يحتفل ما يزيد عن ملياري مسيحي حول العالم بذكرى ميلاد المسيح في الـ25 من شهر ديسمبر من كل سنة.
يحتفل ما يزيد عن ملياري مسيحي حول العالم بذكرى ميلاد المسيح في الـ25 من شهر ديسمبر من كل سنة.

يحتفل ما يزيد عن ملياري مسيحي حول العالم بذكرى ميلاد المسيح في هذه الأيام. يحظى هذا الاحتفال بالمكانة الأهم في الوجدان الديني المسيحي بعد عيد القيامة. رغم ذلك، توجد الكثير من الاختلافات حول حادثة ميلاد المسيح. في أي سنة ولد؟ وفي أي يوم بالتحديد؟ وما السبب في اختلاف توقيت الاحتفال بعيد الميلاد بين الكنائس المختلفة؟

 

ما معنى ميلاد المسيح؟


تذهب التقاليد المسيحية إلى أن المسيح لم يكن مجرد إنسان عادي كباقي البشر. أكد اللاهوت المسيحي على مر القرون أن المسيح كان "الكلمة"/ "اللوغوس"، وأنه ابن الله الذي تجسد واتخذ شكلاً بشرياً ناسوتياً. وفي ذلك يقول أحد أوائل آباء الكنيسة المسيحية، وهو أوريجانوس شارحاً: "كما تخرج الكلمة من العقل دون أن تمزقه، أو تُحسب الكلمة منفصلة أو منقسمة عن طبيعة العقل، هكذا وعلى هذا النمط ينبغي أن ندرك علاقة الابن بالأب الذي هو صورته".

بناء على ذلك، تفرق العقيدة المسيحية بين الميلاد الأزلي "للكلمة" والميلاد الجسدي ليسوع. يشرح القمص أنطونيوس فكري الفارق بين التصورين في كتابه "مقدمة عامة في دراسة الأناجيل الأربعة"، فيقول: "هناك ميلاد أزلي للمسيح من الأب وميلاد جسدي للمسيح في ملء الزمان. وبنوة المسيح الأزلية هي من الناحية الأقنومية. ولكن له بنوة أخرى من ناحية ناسوته وتجسده".

يحيط الكثير من الغموض بتفاصيل حادثة الميلاد الجسدي للمسيح. لم يسجل العهد الجديد يوم أو شهر أو سنة تلك الحادثة. فقط تحدثت بعض الفقرات عن تزامن تلك الحادثة مع إجراء الاكتتاب الروماني الذي وقع في زمن الإمبراطور أغسطس.
جاء في الإصحاح الثاني من إنجيل لوقا: "وفي تلك الأيام، صدر أمر من أغسطس قيصر بأن يكتتب كل المسكونة... فذهب الجميع ليكتتبوا، كل واحد إلى مدينته. فصعد يوسف أيضاً من الجليل من مدينة الناصرة إلى اليهودية، إلى مدينة داود التي تدعى بيت لحم، لكونه من بيت داود وعشيرته. ليكتتب مع مريم امرأته المخطوبة وهي حبلى. وبينما هما هناك تمت أيامها لتلد. فولدت ابنها البكر وقمطته وأضجعته في المذود، إذ لم يكن لهما موضع في المنزل...".

 

الكاثوليك والبروتستانت


تحتفل الطوائف الكاثوليكية والبروتستانتية بميلاد المسيح يوم الخامس والعشرين من شهر ديسمبر في كل سنة. ينبغي الرجوع للقرن الرابع الميلادي حتى نفهم سبب اختيار هذا اليوم على وجه التحديد لتخصيصه للاحتفال بتلك المناسبة. 
انعقد مجمع نيقية في سنة 325م بأمر من الإمبراطور قسطنطين الأول. كان الإشكال الأهم الذي تصدى لهم المجتمعون في

هذا المجمع هو مناقشة العقائد التي دعا إليها الكاهن آريوس. في نهاية أعمال المجمع أصدر المجتمعون قرارهم بإدانة أفكار آريوس ووصفها بكونها نوعا من أنواع الهرطقة. وعلى هامش أعمال المجمع ناقش الكهنة مسألة تحديد توقيت لميلاد المسيح، واتفقوا على أن يتم الاحتفال بتلك المناسبة المهمة في يوم 29 كيهك في التقويم القبطي، الموافق لـ25 ديسمبر في التقويم اليولياني. 

