تقلد أحيقار منصب وزير للملك الآشوي سنحارب وأبنه الملك أسرحدون.
تقلد أحيقار منصب وزير pleaseللملك الآشوي سنحارب وأبنه الملك أسرحدون.

في مقدمة كتابه "أحيقار": حكيم من الشرق الأدنى القديم، يسرد دكتور الفلسفة واللغات السامية، أنيس فريحة (1903-1993)، المرّة الأولى التي سَمع فيها الاسم. يقول: "كانت أمي ترسلني في أيام الانقطاع عن المدرسة بسبب العواصف الثلجية إلى عِليّة امرأة عجوز، اسمها هليّون، تقص الحكايات على الأطفال، ومنها سمعت قصّص وزير ملك آشور، أحيقار الحكيم، الذي كان يحل الأحاجي، ويحسن الإجابة، ويتقبل التحدّي ويخرج دوماً منتصراً ظافراً".

بعدها بنحو 20 عاماً، سَمع فريحة الاسم مجدداً عندما قرأ المؤرخ والمستشرق الألماني، إينو ليتمان، على طلابه نفس القصص التي تقصها العجوز على أطفال القرية، مستعينا بصور فوتوغرافية لأوراق بردي عثر عليها في مصر.

آثار عراقية
تحت رمال الصحراء.. آثار العراق مهددة بالهدم والاندثار
حملت زيارة البابا فرنسيس التاريخية للعراق الأمل في أن تفتح الباب أمام توافد أفواج من السياح لزيارة معالمه الأثرية وبينها الأقيصر، وهي من أقدم كنائس العالم، إلا أن التغيّر البيئي والإهمال في بلد لا يكاد يخرج من أزمة حتى يدخل في غيرها، يجعلان هذه الكنوز عرضةً للضياع.

فكنيسة الأقيصر التي تعود إلى أكثر من 1500 سنة وتقع في صحراء قضاء

بين المعرفة التي اكتسبتها العجوز وتلك التي درسها المؤرخ، يتكشف جانب مثير في حضور هذه الشخصية التاريخية التي استوطنت الثقافة الشعبية على شكل حكايات وحكم وأمثال جرت على ألسنة الناس، وتردد ذكرها في العديد من الكتب المقدسة، وكتب الأدب، قبل آلاف السنين من تحوله إلى مادة بحثيه لعلماء الآثار.

تعرف علماء الآثار على أحيقار بين الأعوام 1906و 1908، بعد أن عُثر في جزيرة إلفنتين الواقعة في مدينة أسوان المصرية على إحدى عشرة ورقة من البردي، يقع زمن كتابتها بين 550– 450 قبل الميلاد، دُوّنت عليها حكم ونصائح أحيقار. وتشير الدراسات إلى أن البردي دوّنت من قبل خطّاط آرمي بعد نحو قرن ونصف على وفاة أحيقار.

تعتبر كتابات أحيقار المصاغة بعبارات موجزة وبليغة، من أقدم كتب الحكمة في التاريخ ونموذجاً للأدب المستمد من المفهوم الأخلاقي للحياة.

 

"أحيقار".. رحلة الصعود والخيانة

 

أصل كلمة أحيقار في الآشورية هي "اخ و – وقار"، ويبيّن دكتور التاريخ القديم، محمد القيسي، في بحثه المنشور تحت عنون: "أحيقار الحكيم: قراءة جديدة في ضوء علم الآثار والكتاب المقدس"، أن الاسم تسمى به العديد من الموظفين الآشوريين والبابليين، وهو مكون من كلمتين ويعني "أخي الموقر أو المحترم".

ترجح الروايات التاريخية أن أحيقار عاش في القرن السابع عشر قبل الميلاد، ويستدل على ذلك بكون كان وزيراً للملك الآشوري سنحاريب، الذي خلف أباه سرجون الثاني في عام 704 قبل الميلاد، وواصل المهمة مع ابنه أسرحدون، بعد اغتيال سنحاريب على يد أبنائه في العام 681 قبل الميلاد.

رسخ أحيقار نفسه وزيراً بالغ الذكاء والفطنة، ليصبح كاتب الملك سنحاريب وحامل أختامه، ويبرز صاحب الرأي السديد في التعامل مع ما يحيط بالدولة من أخطار.

