لعبة الشطرنج- تعبيرية
لعبة الشطرنج- تعبيرية

ظهرت لعبة الشطرنج للمرة الأولى في بلاد الهند في فترة غير معلومة على وجه اليقين. وسُميت اللعبة باسم الشطورانجا، وهو اسم أحد تشكيلات المعارك المذكورة في الملحمة الهندية الشهيرة ماهابهاراتا، ويشير إلى أربعة أقسام من الجيش، وهي الأفيال والعربات والفرسان والمشاة.

وشاع لعب الشطرنج في بلاد فارس، وعرف العرب اللعبة بعد اجتياحهم للإمبراطورية الفارسية الساسانية في النصف الأول من القرن السابع الميلادي.

تحول اسم اللعبة إلى الشطرنج، وانتشرت على نطاق واسع في أواخر حقبة  الأمويين، حتى أن مروان بن محمد -آخر خلفائهم- أمر كاتبه عبد الحميد، أن يكتب رسالة لمنع لعب الشطرنج.

وعاد اهتمام الخلفاء بلعب الشطرنج مرة أخرى في العصر العباسي. ونقل المسلمون اللعبة إلى المغرب الإسلامي وإلى أوروبا عن طريق مراكز التواصل الحضاري في كل من صقلية وشبه الجزيرة الإيبيرية.

وفي أواخر القرن الرابع عشر الميلادي تم تطوير لعبة الشطرنج على يد الفرس المسلمين، وسميت اللعبة الجديدة بشطرنج تيمورلنك نسبة إلى الملك العظيم الذي قيل إنه أشرف على تطويرها بنفسه.

وتشير بعض التسميات المتعلقة بقطع الشطرنج، للاختلاف الثقافي والفكري بين الشعوب.

على سبيل المثال عرف الشطورانجا الهندي قطعة تعرف باسم "مانتري" ويعني اسمها المستشار الملكي، وعندما عرف الفرس الشطرنج أطلقوا على تلك القطعة اسم "الفرزان" بمعنى المستشار.

أما العرب، فاحتفظوا بالصيغة الذكورية للقطعة وأسموها الوزير، إلا أن الوضع مع انتقال الشطرنج لأوروبا والعالم الغربي، حيث ربط الأوروبيون بين تلك القطعة والسيدة مريم العذراء، فسماها الكاثوليك بمريم أو السيدة أو العذراء، بينما عرفها البروتستانت باسم الملكة.

 

الحكم الفقهي للعب بالشطرنج

يغلب الظن أن العرب لم يعرفوا الشطرنج قبل الإسلام، لذلك لم ترد أحاديث نبوية بشأنها، بينما وردت بعض الروايات الضعيفة التي نُسبت إلى النبي محمد في فترة متأخرة، وحاولت زجر الناس عن اللعب.

من تلك الأحاديث "ملعون من لعب بالشطرنج، والناظر إليها كآكل لحم الخنزير". "ومن لعب بالشطرنج فقد قارف شركاً ومن يشرك بالله فكأنما خر من السماء".

وتُنسب أشهر الروايات التي تطرقت لحكم اللعب بالشطرنج، إلى علي بن أبي طالب، حيث زُعم أنه قال في إحداها "الشطرنج ميسر العجم".، كما يُحكى أنه "مرّ يوماً بقوم يلعبون الشطرنج فقال: ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون؟".

ونهى الكثير من الفقهاء فيما بعد عن اللعب بالشطرنج، إذ قرنوه بلعب النرد الذي ورد في شأنه العديد من الأحاديث النبوية.

على سبيل المثال يقول ابن القيم الجوزية في كتاب الفروسية: "...ومفسدة الشطرنج أعظم من مفسدة النرد، وكل ما يدل على تحريم النرد فدلالته على تحريم الشطرنج بطريق أولى. . . وهذا قول مالك وأصحابه، وأبي حنيفة وأصحابه، وأحمد وأصحابه، وقول جمهور التابعين. . . ولا يُعلم أحدٌ من الصحابة أحلها ولا لعب بها، وقد أعاذهم الله من ذلك وكل ما نُسب إلى أحد منهم من أنه لعب بها كأبي هريرة فافتراء وبهت على الصحابة، ينكره كل عالم بأحوال الصحابة، وكل عارف بالآثار، وكيف يبيح خير القرون وخير الخلق بعد رسول الله اللعب بشيء صدُّه عن ذكر الله وعن الصلاة أعظم من صد الخمر إذا استغرق فيه لاعبُه، والواقع شاهد بذلك، وكيف يحرم الشارع النرد ويبيح الشطرنج وهو يزيد عليه مفسدة بأضعاف مضاعفة…".