كان السبب الأهم في ذلك الاختيار ما جاء في الإصحاح الثالث من إنجيل يوحنا على لسان يوحنا المعمدان "يَنْبَغِي أَنَّ ذلِكَ -يقصد المسيح- يَزِيدُ وَأَنِّي أَنَا أَنْقُصُ". فهم الكهنة المسيحيون أن الآية تشير إلى المسيح باعتباره النور الذي يضيء العالم، ولذلك اختاروا يوم 29 كيهك/ 25 ديسمبر باعتباره اليوم الذي يتوافق مع وقوع الانقلاب الشتوي فهو يشهد أطول ليلة وأقصر نهار في العام كله، وبعده يزداد النهار ويقصر الليل.

ظل المسيحيون جميعاً متفقين على الاحتفال بميلاد المسيح في هذا اليوم حتى حلت سنة 1582م. في تلك السنة، لاحظ بابا الكاثوليك جريجوري الثالث عشر أن يوم 25 ديسمبر لم يعد أطول أيام الليل في السنة. وبعد أن بحث الفلكيون كثيراً في تلك المسألة وجدوا أن هناك خطأ في حساب السنة اليوليانية المستخدمة في تلك الفترة.

كانت السنة اليوليانية -التي تُنسب ليوليوس قيصر- تُحسب بمقدار 365 يوماً وست ساعات. أثبت الفلكيون خطأ ذلك الحساب عندما اكتشفوا أن الأرض تكمل دورتها حول الشمس مرة كل 365 يوماً و5 ساعات و48 دقيقة و46 ثانية. يعني ذلك أن السنة اليوليانية كانت مخطئة بـ11 دقيقة و14 ثانية. عمل البابا على تصحيح هذا الوضع، فقام بحذف 10 أيام من التقويم اليولياني ليصحح الخطأ المتراكم على مدار الفترة الممتدة من 325م إلى 1582م. كذلك أمر بحذف ثلاثة أيام كل 400 عام، ليتم تفادي هذا الخطأ في المستقبل. عُرف هذا التعديل الجديد باسم التقويم الجريجوري نسبةً إلى البابا الكاثوليكي جريجوري الثالث عشر الذي أقر تلك التعديلات.

بدأ تطبيق تلك التعديلات في إيطاليا أولاً، ثم انتشر في باقي البلدان الكاثوليكية. في القرن السادس عشر الميلادي ظهرت الحركات المعارضة لنفوذ الكنيسة الكاثوليكية، وتشكلت الجماعات البروتستانتية في أوروبا وأميركا. واحتفل البروتستانت بميلاد المسيح في نفس ميعاد احتفال الكاثوليك. وهكذا صار يوم الخامس والعشرين من ديسمبر في التقويم الجريجوري هو اليوم المحدد للاحتفال بميلاد المسيح في أوروبا وأميركا.

 

الكنائس الأرثوذكسية


تحتفل الكثير من الكنائس الأرثوذكسية بميلاد المسيح في السابع من شهر يناير. ويرجع السبب في ذلك إلى كونهم رفضوا التعديلات الفلكية التي أجراها البابا جريجوري الثالث عشر في القرن السادس عشر.

يستند الأرثوذكس في رأيهم لما جاء في قرارات مجمع نيقية من تحديد يوم 29 كيهك في التقويم القبطي ليكون يوم ميلاد المسيح. يرى الأقباط أن تقويمهم أقدم وأدق التقويمات الزمنية التي استخدمها الإنسان عبر التاريخ. في ذلك المعنى، ينقل رشدي بهمان في كتابه "التقويم وحساب الأبقطي" عن المؤرخ اليوناني الأشهر هيرودوت قوله: "...وقد كان قدماء المصريين هم أول من ابتدع حساب السنة وقد قسموها إلى 12 قسماً بحسب ما كان لهم من المعلومات عن النجوم، ويتضح لي أنهم أحذق من الأغارقة (اليونانيين)، فقد كان المصريون يحسبون الشهر ثلاثين يوماً ويضيفون خمسة أيام إلى السنة لكي يدور الفصل ويرجع إلى نقطة البداية…".

