مسجد في السويد- تعبيرية
مسجد في السويد- تعبيرية

خلال عصر الفايكنج ، كانت هناك اتصالات بين ما يُعرف الآن بالسويد والعالم الإسلامي، وخاصة الخلافة العباسية والأندلس في إسبانيا الحالية. 

أطلق الفايكنج على المناطق الإسلامية اسم "ساركلاند"، وهو الاسم المفترض نظرياً أنه مشتق من الكلمة العربية لـ "الشرق"، بالتالي يعني "إيستلاند"، أو من اسم الملابس الطويلة للرجال " särk"، وهو ما يقابل الجبة أو الثوب الذي شاهده الفايكنج على المسلمين.

هاجم الفايكنج الأندلس المسلمين في مناسبتين، لكن العديد منهم استقروا هناك أيضا واعتنقوا الإسلام فيما بعد.

اشتهر الفايكينج بصناعة الجبن وقاموا بتوريد الجبن عالي الجودة لمدن إشبيلية وقرطبة (قرطبة) المسلمة آنذاك. نعم، ربما كان مترجم القرآن العظيم الإمام القرطبي نفسه يأكل الجبن السويدي.. من يعرف؟

كما أرسل ملك قرطبة، عبد الرحمن الثاني، بعثات دبلوماسية إلى الفايكنج في الشمال. وحافظ الحكام المسلمون والفايكنج على علاقات جيدة، وهو الشيء الذي عاش لاحقا في الذاكرة المحلية. 

توجد داخل الكاتدرائية في لوند ساعة فلكية من أوائل العصور الوسطى، حيث تم تصوير شخصيتين مسلمتين، ربما علماء فلك، وأبدى الباحث كريستيان إثيريدج الذي زار الكاتدرائية الملاحظة التالية:

"أثناء وجودي في الكاتدرائية، ذهبت إلى الساعة الفلكية التي تعود للقرون الوسطى لأنتظر الشخصيات المتحركة والموسيقى المصاحبة على رأس كل ساعة. بينما كنت أنتظر، لاحظت أربعة أشكال منحوتة وُضعت في كل ركن من أركان قمة الساعة. كانت الشخصيات ترتدي ثياباً غريبة حتى أن أحدهم كان يرتدي عمامة، مما أعاد إلى الأذهان على الفور صورة عالم فلك عربي. هذا يتحدى افتراضاتي السابقة بأن المسلمين تم تصويرهم بشكل سلبي في الدول الإسكندنافية في العصور الوسطى. في الواقع، بدا أنه كان هناك شعوراً بالفخر بأن هذه الشخصيات يجب أن يكون لها مكان بارز هنا داخل جدران أحد أهم المباني الكنسية في الدول الإسكندنافية في العصور الوسطى".

 

العصور الوسطى

في عهد الملك غوستاف فاسا كان  هناك اتصالات دبلوماسية مع المسلمين، ويعتبر من أهم الملوك في التاريخ السويدي ومؤسس السويد الحديثة. زعيم له مكانة مماثلة لصلاح الدين الأيوبي أو الفاتح سلطان محمد بين المسلمين.

قاد  فاسا نضالا سياسيا وعسكريا ضد الدنمارك وجعل السويد دولة مستقلة، وتوفي عام 1560 ورُزق بثلاثة أبناء أصبحوا جميعا فيما بعد ملوكا، وهم إريك ويوهان وكارل.

في عهد يوهان الثالث، نرى واحدة من أولى الزيارات المعروفة للمسلمين إلى السويد. في عام 1579، وصل وفد دبلوماسي من محمد جيراي، سلطان خانات القرم المسلم، في شبه جزيرة القرم الحالية على البحر الأسود لمناقشة هجوم مشترك على روسيا. 

استمرت الاتصالات مع تتار القرم طوال فترة القوة السويدية. وفي عام 1669، زار 12 شخصا تحت قيادة يونس آغا ، الذي مكث أكثر من عام بقليل.

وكان لدى الملك كارل الثاني عشر، الذي حكم بين عامي 1697 و1718، الكثير من التفاعل والصلات مع المسلمين. في عام 1700 دخلت السويد في حرب الشمال العظمى، وهي حرب كبيرة استمرت قرابة  20 عاما بين السويد وروسيا والدنمارك وبولندا والعديد من الدوقيات الألمانية. 

وبعد أن خسر تشارلز الثاني عشر معركة في روسيا، في بولتافا عام 1709، أُجبر هو والجيش السويدي على الفرار، وهربوا إلى الأراضي التركية في مولدافيا الحالية، حيث التمسوا الحماية من السلطان التركي أحمد الثالث.