على الرغم من ذلك، وردت بعض الروايات والآثار التي تؤكد أن العديد من الفقهاء القدامى لعبوا الشطرنج، ولم يجدوا فيه بأسًا. يذكر الزمخشري في كتابه "ربيع الأبرار" أن الفقيه الشعبي لمّا سُئل عن اللعب بالشطرنج، قال: "لا بأس به إذا لم يكن هناك تقامر وتباذل".

ونقل الزمخشري عن بعض أصحاب الفقيه محمد بن سيرين "كنا في السجن مع ابن سيرين فكان يمر بنا ونحن نلعب بالشطرنج، فيقوم قائما فيقول: ارفع الفرس، افعل كذا".

في السياق نفسه نقل الزمخشري على لسان التابعي سعيد بن المسيب "كنت ألعب بالشطرنج مع صديقي في بيته حين خفت الحجاج".

 

في الشعر والأدب

لمّا كان الشعر هو ديوان العرب، كان من الطبيعي أن يرد ذكر الشطرنج كثيرا في العديد من القصائد الشعرية.

ومن أشهر تلك القصائد تلك التي أنشدها الخليفة العباسي عبد الله المأمون واصفا رقعة الشطرنج وما عليها من قطع:

أرض مربعة حمراء من إدم... ما بين ألفين موصوفين بالكرم

تذاكرا الحرب فاحتالا لها شبها... من غير أن يسعيا فيها بسفك دم

هذا يغير على هذا وذاك على... هذا يغير، وعين الحرب لم تنم

فانظر إلى الخيل قد جاشت بمعركة... في عسکرين، بلا طبل، ولا علم

أيضًا اشتهرت قصيدة الشاعر الفارس أسامة بن منقذ عن الشطرنج، وكان صديقًا للسلطان صلاح الدين الأيوبي. ولمّا شاهده ذات مرة وهو يلعب بالشطرنج، أنشد قائلا:

انظرْ إلى لاعب الشطرنج يجمعها

مغالبا ثم بعد الجمع، يرميها

كالمرء يكدح للدنيا ويجمعها

حتى إذا ماتَ خلاَّها وما فيها!

من بين الكلمات البليغة التي قيلت في وصف لعبة الشطرنج أن الرشيد سأل الطبيب الشهير يوحنا بن ماسويه يوما عن رأيه في تلك اللعبة، فأجابه "يا أمير المؤمنين وهل معرفة لطيفة أو لذة جسيمة توجد إلّا في الشطرنج! أما علمت أنّ من مضوا من الحكماء كانوا يسمونها قلادة الحكم؟".

ومن الطرائف الشهيرة المرتبطة بلعبة الشطرنج، ما ذكره الزمخشري في ربيع الأبرار: "احتضر شطرنجي وهو يقول: شاه مات مكان الشهادة"!

من جهة أخرى، احتفظت كتب التراجم والطبقات بأسماء العشرات من الأدباء والنحويين والرياضيين الذين برعوا في لعبة الشطرنج وألفوا فيها الكتب والرسائل.

من هؤلاء كل من أبي العباس أحمد العدلي، وأبي العباس أحمد بن محمد بن الطبيب السرخسي، وأبي بكر محمد بن يحيى الصولي، ويعقوب بن محمد الحاسب، وأبي الفرج محمد بن عبيد الله اللجلاج. هذا فضلًا عن النحوي الشهير عبد الله بن أحمد بن الخشاب، الذي بلغ من شدة عشقه للشطرنج أنه كان "يلعب به مع العوام على قارعة الطريق"، بحسب ما يذكر ياقوت الحموي في كتابه "معجم الأدباء".