بناء على ذلك أصرت الكثير من الكنائس الأرثوذكسية -وأهمها كل من الكنيسة القبطية، والكنيسة الروسية، والكنيسة السريانية، والكنيسة الأثيوبية- على الاحتفال بميلاد المسيح في التاسع والعشرين من كيهك ولم يعيروا انتباهاً للتقويمات الأخرى سواء كانت يوليانية أو جريجورية. بالتالي صار الاحتفال الأرثوذكسي بميلاد المسيح يأتي كل عام في يوم 29 كيهك الذي يتوافق مع السابع من يناير من كل سنة.

تجدر الإشارة إلى أن بعض الكنائس الأرثوذكسية خالفت ذلك الرأي. في سنة 1923م، قررت بعض الكنائس الأرثوذكسية -ومنها الكنائس في اليونان وقبرص- أن تترك التقويم اليولياني وأن تتبع السنة الجريجورية. ومن هنا بدأت في الاحتفال بميلاد المسيح في 25 ديسمبر كما هو الحال في الكنيسة الكاثوليكية.

في سياق آخر، حددت الكنيسة الأرمينية الأرثوذكسية يوم السادس من يناير من كل عام للاحتفال بميلاد السيد المسيح وعيد الغطاس معاً، ويسمى هذا العيد بعيد الظهور الإلهي.

 

آراء أخرى


توجد آراء أخرى مرتبطة بتحديد يوم ميلاد المسيح. على سبيل المثال، يرفض أعضاء طائفة شهود يهوه الاحتفال بتلك المناسبة. ويفسرون ذلك الرفض بقولهم: "نحن لا نحتفل بأيام الميلاد لأننا نؤمن أن الله لا يرضى عن هذه الاحتفالات... لم يحتفل المسيحيون الاوائل بأيام الميلاد... كما إن احياء ذكرى موت يسوع،‏ وليس ولادته،‏ هو الاحتفال الوحيد المطلوب من المسيحيين".

على الجانب الآخر، يرى الكثير من المؤرخين أن تحديد يوم الخامس والعشرين من شهر ديسمبر للاحتفال بميلاد المسيح قد توافق مع بعض الاحتفالات الوثنية القديمة التي عرفتها الثقافات الشائعة في منطقة بلاد الشام ومصر والعراق. 

على سبيل المثال، يذكر المفكر المصري سيد القمني في كتابه "الأسطورة والتراث" أن القصص الفارسية القديمة بينت أن الإله الفارسي ميثرا ولد في 25 ديسمبر. وكذلك قيل أن الإله المصري حورس ولد في اليوم نفسه. من هنا، فإن الرومان اعتادوا في القرون السابقة للميلاد على إقامة الاحتفالات بإله الشمس "سول انفكتوس"، أو "الشمس التي لا تقهر" في الخامس والعشرين من ديسمبر. وكان يُنظر إلى ذلك التاريخ باعتباره يوم الانقلاب الشتوي. والذي تتغير فيه طبيعة الأرض ليقصر النهار ويبدأ الليل في الطول.

بدورها، أدلت الكتابات التراثية الإسلامية بدلوها في هذا النقاش المحتدم. استند بعض المفسرين المسلمين لما ورد في الآية رقم 23 من سورة مريم ليحددوا توقيت ولادة المسيح. جاء في تلك الآية "...فَنَادَاهَا مِن تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا. وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا…".

ذهب البعض إلى أن المسيح ولد في فصل الصيف واستدلوا على ذلك بما ورد في الآية من وجود التمر وقت الولادة. ومن المعروف أن رطب التمر لا يظهر إلا في فصل الصيف. ومن الأدلة الأخرى التي استند إليها هؤلاء الباحثون ما ورد في العهد الجديد من أن الرعاة كانوا يسيرون في ليلة ميلاد المسيح بأغنامهم وهو الأمر الذي لا يستقيم مع البرد الشديد الذي يغطي فلسطين في أواخر شهر ديسمبر من كل عام.

مواضيع ذات صلة:

President Ahmed Hassan al-Bakr of Iraq, right, and Saddam Hussein, vice president and chairman of the Baath Socialist Party…
صورة أرشيفية لأحمد حسن البكر وصدّام حسين

في الثلاثين من يوليو 1968، كان عبد الرزّاق النايف، أولُ رئيس حكومة عراقية بعد انقلاب حزب البعث على حكم الرئيس عبد الرحمن عارف في 17 يوليو من ذلك العام، يتناول الغداء في القصر الجمهوري مع الرئيس أحمد حسن البكر، شريكه في الانقلاب.

