى اعتبرها بعض علماء اللغة مستقلة عن العربية. وفي ذلك شاع قول بعض اللغوين "ما لسان حِمير -اللهجة اليمنية- بلساننا ولا عربيتهم بعربيتنا".

رغم ذلك، بقيت بعض اللغات اليمنية القديمة حاضرة في جنوبي شبه الجزيرة العربية حتى الآن، لكنها مهددة بالاندثار، فيما تحاول العديد من المؤسسات المعنية بإنقاذها. فماذا نعرف عن هذه اللغات؟

اللغة المهرية

تُنسب إلى قبيلة المهرة التي سكنت شرقي اليمن منذ قرون طويلة، واعتاد النسابون أن يرجعوا أصلها إلى مهرة بن حيدان بن عمرو بن لحاف بن قضاعة. 

تُعدّ المهرية واحدة من أقسام اللغات العربية الجنوبية الشرقية الحديثة، ويعتبرها معظم الباحثين لغة سامية بدائية فيما يرى آخرون أنها امتداد للغة الأكدية العراقية القديمة.

تنتشر حاليا في شرق اليمن وسلطنة عمان والكويت والإمارات والسعودية. كما تتواجد بشكل أقل في بعض بلدان شرق أفريقيا كتنزانيا وكينيا. ويزيد عدد المتحدثين بها عن 200 ألف شخص.

تُعدّ المهرية من اللغات غير المكتوبة، أي أن متحدثيها يتوارثونها شفوياً، وتتكون من حروف اللغة العربية الـ28، بالإضافة إلى خمسة حروف أخرى.

في كتابه "مهرة في مصادر اللغة والأدب"، يذكر الباحث عامر بلحاف العديد من الألفاظ المهرية التي وردت في المعاجم والقواميس اللغوية العربية التراثية.

 من تلك الألفاظ كلمة "الزفن" التي تحمل معنى الرقص، وجاءت تلك الكلمة بهذا المعنى في بعض الروايات والأحاديث المنسوبة للنبي. على سبيل المثال ذكر البخاري في "صحيحه" عن عائشة خبر قدوم وفد الحبشة إلى المدينة، وفيه: "فجعلوا يزفنون" أي يرقصون. 

من الأمثلة الأخرى كلمة "بربور" بمعنى ثرثار كثير الحديث، وكلمة "حوور" وهو اللون الأسود، وكلمة "كركر" بمعنى ضحك وقهقه.

 يشير بلحاف إلى أن الكثير من اللغوين العرب القدامى أوضحوا في كتاباتهم أن اللغة المهرية لغة خاصة، مختلفة عن اللغة العربية التقليدية. لكنهم ذكروا أن المهرية لغة متروكة و"مرغوب عنها"، الأمر الذي يشهد على غلبة اللهجات العربية الشمالية على شبه الجزيرة العربية بعد الإسلام.

السقطرية

تُنسب تلك اللغة إلى سقطرى، وهي أرخبيل يمني يتبع إقليم حضرموت ويتكون من ست جزر على المحيط الهندي قبالة سواحل القرن الأفريقي. يشيع استخدام السقطرية داخل الجزر التابعة للأرخبيل، وتتميز بوجود بعض الحروف المختلفة عن العديد من اللغات السامية، منها "الشين الجانبية"، و"اللام الجانبية". 

بشكل عام، هناك أربع مجموعات من اللهجات السقطرية، وهي اللهجات المحكية في الساحل الشمالي، واللهجات المحكية في الساحل الجنوبي، واللهجات التي يتحدث بها البدو في الجبال في وسط الجزيرة، واللهجة التي يتحدث بها أهالي جزيرة عبد الكوري.

في العقود الماضية، بُذلت العديد من المحاولات لدراسة السقطرية وتدوين نصوصها الأدبية بهدف الحفاظ عليها. 

بدأت تلك المحاولات في أواخر القرن التاسع عشر الميلادي، عندما زار المستشرق النمساوي دافيد هاينريش مُولَّر أرخبيل سقطرى، وعمل على تدوين وتسجيل بعض مفردات اللغة السقطرية. 

في سنة 2014، تم تطوير نظام كتابة اللغة السقطرية على يد فريق روسي بقيادة الدكتور فيتالي نومكين. عكف الفريق على دراسة هذه اللغة لمدة خمس سنوات كاملة، وبعدها نشر النظام الكتابي المُقترح في كتاب بعنوان "مجموعة الأدب الشفوي السقطري".

 في أكتوبر 2017، حاولت الحكومة اليمنية المشاركة في إحياء اللغة السقطرية، وذلك عندما وجه رئيس الوزراء اليمني السابق أحمد عبيد بن دغر، وزارة الثقافة، لإنشاء مركز اللغة المهرية والسقطرية للدراسات والبحوث، إلا أن تلك التوجيهات لم تطبق على أرض الواقع بسبب أحداث الحرب الأهلية اليمنية.