 مُنح تشارلز الثاني عشر وبقايا الجيش السويدي الحماية، واستقروا في بلدة تسمى بندر. خلال هذه الفترة، بين عامي 1709 و 1713، كانت هناك العديد من القصص عن التفاعلات بين السويديين والمسلمين.

في يومياته، ذكر المستشار السويدي فون كوشن كيف أرسل الأتراك أئمة ذوي دراية دينية إلى معسكرات السويديين للقيام بالدعوة وشرح الإسلام لهم. 

تذكر المصادر أيضا أن العديد من الجنود السويديين والضباط النبلاء اختاروا اعتناق الإسلام والبقاء أو الذهاب إلى الخدمة التركية. وزار آخرون المساجد ولاحظوا كيف صام الأتراك في رمضان. كما تعلم البعض اللغة التركية وأصبحوا أصدقاء جيدين مع ممثلين الباب العالي الأتراك. 

يذكر موقع "الإسلام الآن" باللغة السويدية، أنه خلال الفترة التي قضاها في الإمبراطورية العثمانية، أخذ كارل الثاني عشر العديد من القروض من كل من المسلمين والمسيحيين واليهود من أجل البقاء على قيد الحياة ومساعدة الجيش السويدي، ولكن أيضا لتغطية نفقات أخرى. ومع ذلك، لم يكن قادرًا على السداد على الفور، ثم غادر الإمبراطورية العثمانية دون أن يدفع.

 أدى ذلك إلى قيام العديد ممن يدين لهم بالمال باختيار السفر إلى السويد لاسترداد قروضهم، حيث جاءت مجموعة من حوالي 60 شخصا ، معظمهم من المسلمين إلى السويد عام 1715. وتم إسكان العديد منهم في الأميرالية (مقر البحرية السويدية) في مدينة كارلسكرونا. 

هنا نشأت مشكلة أخرى، وهي أن المسلمين وكذلك اليهود الذين جاؤوا أرادوا ممارسة شعائرهم الدينية، وأداء صلواتهم، وصلاة الجمعة، والاحتفال بالعيد وإعلاء أركان الإسلام، لكن تم منع المسلمين واليهود والكاثوليك أيضا من ممارسة شعائرهم الدينية على الأراضي السويدية، لأنه وفقًا لقانون الكنيسة لعام 1688، كان من غير القانوني أن تكون أي شيء آخر غير مسيحي بروتستانتي في السويد. 

لذلك قرر كارل الثاني عشر في 12 فبراير 1718، أن المسلمين واليهود لهم الحق في ممارسة ديانتهم على الأراضي السويدية، ولكن ليس علانية. 

كما تم إرسال نسخة إلى رئيس بلدية كارلسكرونا مع لمحة موجزة عن العادات الإسلامية واليهودية وحقهم في ممارسة شعائرهم الدينية من أجل  المباشرة في تنفيذ القرار. وأدى ذلك إلى تمكن المسلمين واليهود من العيش بحرية نسبية خلال السنوات التي قضوها في السويد.

تذكر سجلات الكنيسة السويدية من بين أمور أخرى، رجلا يدعى الحاج يوسف ويقال إنه من فلسطين وسبعة عرب آخرين أسسوا شركة لتصنيع الخيام. 

في النهاية، تم دفع معظم الديون وسافروا إلى موطنهم في الإمبراطورية العثمانية. لكن هذا لم يكن نهاية الاتصال مع الإمبراطورية العثمانية أو الدول الإسلامية الأخرى.

 

رد الجميل

في عام 1727، وصل وفد آخر من الإمبراطورية العثمانية يتكون من حوالي 20 شخصا، بقيادة رجل يدعى مصطفى آغا، بقي لمدة عام تقريبًا وسافر أيضا في جميع أنحاء السويد، وشارك في عمليات الصيد وتفتيش المناجم. 

جاء وفد آخر بقيادة رجل يدعى محمد سعيد أفندي في عام 1733، وتحدث عن مدى حسن استقبال المسلمين عند وصولهم إلى ستوكهولم، وكيف تجمعت حشود من سكان ستوكهولم للترحيب بهم. وقال: "لم تكن المنازل والأسطح على طول طريقنا مكتظة فقط، بل كان الناس (أيضا) مصطفين حتى رصيف وصول السفن، وعلى طول الطريق لوحوا بقبعاتهم في الهواء عندما رأونا".