كما تذكر بعض المصادر أن "رهين المحبسين"، الشاعر أبو العلاء المعري كان يلعب الشطرنج، ولم يمنعه عماه عن ذلك.

 

خلفاء لعبوا الشطرنج

عُرف الكثير من الخلفاء والحكام والسلاطين بشغفهم بلعب الشطرنج. يذكر الشيخ الصدوق في كتابه "عيون أخبار الرضا"، أن الخليفة الأموي يزيد بن معاوية كان معروفا بلعب الشطرنج، حتى أنه "لمَّا حُمل رأس الحسين إلى الشام… أمرَ يزيد بالرأس فوُضع في طست تحت سريره وبسط عليه رقعة الشطرنج وجلس يزيد يلعب بالشطرنج، ويذكر الحسين بن علي وأباه وجدَّه ويستهزئ بذكرهم…".

وفي العصر العباسي، شغف معظم الخلفاء بلعب الشطرنج. يذكر جلال الدين السيوطي في كتابه "تاريخ الخلفاء"، أن هارون الرشيد كان "أول خليفة لعب بالشطرنج من بني العباس".

وتحكي بعض الروايات أن الرشيد أهدى للإمبراطور الفرنجي شارلمان رقعة ومعها أحجار بديعة الصنع للشطرنج، وذلك توطيدا للعلاقات الدبلوماسية المميزة بين الحاكمين.

وشغف محمد الأمين ابن هارون الرشيد أيضا بلعبة الشطرنج، ومما يذكر في هذا الشأن أن جيوش عبد الله المأمون لمّا حاصرت الأمين في بغداد، وطلب بعض الجنود منه أن يسرع بالهرب، طالبهم بالانتظار ريثما ينتهي من مباراة الشطرنج التي يخوضها، وقال الأمين: "صبرا صبرا فإني أتوقع الفوز بعد بضع نقلات".

على الرغم من شهرة تلك الرواية، إلا أنها لا تزيد عن أن تكون قصة مكذوبة حاول مؤلفوها التأكيد على عجز الأمين ورعونته وعدم استحقاقه لمنصب الخلافة.

أما الخليفة العباسي المعتضد فكان أكثر الخلفاء العباسيين شغفا وولعا بالشطرنج، وانتقل شغفه هذا إلى جميع معاونيه ومساعديه، ومما يعبر عن ذلك نقل الصابئ في كتابه "رسوم دار الخلافة" عن أحد الولاة زمن الخليفة المعتضد قوله: "كنت في أيام المعتضد، مع نظرائي من أولاد الأمراء والقُوّاد، مرسومين بالبقاء في دار الخلافة على رسم الخدمة بنوائب كانت لنا، وكنا نجتمع في حجرة نستريح فيها بعد انقضاء الخدمة وانصراف الموكب، فننزع خفافنا، ونضع عمائمنا عن رؤوسنا، ونلعب بالشطرنج والنرد".

 

الشطرنج والسلطة

ربط العقل الإسلامي بين لعبة الشطرنج وصراعات السياسة والسلطة، ويظهر ذلك فيما ذكره الزمخشري، عن أن سبب وجود لعبة الشطرنج أن ملوك الهند القدامى "ما كانوا يريدون القتال، فإذا تنازع فريقان في كورة أو مملكة تلاعبا بالشطرنج، فيأخذها الغالب من غير قتال".

في بعض الأحيان تم استدعاء لعبة الشطرنج لضرب المثل على الصراع الدائر على السلطة بين الملوك والسلاطين.

يحكي ابن الأثير في كتابه "الكامل في التاريخ"، أن السلطان الغزنوي محمود ابن سبكتكين، حين انتصر على مجد الدولة البويهي صاحب الري، أراد أن يضرب له المثل مستشهدا بلعبة الشطرنج، فكان الحوار:

ابن سبكتكين: أما قرأت شاهنامة، وهو تاريخ الفرس، وتاريخ الطبري، وهو تاريخ المسلمين؟

الري: بلى!

- ما حالك حال من قرأها، أما لعبت بالشطرنج؟

- بلى!