النفوذ والثروة التي وصل إليها "الحكيم"، عكرها عدم إنجابه. تتضح الأثار النفسية لعدم الإنجاب في كتاباته. يقول: "الثروة التي كنت أملكها أعظم مما يستطيع المرء وصفه، ثم إني تزوجت ستين امرأة وبنيت لهن ستين قصراً، ولكني لم أرزق ولداً (..) أيها الرب عندما أموت بلا ابن ماذا سيقول الناس عني؟ سيقولون: أهذا هو، إذن، أحيقار العادل الصادق خادم الله يموت ولا يترك ابناً يتولى دفنه، وهذه مقتنياته لا يرثها إنسان من بعده كأنه رجل حلّت عليه اللعنة".

اتخذ أحيقار " نادان" أبن اخته ولداً له، رعاه في طفولته، وعندما بلغ أشدّه علمه ما في الكتب ولقنه الحكمة. ويقول أحيقار: "اتخذت نادان ولداً بأمر من الله".

قدم أحيقار – ابنه- نادان إلى الملك سنحاربب، الذي أعجب بذكائه وحكمته، وقرر أن يجعله خليفة لأحيقار بعد وفاته. غير أن نادان أفتتن بقربه من الملك، وراح يستعجل التخلص من معلمه عبر الاعتداء على أملاكه، والتقليل من قيمته، والادعاء بأنه كبر وفارقته الحكمة، وصولاً إلى إرسال رسائل مزوّرة إلى أعداء الملك في بلاد فارس ومصر تعرض عليهم المساعدة في احتلال آشور دون حرب.

انطلت مكائد نادان على الملك سنحاربب، الذي أمر بقتل أحيقار وفصل رأسه عن جسده، لكن "الحكيم" نجا بعد أن ردّ جلاد الملك جميلاً قديماً لأحيقار، وامتنع عن قتله وقتل مكانه سجيناً محكوماً بالإعدام، لعيش أحيقار مخفياً في سرداب مظلم يتجرع المرارة.

 

من آشور إلى مصر

 

يفترض أن يعثر على كتابات أحيقار في العراق، مهد الحضارة الآشورية التي تقلد أحيقار في إحدى حقبها موقعاً مرموقاً، لكن روايات كثيرة تفسر العثور عليها في مصر.

واحدة منها زيارة أحيقار إلى مصر بعد انكشاف مؤامرة نادان. فعندما علم فرعون مصر بمقتل أحيقار المفترض قرّر تحدي الملك سنحاريب ببناء قصر بين السماء والأرض، طالباً من ملك آشور إرسال رجل يساعده على إتمام بناء القصر مقابل منح آشور غلال مصر ثلاث سنوات في حال النجاح، وفي حال الفشل تحصل مصر على غلال آشور لمدّة ثلاث سنوات.

عندما عرض سنحاربب على النبلاء والحكماء الأمر أشاروا عليه بنادان على اعتباره "الوحيد الذي استوعب كتب أحيقار وتعلم حكمته"، وبعد أن أقرّ نادان بعجزه، قائلاً " أن الآلهة نفسها لا تستطيع أن تفعل أموراً كهذه"، كشف جلاد الملك كيف أبقى على حياة أحيقار، وأنه لم يقتله.

وهنا تأتي القصة المشهورة التي سمعها الدكتور أنيس فريحة من العجوز. ذهب أحيقار إلى مصر حاملاً معه فرخي نسر ربطهما بحبال وأركب عليهما صبيين وما إن طارا حتى نادوا " هاتوا الطين والملاط والقرميد واللبّن للبنائين العاطلين عن العمل".

انتصر أحيقار على فرعون مصر، وعاد إلى آشور بغلال مصر لثلاث سنوات، بعد أن نَال حفاوة كبيرة هناك، ورد إليه اعتباره في آشور وأعدم -ابنه- نادان.

 ويفسر مؤرخون العثور على كتابات أحيقار في مصر بتلك الحادثة والتي تعرف من خلالها المصريون القدماء على حكمه ودوّنوها، فيما يذهب آخرون إلى أنها كتبت في آشور ومنها انتقلت إلى مصر.

 

الكتب المقدسة ولقمان الحكيم

 

تركت حكم أحيقار أثراً بالغاً في العديد من أسفار العهد القديم المدونة بالعبرية والآرامية، إضافة إلى كتب الحكمة وهي سفري يوشع بن سيراخ وطوبيا، كما تبين دراسة مقارنة صادرة عن كلية اللغات في جامعة بغداد، بعنوان: " قصة أحيقار الحكيم والنبي دنيال".

وبحسب الدراسة فإن قصة أحيقار الحكم تتقاطع بشكل كبير مع قصة النبي دنيال، أحد الأنبياء الأربعة الكبار في التراث اليهودي، والذي اقتيد في السبي البابلي الذي أتى بأمر من نبوخذ نصر، وتربى في بلاط الملك الوثني واشتهر حكيماً يحسن كل الفنون والمعارف دون أن يضر بأمانته الدينية.