ويصف محمد سعيد أنه والوفد لاقوا الكثير من الاحترام والتقدير من قبل السويديين، واستقبلوا بأدب وكان السويديون مضيافين ومرحبين. حتى الملك السويدي فريدريك الأول (حكم 1720-1751) أظهر بصيرة عظيمة. وقال لمحمد سعيد في مأدبة عشاء "نعلم أن أهل الإسلام لا يأكلون طعامنا لكننا حرصنا على تحضير أطباق خاصة جديدة في هذه الحالة".

وكما هو الحال مع الوفود السابقة كانت هناك مشاكل عملية. في منتصف القرن الثامن عشر، حل شهر رمضان في الصيف (حوالي 1170 هجريا)، يشير مصدر إلى أن المسلمين لم يعرفوا كيف يصومون، لأنه في ذلك الوقت لم تكن هناك أحكام وفتاوى لعلماء المسلمين بشأن الصوم في البلدان التي لا تغرب فيها الشمس. 

في مطلع القرن الماضي، كانت السويد بلدا مصدراً للهجرة، بالخصوص باتجاه الولايات المتحدة الأميركية، التي استقبلت وحدها بحدود مليون سويدي وسويدية، وكانت الهجرة إلى السويد حرة، ولا ينظمها أي قانون.

يُظهر كتاب"الإسلام في السويد- أول 1300 عام"، الذي نشرته مصلحة الشؤون الدينية السويدية،
 أن وجود الإسلام لم يقتصر على الأفراد، بل شمل أيضا التنظيم المؤسس. 

يقدم مؤلف الكتاب سيمونسورجنفري Simon Sorgenfrei، الأستاذ المشارك في الدراسات الدينية بجامعة سودرتين Södertörn، نظرة عامة تاريخية شاملة تشمل ما قبل التاريخ السويدي للإسلام، ومرحلة التأسيس، والتيارات مثل السلفية، والإسلاموية والصوفية، فضلاً عن التاريخ المعاصر. 

كان المسلم الروسي إبراهيم عمر كاجيف تاجر الفراء، الذي زار معرض ستوكهولم عام 1897 أول مسلم يصل إلى السويد، وأصبح في النهاية رجل أعمال ناجحا مع عائلة وشقة ومتجر في أوستر مالم، وحصل على الجنسية السويدية واشترى كوخا صيفيا في فيغبيهولم في تابي خارج العاصمة ستوكهولم.

ويضيف الكتاب: "معظم المسلمين الذين قدموا إلى السويد في النصف الأول من الخمسينيات من القرن الماضي كانوا من التتار، لكن أول إمام مسلم في البلاد كان التركي عثمان أوسكان (1903-1975)، وجنبا إلى جنب مع إبراهيم وعاكف أرهان، شكل أول تجمع وجمعية مسلمة في البلاد في عام 1949، الجمعية التركية الإسلامية في السويد للدين والثقافة".

يقول سيمون سورجنفري، إن أعضاء الجماعة الأولى كانوا علمانيين تماما، وكانوا يتجمعون بشكل أساسي بالأعياد الدينية (عيد الفطر، وعيد الأضحى). 

وخلال القرن العشرين، تطورت السويد أيضا لتصبح أكثر دول العالم علمانية، حيث أصبح الدين يشغل مساحة أقل في حياة الناس. في الوقت نفسه، من خلال سلسلة من القرارات السياسية والتحولات الأيديولوجية ، أصبحت أكثر دول أوروبا تعددا للأديان.

في عام 1952، أقرت السويد الحرية الدينية، بالتالي غيرت الجمعيات الإسلامية أسماءها إلى جماعات وطوائف. كانت الجماعة الإسلامية الأحمدية من أوائل الجاليات المسلمة، التي كانت لها بعثات في أوروبا والولايات المتحدة في الخمسينيات من القرن الماضي، وأسست أول مسجد في جوتنبرج عام 1976. 

غيرت الحاجة إلى العمالة  بعد الحرب العالمية الثانية، وزيادة الطلب على المنتجات والسلع السويدية سياسة الهجرة في السويد، من محاولة دمج الجميع إلى دعم الحفاظ على ثقافة المهاجرين الأصلية في السويد.

في عام 1974 أصبحت رابطة الجمعيات الإسلامية في السويد، أول جمعية تتلقى منحا حكومية. واليوم تتلقى سبع اتحادات قومية مسلمة منحا حكومية.

