تمثال لجوديا أمير مملكة لكش المستقلة في أواخر الألفية الثالثة قبل الميلاد.
تمثال لجوديا أمير مملكة لكش المستقلة في أواخر الألفية الثالثة قبل الميلاد.

كشف علماء آثار من جامعتي بنسلفانيا الأميركية وبيزا الإيطالية النقاب عن اكتشاف أثري هام، في مدينة لكش السومرية (موقع "تلول العباء" جنوبي العراق)، يشكل الدليل المادي الأهم على وجود حانة عمومية قبل 4700 عام. ويتكامل هذا الاكتشاف مع اكتشاف آثاري سابق قبل خمس سنوات في موقع "كاني ماسي" في محافظة دهوك (إقليم كردستان العراق) ليلقيا مزيداً من الأضواء على مجتمع بلاد ما بين النهرين، بوصفه واحداً من أقدم المجتمعات الحضرية في العالم.

والاكتشاف الجديد هذا محصلة للموسم التنقيبي الرابع في "مشروع لكش الأثري" (بين 22 تشرين الأول/ أكتوبر و27 تشرين الثاني/ نوفمبر الماضيين)، برئاسة البروفيسورة الأميركية هولي بيتمان القيِّمة على قسم الشرق الأدنى في متحف الآثار والأنثروبولوجيا بجامعة بنسلفانيا، وبمساندة من البروفيسورة الإيطالية سارة بيزيمنتي من جامعة بيزا، وهو مشروع مشترك بين متحف الآثار والأنثروبولوجيا في جامعة بنسلفانيا، وجامعة كامبريدج، ومجلس الدولة للآثار والتراث في بغداد تم إطلاقه عام 2019 برعاية أممية، واستخدمت فيه تقنيات جديدة مثل التصوير الجوي، والتحليل الجيني للرفات والبقايا العضوية.

 

مئات الأكواب الخزفية

 

ووجد المنقبون في الخندق الثالث من الموقع غرفة فيها مئات الأكواب والأواني الخزفية، في العديد منها المحتوى الأصلي من الطعام والشراب، مع كميات وافرة من عظام الأسماك والحيوانات والمخلفات العضوية التي لا تزال في مكانها.

وفي أحد أركان الغرفة نفسها، عثر المنقبون على وعائن كبيرين مستديرين، وضع أحدهما داخل الآخر مع فراغات معبأة بقطع الفخار؛ توصل الباحثون إلى أنه أول جهاز تبريد من العصر البرونزي لتخزين المشروبات فيه. كما كشفوا عن فرن كبير، وفناء مليء بالمقاعد ومستوعبات طعام خزفية دفعت علماء الآثار للجزم بأن هذه الغرفة كانت حانة عمومية ذات يوم.

تعتمد استراتيجية البروفيسورة بيتمان في التنقيب على سبر المواقع العامة غير النخبوية، وهي استراتيجية جديدة تختلف عما كان الأمر عليه سابقاً حين كانت البعثات الثرية تركز على القصور ومجتمعات النخب الحاكمة، وهذه الاستراتيجية تنبع من اهتمامات بيتمان المتحفية التي تسعى لفهم الطبقات الاجتماعية الوسطى بين الحكام والمستعبدين، بغية الوصول إلى رواية قصة تطور الحضارة الإنسانية في بلاد ما بين النهرين خلال سبعة آلاف عام.

 

أكبر مجتمعات الشرق

 

وتنبع أهمية مدينة لكش من كونها أكبر المواقع الأثرية في الشرق الأوسط، حيث تزيد مساحتها على 600 هكتار، وتم استيطان هذا الموقع منذ سبعة آلاف سنة عام، واستمر ذلك إلى الألفية الثانية قبل الميلاد.

عملة عليها صورة الملك إيسباسينو عثر عليها في دورا اوروبس السورية.
"خاراكس".. مملكة ميسان التي تؤجل الفيضانات والحروب اكتشافها
شغل موقع مدينة "خاراكس" كما تسمى باليونانية، و"كرك سباسينو" كما تسمى بالتدمرية، علماء الآثار منذ القرن التاسع عشر، نظراً لأهمية هذه المدينة في التاريخ الكلاسيكي للعراق وإيران، ولأنها كانت واحدة من أهم المراكز التجارية العالمية خلال أكثر من خمسة قرون.