وتورد الدراسة المقارنة العديد من العبارات والتشابيه المتقاربة التي استخدمها أحيقار ودانيال، فاستخدما نفس العبارة في تحية الملك "أيها الملك عش للأبد"، وتطابق القصة بعمل البر والالتقاء عند نقطة واحدة وهي نجاة كل منهما من المحنة.

كذلك ترد قصة أحيقار في سفر طوبيا، ويذهب مؤرخون لاعتبار سفر طوبيا هو قصة أحيقار اليهودية، وما يعزز هذا الاتجاه التشابه الكبير في تعاليم أحيقار لابن أخته نادان، ونصائح طوبيا لابنه، واتفاقهما في اللفظ في كثير من الأحيان. كذلك تشابهت وتطابقت حكم أحيقار مع ما جاء في سفر يوشع بن سيراخ في نحو 14 موقعاً، إضافة إلى تشابه بين قصة نادان مع ماورد في إنجيل متى وفي إنجيل لوقا مع مثل العبد الشرير الذي ضربه السيد المسيح لتلاميذه، كما يورد أنيس فريحة في كتابه.

وفي التراث الإسلام جرى الربط بين شخصية أحيقار ولقمان الحكيم الذي ورد ذكره في القرآن، ربط عززه التزام الشخصيتين بتوجيه الحكم والنصائح إلى ابنيهما بذات الصيغة التي تبدأ بـ " يا بني"، إضافة للتطابق العديد من الموضوعات والألفاظ.

لكن هذا الربط ينفيه بحث الدكتور محمد القيسي، استناداً إلى الفترات الزمنية التي عاشا فيها. وفيما تؤكد الدلائل الأثرية أن أحيقار عاش في القرن السابع قبل الميلاد، تتعدد الآراء حول الفترة الزمنية التي عاش فيها لقمان، ولكن بالاعتماد على المصادر التي تؤكد أنه كان قاضياً في بني إسرائيل، يرجح أنه عاش في القرنين الثالث والثاني عشر قبل الميلاد.

 

أحيقار في الموروث الشعبي 

المتتبع للأمثال الشعبية الدارجة في بلاد الشام، يجد تقارباً يصل حد التطابق مع حكم أحيقار.

ومن الأمثلة على ذلك، تقارب حكمته التي تقول " يا بُنيّ.. ما لا تجمعه اليد لا تشفق عليه العين" مع المثل الدراج "اللي ما بتتعب فيه الأيادي ما بتشفق عليه القلوب"، وقوله "يا بُنيّ، لا تتدخّل في زواج امرأة، فإنّه إذا شقيت (في زواجها) لعنتك، وإذا سعدت وسرّت ونجحت فإنها لن تذكرك"، وهو ما يطابق المثل المشهور "اسعَ في جنازة ولا تسعَ في جوازة"، ومن ذلك قوله مخاطباً ابنه " إن عين الإنسان كنبع ماء، لا تشبع من المال حتى تمتلئ تراباً" والذي يطابق المثل الشعبي "ما يملى عين ابن آدم إلا التراب"، وحكمته القائلة "يا بُنيّ، لقد كنت لي أشبه بقدر رُكِب له مقبضان من ذهب ولكن أسفلهما لم ينظف من السخام" وهو ما يقارب المثل الدراج " من برّا رخام ومن جوّا سخام".

 

مواضيع ذات صلة:

يتوجه ملايين الزوار الشيعة من شتى أنحاء العالم صوب كربلاء في شهر صفر من كل عام لإحياء أربعينية الحسين بن علي بن أبي طالب.
يتوجه ملايين الزوار الشيعة من شتى أنحاء العالم صوب كربلاء في شهر صفر من كل عام لإحياء أربعينية الحسين بن علي بن أبي طالب.

يتوجه ملايين الشيعة من شتى أنحاء العراق وإيران والبحرين والكويت ولبنان وباكستان صوب كربلاء في شهر صفر من كل عام. تقصد تلك الحشود المدينة العراقية المقدسة لإحياء أربعينية الإمام الحسين بن علي بن أبي طالب، الذي قُتل في موقعة عاشوراء في العاشر من محرم سنة 61 هـ.

