ظهرت لعبة الشطرنج للمرة الأولى في بلاد الهند في فترة غير معلومة على وجه اليقين. وسُميت اللعبة باسم الشطورانجا، وهو اسم أحد تشكيلات المعارك المذكورة في الملحمة الهندية الشهيرة ماهابهاراتا، ويشير إلى أربعة أقسام من الجيش، وهي الأفيال والعربات والفرسان والمشاة.
وشاع لعب الشطرنج في بلاد فارس، وعرف العرب اللعبة بعد اجتياحهم للإمبراطورية الفارسية الساسانية في النصف الأول من القرن السابع الميلادي.
تحول اسم اللعبة إلى الشطرنج، وانتشرت على نطاق واسع في أواخر حقبة الأمويين، حتى أن مروان بن محمد -آخر خلفائهم- أمر كاتبه عبد الحميد، أن يكتب رسالة لمنع لعب الشطرنج.
وعاد اهتمام الخلفاء بلعب الشطرنج مرة أخرى في العصر العباسي. ونقل المسلمون اللعبة إلى المغرب الإسلامي وإلى أوروبا عن طريق مراكز التواصل الحضاري في كل من صقلية وشبه الجزيرة الإيبيرية.
وفي أواخر القرن الرابع عشر الميلادي تم تطوير لعبة الشطرنج على يد الفرس المسلمين، وسميت اللعبة الجديدة بشطرنج تيمورلنك نسبة إلى الملك العظيم الذي قيل إنه أشرف على تطويرها بنفسه.
وتشير بعض التسميات المتعلقة بقطع الشطرنج، للاختلاف الثقافي والفكري بين الشعوب.
على سبيل المثال عرف الشطورانجا الهندي قطعة تعرف باسم "مانتري" ويعني اسمها المستشار الملكي، وعندما عرف الفرس الشطرنج أطلقوا على تلك القطعة اسم "الفرزان" بمعنى المستشار.
أما العرب، فاحتفظوا بالصيغة الذكورية للقطعة وأسموها الوزير، إلا أن الوضع مع انتقال الشطرنج لأوروبا والعالم الغربي، حيث ربط الأوروبيون بين تلك القطعة والسيدة مريم العذراء، فسماها الكاثوليك بمريم أو السيدة أو العذراء، بينما عرفها البروتستانت باسم الملكة.
الحكم الفقهي للعب بالشطرنج
يغلب الظن أن العرب لم يعرفوا الشطرنج قبل الإسلام، لذلك لم ترد أحاديث نبوية بشأنها، بينما وردت بعض الروايات الضعيفة التي نُسبت إلى النبي محمد في فترة متأخرة، وحاولت زجر الناس عن اللعب.
من تلك الأحاديث "ملعون من لعب بالشطرنج، والناظر إليها كآكل لحم الخنزير". "ومن لعب بالشطرنج فقد قارف شركاً ومن يشرك بالله فكأنما خر من السماء".
وتُنسب أشهر الروايات التي تطرقت لحكم اللعب بالشطرنج، إلى علي بن أبي طالب، حيث زُعم أنه قال في إحداها "الشطرنج ميسر العجم".، كما يُحكى أنه "مرّ يوماً بقوم يلعبون الشطرنج فقال: ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون؟".
ونهى الكثير من الفقهاء فيما بعد عن اللعب بالشطرنج، إذ قرنوه بلعب النرد الذي ورد في شأنه العديد من الأحاديث النبوية.
