تقلد أحيقار منصب وزير للملك الآشوي سنحارب وأبنه الملك أسرحدون.
تقلد أحيقار منصب وزير pleaseللملك الآشوي سنحارب وأبنه الملك أسرحدون.

في مقدمة كتابه "أحيقار": حكيم من الشرق الأدنى القديم، يسرد دكتور الفلسفة واللغات السامية، أنيس فريحة (1903-1993)، المرّة الأولى التي سَمع فيها الاسم. يقول: "كانت أمي ترسلني في أيام الانقطاع عن المدرسة بسبب العواصف الثلجية إلى عِليّة امرأة عجوز، اسمها هليّون، تقص الحكايات على الأطفال، ومنها سمعت قصّص وزير ملك آشور، أحيقار الحكيم، الذي كان يحل الأحاجي، ويحسن الإجابة، ويتقبل التحدّي ويخرج دوماً منتصراً ظافراً".

بعدها بنحو 20 عاماً، سَمع فريحة الاسم مجدداً عندما قرأ المؤرخ والمستشرق الألماني، إينو ليتمان، على طلابه نفس القصص التي تقصها العجوز على أطفال القرية، مستعينا بصور فوتوغرافية لأوراق بردي عثر عليها في مصر.

آثار عراقية
تحت رمال الصحراء.. آثار العراق مهددة بالهدم والاندثار
حملت زيارة البابا فرنسيس التاريخية للعراق الأمل في أن تفتح الباب أمام توافد أفواج من السياح لزيارة معالمه الأثرية وبينها الأقيصر، وهي من أقدم كنائس العالم، إلا أن التغيّر البيئي والإهمال في بلد لا يكاد يخرج من أزمة حتى يدخل في غيرها، يجعلان هذه الكنوز عرضةً للضياع.

فكنيسة الأقيصر التي تعود إلى أكثر من 1500 سنة وتقع في صحراء قضاء

بين المعرفة التي اكتسبتها العجوز وتلك التي درسها المؤرخ، يتكشف جانب مثير في حضور هذه الشخصية التاريخية التي استوطنت الثقافة الشعبية على شكل حكايات وحكم وأمثال جرت على ألسنة الناس، وتردد ذكرها في العديد من الكتب المقدسة، وكتب الأدب، قبل آلاف السنين من تحوله إلى مادة بحثيه لعلماء الآثار.

تعرف علماء الآثار على أحيقار بين الأعوام 1906و 1908، بعد أن عُثر في جزيرة إلفنتين الواقعة في مدينة أسوان المصرية على إحدى عشرة ورقة من البردي، يقع زمن كتابتها بين 550– 450 قبل الميلاد، دُوّنت عليها حكم ونصائح أحيقار. وتشير الدراسات إلى أن البردي دوّنت من قبل خطّاط آرمي بعد نحو قرن ونصف على وفاة أحيقار.

تعتبر كتابات أحيقار المصاغة بعبارات موجزة وبليغة، من أقدم كتب الحكمة في التاريخ ونموذجاً للأدب المستمد من المفهوم الأخلاقي للحياة.

 

"أحيقار".. رحلة الصعود والخيانة

 

أصل كلمة أحيقار في الآشورية هي "اخ و – وقار"، ويبيّن دكتور التاريخ القديم، محمد القيسي، في بحثه المنشور تحت عنون: "أحيقار الحكيم: قراءة جديدة في ضوء علم الآثار والكتاب المقدس"، أن الاسم تسمى به العديد من الموظفين الآشوريين والبابليين، وهو مكون من كلمتين ويعني "أخي الموقر أو المحترم".

ترجح الروايات التاريخية أن أحيقار عاش في القرن السابع عشر قبل الميلاد، ويستدل على ذلك بكون كان وزيراً للملك الآشوري سنحاريب، الذي خلف أباه سرجون الثاني في عام 704 قبل الميلاد، وواصل المهمة مع ابنه أسرحدون، بعد اغتيال سنحاريب على يد أبنائه في العام 681 قبل الميلاد.

رسخ أحيقار نفسه وزيراً بالغ الذكاء والفطنة، ليصبح كاتب الملك سنحاريب وحامل أختامه، ويبرز صاحب الرأي السديد في التعامل مع ما يحيط بالدولة من أخطار.