وتقول البروفيسورة بيتمان إن مدينة لكش بسبب أهميتها السياسية، كونها مملكة كانت تشمل 17 مدينة وما لا يقل عن 40 قرية، وكذلك الاقتصادية والدينية، فهي مركز سكاني مهم، مفتوح على الأراضي الزراعية الخصبة، ويضم محترفات كثيرة لإنتاج مستلزمات الحياة الحضرية.

وعد العراقيون القدماء "النينكار"، وهو شراب البيرة، مشروباً إلهياً، وكانت أكثر المشروبات شعبية في بلاد الرافدين. فبالإضافة لكونها مادة مغذية اعتُبِرت طعاماً عند السكان، استعملت كذلك لدفع أجور العمال في نصوص المحاسبة القديمة التي تصف الجعة بأنها حصص.

 

نينكاسي ربة البيرة

 

لعبت البيرة دوراً مهماً في الرسوم والأختام العائدة للطبقات الشعبية، ووصلت إلى الأدب والميثولوجيا السومرية. يقول عالم الآثار البريطاني جيرمي بلاك في كتابه "آداب سومر القديمة" إن البيرة "كانت أساسية في بلاد ما بين النهرين وما حولها منذ عصور ما قبل التاريخ، إذ كانت عملية التخمير فعالة في قتل البكتيريا والأمراض المنقولة بالماء، وقد سجّل الكتبةُ صناعة البيرة وتحكموا بها وتشهد بذلك أقدم السجلات المدوّنة؛ تلك التي كُتبت في نهايات الألفية الرابعة ق.م. واستهلك السكانُ البيرةَ بمختلف طبقاتهم الاجتماعية وقدّموها للآلهة وللأموات في طقوس إراقة الشراب".

تتعافى من كارثة داعش.. تعرف على مملكة الحضر القديمة
دمر داعش واجهات المعابد، وحطم التماثيل الموجودة في المكان بدعوى أنها "أصنام شركية"، وقام بحفريات عشوائية بحثاً عن دفائن وكنوز، مستعيناً بمهربي آثار محترفين كانوا يحصلون على امتياز تنقيب مما سمي بـ"ديوان الركاز"، الأمر الذي ترك خراباً واسعاً يحتاج مواسم عدة من الترميم والإصلاح.

ومن بين أوضح الأمثلة المعروفة في النصوص السومرية عن البيرة، "ترنيمة نينكاسي" التي تعود إلى حوالي 1800 قبل الميلاد، وتتضمن وصفة بيرة على شكل قصيدة تمتدح آلهة البيرة نينكاسي لنقعها الشعير في جرة، ونشر الهريس على حصائر القصب، من بين أشياء أخرى. ويمكن العثور على مزيد من الإشارات إلى البيرة في ملحمة جلجامش، وهي أقدم عمل أدبي باقٍ من بلاد ما بين النهرين، حيث يشرب أنكيدو المتوحش الذي نشأ في الغابة سبعة أباريق من البيرة، ليصبح محباً للحضارة بما يكفي لأن يصبح رفيق جلجامش.

 

الاستشراب الغازي

 

ومن المنتظر أن يتم تحليل بقايا الأشربة في أوعية الفخار؛ لاكتشاف مادة بيرة الشعير، بعد أن أصبح هذا الأمر متاحاً مع توصل البروفيسورة الفرنسية إليسا بيروتشيني قبل خمس سنوات لاكتشاف تقنية ثورية في عزل المواد العضوية تم تجريبها على مكتشفات في موقع "كاني ماسي"، في محافظة دهوك شمالي العراق.

وحسمت البروفيسورة بيروتشيني يومها أن المواد الملتصقة بطين الأكواب والجرار القديمة في موقع عين نوني، أو كما يسمى بالكردية "كاني ماسي"، الذي يقطنه الآشوريين المعاصرين، هو البيرة المذكورة كثيراً في نصوص بلاد الرافدين منذ العصر البرونزي، والمصورة في اللوحات الجدارية والأختام الطينية بكثرة.

والحفريات في موقع عين نوني هي جزء من استكشاف التوسع الإمبراطوري للبابليين في وادي نهر ديالى. حيث يعمل المنقبون في الموقع على تواريخ من 1415 قبل الميلاد إلى 1290 قبل الميلاد، في أواخر العصر البرونزي، بناء على الأدلة المادية مثل الفخار وممارسات الدفن.

