في مقدمة كتابه "أحيقار": حكيم من الشرق الأدنى القديم، يسرد دكتور الفلسفة واللغات السامية، أنيس فريحة (1903-1993)، المرّة الأولى التي سَمع فيها الاسم. يقول: "كانت أمي ترسلني في أيام الانقطاع عن المدرسة بسبب العواصف الثلجية إلى عِليّة امرأة عجوز، اسمها هليّون، تقص الحكايات على الأطفال، ومنها سمعت قصّص وزير ملك آشور، أحيقار الحكيم، الذي كان يحل الأحاجي، ويحسن الإجابة، ويتقبل التحدّي ويخرج دوماً منتصراً ظافراً".
بعدها بنحو 20 عاماً، سَمع فريحة الاسم مجدداً عندما قرأ المؤرخ والمستشرق الألماني، إينو ليتمان، على طلابه نفس القصص التي تقصها العجوز على أطفال القرية، مستعينا بصور فوتوغرافية لأوراق بردي عثر عليها في مصر.
فكنيسة الأقيصر التي تعود إلى أكثر من 1500 سنة وتقع في صحراء قضاء
بين المعرفة التي اكتسبتها العجوز وتلك التي درسها المؤرخ، يتكشف جانب مثير في حضور هذه الشخصية التاريخية التي استوطنت الثقافة الشعبية على شكل حكايات وحكم وأمثال جرت على ألسنة الناس، وتردد ذكرها في العديد من الكتب المقدسة، وكتب الأدب، قبل آلاف السنين من تحوله إلى مادة بحثيه لعلماء الآثار.
تعرف علماء الآثار على أحيقار بين الأعوام 1906و 1908، بعد أن عُثر في جزيرة إلفنتين الواقعة في مدينة أسوان المصرية على إحدى عشرة ورقة من البردي، يقع زمن كتابتها بين 550– 450 قبل الميلاد، دُوّنت عليها حكم ونصائح أحيقار. وتشير الدراسات إلى أن البردي دوّنت من قبل خطّاط آرمي بعد نحو قرن ونصف على وفاة أحيقار.
تعتبر كتابات أحيقار المصاغة بعبارات موجزة وبليغة، من أقدم كتب الحكمة في التاريخ ونموذجاً للأدب المستمد من المفهوم الأخلاقي للحياة.
"أحيقار".. رحلة الصعود والخيانة
أصل كلمة أحيقار في الآشورية هي "اخ و – وقار"، ويبيّن دكتور التاريخ القديم، محمد القيسي، في بحثه المنشور تحت عنون: "أحيقار الحكيم: قراءة جديدة في ضوء علم الآثار والكتاب المقدس"، أن الاسم تسمى به العديد من الموظفين الآشوريين والبابليين، وهو مكون من كلمتين ويعني "أخي الموقر أو المحترم".
ترجح الروايات التاريخية أن أحيقار عاش في القرن السابع عشر قبل الميلاد، ويستدل على ذلك بكون كان وزيراً للملك الآشوري سنحاريب، الذي خلف أباه سرجون الثاني في عام 704 قبل الميلاد، وواصل المهمة مع ابنه أسرحدون، بعد اغتيال سنحاريب على يد أبنائه في العام 681 قبل الميلاد.
رسخ أحيقار نفسه وزيراً بالغ الذكاء والفطنة، ليصبح كاتب الملك سنحاريب وحامل أختامه، ويبرز صاحب الرأي السديد في التعامل مع ما يحيط بالدولة من أخطار.
النفوذ والثروة التي وصل إليها "الحكيم"، عكرها عدم إنجابه. تتضح الأثار النفسية لعدم الإنجاب في كتاباته. يقول: "الثروة التي كنت أملكها أعظم مما يستطيع المرء وصفه، ثم إني تزوجت ستين امرأة وبنيت لهن ستين قصراً، ولكني لم أرزق ولداً (..) أيها الرب عندما أموت بلا ابن ماذا سيقول الناس عني؟ سيقولون: أهذا هو، إذن، أحيقار العادل الصادق خادم الله يموت ولا يترك ابناً يتولى دفنه، وهذه مقتنياته لا يرثها إنسان من بعده كأنه رجل حلّت عليه اللعنة".