النفوذ والثروة التي وصل إليها "الحكيم"، عكرها عدم إنجابه. تتضح الأثار النفسية لعدم الإنجاب في كتاباته. يقول: "الثروة التي كنت أملكها أعظم مما يستطيع المرء وصفه، ثم إني تزوجت ستين امرأة وبنيت لهن ستين قصراً، ولكني لم أرزق ولداً (..) أيها الرب عندما أموت بلا ابن ماذا سيقول الناس عني؟ سيقولون: أهذا هو، إذن، أحيقار العادل الصادق خادم الله يموت ولا يترك ابناً يتولى دفنه، وهذه مقتنياته لا يرثها إنسان من بعده كأنه رجل حلّت عليه اللعنة".

اتخذ أحيقار " نادان" أبن اخته ولداً له، رعاه في طفولته، وعندما بلغ أشدّه علمه ما في الكتب ولقنه الحكمة. ويقول أحيقار: "اتخذت نادان ولداً بأمر من الله".

قدم أحيقار – ابنه- نادان إلى الملك سنحاربب، الذي أعجب بذكائه وحكمته، وقرر أن يجعله خليفة لأحيقار بعد وفاته. غير أن نادان أفتتن بقربه من الملك، وراح يستعجل التخلص من معلمه عبر الاعتداء على أملاكه، والتقليل من قيمته، والادعاء بأنه كبر وفارقته الحكمة، وصولاً إلى إرسال رسائل مزوّرة إلى أعداء الملك في بلاد فارس ومصر تعرض عليهم المساعدة في احتلال آشور دون حرب.

انطلت مكائد نادان على الملك سنحاربب، الذي أمر بقتل أحيقار وفصل رأسه عن جسده، لكن "الحكيم" نجا بعد أن ردّ جلاد الملك جميلاً قديماً لأحيقار، وامتنع عن قتله وقتل مكانه سجيناً محكوماً بالإعدام، لعيش أحيقار مخفياً في سرداب مظلم يتجرع المرارة.

 

من آشور إلى مصر

 

يفترض أن يعثر على كتابات أحيقار في العراق، مهد الحضارة الآشورية التي تقلد أحيقار في إحدى حقبها موقعاً مرموقاً، لكن روايات كثيرة تفسر العثور عليها في مصر.

واحدة منها زيارة أحيقار إلى مصر بعد انكشاف مؤامرة نادان. فعندما علم فرعون مصر بمقتل أحيقار المفترض قرّر تحدي الملك سنحاريب ببناء قصر بين السماء والأرض، طالباً من ملك آشور إرسال رجل يساعده على إتمام بناء القصر مقابل منح آشور غلال مصر ثلاث سنوات في حال النجاح، وفي حال الفشل تحصل مصر على غلال آشور لمدّة ثلاث سنوات.

عندما عرض سنحاربب على النبلاء والحكماء الأمر أشاروا عليه بنادان على اعتباره "الوحيد الذي استوعب كتب أحيقار وتعلم حكمته"، وبعد أن أقرّ نادان بعجزه، قائلاً " أن الآلهة نفسها لا تستطيع أن تفعل أموراً كهذه"، كشف جلاد الملك كيف أبقى على حياة أحيقار، وأنه لم يقتله.

وهنا تأتي القصة المشهورة التي سمعها الدكتور أنيس فريحة من العجوز. ذهب أحيقار إلى مصر حاملاً معه فرخي نسر ربطهما بحبال وأركب عليهما صبيين وما إن طارا حتى نادوا " هاتوا الطين والملاط والقرميد واللبّن للبنائين العاطلين عن العمل".

انتصر أحيقار على فرعون مصر، وعاد إلى آشور بغلال مصر لثلاث سنوات، بعد أن نَال حفاوة كبيرة هناك، ورد إليه اعتباره في آشور وأعدم -ابنه- نادان.

 ويفسر مؤرخون العثور على كتابات أحيقار في مصر بتلك الحادثة والتي تعرف من خلالها المصريون القدماء على حكمه ودوّنوها، فيما يذهب آخرون إلى أنها كتبت في آشور ومنها انتقلت إلى مصر.

 

الكتب المقدسة ولقمان الحكيم

 

تركت حكم أحيقار أثراً بالغاً في العديد من أسفار العهد القديم المدونة بالعبرية والآرامية، إضافة إلى كتب الحكمة وهي سفري يوشع بن سيراخ وطوبيا، كما تبين دراسة مقارنة صادرة عن كلية اللغات في جامعة بغداد، بعنوان: " قصة أحيقار الحكيم والنبي دنيال".