ودرست البروفيسورة بيروتشيني الأبعاد الثقافية لسكان الموقع القدماء من خلال فحص الطعام والشراب الذي تناولوه. وقد سعت للوصول إلى أفضل طريقة لمعرفة هذه الأبعاد عبر تقنية "كروماتوجرافيا الغاز"، أو الاستشراب الغازي، وهي وسيلة في الكيمياء التحليلية لفصل وتحليل تركيبة المواد ذات خاصية التطاير، أي يمكن أن تتبخر من دون أن تتحلل، مثل المواد العضوية، علماً أن الاستشراب الغازي وسيلة تتيح فصل مواد بعضها عن بعض، ثم يتلو ذلك قياس نسب مكونات تلك المواد المفصولة ومعرفة تركيبتها، وذلك يكون غالباً عبر أي نوع من أنواع الكواشف المعروفة.

 

حلم تحقق!

 

كانت تلك هي المرة الأولى التي تستخدم فيها هذه التقنية بعلم الآثار لفحص مجموعة من المركبات بهدف تحديد شيء مثل البيرة. وقد سمحت لها هذه الطريقة بأن تكون دقيقة للغاية في تحليلها، إذ تطابقت المكونات المتبقية في الأوعية الفخارية مع عينات البيرة الحديثة.

وتقول بيروتشيني عن هذه العملية: "إنها في الواقع رخيصة التكلفة للغاية"، مضيفةً أن "علماء الآثار الآخرين يستطيعون تكرار أسلوبي في تحديد البيرة أو المخلفات الأخرى في البقايا القديمة". 

صورة عن صفحة مايكل دانتي
كنوز نينوى الآشورية بدأت بالظهور.. اكتشاف بوابة تخلد منجزات الملك أدد نيراري
أعلن البروفسور مايكل دانتي مدير برنامج تثبيت التراث العراقي في جامعة بنسلفانيا، أمس على صفحته في موقع التواصل الاجتماعي "فيسبوك" أن البعثة المشتركة الأميركية العراقية اكتشفت بلاطة باب عليها كتابة آشورية محفوظة جيداً تعود لقصر الملك الآشوري أدد نيراري الثالث (811 - 783 ق.م) في نمرود

ويعد هذا الاكتشاف نقلة نوعية يمكن أن تشكل منجماً من المعلومات حول الأطعمة والأشربة القديمة من دون تلوث بفعل التقادم، ودخول عناصر من أزمنة أخرى، وهو حلم قديم لعلماء الآثار كما عبرت عن ذلك البروفيسورة مارا هورويتز، مؤسسة ومديرة استوديو ألبيون لعلم الآثار التجريبي في دانبري، كونكتيكت.

وإلى أن تظهر النتائج يمكن أن نتخيل شوارع مدينة لكش وهي تمتلئ بالحانات التي يتجمع فيها أبناء الطبقة الوسطى لتمضية سهراتهم بعد يوم عمل شاق في محترفاتهم.

 

مواضيع ذات صلة:

نساء كرديات سوريات يرتدين الزي التقليدي خلال الاحتفال بـ"يوم اللباس الكردي" في مدينة القامشلي ذات الأغلبية الكردية في محافظة الحسكة شمال شرق سوريا.
نساء كرديات سوريات يرتدين الزي التقليدي خلال الاحتفال بـ"يوم اللباس الكردي" في مدينة القامشلي ذات الأغلبية الكردية في محافظة الحسكة شمال شرق سوريا.

تعرف المجتمعات العربية تنوعاً عرقياً ودينياً فريداً من نوعه، إذ تعيش في المنطقة مجموعات متباينة من العرب والأكراد والتركمان والأمازيغ فضلاً عن طوائف متنوعة من الزرادشتيين والمندائيين والأيزيديين والمسيحيين واليهود الذين يعيشون بجانب المسلمين السنة والشيعة. تميزت تلك المجموعات بأزياء وملابس شعبية متوارثة على مر القرون، حتى دخلت في تشكيل هويتها الجمعية.

ما هي أهم الملابس والأزياء التقليدية المعروفة في المنطقة العربية؟ وكيف ارتبطت تلك الأزياء بالهوية والذاكرة؟

 

العراق والخليج

توجد العديد من الملابس التي ارتبطت ببعض المجموعات العرقية المعروفة في العراق. فعلى سبيل المثال يُعدّ العنصر الكردي أحد المكونات الرئيسة في التركيبة السكانية العراقية، ويتميز الأكراد ببعض الأزياء القومية التي يحرصون على ارتدائها في المناسبات الخاصة.