على سبيل المثال يقول ابن القيم الجوزية في كتاب الفروسية: "...ومفسدة الشطرنج أعظم من مفسدة النرد، وكل ما يدل على تحريم النرد فدلالته على تحريم الشطرنج بطريق أولى. . . وهذا قول مالك وأصحابه، وأبي حنيفة وأصحابه، وأحمد وأصحابه، وقول جمهور التابعين. . . ولا يُعلم أحدٌ من الصحابة أحلها ولا لعب بها، وقد أعاذهم الله من ذلك وكل ما نُسب إلى أحد منهم من أنه لعب بها كأبي هريرة فافتراء وبهت على الصحابة، ينكره كل عالم بأحوال الصحابة، وكل عارف بالآثار، وكيف يبيح خير القرون وخير الخلق بعد رسول الله اللعب بشيء صدُّه عن ذكر الله وعن الصلاة أعظم من صد الخمر إذا استغرق فيه لاعبُه، والواقع شاهد بذلك، وكيف يحرم الشارع النرد ويبيح الشطرنج وهو يزيد عليه مفسدة بأضعاف مضاعفة…".
على الرغم من ذلك، وردت بعض الروايات والآثار التي تؤكد أن العديد من الفقهاء القدامى لعبوا الشطرنج، ولم يجدوا فيه بأسًا. يذكر الزمخشري في كتابه "ربيع الأبرار" أن الفقيه الشعبي لمّا سُئل عن اللعب بالشطرنج، قال: "لا بأس به إذا لم يكن هناك تقامر وتباذل".
ونقل الزمخشري عن بعض أصحاب الفقيه محمد بن سيرين "كنا في السجن مع ابن سيرين فكان يمر بنا ونحن نلعب بالشطرنج، فيقوم قائما فيقول: ارفع الفرس، افعل كذا".
في السياق نفسه نقل الزمخشري على لسان التابعي سعيد بن المسيب "كنت ألعب بالشطرنج مع صديقي في بيته حين خفت الحجاج".
في الشعر والأدب
لمّا كان الشعر هو ديوان العرب، كان من الطبيعي أن يرد ذكر الشطرنج كثيرا في العديد من القصائد الشعرية.
ومن أشهر تلك القصائد تلك التي أنشدها الخليفة العباسي عبد الله المأمون واصفا رقعة الشطرنج وما عليها من قطع:
أرض مربعة حمراء من إدم... ما بين ألفين موصوفين بالكرم
تذاكرا الحرب فاحتالا لها شبها... من غير أن يسعيا فيها بسفك دم
هذا يغير على هذا وذاك على... هذا يغير، وعين الحرب لم تنم
فانظر إلى الخيل قد جاشت بمعركة... في عسکرين، بلا طبل، ولا علم
أيضًا اشتهرت قصيدة الشاعر الفارس أسامة بن منقذ عن الشطرنج، وكان صديقًا للسلطان صلاح الدين الأيوبي. ولمّا شاهده ذات مرة وهو يلعب بالشطرنج، أنشد قائلا:
انظرْ إلى لاعب الشطرنج يجمعها
مغالبا ثم بعد الجمع، يرميها
كالمرء يكدح للدنيا ويجمعها
حتى إذا ماتَ خلاَّها وما فيها!
من بين الكلمات البليغة التي قيلت في وصف لعبة الشطرنج أن الرشيد سأل الطبيب الشهير يوحنا بن ماسويه يوما عن رأيه في تلك اللعبة، فأجابه "يا أمير المؤمنين وهل معرفة لطيفة أو لذة جسيمة توجد إلّا في الشطرنج! أما علمت أنّ من مضوا من الحكماء كانوا يسمونها قلادة الحكم؟".
ومن الطرائف الشهيرة المرتبطة بلعبة الشطرنج، ما ذكره الزمخشري في ربيع الأبرار: "احتضر شطرنجي وهو يقول: شاه مات مكان الشهادة"!
من جهة أخرى، احتفظت كتب التراجم والطبقات بأسماء العشرات من الأدباء والنحويين والرياضيين الذين برعوا في لعبة الشطرنج وألفوا فيها الكتب والرسائل.
من هؤلاء كل من أبي العباس أحمد العدلي، وأبي العباس أحمد بن محمد بن الطبيب السرخسي، وأبي بكر محمد بن يحيى الصولي، ويعقوب بن محمد الحاسب، وأبي الفرج محمد بن عبيد الله اللجلاج. هذا فضلًا عن النحوي الشهير عبد الله بن أحمد بن الخشاب، الذي بلغ من شدة عشقه للشطرنج أنه كان "يلعب به مع العوام على قارعة الطريق"، بحسب ما يذكر ياقوت الحموي في كتابه "معجم الأدباء".