وبحسب الدراسة فإن قصة أحيقار الحكم تتقاطع بشكل كبير مع قصة النبي دنيال، أحد الأنبياء الأربعة الكبار في التراث اليهودي، والذي اقتيد في السبي البابلي الذي أتى بأمر من نبوخذ نصر، وتربى في بلاط الملك الوثني واشتهر حكيماً يحسن كل الفنون والمعارف دون أن يضر بأمانته الدينية.

وتورد الدراسة المقارنة العديد من العبارات والتشابيه المتقاربة التي استخدمها أحيقار ودانيال، فاستخدما نفس العبارة في تحية الملك "أيها الملك عش للأبد"، وتطابق القصة بعمل البر والالتقاء عند نقطة واحدة وهي نجاة كل منهما من المحنة.

كذلك ترد قصة أحيقار في سفر طوبيا، ويذهب مؤرخون لاعتبار سفر طوبيا هو قصة أحيقار اليهودية، وما يعزز هذا الاتجاه التشابه الكبير في تعاليم أحيقار لابن أخته نادان، ونصائح طوبيا لابنه، واتفاقهما في اللفظ في كثير من الأحيان. كذلك تشابهت وتطابقت حكم أحيقار مع ما جاء في سفر يوشع بن سيراخ في نحو 14 موقعاً، إضافة إلى تشابه بين قصة نادان مع ماورد في إنجيل متى وفي إنجيل لوقا مع مثل العبد الشرير الذي ضربه السيد المسيح لتلاميذه، كما يورد أنيس فريحة في كتابه.

وفي التراث الإسلام جرى الربط بين شخصية أحيقار ولقمان الحكيم الذي ورد ذكره في القرآن، ربط عززه التزام الشخصيتين بتوجيه الحكم والنصائح إلى ابنيهما بذات الصيغة التي تبدأ بـ " يا بني"، إضافة للتطابق العديد من الموضوعات والألفاظ.

لكن هذا الربط ينفيه بحث الدكتور محمد القيسي، استناداً إلى الفترات الزمنية التي عاشا فيها. وفيما تؤكد الدلائل الأثرية أن أحيقار عاش في القرن السابع قبل الميلاد، تتعدد الآراء حول الفترة الزمنية التي عاش فيها لقمان، ولكن بالاعتماد على المصادر التي تؤكد أنه كان قاضياً في بني إسرائيل، يرجح أنه عاش في القرنين الثالث والثاني عشر قبل الميلاد.

 

أحيقار في الموروث الشعبي 

المتتبع للأمثال الشعبية الدارجة في بلاد الشام، يجد تقارباً يصل حد التطابق مع حكم أحيقار.

ومن الأمثلة على ذلك، تقارب حكمته التي تقول " يا بُنيّ.. ما لا تجمعه اليد لا تشفق عليه العين" مع المثل الدراج "اللي ما بتتعب فيه الأيادي ما بتشفق عليه القلوب"، وقوله "يا بُنيّ، لا تتدخّل في زواج امرأة، فإنّه إذا شقيت (في زواجها) لعنتك، وإذا سعدت وسرّت ونجحت فإنها لن تذكرك"، وهو ما يطابق المثل المشهور "اسعَ في جنازة ولا تسعَ في جوازة"، ومن ذلك قوله مخاطباً ابنه " إن عين الإنسان كنبع ماء، لا تشبع من المال حتى تمتلئ تراباً" والذي يطابق المثل الشعبي "ما يملى عين ابن آدم إلا التراب"، وحكمته القائلة "يا بُنيّ، لقد كنت لي أشبه بقدر رُكِب له مقبضان من ذهب ولكن أسفلهما لم ينظف من السخام" وهو ما يقارب المثل الدراج " من برّا رخام ومن جوّا سخام".

 

مواضيع ذات صلة:

صورة أرشيفية لمدينة تدمر الأثرية في سوريا- وكالات
صورة أرشيفية لمدينة تدمر الأثرية في سوريا- وكالات

تعمل منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة ("اليونسكو") على الاهتمام بالمواقع الأثرية المنتشرة في دول العالم كافة. لذلك، أعدت المنظمة ما عُرف باسم "قائمة التراث العالمي"، وهي القائمة التي تتضمن العشرات من المواقع الأثرية القديمة التي تتعاظم أهميتها بسبب تاريخها الثقافي والحضاري. 