- هل رأيت شاها يدخل على شاه؟

- لا

- ما حملك على أن سلمت نفسك إلى من هو أقوى منك؟

ثم سيره إلى خراسان مقبوضاً، بحسب رواية ابن الأثير.

على الرغم من أن المصادر القديمة عملت على التأكيد على الصورة التقليدية للسياسي البارع بوصفه لاعبا ماهرا للشطرنج، فإن بعض الروايات تشذ عن ذلك النسق.

من ذلك ما أكدته بعض الكتابات أن الخليفة المأمون لم يكن يجيد لعب الشطرنج رغم حبه له. يقول المأمون في بعض الروايات معترفا بعجزه عن إجادة الشطرنج: "أنا أدير الدنيا فأتسع لذلك، وأضيق عن تدبير شبرين في شبرين!".

ويشير للمعنى نفسه في رواية أخرى "عجباً. كيف أدبّر مُلك الأرض من الشرق إلى الغرب ولا أحسن تدبير رقعة ذراعين في ذراعين!".

من بين القصص المثيرة عن لعبة الشطرنج في التاريخ الإسلامي، أن أحد الوزراء المسلمين استعان بها لإنقاذ مدينة إشبيلية من جيوش العدو التي كادت أن تقتحمها.

يحكي الكاتب المصري ثروت أباظة تلك القصة في كتابه "ابن عمار": "الوزير الداهية أبو بكر بن عمار لما وجد أن جيش ملك قشتالة ألفونسو السادس أحاط بإشبيلية فإنه عرف أنه لا سبيل للنجاة إلا الحيلة والذكاء. كان الوزير يعرف غرام ألفونسو بلعبة الشطرنج. قصد دكان أشهر الحرفيين في الأندلس وطلب منه أن يصنع له رقعة شطرنج كاملة بما عليها من قطع. وقال للصانع (أريده أَفخَمَ ما يكون الشطرنج، أريده من خالص الذهب ومن خالص الفضة وأريد أمهر الصنَّاع أن يتركوا أعمالهم جميعا فلا يفعلوا شيئا إلا أن يُتقِنوا صناعة هذا الشطرنج".

بعدها أخذ ابن عمار الرقعة وقصد معسكر ملك قشتالة، وتعمد أن يظهر ما معه أمام ضباط وجنود العدو.

لم يمر وقت طويل حتى طلب ألفونسو مقابلته، وسأله عن رقعته، فلما شاهدها افتتن بها، وأراد أن يشتريها بثمن باهظ. رفض ابن عمار العرض المغري. وقال للملك "أُلاعِبُك به فإن غلبتَني فهو لكَ وإن كانت الغلبةُ لي فإن لي عندك مطلبًا".

وافق ألفونسو على عرض ابن عمار. وتمكن الأخير من الانتصار في المباراة، ولما سأله الملك عن طلبه، قال له ابن عمار: إنه يريد رحيله من أمام أسوار إشبيلية. غضب الملك القشتالي وقال إن الأمر كان مجرد مزحة، فأصر الوزير على طلبه "إن هَذرَ الملوك جِدٌّ يا مولاي"، عندها استجاب ألفونسو لطلب ابن عمار وفك الحصار عن إشبيلية.

لا نعرف مدى المصداقية التاريخية لتلك القصة. ويُحتمل أنها تضمنت الكثير من المبالغات بهدف تعظيم دور حيلة ابن عمار في الدفاع عن إشبيلية، لكن يبقى الشاهد من القصة أنها أثبتت غرام الملوك والسلاطين بتلك الرقعة الصغيرة التي منحتهم الإحساس بالسلطة والتملك والقوة.

مواضيع ذات صلة:

العراقية نزيهة الدليمي أول امرأة تتولى حقيبة وزارية في العالم العربي
العراقية نزيهة الدليمي أول امرأة تتولى حقيبة وزارية في العالم العربي- تعبيرية

وردت أسماء الكثير من النساء المسلمات في كتب التراجم والطبقات باعتبارهن من العالمات اللائي قمن بإثراء العلوم الإسلامية على مر القرون. 

كما عُرفت العديد من النساء بالمشاركة في شؤون الحكم والسياسة، واشتهرت أخريات بأشعارهن. نلقي الضوء في هذا المقال على أبرز الشخصيات النسائية العراقية اللاتي أسهمن في ازدهار الحضارة الإسلامية.