كما تذكر بعض المصادر أن "رهين المحبسين"، الشاعر أبو العلاء المعري كان يلعب الشطرنج، ولم يمنعه عماه عن ذلك.
خلفاء لعبوا الشطرنج
عُرف الكثير من الخلفاء والحكام والسلاطين بشغفهم بلعب الشطرنج. يذكر الشيخ الصدوق في كتابه "عيون أخبار الرضا"، أن الخليفة الأموي يزيد بن معاوية كان معروفا بلعب الشطرنج، حتى أنه "لمَّا حُمل رأس الحسين إلى الشام… أمرَ يزيد بالرأس فوُضع في طست تحت سريره وبسط عليه رقعة الشطرنج وجلس يزيد يلعب بالشطرنج، ويذكر الحسين بن علي وأباه وجدَّه ويستهزئ بذكرهم…".
وفي العصر العباسي، شغف معظم الخلفاء بلعب الشطرنج. يذكر جلال الدين السيوطي في كتابه "تاريخ الخلفاء"، أن هارون الرشيد كان "أول خليفة لعب بالشطرنج من بني العباس".
وتحكي بعض الروايات أن الرشيد أهدى للإمبراطور الفرنجي شارلمان رقعة ومعها أحجار بديعة الصنع للشطرنج، وذلك توطيدا للعلاقات الدبلوماسية المميزة بين الحاكمين.
وشغف محمد الأمين ابن هارون الرشيد أيضا بلعبة الشطرنج، ومما يذكر في هذا الشأن أن جيوش عبد الله المأمون لمّا حاصرت الأمين في بغداد، وطلب بعض الجنود منه أن يسرع بالهرب، طالبهم بالانتظار ريثما ينتهي من مباراة الشطرنج التي يخوضها، وقال الأمين: "صبرا صبرا فإني أتوقع الفوز بعد بضع نقلات".
على الرغم من شهرة تلك الرواية، إلا أنها لا تزيد عن أن تكون قصة مكذوبة حاول مؤلفوها التأكيد على عجز الأمين ورعونته وعدم استحقاقه لمنصب الخلافة.
أما الخليفة العباسي المعتضد فكان أكثر الخلفاء العباسيين شغفا وولعا بالشطرنج، وانتقل شغفه هذا إلى جميع معاونيه ومساعديه، ومما يعبر عن ذلك نقل الصابئ في كتابه "رسوم دار الخلافة" عن أحد الولاة زمن الخليفة المعتضد قوله: "كنت في أيام المعتضد، مع نظرائي من أولاد الأمراء والقُوّاد، مرسومين بالبقاء في دار الخلافة على رسم الخدمة بنوائب كانت لنا، وكنا نجتمع في حجرة نستريح فيها بعد انقضاء الخدمة وانصراف الموكب، فننزع خفافنا، ونضع عمائمنا عن رؤوسنا، ونلعب بالشطرنج والنرد".
الشطرنج والسلطة
ربط العقل الإسلامي بين لعبة الشطرنج وصراعات السياسة والسلطة، ويظهر ذلك فيما ذكره الزمخشري، عن أن سبب وجود لعبة الشطرنج أن ملوك الهند القدامى "ما كانوا يريدون القتال، فإذا تنازع فريقان في كورة أو مملكة تلاعبا بالشطرنج، فيأخذها الغالب من غير قتال".
في بعض الأحيان تم استدعاء لعبة الشطرنج لضرب المثل على الصراع الدائر على السلطة بين الملوك والسلاطين.