من جهة أخرى، أعدت "اليونسكو" قائمة ثانية بعنوان "التراث العالمي المعرض للخطر". في تلك القائمة، جمعت المنظمة المواقع المُهددة بسبب النزاعات العسكرية المسلحة، والزلازل، والتلوث البيئي، والتوسّع الحضري غير المنضبط، وغير ذلك من الأسباب التي من شأنها تهديد المواقع الأثرية. في هذا السياق، أُدرجت 7 دول عربية ضمن قائمة التراث العالمي المعرض للخطر، وهي: مصر، ليبيا، الأراضي الفلسطينية، سوريا، العراق، اليمن، ولبنان. نلقي الضوء في هذا التقرير على أهم المواقع الأثرية المُعرضة للخطر في هذه الدول.

 

سوريا

تحتوي سوريا على أكبر عدد من المواقع الأثرية المُعرضة للخطر بين الدول العربية. تتمثل تلك الأخطار في الصراعات العسكرية المسلحة التي بدأت منذ سنة 2011م، ولم تنته معاركها حتى اللحظة. من أهم المواقع الأثرية المتواجدة في القائمة، موقع "مدينة حلب القديمة" في شمالي سوريا. يحتوي الموقع على العشرات من الأبنية والمساجد والمنازل والأسواق. وفي سنة 1986م أعلنت اليونسكو الموقع جزءًا من التراث العالمي.

تحتوي سوريا أيضاً على موقع "مدينة بُصْرَى التاريخية". والتي تتبع محافظة درعا، وتقع على مسافة 140 كم من دمشق. بحسب المصادر التاريخية الإسلامية، كانت بصرى عاصمة دينية وتجارية مهمة على طريق الحرير القديم. وترتبط المدينة بذكرى خاصة في الذاكرة الإسلامية بسبب الروايات التي تذكر أن النبي محمد قد مر بها في شبابه قبل البعثة. وأنه قابل فيها الراهب بحيرى النصراني. والذي تنبأ بأن هذا الشاب سوف يصبح نبي العرب الذي بشرت به الكتب القديمة.

كذلك تحتوي سوريا على موقع "مدينة دمشق القديمة"، وموقع "المدن المنسية" التي تقع ضمن الحدود الإدارية لمحافظتي حلب وإدلب. ويعود بناؤها إلى الفترة بين القرنين الأول والسابع للميلاد. وتشتهر بكاتدرائية القديس سمعان العمودي التي كانت مكاناً للحج المسيحي لقرون طويلة.

تتضمن القائمة أيضاً قلعتي الحصن وصلاح الدين. تعود الأولى لفترة الحروب الصليبية، وتقع ضمن سلاسل جبال الساحل في محافظة حمص في سوريا. أما القلعة الثانية، فتقع في مدينة اللاذقية. وتعتبر واحدة من أهم قلاع القرون الوسطى المحفوظة في العالم. في سنة 2006م، سجل اليونسكو القلعتين على لائحة التراث العالمي.

أيضاً، تحضر مدينة تدمر التاريخية في قائمة المواقع الأثرية المُعرضة للخطر. تقع المدينة في محافظة حمص في الجزء الأوسط من سوريا. ويعود تاريخها إلى العصر الحجري الحديث. اشتهرت تدمر بثرائها الذي حققته من كونها مركزاً تجارياً مهماً على طريق الحرير الشهير. في القرن الثالث الميلادي، تمكن ملوك تدمر من الاستقلال عن الحكم الفارسي. وفي عهد الملكة الشهيرة زنوبيا تأسست مملكة تدمر الشهيرة. وخاضت الحرب ضد الإمبراطورية الرومانية قبل أن تُهزم وتفقد استقلالها. في 2015م، سيطرت عناصر تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام "داعش" على موقع مدينة تدمر، وخرّبت ودمّرت الكثير من المواقع الأثرية المهمة في المدينة، قبل أن تستعيد القوات السورية سيطرتها عليها في العام 2017م.