اتخذ أحيقار " نادان" أبن اخته ولداً له، رعاه في طفولته، وعندما بلغ أشدّه علمه ما في الكتب ولقنه الحكمة. ويقول أحيقار: "اتخذت نادان ولداً بأمر من الله".
قدم أحيقار – ابنه- نادان إلى الملك سنحاربب، الذي أعجب بذكائه وحكمته، وقرر أن يجعله خليفة لأحيقار بعد وفاته. غير أن نادان أفتتن بقربه من الملك، وراح يستعجل التخلص من معلمه عبر الاعتداء على أملاكه، والتقليل من قيمته، والادعاء بأنه كبر وفارقته الحكمة، وصولاً إلى إرسال رسائل مزوّرة إلى أعداء الملك في بلاد فارس ومصر تعرض عليهم المساعدة في احتلال آشور دون حرب.
انطلت مكائد نادان على الملك سنحاربب، الذي أمر بقتل أحيقار وفصل رأسه عن جسده، لكن "الحكيم" نجا بعد أن ردّ جلاد الملك جميلاً قديماً لأحيقار، وامتنع عن قتله وقتل مكانه سجيناً محكوماً بالإعدام، لعيش أحيقار مخفياً في سرداب مظلم يتجرع المرارة.
من آشور إلى مصر
يفترض أن يعثر على كتابات أحيقار في العراق، مهد الحضارة الآشورية التي تقلد أحيقار في إحدى حقبها موقعاً مرموقاً، لكن روايات كثيرة تفسر العثور عليها في مصر.
واحدة منها زيارة أحيقار إلى مصر بعد انكشاف مؤامرة نادان. فعندما علم فرعون مصر بمقتل أحيقار المفترض قرّر تحدي الملك سنحاريب ببناء قصر بين السماء والأرض، طالباً من ملك آشور إرسال رجل يساعده على إتمام بناء القصر مقابل منح آشور غلال مصر ثلاث سنوات في حال النجاح، وفي حال الفشل تحصل مصر على غلال آشور لمدّة ثلاث سنوات.
رأيتُ بأن أعمى البصيرة أفضل من أعمى القلب، فإنَّ أعمى العينين يتعلم سريعا طريقُهُ فيسلكُه، أمّا أعمى القلب فإنَّه يحيد عن الطريق المستقيم ويهيم في الصحراء فيضلُّ.
— الجَازي طارق السنافي (@AljaziAlsenafi) November 12, 2022
~احيقار الحكيم (٥٠٠ ق.م) pic.twitter.com/hAU19Y3CDl
عندما عرض سنحاربب على النبلاء والحكماء الأمر أشاروا عليه بنادان على اعتباره "الوحيد الذي استوعب كتب أحيقار وتعلم حكمته"، وبعد أن أقرّ نادان بعجزه، قائلاً " أن الآلهة نفسها لا تستطيع أن تفعل أموراً كهذه"، كشف جلاد الملك كيف أبقى على حياة أحيقار، وأنه لم يقتله.
وهنا تأتي القصة المشهورة التي سمعها الدكتور أنيس فريحة من العجوز. ذهب أحيقار إلى مصر حاملاً معه فرخي نسر ربطهما بحبال وأركب عليهما صبيين وما إن طارا حتى نادوا " هاتوا الطين والملاط والقرميد واللبّن للبنائين العاطلين عن العمل".
انتصر أحيقار على فرعون مصر، وعاد إلى آشور بغلال مصر لثلاث سنوات، بعد أن نَال حفاوة كبيرة هناك، ورد إليه اعتباره في آشور وأعدم -ابنه- نادان.
ويفسر مؤرخون العثور على كتابات أحيقار في مصر بتلك الحادثة والتي تعرف من خلالها المصريون القدماء على حكمه ودوّنوها، فيما يذهب آخرون إلى أنها كتبت في آشور ومنها انتقلت إلى مصر.
الكتب المقدسة ولقمان الحكيم
تركت حكم أحيقار أثراً بالغاً في العديد من أسفار العهد القديم المدونة بالعبرية والآرامية، إضافة إلى كتب الحكمة وهي سفري يوشع بن سيراخ وطوبيا، كما تبين دراسة مقارنة صادرة عن كلية اللغات في جامعة بغداد، بعنوان: " قصة أحيقار الحكيم والنبي دنيال".