 

الخيزران

هي جارية يمنية الأصل اشتراها الخليفة العباسي الثالث محمد بن عبد الله المهدي، وأحبها بشدة فأعتقها ثم تزوجها وصارت السيدة الأولى في البلاط. 

حظيت الخيزران بمكانة مُعتبرة في هرم السلطة العباسية واعتادت أن تدير بعضاً من شؤون الدولة، وأن تتصل بالقادة والوزراء. لمّا توفي زوجها وآل الحكم لابنها موسى الهادي، حاولت أن تنتهج النهج ذاته. في ذلك يقول ابن جرير الطبري في كتابه "تاريخ الرسل والملوك": "أرادت الخيزران أن تسلك به -يقصد موسى الهادي- مسلك أبيه من قبله في الاستبداد بالأمر والنهي…".

رفض الهادي مشاركة أمه في أعمال الخلافة والحكم، فاضطرت الخيزران أن تدبر مؤامرة للتخلص منه. يقول الطبري "دست إليه من جواريها لمّا مرض من قتله بالغم والجلوس على وجهه". لتقف بعدها بجوار ابنها الثاني هارون الرشيد، وعملت على مشاركته الحكم، لكنها سرعان ما توفيت عام 789، بعد عامين من وفاة الهادي.

زبيدة بنت جعفر

عُرفت زبيدة بنت جعفر بن أبي جعفر المنصور باعتبارها واحدة من أشهر النساء اللائي تربعن على هرم السلطة في الدولة العباسية. كان اسمها الحقيقي "أمة العزيز"، ولُقبها جدها المنصور بـ"زبيدة" لشدة بياضها.

تزوجت زبيدة من ابن عمها هارون الرشيد، وأتاح لها ذلك فرصة المشاركة في شؤون الحكم وإدارة الدولة. 

تُنسب لها العديد من المشاريع الخيرية الضخمة داخل بغداد وخارجها، كبنائها مسجداً كبيراً على نهر دجلة قرب قصر الخلافة، وتعميرها طريق الحج من الكوفة إلى مكة، وذلك عندما قامت بأداء "فريضة" الحج عام 187 هجرية، وهو الطريق الذي يعرف حتى الآن باسم "درب زبيدة".

إنجازات زبيدة وصلت أرض الحجاز، فعندما زارت مكة، لمست المعاناة الشديدة التي يمر بها الحجيج أثناء بحثهم عن الماء، فأمرت بحفر قنوات مائية كبيرة لسقي المياه. في هذا السياق، اشتهرت مقولتها لكبير العمال لمّا خوفها من ارتفاع تكاليف الحفر "اعمل ولو كلفتك ضربة الفأس دينار". يقال إنها أنفقت ما يزيد عن 1.700.000 دينار ذهبي في هذا المشروع.

كل تلك المشاريع، حدت بالباحث المعاصر لويس شيخو لأن يعتبرها المسؤولة الأولى عن النهضة التي عرفتها بغداد في عهد الرشيد. يقول شيخو في كتابه تاريخ الآداب العربية في القرن التاسع عشر والربع الأول من القرن العشرين: "...ولئن كنت رأيت له -أي هارون الرشيد- في تدبير المملكة ذلك التصرف الجميل فإني ما وجدته له في تدبير أهل بيته ومواليه وإنما يرجع الرأي في ذلك زوجه أم جعفر وهي أنفذ نساء العباسيين كلمة في الدولة...".

بشكل عام، بقيت ذكرى زبيدة حاضرة في العراق عبر القرون، ويعتقد الكثير من العراقيين خطأ أن زبيدة صاحبة المرقد المعروف باسم زمرد خاتون في وسط بغداد، ولكن في الواقع صاحبة هذا المرقد هي السيدة زمرد خاتون، أم الخليفة الناصر لدين الله العباسي الذي حكم بغداد في القرن الثالث عشر الميلادي.