الاعتداء على قبر معاوية يجدد المخاوف.. من يحمي الآثار السورية؟
تعرّض قبر معاوية للتدمير في أيام العباسيين، وأعيد بناؤه أكثر من مرة، بحسب الباحث السوري تيسير خلف، و"لدينا شاهدة قبر من الفترة الأيوبية- المملوكية، ويبدو انه جدّد حينذاك". والاعتداء الذي وقع عليه مؤخراً كان لفظياً ولم يتعرض القبر لأي أذى ماديّ.

العراق

في تصنيفات "اليونسكو" تقع بعض المواقع الأثرية المُهددة بالخطر في العراق. على رأس تلك المواقع "مدينة أشور القديمة". تقع المدينة على بعد 60 ميلاً جنوبي مدينة الموصل حالياً في شمال العراق. وكانت عاصمة للمملكة الأشورية التي توسعت في الألف الثاني قبل الميلاد، قبل أن تسقط على يد الميديين والبابليين في سنة 612 ق.م.

في يونيو 2014م، سيطر تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام على المدينة التاريخية. وتم تخريب بعض المواقع الأثرية قبل أن تتمكن القوات العراقية من استعادة السيطرة الكاملة على المنطقة في سبتمبر 2016م.

كذلك، تتضمن القائمة "مدينة سامراء التاريخية". تقع المدينة شرقي نهر دجلة في محافظة صلاح الدين، وتبعد 125 كيلومتر شمالي العاصمة بغداد. تتحدث المصادر التاريخية عن ظروف تأسيس وإعمار تلك المدينة في العصر العباسي. بحسب تلك المصادر، قرر الخليفة المعتصم بالله أن يبني تلك المدينة ويتخذها عاصمة لدولته بسبب كثرة الجند الأتراك في بغداد. تحكي بعض القصص أن هذا المكان كان مملوكاً لبعض الرهبان المسيحيين. وأن المعتصم اشتراه منهم بأربعة آلاف دينار. وعزم على أن يبني فيه مدينة جديدة "ونقل إليها أنواع الأشجار والغروس، واُختطت الخطط والدروب، وجدوا في بنائها، وشُيدت القصور، واُستنبطت المياه من دجله وغيرها وتسامع الناس وقصدوها، وكثرت بها المعايش"، بحسب ما يذكر شمس الدين الذهبي في كتابه "سيّر أعلام النبلاء".

حافظت سامراء على مجدها وعظمتها لما يزيد على نصف قرن. اتخذها المعتصم وخلفاؤه عاصمة لدولتهم الواسعة المترامية الأطراف. ودُفن فيها العديد من الخلفاء. كما شيّد الخليفة المتوكل سنة 245ه على أرضها المسجد المشهور بمئذنته الملوية.

بعد أن غادرها العباسيون، تعرضت سامراء للتهميش وعدم الاهتمام. قبل أن تتعرض للتخريب والتدمير إبان فترة الغزو المغولي للعراق في القرن السابع الهجري. قيل إن الناس غيروا اسمها في تلك الفترة ليصبح "ساء من رأى". وصف الرحالة المغربي الشهير ابن بطوطة الحالة المؤسفة التي أصيبت بها المدينة عند زيارته لها سنة 727ه. يقول ابن بطوطة: "...وقد استولى الخراب على هذه المدينة فلم يبق منها إلا القليل وهي معتدلة الهواء رائقة الحسن على بلائها، ودروس معالمها". في سنة 2007م، ضمت "اليونيسكو" سامراء إلى قائمة التراث العالمي.

شيد الخليفة المتوكل سنة 245ه في سامراء المسجد الجامع المشهور بمئذنته الملوية.
"عاصمة الخلفاء" و"منفى الأئمة".. قصة مدينة سامراء
تقع مدينة سامراء في وسط العراق. وتشغل أهمية كبرى في أوساط العراقيين، خاصة الشيعة في البلاد، باعتبارها المكان الذي دُفن فيه كل من الإمامين العاشر والحادي عشر علي الهادي والحسن العسكري. ما قصة هذه المدينة؟ وماذا كانت ظروف بنائها؟ وما أهم الأحداث في تاريخها؟ وما هي أسباب قداستها؟