يحكي ابن الأثير في كتابه "الكامل في التاريخ"، أن السلطان الغزنوي محمود ابن سبكتكين، حين انتصر على مجد الدولة البويهي صاحب الري، أراد أن يضرب له المثل مستشهدا بلعبة الشطرنج، فكان الحوار:
ابن سبكتكين: أما قرأت شاهنامة، وهو تاريخ الفرس، وتاريخ الطبري، وهو تاريخ المسلمين؟
الري: بلى!
- ما حالك حال من قرأها، أما لعبت بالشطرنج؟
- بلى!
- هل رأيت شاها يدخل على شاه؟
- لا
- ما حملك على أن سلمت نفسك إلى من هو أقوى منك؟
ثم سيره إلى خراسان مقبوضاً، بحسب رواية ابن الأثير.
على الرغم من أن المصادر القديمة عملت على التأكيد على الصورة التقليدية للسياسي البارع بوصفه لاعبا ماهرا للشطرنج، فإن بعض الروايات تشذ عن ذلك النسق.
من ذلك ما أكدته بعض الكتابات أن الخليفة المأمون لم يكن يجيد لعب الشطرنج رغم حبه له. يقول المأمون في بعض الروايات معترفا بعجزه عن إجادة الشطرنج: "أنا أدير الدنيا فأتسع لذلك، وأضيق عن تدبير شبرين في شبرين!".
ويشير للمعنى نفسه في رواية أخرى "عجباً. كيف أدبّر مُلك الأرض من الشرق إلى الغرب ولا أحسن تدبير رقعة ذراعين في ذراعين!".
من بين القصص المثيرة عن لعبة الشطرنج في التاريخ الإسلامي، أن أحد الوزراء المسلمين استعان بها لإنقاذ مدينة إشبيلية من جيوش العدو التي كادت أن تقتحمها.
يحكي الكاتب المصري ثروت أباظة تلك القصة في كتابه "ابن عمار": "الوزير الداهية أبو بكر بن عمار لما وجد أن جيش ملك قشتالة ألفونسو السادس أحاط بإشبيلية فإنه عرف أنه لا سبيل للنجاة إلا الحيلة والذكاء. كان الوزير يعرف غرام ألفونسو بلعبة الشطرنج. قصد دكان أشهر الحرفيين في الأندلس وطلب منه أن يصنع له رقعة شطرنج كاملة بما عليها من قطع. وقال للصانع (أريده أَفخَمَ ما يكون الشطرنج، أريده من خالص الذهب ومن خالص الفضة وأريد أمهر الصنَّاع أن يتركوا أعمالهم جميعا فلا يفعلوا شيئا إلا أن يُتقِنوا صناعة هذا الشطرنج".
بعدها أخذ ابن عمار الرقعة وقصد معسكر ملك قشتالة، وتعمد أن يظهر ما معه أمام ضباط وجنود العدو.
لم يمر وقت طويل حتى طلب ألفونسو مقابلته، وسأله عن رقعته، فلما شاهدها افتتن بها، وأراد أن يشتريها بثمن باهظ. رفض ابن عمار العرض المغري. وقال للملك "أُلاعِبُك به فإن غلبتَني فهو لكَ وإن كانت الغلبةُ لي فإن لي عندك مطلبًا".
وافق ألفونسو على عرض ابن عمار. وتمكن الأخير من الانتصار في المباراة، ولما سأله الملك عن طلبه، قال له ابن عمار: إنه يريد رحيله من أمام أسوار إشبيلية. غضب الملك القشتالي وقال إن الأمر كان مجرد مزحة، فأصر الوزير على طلبه "إن هَذرَ الملوك جِدٌّ يا مولاي"، عندها استجاب ألفونسو لطلب ابن عمار وفك الحصار عن إشبيلية.
لا نعرف مدى المصداقية التاريخية لتلك القصة. ويُحتمل أنها تضمنت الكثير من المبالغات بهدف تعظيم دور حيلة ابن عمار في الدفاع عن إشبيلية، لكن يبقى الشاهد من القصة أنها أثبتت غرام الملوك والسلاطين بتلك الرقعة الصغيرة التي منحتهم الإحساس بالسلطة والتملك والقوة.