يُعدّ مشروع حماية الأدب الشعبي في سقطرى المدعوم من قِبل الحكومة الألمانية ومعهد "جوته"، آخر المحاولات الداعمة للغة السقطرية. استهدف المشروع حماية الأدب الشعبي في جزيرة سقطرى من خلال "جمعه ومراجعته وتوثيقه وإتاحته باللغة السقطرية ثم اللغة العربية والإنجليزية. ثم العمل على الترويج له من خلال منصات إعلامية وثقافية وأكاديمية متنوعة...". 

تمكن فريق العمل من نشر كتاب "تُوْتِيَتَنْ دِ سَاقَطْرِيْ" أو "حكايات من التراث الشعبي في سقطرى"، كما طور المشروع أداة إلكترونية يمكن من خلالها تحويل اللغة السقطرية المكتوبة بالحروف العربية إلى حروف لاتينية.

A Kurdish woman dances with others during the Newroz celebrations marking the start of spring in Istanbul, Turkey, Sunday,…
منها الآرامية والأمازيغية والكردية.. جولة على لغات الأقليات في الدول العربية
"لا يجوز، في الدول التي توجد فيها أقليات اثنية أو دينية أو لغوية، أن يُحرم الأشخاص المنتسبون إلى الأقليات المذكورة من حق التمتع بثقافتهم الخاصة أو المجاهرة بدينهم وإقامة شعائره أو استخدام لغتهم، بالاشتراك مع الأعضاء الآخرين في جماعتهم"، هذا ما تنص عليه المادة رقم 27 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية. ومن هنا، تبدو اللغات التي تتحدث بها الأقليات العرقية ، أساساً لحريتها وخصوصيتها. فما هي أبرز اللغات التي تتحدث بها الأقليات في الدول العربية؟

الشحرية

تُعدّ الشحرية واحدة من اللغات السامية القديمة، وتُنسب إلى قبائل الشحرى التي تسكن محافظة ظفار في سلطنة عمان. وتًعرف أيضاً باللغة الجبالية، بسبب انتشارها في بعض أنحاء الريف.

توجد العديد من اللهجات للغة الشحرية، وجميعها تُنطق ولا تُكتب. وعلى عكس العديد من اللغات الشفوية المعروفة، تستند الشحرية إلى مجموعة من القواعد والأسس اللغوية. من ذلك أن لها ضمائر منفصلة وأسماء إشارة مفصلة للذكر والأنثى والمفرد والمثنى والجمع. كما أن الشحرية تحتوي على كل حروف اللغة العربية ما عدا حروف "ص، ق، ض"، هذا بالإضافة إلى 8 حروف أخرى خاصة بها.

من الخصائص المميزة للشحرية أنه يتم عكس بعض الكلمات العربية لتعطي نفس المعنى باللغة الشحرية. على سبيل المثال، يتم قلب كلمة "قتل" باللغة العربية لتصبح كلمة "لتق" باللغة الشحرية. أيضاً تتميز اللغة الشحرية بظاهرة الشنشنة وهي قلب كاف الخطاب للأنثى شيناً.

من النقاط المثيرة للاهتمام، أن هناك تشابهاً واضحاً بين اللغة الشحرية واللغة الأمازيغية المنتشرة في شمالي غرب أفريقيا، حتى ذهب العديد من المؤرخين والباحثين إلى وجود أصل مشترك بين أهل ظفار والأمازيغ. من هؤلاء الرحالة المغربي الشهير ابن بطوطة الذي زار ظفار في القرن الثامن الهجري وأشار إلى الشبه بين الظفاريين وأهل المغرب.

في العقود الأخيرة، اهتم العديد من الباحثين بدراسة اللغة الشحرية الذين أصدروا مؤلفات عدة في المجال، مثل كتاب "لسان ظفار الحميري" لمحمد بن سالم المعشني، وكتاب "لهجة مهرة وآدابها" لعلي محسن آل حفيظ، وكتاب "لغة عاد" لعلي أحمد محاش الشحري.

 

الخولانية

هي إحدى اللغات السامية القديمة وأخذت اسمها من قبائل خولان، المنسوبة إلى خولان بن عامر. تنتشر تلك اللغة بين القاطنين في جنوبي غرب المملكة العربية السعودية وشمالي اليمن.

توجد العديد من اللهجات لتلك اللغة، ومنها لهجة بني مالك، ولهجة الريث، ولهجة العبادل. أما أشهر لهجات الخولانية فهي اللهجة الفيفية المنتشرة في محافظة فيفا السعودية الجبلية.

من جهة أخرى، توجد العديد من القواعد المعروفة للغة الخولانية. منها استخدام أداة التعريف "أم" بدلاً من أداة التعريف "أل" المُستخدمة بشكل اعتيادي في اللغة العربية.

 توجد بعض الروايات التي تذكر أن الرسول محمد استخدم "أم" عند حديثه مع بعض القبائل اليمنية القديمة. على سبيل المثال، جاء في مسند أحمد بن حنبل أن "النبي نهى بعض اليمنيين عن الصيام في السفر، فقال لهم (ليس من امبر امصيام في امسفر".