تُعرف تلك المسيرة باسم "الـمَشَّايَة" لأن الملايين من زوار الحسين يمشون فيها على أقدامهم، ويقطعون مسافات كبيرة للوصول إلى كربلاء. ما هي تلك المسيرة؟ ماذا عن جذورها التاريخية؟ وما هي مكانتها في طقوس الأربعين؟ وكيف ارتبطت ببعض الأحداث السياسية؟

 

 الجذور التاريخية لزيارة الحسين

 

تذكر المصادر الروائية الشيعية أن السيدة زينب بنت علي وابن أخيها علي زين العابدين (الإمام الرابع) توجها إلى كربلاء بعد أربعين يوماً من مقتل الحسين، وقابلا هناك الصحابي جابر بن عبد الله فزاروا جميعاً قبر الحسين. واستنوا بذلك السنة التي ستظل قائمة حتى اليوم.

وبحسب ما يذكر ابن طاووس الحلي في كتابه "اللهوف في قتلى الطفوف" فإن الخليفة الأموي يزيد بن معاوية بن أبي سفيان أمر برد السبايا والأسارى من الشام إلى المدينة في الحجاز، ومعهم رأس الحسين بن علي. لمّا بلغ الركب أرض العراق قالت السيدة زينب للدليل: مر بنا على طريق كربلاء، فمضى بهم حتّى أشرفوا على مكان المعركة. وكان الصحابي جابر بن عبد الله الأنصاري، وجماعة من بني هاشم، قد وردوا العراق لزيارة قبر الحسين. فالتقى هؤلاء جميعاً مع بعضهم البعض وزاروا قبر الحسين بعد أربعين يوماً من مقتله. صادف هذا اليوم العشرين من شهر صفر. وسُمي في الثقافة العراقية باسم يوم "مرد الرأس" لاعتقاد الشيعة برجوع رأس الحسين بن علي من الشام إلى العراق ودفنه مع الجسد في كربلاء.

بحسب ما يذكر محمد علي الطباطبائي في كتابه "رجوع الركب بعد الكرب"، فإن الشيعة منذ ذلك التاريخ قاموا بتنظيم الزيارة لضريح الحسين بشكل فردي طوال زمني الدولة الأموية والدولة العباسية. وفي القرن الرابع الهجري، تحولت الزيارة إلى طقس جماعي مُعترف به من قِبل الدولة في العصر البويهي. يفسر مهدي شمس الدين أسباب هذا التغيير في كتابه "واقعة كربلاء في الوجدان الشعبي"، فيقول: "كان البويهيون الشيعة قد سيطروا على العراق وإيران، مجرِّدين الخليفة العبّاسي تدريجياً من كلّ سلطانٍ فعليّ. وقد أتاح ذلك لموطن المأتم الحسيني الأُمّ أن ينعم بحرّية طالما فقدها في ممارسة الشعائر الحسينيّة. وهكذا تطوّر المأتم الحسيني شكلاً ونوعاً في العراق وإيران تطوّراً كبيراً".

في العصور اللاحقة، ترسخت الزيارة الأربعينية إلى كربلاء ولا سيما في الفترات التي حُكمت فيها إيران من قِبل دول شيعية، ومنها كل من الدولة المغولية الإيليخانية في القرن الثامن الهجري والدولة الصفوية في القرن الحادي عشر الهجري. قام حكام تلك الدول بتعمير ضريح الحسين وأضرحة كبار الشخصيات الشيعية في كربلاء، وأنفقوا الأموال الضخمة في سبيل تسهيل مهمة السفر إليها. وبذلك صارت أربعينية الحسين حدثاً مهماً ينتظره الشيعة في كل سنة.

في القرن التاسع عشر الميلادي، قام رجل الدين الشيعي ميرزا حسين نوري بإحياء مراسم المشي لزيارة ضريح الحسين في كربلاء. ولاقى هذا التقليد تجاوباً كبيراً من جانب الشيعة في كل من العراق وإيران. مع مرور الوقت، صار من المعتاد أن يجتمع الزوار العراقيون في منطقة "رأس البيشة" الحدودية الواقعة إلى الجنوب من محافظة البصرة قبل انطلاقهم في المسير نحو كربلاء. بالنسبة للزوار القادمين من دول أخرى، فإن أغلبهم يجتمعون في مدينة النجف لزيارة ضريح الإمام علي بن أبي طالب، ثم ينطلقون بعدها قاصدين كربلاء سيراً على الأقدام.