وبحسب الدراسة فإن قصة أحيقار الحكم تتقاطع بشكل كبير مع قصة النبي دنيال، أحد الأنبياء الأربعة الكبار في التراث اليهودي، والذي اقتيد في السبي البابلي الذي أتى بأمر من نبوخذ نصر، وتربى في بلاط الملك الوثني واشتهر حكيماً يحسن كل الفنون والمعارف دون أن يضر بأمانته الدينية.
وتورد الدراسة المقارنة العديد من العبارات والتشابيه المتقاربة التي استخدمها أحيقار ودانيال، فاستخدما نفس العبارة في تحية الملك "أيها الملك عش للأبد"، وتطابق القصة بعمل البر والالتقاء عند نقطة واحدة وهي نجاة كل منهما من المحنة.
اقوال من بلاد الرافدين
— History of Mesopotamia (@GilgameshIQ) May 3, 2018
إرم حجارة على الكلب الذي يترك صاحبه ويجري خلفك.
احيقار الحكيم
Sayings from Mesopotamia
Throw stones at the dog that leaves its owner and comes behind you.
Wise Ahaikar pic.twitter.com/CzlY6pSKnn
كذلك ترد قصة أحيقار في سفر طوبيا، ويذهب مؤرخون لاعتبار سفر طوبيا هو قصة أحيقار اليهودية، وما يعزز هذا الاتجاه التشابه الكبير في تعاليم أحيقار لابن أخته نادان، ونصائح طوبيا لابنه، واتفاقهما في اللفظ في كثير من الأحيان. كذلك تشابهت وتطابقت حكم أحيقار مع ما جاء في سفر يوشع بن سيراخ في نحو 14 موقعاً، إضافة إلى تشابه بين قصة نادان مع ماورد في إنجيل متى وفي إنجيل لوقا مع مثل العبد الشرير الذي ضربه السيد المسيح لتلاميذه، كما يورد أنيس فريحة في كتابه.
وفي التراث الإسلام جرى الربط بين شخصية أحيقار ولقمان الحكيم الذي ورد ذكره في القرآن، ربط عززه التزام الشخصيتين بتوجيه الحكم والنصائح إلى ابنيهما بذات الصيغة التي تبدأ بـ " يا بني"، إضافة للتطابق العديد من الموضوعات والألفاظ.
لكن هذا الربط ينفيه بحث الدكتور محمد القيسي، استناداً إلى الفترات الزمنية التي عاشا فيها. وفيما تؤكد الدلائل الأثرية أن أحيقار عاش في القرن السابع قبل الميلاد، تتعدد الآراء حول الفترة الزمنية التي عاش فيها لقمان، ولكن بالاعتماد على المصادر التي تؤكد أنه كان قاضياً في بني إسرائيل، يرجح أنه عاش في القرنين الثالث والثاني عشر قبل الميلاد.
أحيقار في الموروث الشعبي
المتتبع للأمثال الشعبية الدارجة في بلاد الشام، يجد تقارباً يصل حد التطابق مع حكم أحيقار.
ومن الأمثلة على ذلك، تقارب حكمته التي تقول " يا بُنيّ.. ما لا تجمعه اليد لا تشفق عليه العين" مع المثل الدراج "اللي ما بتتعب فيه الأيادي ما بتشفق عليه القلوب"، وقوله "يا بُنيّ، لا تتدخّل في زواج امرأة، فإنّه إذا شقيت (في زواجها) لعنتك، وإذا سعدت وسرّت ونجحت فإنها لن تذكرك"، وهو ما يطابق المثل المشهور "اسعَ في جنازة ولا تسعَ في جوازة"، ومن ذلك قوله مخاطباً ابنه " إن عين الإنسان كنبع ماء، لا تشبع من المال حتى تمتلئ تراباً" والذي يطابق المثل الشعبي "ما يملى عين ابن آدم إلا التراب"، وحكمته القائلة "يا بُنيّ، لقد كنت لي أشبه بقدر رُكِب له مقبضان من ذهب ولكن أسفلهما لم ينظف من السخام" وهو ما يقارب المثل الدراج " من برّا رخام ومن جوّا سخام".