يمكن تقسيم الزي الذي يلبسه الرجل الكردي إلى نوعين: الأول ويطلق عليه "بشم وبركير" وهو منتشر بشكل واسع بين الكرد في كل من تركيا وسوريا وأجزاء من العراق، ويتألف من قطعتين من اللون ذاته، الجاكيت والسروال، ويكونان فضفاضين، ويُستعمل معهما قماش يُلف على الوسط ويُطلق عليه "شوتك" وغطاء للرأس يسمى "جمداني". تُصنع تلك الأزياء من صوف الخراف والماعز، بشكل عام. وتُلون بالأسود، والأبيض، والأزرق، والبني، والرمادي.

أما النوع الثاني فيُطلق عليه اسم "كورتك وشروال"، ويتكون هو الآخر من قطعتين: جاكيت وسروال، وحزام للوسط مع غطاء للرأس، وهو يستعمل الأقمشة المستعملة في صناعة الملابس الغربية.

 أما المرأة الكردية فيتكون زيها التقليدي من دشداشة طويلة، ذات كمين طويلين يرتبطان بذيلين مخروطيين طويلين أيضاً يسميان في اللغة الكردية بـ"فقيانة". وفي الغالب تخاط هذه الدشداشة من قماش شفاف ذي خيوط حريرية ناعمة الملمس ومطرزة بأنواع مختلفة من المنمنمات. تحت هذه الدشداشة ترتدي المرأة الكردية قميصاً داخلياً رقيقاً وحريرياً، لكنه ذو لون داكن وغير شفاف ليصبح بمثابة خلفية عاكسة للدشداشة الشفافة، أما الجزء العلوي من هذا الزي فإنه مؤلف من سترة قصيرة جداً بلا أكمام.

تعرف بلاد الرافدين أيضاً مجموعة من الأزياء التقليدية التي ارتبطت ببعض المناطق والأقاليم. في كتابه "الملابس الشعبية في العراق"، يسلط الباحث وليد الجادر الضوء على ذلك النوع من الملابس.

يصف الجادر ملابس البدو وسكان الأرياف بالبسيطة. وتتألف في العادة من السروال والدشداشة، ويُرتدى فوقهما العباءة المنسوجة من الوبر، والتي تكون -في أغلب الأحيان- باللونين الأبيض والأسود، بالإضافة إلى الكوفية والعقال المصنوع من الوبر، أما نساء البدو فيرتدين العباءة الصوفية، وفي وسطها حزام صوفي خشن عريض، ويزين نهايته بأهداب أو شراشيب.

يختلف الحال في مناطق البصرة وجنوبي العراق وبعض أنحاء الخليج. ترتدي النساء في تلك الأنحاء "الزي الهاشمي"، وهو عبارة عن ثوب من قماش رقيق جداً وواسع الأكمام والأطراف، يُلون عادة باللون الأسود. ويُحلى بأشكال مرسومة من خيوط الذهب. ويُرتدى في مناسبات الأعياد والاحتفالات، كذلك ترتدي المرأة البصرية العباءة، وكانت تُعرف قديماً بالجزية أو المبرد، وهي تغطي الجسم من الكتف، وتصاحبها "الشيلة" وهي غطاء للشعر ترتديه النساء تحت العباءة.

أيضاً، تُعدّ "الصاية" من الأزياء الشعبية العراقية المشهورة، وتتكون الصاية من ثوب طويل مفتوح من الأمام، وغالباً يكون دون أكمام وهو عبارة عن صدرين وظهر. يلتف صدر الثوب الأيمن على الصدر الأيسر.

في دراسته "الأكسية والألبسة الشعبية في مدينة سامراء خلال القرن العشرين"، يوضح الباحث بكر عبد المجيد محمد بعض الأزياء الفلكلورية التي عُرفت في مناطق وسط العراق، ومنها "الدميري"، وهو لباس خاص بكبار الرجال، يشبه السترة إلا ان ردنيه عريضتان، وفي نهاية كل ردن فتحة بمقدار خمسة عشر سنتمترا. وهو على نوعين: المطرز والعادي بلا تطريز. أما "الزخمة" فهو لباس يشبه السترة إلا إنه من غير أكمام، وفي مقدمته ستة أزرار تكون أشكالها حسب الطلب، فضلاً عن "السروال"، وهو من الملابس الشعبية، ويشبه البنطلون، والعامة من سكان سامراء يسمونه "شروال".