رابعة العدوية

تُعدّ رابعة العدوية أشهر النساء المتصوفات على مدار التاريخ الإسلامي. عاشت رابعة في البصرة في القرن الثاني الهجري، ويُقال إنها سًميت برابعة لأنها كانت البنت الرابعة لأبيها. وتوفيت عام 180 هـ تقريباً.

تتحدث المصادر التاريخية عن المكانة المهمة التي حظيت بها رابعة العدوية بين أقرانها من العلماء والفقهاء، على سبيل المثال يذكر ابن الجوزي في كتابه "صفة الصفوة" أن الفقيه الكبير سفيان الثوري كان يقصدها لطلب العلم والدين، كما  وصفها بـ "المؤدبة التي لا يستريح إذا فارقها".

كذلك، وصفها ابن خلكان في وفيات الأعيان بأنها "من أعيان عصرها، وأخبارها في الصلاح والعبادة مشهورة...".

اشتهرت رابعة العدوية بحبها لذات الله، حتى عُرفت بـ "شهيدة العشق الإلهي" وتُحكى عنها الكثير من الروايات المثبتة لهذا الحب، من ذلك أن بعض الأشخاص شاهدوها يوماً ما وهي تتمايل، فلما سألوها عن السبب قالت لهم "سكرت من حب ربي الليلة، فأصبحت وأنا منه مخمورة".

كذلك عُرف عنها الزهد في ملذات الدنيا والتفرغ بشكل كامل للعبادة. يُقال إن واحداً من أغنياء البصرة أرسل لها ليعرض عليها الزواج، وأغراها بمهر عظيم فأجابت عليه برسالة جاء فيها "أما بعد، فإن الزهد في الدنيا راحة القلب والبدن، والرغبة فيها تورث الهم والحزن، فإذا أتاك كتابي فهيء زادك وقدم لمعادك، وكن وصي نفسك ولا تجعل وصيتك إلى غيرك، وصم دهرك واجعل الموت فطرك، فما يسرني أن الله خولني أضعاف ما خولك فيشغلني بك عنه طرفة عين، والسلام".

من جهة أخرى، تُنسب لرباعة العدوية العديد من القصائد التي اعتاد الصوفيون  ترديدها جيلاً بعد آخر، من ذلك:

"عرفت الهوى مذ عرفت هواك... وأغلقت قلبي عمن عاداك

وقمت أناجيك يا من ترى... خفايا القلوب ولسنا نراك

أحبك حبين حب الهوى... وحباً لأنك أهل لذاك

فأما الذي هو حب الهوى... فشغلي بذكرك عمن سواك

وأما الذي أنت أهل له... فكشفك لي الحجب حتى أراك"

ولدت زينب فواز في بلدة تبنين في جبل عامل بلبنان عام 1844. (مصدر الصورة: مجلة "المصور"، عدد خاص، سنة 1950).
من زينب فواز إلى منى الطحاوي.. أبرز الناشطات النسويات في العالم العربي
عرفت المنطقة العربية الحراك النسوي منذ فترة مبكرة. وظهرت العديد من الأفكار التقدمية الداعية لتحرير المرأة وإشراكها بشكل فعال في مختلف الأنشطة المجتمعية. نلقي الضوء في هذا المقال على مجموعة من أشهر الناشطات النسويات في العالم العربي المعاصر، لنرى كيف تمكن الحراك النسوي من التأثير على الأوضاع السياسية والاجتماعية.

شهدة الكاتبة

ولدت أم محمد شهدة بنت أحمد الإبري في سنة 484 هـ في بغداد لأسرة تجارية منحدرة من مدينة دينور. في شبابها، درست على يد أكبر المحدثين في بغداد، فيما بعد اضطلعت بمهمة رواية الحديث، واشتهرت بذلك حتى أُطلق عليها لقبا "مسندة العراق" و"فخر النساء".

ألفت شهدة كتاب بعنوان "العمدة من الفوائد والآثار الصحاح والغرائب"، كما روت بعض الكتب منها كتاب "العلم" ليوسف بن يعقوب القاضي، وكتاب "الأموال" لأبي عبيد، وكتاب "قرى الضيف" لابن أبي الدنيا، وكتاب "ذم المسكر" لابن أبي الدنيا. 