اليمن

تتضمن القائمة ثلاثة مواقع يمنية مهمة. وجميعها مُهدد بسبب الحرب الأهلية اليمنية التي تدور منذ سنوات بين الحوثيين وقوات التحالف الذي تقوده المملكة العربية السعودية. يُعدّ موقع "معالم مملكة سبأ القديمة" هو الموقع اليمني الأول في القائمة. يقع هذا الموقع في محافظة مأرب شرق اليمن، ويضم مواقع أثرية وبقايا مستوطنات كبيرة مع المعابد والأسوار التي تعود للألف الأول قبل الميلاد. في سنة 2023م، أُدرجت تلك المعالم على قائمة التراث العالمي وضمن قائمة التراث العالمي المعرض للخطر من قِبل "اليونيسكو". الموقع الثاني هو مدينة زبيد التاريخية، والتي تبعد عن العاصمة صنعاء مسافة 233 كم تقريباً. وكانت مدينة زبيد عاصمة اليمن من القرن الثالث عشر إلى القرن الخامس عشر الميلاديين. أما الموقع الثالث، فهو مدينة صنعاء القديمة. والتي بدأت حضارتها منذ القرن الخامس قبل الميلاد. قبل أن تصبح عاصمة لمملكة سبأ في القرن الأول للميلاد. في العصر الإسلامي، صارت صنعاء واحدة من أهم الحواضر الإسلامية. وتميزت منازلها ومساجدها وأسواقها وأسوارها بطراز معماري رفيع المستوى. في سنة 1980م، تبنى "اليونيسكو" حملة دولية لحماية مدينة صنعاء القديمة والحفاظ على معالمها المعمارية. وفي سنة 2015م، أُدرجت في قائمة التراث العالمي المعرض للخطر، بعدما تعرضت بعض أحياء المدينة لقصف صاروخي من قِبل قوات التحالف.

 

 

فلسطين ومصر وليبيا ولبنان

تشهد القائمة حضور مجموعة أخرى من الدول العربية. في الأراضي الفلسطينية، يتواجد موقع "البلدة القديمة بالقدس". وهي المنطقة المُحاطة بسور سليمان القانوني. من المعروف أن البلدة تشهد أهمية كُبرى في الذاكرة الدينية الإبراهيمية. ففيها المسجد الأقصى ومسجد قبة الصخرة اللذان يحظيان بمكانة كبيرة لدى المسلمين. وكذلك كنيسة القيامة لدى المسيحيين. فضلاً عن جبل الهيكل والجدار الغربي لليهود. في سنة 1981م، قامت "اليونيسكو" بضم البلدة القديمة في القدس إلى قائمة التراث العالمي.

في مصر، يوجد موقع منطقة "أبو مينا الأثرية" والذي يقع عند الحافة الشمالية للصحراء الغربية. اكتسبت المنطقة أهميتها بسبب احتوائها على مدفن القديس مينا. ولهذا السبب كانت المنطقة أحد أهم مراكز الحج المسيحي في القرون الوسطى. حالياً، تضم المنطقة مجموعة من الآثار القبطية والكنائس والأديرة. في سنة 2001م، أصبحت المنطقة مهددة بالخطر بسبب ارتفاع منسوب المياه الجوفية والأملاح في المنطقة.

في السياق نفسه، تتواجد بعض المواقع الليبية المهمة في القائمة. ومنها على سبيل المثال المواقع الأثرية في "مدينة صبراتة" الواقعة على بعد 70 كم غربي مدينة طرابلس، والتي تحتوي على عدد كبير من الآثار الرومانية. ومدينة "لبدة الكبرى"، التي تقع على بعد 120 كم شرقي مدينة طرابلس. وكانت من أهم مدن الشمال الأفريقي في عصر الإمبراطورية الرومانية.

في لبنان، يتواجد "معرض رشيد كرامي الدولي" في طرابلس. والذي أدرجته اليونسكو في القائمة في سنة 2023م. وجاء في حيثيات اختيار اليونسكو للمعرض "أنه يُعدّ من ناحية حجمه وغنى الأنماط الهندسية فيه، أحد الأعمال المهمة التي تمثل فن العمارة الحديث في القرن العشرين بالمنطقة العربية من الشرق الأوسط". مما يُذكر أن المعرض من تصميم المهندي البرازيلي الأصل أوسكار نيماير، وأن انتهاء تشييده تزامن مع اندلاع الحرب الأهلية اللبنانية في سبعينيات القرن العشرين. ويعاني الموقع من الإهمال ونقص الموارد المالية اللازمة لصيانته.