 

مصر

تذكر الباحثة علا الطوخي إسماعيل في دراستها "الأزياء فى الثقافة الشعبية" أن هناك علاقة وطيدة بين الأزياء الشعبية المصرية من جهة، والعادات والتقاليد المتوارثة التي عرفتها حضارة وادي النيل من جهة أخرى.

من هنا، فإن الأزياء الشعبية المصرية صارت أحد العلامات الفارقة في الفلكلور المصري المتوارث على مر القرون.

بشكل عام، تُعرف "الجلابية" باعتبارها الزي المصري التقليدي للرجال في المناطق الريفية في الدلتا والصعيد، وهي عبارة عن رداء طويل وفضفاض له أكمام طويلة، وهي دون ياقة ولها فتحة رقبة مستديرة، وبشق طويل من الأمام بدون أزرار، وتلبس فوقها الشيلان البيضاء والملونة.

في السياق نفسه، يتكون الزي التقليدي للمرأة المصرية من 3 طبقات يسمونه بـ "التزييرة". عرفت الطبقة الأولى باسم "السبلة"، وهي جلابية واسعة وأكمامها طويلة تلبسها المرأة فوق ملابس المنزل كي تغطيها تماماً، والطبقة الثانية قطعة قماش تغطي بها رأسها وأكتافها اسمها "الحبرة". أما القطعة الثالثة فهي "اليشمك"، وكانت تستخدم في إخفاء الوجه، ويغلب الظن أن المصريين استعاروا اليشمك من العثمانيين.

ومن الملاحظات المهمة أن أشكال الأزياء الشعبية المصرية اختلفت من منطقة لأخرى. ففي سيناء تأثرت الملابس بروح البداوة والترحال، ولذلك اعتمد الرجل في ملابسه على الأزياء العربية التقليدية مثل الغترة، والعقال، والبشت، والعباءة، بينما اعتادت المرأة ارتداء ثوب أسود فضفاض طويل محاط بحزام مطرز يحكم منطقة الوسط ويعلو رأسها وشاح أسود أيضاً يغطي جسدها بالكامل مع وجود برقع على الوجه مزين بالحلي.

في محافظة مطروح تأثرت الأزياء الشعبية بنمط الملابس المنتشر في شرقي ليبيا. في هذا السياق، اعتاد الرجال على ارتداء "المَلِف" ويتكون من قطعتين من الصوف المطرز يدوياً، وهو عبارة عن "سدرية"، وهي صدرية بلا أكمام وبلا أزرار وسروال واسع يرتدى تحت الثوب. يختلف الوضع في الإسكندرية والمدن الساحلية في شمالي مصر.

وكان من الشائع أن يرتدي الرجال ملابس الصيادين المكونة من السروال الأسود الفضفاض والقميص الأبيض، فيما اعتادت النساء  ارتداء الجلباب والملاية اللف التي لا تزال تُباع حتى الآن في أسواق بعض الأحياء الشعبية في الإسكندرية.

 

سوريا

يلقي الباحث عبد العزيز حميد صالح الضوء على الملابس التقليدية السورية في كتابه "الأزياء عند العرب عبر العصور المتعاقبة"، فيقول: "يمكن القول إن الأزياء الشعبية التراثية التقليدية في سوريا كانت خلال القرون الثلاثة أو الأربعة الأخيرة منوعة أكثر مما كانت عليه في أي إقليم عربي آخر، فكانت لكل مدينة كبيرة في هذه البلاد ملابسها المتميزة ببعض الخصائص التي قلما نجدها في المدن السورية الأخرى".

بحسب صالح، تتألف الملابس التقليدية السورية الرجالية من القميص والصدرية والسروال فضلاً عن مجموعة مختلفة من أغطية الرأس التي تتباين أشكالها من مدينة إلى أخرى، وفي العادة، يُلون القميص باللون الأبيض، ويكون قصيراً، وبكمين طويلين يصلان إلى مفرق الرسغ. أما السروال فيكون فضفاضاً في الأعلى وضيقاً في الأسفل، فيما تتألف الصدرية من رداء قصير مفتوح من جهته الأمامية، يغطي الصدر والظهر فقط، وغالباً ما تُصنع الصدرية من قماش قطني أو من الحرير في موسم الصيف، ومن الجوخ الأسود أو الأزرق في موسم الشتاء بالنسبة للأغنياء.