وحدث عنها مجموعة من كبار العلماء العراقيين كابن عساكر، والسمعاني، وابن الجوزي. وكتب عنها شمس الدين الذهبي في كتابه "سير أعلام النبلاء": "خالطت الدور والعلماء، ولها بر وخير...".

من جهة أخرى، كانت شهدة من بين العلماء المقربين للخليفة العباسي المقتفي لأمر الله. وبحسب ما تذكر الباحثة نجلاء كريم مهدي في دراستها "شهدة الكاتبة: قراءة في سيرتها وجهودها في العلوم الدينية" فإن الخليفة العباسي خصص لها أرضاً أقامت عليها مؤسسة تعليمية على ضفاف نهر دجلة، واستقبلت بها المئات من طلبة العلم، كما أوقفت عليها أموالاً كثيرة، لتصبح إحدى المؤسسات التعليمية المبكرة في العراق.

"أول طبيبة"، "أول محامية"، "أول وزيرة".. رائدات العراق في 100 عام الأخيرة
لم تتوان المرأة العراقية منذ تأسيس الدولة العراقية عام 1921 عن خوض كافة أنواع النضال لنيل حقوقها والحصول على المساواة مع الرجال والمساهمة بفاعلية في كافة مجالات الحياة وخدمة المجتمع، متحدية كافة العوائق السياسية والمجتمعية التي تقف في طريقها.

بولينا حسون

ولدت الصحافية بولينا حسون في مدينة الموصل العراقية عام 1895، وتنقلت في السنوات الأولى من حياتها بين مصر وفلسطين والأردن، ثم عادت للعراق عام 1922، بعد أن تأثرت كثيراً بالنهضة النسوية التي عايشتها أثناء فترة إقامتها في القاهرة على وجه الخصوص.

عام 1923، أصدرت حسون العدد الأول من مجلة "ليلى" وهي أول مجلة نسائية تصدر في العراق. ركزت المجلة على نشر موضوعات متنوعة حول تعليم المرأة وتحريرها ومشاركتها في ميادين العمل السياسي فضلاً عن بعض الجوانب الخاصة بتربية الأبناء والاقتصاد المنزلي والفنون والآداب. 

تضمن العدد الأول من مجلة "ليلى" نداء موجه إلى أعضاء أول مجلس تأسيسي عراقي. 

وفي 1923، خطت حسون خطوة أخرى مهمة في نشاطها النسوي عندما أسست أول نادي نسوي في العراق أسمته "نادي النهضة النسائية". لعب النادي جهوداً كبيرة في سبيل الحصول على الحقوق السياسية للمرأة العراقية بعد سنوات.

نازك الملائكة

وُلدت نازك الملائكة في 23 أغسطس 1923، في محلة العاقولية في بغداد. واسم عائلتها هو آل الجبلي، غير أن الأسرة عُرفت باسم الملائكة من قِبل الجيران والأصدقاء بسبب صفاتهم الأخلاقية الميالة للهدوء والسكينة.

تميزت أسرة نازك الملائكة بوجود العديد من الشعراء، الأمر الذي شجع نازك منذ نعومة أظافرها على قرض الشعر وإنشاده. 

في المرحلة الجامعية، درست نازك اللغة العربية وتخرجت من دار المعلمين العالية في سنة 1944، ثم التحقت بمعهد الفنون الجميلة، وتخرجت منه عام 1949. 

سافرت بعدها للولايات المتحدة الأميركية لمتابعة الدراسات العليا، وبعد عشر سنوات حصلت على شهادة الماجستير في تخصص الأدب المقارن. وبعد عودتها إلى العراق عملت نازك الملائكة كأستاذة محاضرة في جامعات بغداد والبصرة والكويت. 

في 1990، سافرت نازك الملائكة إلى مصر بالتزامن مع اندلاع حرب الخليج الأولى، واستقرت في القاهرة حتى توفيت عام 2007 عن عمر 83 عاماً، ودُفنت في مقبرة خاصة بالعائلة غربي القاهرة.

يرى الكثير من النقاد أن نازك الملائكة كانت من القلائل الذين تمكنوا من خلق حالة تجديدية حقيقية في ميدان الشعر العربي، فكانت أول من كتب الشعر الحر غير المقيد بالقافية في قصيدتها المسماة الكوليرا. 