أجرى سايمون سورجنفري أيضا مقابلات مع سلفيين من تيارات مختلفة، سواء أولئك الذين ينأون بأنفسهم عن العنف أو مع الجماعات المتهمة بالتجنيد لصالح تنظيم داعش.

في الفصل الخاص بـ"الإسلاموية"، هناك مقابلة فريدة مع عمرو مصطفى، وكان سياسيا عن حزب الاشتراكيين الديمقراطيين الاجتماعيين في مدينة ستوكهولم، وكان نائبا في مجلس إدارة حزب الاشتراكيين الديمقراطيين وهو أول مسلم يصل إلى هذا المنصب الرفيع. 

اضطر مصطفى إلى ترك الحزب الاشتراكي الديمقراطي بعد مناقشة مستفيضة حول علاقته مع الأشخاص الذين عبروا عن وجهات نظر معادية للسامية ورئاسته للرابطة الإسلامية التي تم التشكيك في وجهات نظرها بشأن المرأة، بالإضافة ارتباطاتها بجماعة الإخوان المسلمين بحسب العديد من التقارير.


الإسلام في السويد اليوم

أحدث الإحصاءات عام 2016، تشير إلى أن 810000 من سكان السويد، يعرّفون أنفسهم على أنهم مسلمون. وهذا يعادل 8.1% من سكان السويد، وهو رقم من المرجح أن يكون أكبر اليوم، مما يجعل من الإسلام اليوم ثاني أكبر ديانة بعد المسيحية في السويد.

 حتى ثمانينيات القرن الماضي، كان معظم المهاجرين مسلمين أتراكاً، ثم خلال الثمانينيات، جاء العديد من المسلمين العراقيين والأكراد إلى السويد خلال وبعد الحرب العراقية الإيرانية، وحرب الخليج الأولى. كما جاء العديد من الإيرانيين (الشيعة) خلال هذه الفترة كلاجئين فروا من الثورة الإسلامية في إيران على يد آية الله الخميني.

منذ ذلك الحين ، جاء العديد من المسلمين من البوسنة والهرسك وإثيوبيا والصومال وكوسوفو وألبانيا. في الآونة الأخيرة، جاء العديد من الشباب من سوريا وأفغانستان. 

القائمة طويلة والخلفيات كثيرة والقصص الشخصية بالتأكيد متنوعة ومؤلمة في كثير من الأحيان.

وفقا لتقرير صادر عن معهد بيو "Pew-institutet"، فإن نسبة المسلمين في أوروبا اليوم تقارب 5%. وسترتفع نسبتهم في السويد إلى 11% حتى عام 2050 حتى لو توقفت الهجرة تماما. 

أما مع الهجرة "المتوسطة" ، فقد ترتفع النسبة إلى 20%، والهجرة "الكبيرة" إلى 30%.

كل هؤلاء الناس لديهم نظرة مختلفة إلى خلفيتهم الإسلامية بالإضافة إلى وجهة نظر منقسمة حول ماهية السويد، وكيف يجب العيش والاندماج هُنا في المجتمع الجديد. بعضهم من المسلمين المتدينين، والأكثر من المسلمين العلمانيين، أو ما يطلق عليهم سيمون المسلمين الثقافيين أي ليسوا ممارسين منتظمين للشعائر الدينية. 

مواضيع ذات صلة:

ث
أرشيفية من لحظة تتويج الرباع العراقي عبد الواحد عزيز بالبرونزية في أولمبياد روما 1960

مع انطلاق أولمبياد باريس يستذكر العراقيون الرباع عبد الواحد عزيز، صاحب الميدالية البرونزية الوحيدة، وأحد الأبطال الذين لقبّوا بـ"قاهري الحديد" في البصرة.

ولد عبد الواحد عزيز عام 1931 في مدينة البصرة الغنية بالنفط والمطلة على الخليج العربي متعددة الأعراق والثقافات. وبحسب السيرة الذاتية التي نشرت على موقع نقابة الرياضيين العراقيين فإن عزيز كان مولعاً بالرياضة، إذ مارس كرة القدم والسلة والطائرة بالإضافة للسباحة قبل أن يستقر على رياضة رفع الأثقال أوائل الخمسينيات في نادي الاتحاد الرياضي.

انتقل للتدريب في نادي الشروق بمنطقة العشار، وهناك تعرف عليه الرباع ورئيس اتحاد الأثقال في البصرة والحكم الدولي السابق عبد الباقي ياسين التميمي الذي تحدث لـ "ارفع صوتك" عن تلك المرحلة الذهبية في حياة الرياضيين العراقيين وطموح الرباعين أن يحصد العراق وساماً ملوناً في رياضة رفع الأثقال.