يتوجه ملايين الزوار الشيعة من شتى أنحاء العالم صوب كربلاء في شهر صفر من كل عام لإحياء أربعينية الحسين بن علي بن أبي طالب.
من المصريين القدامى إلى أربعينية الحسين.. ما سر الرقم أربعين في كل الديانات؟
في مصر القديمة، كان الفراعنة يحنطون موتاهم 40 يوما. وفي اليهودية، صام موسى 40 يوما ليستلم الشريعة فوق جبل الطور. وفي المسيحية قضى المسيح 40 يوما بين قيامته من الموت وصعوده إلى السماء، وفي الإسلام، بعث النبي محمد وهو ابن 40 سنة. فما قصة هذا الرقم المميز؟

وتحظى شعيرة المشي لزيارة ضريح الحسين في كربلاء بمكانة دينية مقدسة بحسب التقليد الديني الشيعي المتوارث. في كتابه "السَير على الأقدام الى كربلاء المقدسة.. أهدَافه- مَشروعيته- آدَابَه"، جمع محمود المقدس الغريفي العديد من النصوص الدينية التي تؤكد على أهمية هذه الشعيرة. من ذلك ما نُقل عن الإمام الحادي عشر الحسن العسكري من قوله: "علامات المؤمن خمسة: التختم باليمين، وتعفير الجبين، وصلوات إحدى وخمسين، وزيارة الأربعين، والجهر ببسم الله الرحمن الرحيم". وروي عن الإمام الخامس محمد الباقر: "مرو شيعتنا بزيارة الحسين بن علي عليهما السلام؛ فإن زيارته تدفع الهدم والغرق والحرق وأكل السبع، وزيارته مفترضة على من أقر للحسين عليه السلام بالإمامة".

 

"المشاية".. البعد السياسي والاجتماعي

 

ارتبطت شعيرة المشي لزيارة الحسين بالعديد من الأبعاد السياسية والاجتماعية. في القرن السادس عشر الميلادي، تنافس الصفويون والعثمانيون على حكم العراق. وطيلة وقوع كربلاء تحت الحكم العثماني، حاول الصفويون استبدال شعيرة المشي إلى كربلاء بالمشي إلى مدينة مشهد في إيران، حيث دُفن الإمام الثامن علي الرضا. في هذا السياق، تذكر العديد من المصادر التاريخية أن الشاه عباس الصفوي سافر سيراً على الأقدام من أصفهان إلى مشهد، وقطع في هذه الرحلة ما يزيد عن 1200 كيلومتر على مدار 28 يوماً. وكان يريد بذلك مضاهاة مسيرة الأربعين الحسينية.

في العصر الحديث، ارتبطت مسيرة الأربعين بالصراع مع النظام البعثي في العراق. عمل صدام حسين بشتى الوسائل من أجل إجهاض أي مسيرات في أربعينية الحسين. وتسبب ذلك في وقوع العديد من المصادمات بين السلطة وجماهير الشيعة. كانت أحداث صفر في الرابع من فبراير عام 1977م أشهر تلك المصادمات على الإطلاق.

من جهة أخرى، تميزت المشاية الحسينية بالعديد من السمات المجتمعية البارزة، خصوصاً وأنها واحدة من أكبر التجمعات البشرية الموثقة حول العالم. في سنة 2014م، شهد الطريق الرابط بين محافظتي كربلاء والنجف، إقامة أكبر صلاة جماعة امتدت لنحو 30 كيلومترا بمشاركة آلاف المصلين والزائرين المتجهين الى كربلاء. وفي سنة 2023م، أعلنت العتبة العباسية بكربلاء أن العدد الكلي للزائرين الذين قصدوا مدينة كربلاء لأداء مراسم زيارة أربعينية الإمام الحسين بلغ أكثر من 22 مليون زائر. في سنة 2019، أدرجت منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو) عنصر الضيافة وتوفير الخدمات خلال زيارة الأربعين في القائمة التمثيلية للتراث الثقافي غير المادي للبشرية.

في السياق نفسه، يُعد توزيع الطعام على زائري الأربعين من المعالم المميزة لزيارة صفر. يقوم الكثير من المتطوعين بطبخ كميات كبيرة من الطعام. وتوزع تلك الأطعمة على الزوار دون مقابل. من أشهر أنواع الطعام التي توزع في تلك المناسبة "كعك العباس" والذي يُحضّر من الطحين والسكر واليانسون والزيت. وهناك أيضا "خبز العباس" وهو عبارة عن رغيف من الخبز المحشو باللحوم والتوابل والملفوف بالخضروات المتنوعة والسلطات، ويُقدم في أحيان كثيرة مع اللبن. كذلك، تُعد أكلة "القيمة النجفية" واحدة من أشهر الأكلات التراثية التي توزع على زوار كربلاء في أربعينية الحسين. يعود أصل كلمة القيمة على الأرجح إلى جذور فارسية قديمة بمعنى المرق. وتُنسب تلك الأكلة في الغالب لمدينة النجف (القيمة النجفية)، كما تُسمى أحياناً باسم القيمة الحسينية، وذلك بسبب ارتباطها بمناسبتي عاشوراء وزيارة الأربعين.