وبدل أن تدخل القهوة لدى فراغهما من الطعام، دخل صدام حسين مع مجموعة من البعثيين المسلحين وطلبوا من رئيس الوزراء المصدوم مغادرة العراق فوراً.

كان ذلك انقلاباً على الانقلاب. دبّره صدّام حسين، بمباركة البكر، ونفذه بعد 13 يوماً فقط على نجاح البعثيين في الإطاحة بعبد الرحمن عارف، بالتعاون مع مجموعة من الضباط العسكريين المخضرمين الذين كانت لديهم خبرة في الانقلابات والتخطيط لها منذ الخمسينات، وعلى رأسهم البكر، و"الرجل الثاني في حزب البعث آنذاك"، الشاب صدّام حسين الذي كان يوصف بأنه "ذو طموح جامح وقاسي القلب"، وكان له حينها من العمر 31 عاماً فقط.

يروي عضيد داوشيه، في كتابه "العراق: تاريخ سياسي من الاستقلال إلى الاحتلال"، كيف دبّر البعثيون انقلاب السابع عشر من يوليو، عبر إغراء أهم شخصيتين كانتا إلى جانب عارف، وهما عبد الرزاق النايف، رئيس الاستخبارات العسكرية، وعبد الرحمن الداود قائد الحرس الجمهوري، الذين كانا يطمحان إلى السلطة والامتيازات. 

وبالفعل لعب النايف والداود دوراً رئيسياً في نجاح الانقلاب، وجرى الإعلان عن كابينة وزارية تتكون من البكر رئيساً، والنايف رئيساً للوزراء والداود وزيراً للدفاع.

لقطة من الوثائقي
"مسرحة الرعب" لدى صدام حسين.. صناعة الديكتاتورية بأعواد المشانق
أثر هذه الاعدامات ترك صداه على أجيال عراقية لسنوات قادمة، اذا تكتب هاديا سعيد في كتابها "سنوات مع الخوف العراقي" أنها كانت تسمع كلمة الإعدام "تتكرر مع رشفة استكان الشاي ومجة السيجارة وأمام صواني الطعام وبين سطور ما نقرأ أو نكتب". وتتابع أن الخوف "التحم بالنبضة والنظرة"،

وبحسب داوشيه، فقد كان صدّام حسين من أكثر المصرّين على احتكار البعث للسلطة، وأخبر المتآمرين البعثيين بعد نجاح الانقلاب في 17 تموز أن التخلص من النايف والداود بعد نجاح الانقلاب، لا يقل ضرورة عن التحالف معهما قبل الانقلاب. وطلب أن توكل إليه مهمة الانقلاب على غير البعثيين في مكان وزمان يحددهما هو فقط.

وهكذا حدد صدّام الثلاثين من يوليو موعداً لتنفيذ انقلابه على الانقلاب. فداهم النايف وهو يتناول الطعام مع الرئيس، وأبلغه التخلي عن خدماته وأمره بمغادرة العراق فوراً، كما أوصاه المسلحون الذين رافقوا صدّام بأن لا ينسى "إذا ما أراد البقاء على قيد الحياة، تحية الحرس قبل صعود سيارته الرسمية"، بحسب حازم صاغية في كتابه "بعث العراق: سلطة صدّام قياماً وحطاماً".

صورة لعبد الرزاق النايف من موقع ويكيبيديا

أما الداود، فجرى إيفاده إلى الأردن في مهمة تفاوضية، ثم جرى إعلامه بألا يرجع إلى العراق وأن يأخذ منصب سفير. وهكذا خلت الساحة تماماً لحزب البعث ليحكم ويشكّل بنية الدولة العراقية ويوجّه سياساتها.

إلا أن حكاية النايف مع صدّام حسين، لم تنته بمغادرته العراق، رغم امتثاله للأوامر. فبحسب صاغية: "بعد أن شُحن النايف جواً إلى المغرب، جرت في العام 1973 محاولة فاشلة لاغتياله هناك. تبعتها، بعد خمس سنوات، محاولة ناجحة في لندن".

وبحسب المؤرخ كمال الديب في كتابه "موجز تاريخ العراق"، فإن صدام "لم يترك النايف وشأنه، إذ لحقه إلى منفاه في لندن حيث اغتاله عملاء عراقيون في يوليو 1978 أمام فندق إنتركونتيننتال".