يروي التميمي: "كانت الرياضة هواية يمارسها أبناء المجتمع البصري بشكل فطري ودون أن تكون هناك رعاية من الدولة لتطوير هذه الألعاب. فكان فعلاً مجتمعياً قائماً على حب الرياضيين لهواياتهم بالدرجة الأولى".

في تلك الفترة برز العديد من الرباعين في البصرة وكان يطلق عليهم اسم "قاهري الحديد" بالإضافة إلى العديد  من الرياضات الفردية، فضهر العديد من الأبطال ونال كثير منهم الألقاب على مستوى العراق والعالم العربي وبطولات آسيا.

ميدالية يتيمة منذ 1960.. ما حظوظ العراق في أولمبياد باريس؟
خوض غمار أولمبياد باريس 2024 لا يختلف عن المشاركات السابقة للعراق والعامل المشترك هو غياب ‏التفاؤل عن بلد ما زال يبحث عن مكان مفقود له في هذه الألعاب التي أحرز فيها ميدالية يتيمة خلال تاريخه، وكانت ‏باللون البرونزي عبر الربّاع الراحل عبد الواحد عزيز في روما 1960.‏

الطريق إلى الأولمبياد

أقيمت أول بطولة نظامية في رفع الاثقال عام 1944 في العاصمة بغداد، وأُسس أول اتحاد لرفع الأثقال رسمياً في 1950، وبعدها بعامين أصبح العراق عضواً في الاتحاد الدولي لرفع الأثقال.

كان للرباع عزيز "مساهمة كبيرة في إبراز رياضة رفع الاثقال التي تفرغ لها كلياً عام 1951"، بحسب التميمي، موضحاً "بدأت داخلياً عندما شارك عزيز بأول بطولة وطنية له في العام ذاته واحتل المركز الثاني في وزن الديك (56 كغم)، وهو الإنجاز الذي كرره في العام التالي. بعدها بعامين ظهر لأول مرة دولياً في دورة الألعاب العربية التي أقيمت في الإسكندرية بمصر عام 1953، بوزن الريشة (60 كغم) آنذاك، وحصل على الميدالية الفضية".

"ومن هناك بدأ عزيز يشق طريقه نحو الأولمبياد التي تُعقد مرة واحدة كل أربعة سنوات، فكان مخلصاً في التدريب تحت إشراف المدرب جميل بطرس وهو واحد من أهم مدربي رياضة رفع الأثقال في البصرة آنذاك"، يتابع التميمي.

كان جميل بطرس موظفاً في مصلحة الموانئ العراقية، فيما كان عزيز موظفاً في دائرة الكهرباء، يصفهما التميمي بقوله "كلاهما كانا مواظبين على التدريب بعد الانتهاء من عملهما في دوائرهما الرسمية، كما كانا يتدربان أيضا في منزلهما المزود بمتطلبات بسيطة للتدريب على رفع الأثقال".

خلال تلك المدة كان التدريب يتكون من ثلاث فقرات وهو الضغط والنتر والخطف، أما حالياً فتم إلغاء الضغط.

ويشرح التميمي الطريقة التي كان يتدرب بها عزيز: "كان مخلصاً في تدريبه لا يتركه ولو ليوم واحد"، معللاً ذلك بأن "رياضة رفع الأثقال قاسية تحتاج إلى تدريب مستمر ونظام غذائي صارم حتى لا يتأثر بارتفاع وانخفاض الوزن خلال المنافسات العربية والدولية". 

ونتيجة لكل ذلك التدريب بدأ عزيز بحصد الميداليات الواحدة تلو الأخرى، بدأت من دورة الألعاب العربية الثانية التي أقيمت في بيروت عام 1957 حيث تمكن عزيز من نيل المركز الأول والميدالية الذهبية في فعالية وزن المتوسط (75 كغم).

وفي العام نفسه أقيمت في طهران بطولة آسيا برفع الأثقال والمتداخلة مع بطولة العالم، شارك فيها بفعالية الوزن الخفيف (67.5 كغم) حيث حصد المركز الأول بمجموع رفعات بلغ (362.5 كغم)، ليكون الرباع الوحيد في آسيا والشرق الأوسط الذي عبر حاجز الـ(360 كغم) ضمن فئة الخفيف.