من جهة أخرى، تتنوع الملابس الفلكلورية النسائية في سوريا وتتباين من منطقة لأخرى من حيث الألوان،وطرق الزخرفة والتطريز.

من الملاحظات المهمة أيضاً، أن الأزياء النسائية عبرت عن بعض الأوضاع الاجتماعية والحضارية، فعلى سبيل المثال، اعتادت المرأة المتزوجة في دمشق  ارتداء غطاء للرأس يعرف بـ "البخنق" وهو عبارة عن قطعة قماش سوداء رقيقة تغطي بها المرأة عنقها وصدرها، في حين اعتادت النساء الريفيات ارتداء غطاء رأس مختلف يعرف بـ "البرقع".

وفي السنوات السابقة، حظيت الملابس التقليدية بسوريا بقدر وافر من الاهتمام. في يوليو 2008، أُقيم معرض للأزياء الشعبية في إدلب.

وفي يوليو 2019، تم تنظيم المهرجان السنوي الأول للأزياء الفلكلورية في الحسكة شمال شرقي سوريا، عُرضت فيه نماذج متباينة من الأزياء التقليدية التي تنتمي للكرد والعرب والسريان والشركس.

 

الدول المغاربية

تعرف الدول العربية المغاربية تنوعاً كبيراً في أزيائها التقليدية. ففي تونس، توجد "الجبة"، وهي عبارة عن سترة طويلة دون أكمام يتم ارتداؤها فوق قميص وسترة وبنطال فضفاض. و"البرنس" ويشبه العباءة الطويلة والفضفاضة ولكنه دون أكمام.

و"الملية أو الحِرام" وهو الزي الشعبي الذي ترتديه العرائس في الجنوب الشرقي التونسي، و"السفساري" وهو عباءة بيضاء اللون، بشكل عام، تحتفي تونس بأزيائها الفلكلورية، وتخصص الدولة السادس عشر من مارس فى كل عام لإحياء اليوم الوطني للملابس التقليدية.

على الجانب الآخر، تشترك كل من الجزائر والمغرب في العديد من الأزياء التقليدية المعروفة. منها على سبيل المثال، "الكندورة"، وهو لباس فضفاض وقصير، بأكمام قصيرة، يرتديه الرجال في فصل الصيف عادة، و"القفطان" الذي تعود أصوله إلى القرن الثاني عشر ميلادي. ويتميز بالتطريز اليدوي كالرباطي نسبة إلى مدينة الرباط أو الفاسي نسبة إلى فاس في المغرب، كما أنه ينتشر في الجزائر أيضا.

هذا، فضلاً عن "الملحفة" التي ترتديها النساء في المنطقة الصحراوية في البلدين، وهي عبارة عن ثوب واحد طويل. وتلتف حول الجسد بعد أن يتم ربطها عند الكتفين، وتتباين أشكالها من حيث الألوان والزركشة.

بشكل عام، ارتبطت العديد من الأزياء التقليدية المغاربية بإثارة الجدل. ومنها لباس "الحايك" الذي يرجع إلى أصول أندلسية قديمة، وينتشر في مناطق مختلفة من المغرب والجزائر.

في الحقبة الاستعمارية، ارتبط الحايك برمزية وطنية، وقد  كانت النساء تخبئن تحته الأسلحة لتوصيلها للمقاومين. وفي مارس 2023، تسبب الحايك في إثارة الجدل بين المغرب والجزائر على مواقع التواصل الاجتماعي، ووقع ذلك عندما تجولت مجموعة من النساء المغربيات في مدينة طنجة وهن يرتدين الحايك للاحتفال بعيد المرأة، وأثار ذلك غضب الجزائريين، الذين رأوا أن "وسائل الإعلام المغربية نسبت ثوب الحايك للمغرب"، وهو برأيهم "ليس منها".

في السياق نفسه، تسبب "القفطان" في إثارة مشكلة إعلامية كبيرة بين المغرب والجزائر، وذلك بعدما صرح وزير الثقافة الجزائري الأسبق، عز الدين ميهوبي، بأن الجزائر ستتقدم بملف لمنظمة اليونسكو لإدراج القفطان لباسا تقليديا جزائريا محضا، ما أثار غضب المغرب التي تعتبر أن لها أيضاً دورا في إخراج زي القفطان إلى العالمية.