فضلاً عن ذلك نشرت نازك العديد من الدواوين الشعرية المتميزة: "عاشقة الليل" في 1947م، و"شظايا ورماد" 1949، و"شجرة القمر" 1968، و"مأساة الحياة وأغنية الإنسان" 1977، و"الصلاة والثورة" 1978، كما أصدرت في 1962 كتابها "قضايا الشعر الحديث". 

تحدث بعض النقاد عن أثر نازك الملائكة على الوسط الشعري العراقي والعربي فقال: "نازك الملائكة لم تعد رمزاً من رموز الأدب والشعرية العراقية فحسب، بل أصبحت رائدة للشعر العربي بما طرحته مع السياب من قصيدة التفعيلة أو الشعر الحر، بل هي المرأة التي شقّت طريقها وسط الصعاب والمجتمع، لتكون الشاعرة المؤثّرة في الوسطين الأدبي والنسوي".

نزيهة الدليمي

ولدت نزيهة الدليمي عام 1923 في محلة البارودية ببغداد. بدأت دراستها الابتدائية والمتوسطة في مدرسة "تطبيقات دار المعلمات النموذجية". وفي 1939 أكملت دراستها الثانوية في المدرسة المركزية للبنات.

 في 1941، التحقت الدليمي بكلية الطب، وبعد تخرجها عملت في بعض المشافي الحكومية، مثل "المستشفى الملكي" ببغداد، ومستشفى "الكرخ"، وتنقلت بين بعض المدن العراقية. قبل أن يتم اختيارها ضمن إحدى البعثات العلمية التي درست مرض السل الذي تفشى بين السكان المقيمين قرب المياه.

بدأ النشاط النسوي لنزيهة الدليمي في أربعينيات القرن العشرين عندما التحقت بـ"الجمعية النسوية لمكافحة الفاشية والنازية".

بعد هزيمة دول المحور في الحرب، تغير اسم الجمعية إلى "رابطة نساء العراق"، وصارت الدليمي واحدة من قياداتها، وأشرفت على إصدار مجلة "تحرير المرأة". 

بعد فترة، قامت الحكومة العراقية بتفكيك الجمعية ومنعت نشر المجلة.

لم تيأس الدليمي، وحاولت أن تعيد النشاط النسوي إلى الواجهة مرة أخرى؛ فجمعت عشرات العراقيات اللائي تخرجن من الكليات وقدمت إلى الحكومة مقترحاً بتأسيس جمعية "تحرير المرأة"، لكنه قوبل بالرفض.

 يذكر الباحث موفق خلف غانم في كتابه "الدكتورة نزيهة الدليمي ودورها في تاريخ الحركة الوطنية والسياسية العراقية" أن الدليمي تابعت أنشطتها الحقوقية مع مطلع الخمسينيات. ففي 1950 شاركت في حركة "أنصار السلم العالمية" وكانت عضوة في اللجنة التحضرية التي كانت يرأسها محمد مهدي الجواهري. وبعد سنتين فقط، أُتيحت الفرصة للدليمي مواصلة النشاط النسوي عقب تأسيس "رابطة الدفاع عن حقوق المرأة العراقية"، لتُنتخَب كأول رئيسة لها.

في 1959، كُللت مجهودات الدليمي في مجالي الطب والعمل النسوي عندما تم اختيارها لتشغل منصب وزيرة البلديات في حكومة عبد الكريم قاسم. بموجبه، أضحت الدليمي أول امرأة تتسلم منصب وزير في تاريخ العراق والعالم العربي. 

ومن خلال منصبها الرفيع، تمكنت الدليمي من دعم الحركة النسوية في العراق، وذلك حين أسست "رابطة المرأة العراقية"، التي شاركت في صياغة قانون الأحوال الشخصية العراقي عام 1959.

اهتم هذا القانون بحقوق المرأة العراقية ووُصف بأنه "أول قانون تقدمي ليس في العراق فحسب، بل في المنطقة العربية كلها. وخطوة جريئة على طريق تطوير وضع المرأة"، كما يقول موفق خلف غانم في كتابه.