أما مشاركته الثانية وهي الأبرز فجاءت في العاصمة البولندية وارسو عام 1959 ونال بها المركز الثالث بعد أن قلل من وزنه إلى الوزن الخفيف. حصل على الميدالية البرونزية في بطولة العالم عام 1959 وهو ما جعله منافساً في أولمبياد روما عام 1960.

يقول التميمي إن وصول عزيز للأولمبياد "كان حدثاً عظيماً أثر في جميع اللاعبين وانتظرناه بفارغ الصبر".

هل يحرز العراق الذهب في أولمبياد باريس؟
وتتألف بعثة العراق في أولمبياد باريس 2024 المقرر إجراؤها بين 26 يوليو الجاري و11 أغسطس المقبل، بحسب بيان للجنة الأولمبية العراقية، من 26 رياضياً في ألعاب كرة القدم ورفع الأثقال وألعاب القوى والجودو والسباحة إضافة إلى الإداريين والمدربين والأطباء والمعالجين.

برونزية روما

وصل عبد الواحد عزيز برفقة مدربه جميل بطرس إلى روما، وهناك تمكن من التنافس وكان مرشحاً قوي للحصول على المركز الأول أو الثاني بسبب الأرقام التي حققها برفعه مجموعة قدرها (380 كغم) وهو رقم متساو مع ما حققه اللاعب السنغافوري تان هو ليوانغ، فيما تقدم عليهما السوفيتي يوشو بيف بـ(397.5 كغم).

"بعد التعادل، تقرر بحسب أنظمة ولوائح الأولمبياد في حال التساوي يتم الأخذ بنظر الاعتبار أوزان المتسابقين لتحديد الفائز. لتفصل 400 غرام زيادة في وزن عزيز عن الفضية، فاحتل المركز الثالث وحصل على الميدالية البرونزية.

منذ ذلك الحين، لم يتمكن أي رياضي عراقي من تحقيق ما يوازي هذا الإنجاز، لذلك صار لقب ميداليته "اليتيمة"، وفق عبد الباقي ياسين التميمي.

وعن الجو العام في العراق، يتذكر "كنتُ وبقية الرياضيين خصوصاً الرباعين نتابع  أخبار الأولمبياد عبر الصحف والإذاعة، فلم يكن ممكناً حينها رؤية النقل المباشر للألعاب الرياضية، ورأينا لحظة فوزه في نسخة مسجلة عبر التلفاز".

"كانت فرحة لا يمكن وصفها"، يضيف التميمي، مكملاً "عندما عاد عزيز إلى العراق تم تكريمه باحتفالين متواضعين الأول في بغداد والثاني في محافظة البصرة".

بععد عودته، أعرب عزيز عن دهشته بحجم التطور الرياضي الذي رآه في الألولمبياد وحجم الإمكانيات المتوفرة للاعبين من قبل بلادهم، وكيف أنه ذهب برفقة مدربه فقط، مقارنة بغيره من اللاعبين الذين وصلوا روما برفقة العديد من الأشخاص والمدربين لتهيئتهم من أجل المسابقات.

كان أكثر ما تمناه عزيز للعراقيين، يقول التميمي "توفير الإمكانيات التي توفرها دول العالم المتقدم للاعبيهم في المنافسات" وهو الأمر الذي لم يتحقق.

يوضح "تراجعت رياضة رفع الأثقال كثيراً خصوصاً في البصرة، لظروف كثيرة منها الحروب والأوضاع الأمنية وعدم توفير الدعم".

كذلك، لم يستمر عزيز بعد الأولمبياد في رفع الأثقال فقد عانى من مشاكل صحية لم تسمح له بالبقاء طويلاً في اللعبة، كونها من الألعاب الشاقة. 

توفي عزيز بعمر صغير أوائل الثمانينيات، يقول التميمي، مردفاً "خسرنا بطلاً عراقياً كان يمكن أن تكون له إنجازات كبيرة في عالم التدريب كما كان صاحب الإنجاز الوحيد للعراق في الأولمبياد".

ورغم التراجع الذي تواجهه الرياضات الفردية بشكل عام، إلا أن التميمي يبدو متفائلاً، بقوله "أنظر بأمل كبير إلى رياضة رفع الأثقال لتكون من جديد الرافد الأساسي لميدالية أولمبية جديدة في أولمبياد باريس الحالية، نظراً للأرقام التي حققها المتأهل إلى الأولمبياد الرباع علي عمار، وألا تبقى الميدالية العراقية الوحيدة في الأولمبياد يتيمة".