صورة جوية لمدينة هيبوس على هضبة الجولان.
صورة جوية لمدينة هيبوس على هضبة الجولان (المصدر: Liorca/Wikipedia)

كانت مدينة هيبوس، أو سوسيا في المصادر العربية، والتي تقع إلى الشرق من بحيرة طبريا في هضبة الجولان، واحدة من المدن الغامضة التي حار الرحالة وعلماء الآثار طوال قرنين من الزمان في تحديد موقعها، بناء على المعطيات التاريخية الرومانية والبيزنطية التي تتحدث عنها بوصفها مدينة جميلة من مدن الديكابوليس، أي المدن العشرة الشهيرة في التاريخ الروماني.

تصفها المصادر التاريخية بأنها كانت ذات صروح عظيمة، وأسوار حصينة، وكنائس فخمة يفوق عددها حاجة سكان المدينة، ما يعني أنها كانت مكاناً للزيارة والحج خلال الحقبة البيزنطية. وتذكر المصادر الإسلامية عنها أيضا مقاومتها لجيش شرحبيل بن حسنة في العام 634م إلى أن فتحت صلحاً مع باقي مدن الشام.

ويمكن اعتبار هيبوس مدينة نموذجية لدراسة تأثير الزلازل على الحواضر في العصور القديمة، حيث اختفت هذه المدينة تحت ركام أعمدتها وجدران أبنيتها في زلزال عام 749م، أي منذ نحو ما يقارب 1300 عام، إلى أن تم اكتشافها عام 2000. وافتتحت مواسم التنقيب فيها من جانب تحالف أكاديمي عالمي يضم عدة مراكز من بولندا، مثل الأكاديمية البولندية للعلوم والمتحف الوطني في وارسو؛ ومن الولايات المتحدة الأميركية مثل جامعة كونكورديا في مينيسوتا، إضافة إلى مركز أبحاث آثار البحر الأبيض المتوسط ​​في جامعة حيفا. وما زالت فرق التنقيب تعمل بها حتى الآن.

وفي كل يوم يظهر اكتشاف جديد يبين طبيعة الحياة في هذه المدينة الهلنستية لعل آخرها قناع الإله اليوناني بان المصنوع من البرونز بحجم يفوق حجم الوجه الإنساني بكثير.

 

مدينة الأحصنة

 

شيدت هيبوس التي يعني اسمها باليونانية الأحصنة، في القرن الثاني قبل الميلاد، في موقع استراتيجي، تتوفر فيه شروط ومقومات الأمن والازدهار. فالموقع محصن طبيعياً، بجروف شديدة الانحدار، في الشمال والغرب والجنوب، ويطل على بحيرة طبريا، التي تتميز بثروتها السمكية، ويتصل شرقاً بسهول الزوية، المعروفة تاريخياً بثرواتها النباتية والحيوانية. ويتحكم الموقع أيضا في عدة طرق تربط مختلف أقاليم بلاد الشام، ويتمتع بمناخ معتدل، ماطر نسبياً.

واسم هيبوس هو المعادل اليوناني لاسمها الآرامي القديم "سوسيا" الذي يعني الأحصنة. وقد أطلق على عموم المنطقة خلال الفترة الهلنستية اسم هيبينة. أما الآن فيسميها الناس قلعة الحصن. ويُعتقد أن المعنى الواحد للتسميات المختلفة يعود إلى ظاهرة جغرافية في المكان، إذ يبدأ الموقع من الزاوية اليمنى كرأس حصان وعنقه، ويلاحظ في الجانب الشرقي للموقع، وجود جرف جبلي، مقوس على شكل سرج الحصان، ويعرف باسم سرج سوسيا، ويشكل حلقة الوصل مع محيطه الشرقي.

تطورت هيبوس لاحقاً، حتى أصبحت إحدى مدن الديكابوليس، (المدن العشرة)، ذات الطبيعة الثقافية الإغريقية، واستمرت في الازدهار، خلال العصرين الروماني والبيزنطي، حيث تحددت هويتها المسيحية ببناء أربع كنائس مميزة. ويرجح أن المدينة اكتسبت قدسيتها بسبب اعتقاد الكثير من المؤمنين بأنها كانت آخر محطة للسيد المسيح في جولته على مدن الديكابوليس.

 

في كتب الفتوح

 

ذكرها المؤرخ المسلم البلاذري باسم سوسيا في كتابه "فتوح البلدان"، حيث حدد موقعها ضمن جند الأردن، وبالتالي كانت ضمن المدن والحصون التي فتحها شرحبيل بن حسنة صلحاً وأمن أهلها على أنفسهم وأموالهم وأولادهم وكنائسهم ومنازلهم.

أما ابن خرداذبة، أحد أهم جغرافيي مطلع العصر العباسي، فيؤكد أنها كورة، أي إقليم بالمعنى المعاصر، وهي إشارة واضحة إلى أن سوسيا كانت مركزاً لإقليم يأخذ اسمه منها. وقد حافظت هيبوس، أو سوسيا، على مكانتها وطابعها المسيحي في العصر الأموي، إلى أن ضربها زلزال عام 749 ميلادي المدمر والذي أسفر عن تدميرها وخرابها. ويقدر بعضهم أن عدد سكانها بلغ في ذروة ازدهارها نحو 20 ألف نسمة.

 

جندي إيطوري

 

يبدو أن تركيبة المدينة السكانية كانت متنوعة، ولكن لدينا شاهد أثري مهم يؤكد أن سكان المدينة، أو على الأقل جزء منهم، كانوا من الإيطوريين، وهم شعب عربي – آرامي كان يستوطن لبنان والجليل والجولان، ومذكور بكثافة في المصادر الرومانية.

هذا الدليل هو دبلوما رومانية بمثابة وسام تتضمن منح المواطنة الرومانية للجندي الإيطوري ماركو سبيديو ماركي من مدينة هيبوس، ولزوجته ولذريته من بعده محفورة على رقاقة برونزية، قدمها له الامبراطور الروماني الشهير تراجان (53 -117م) في نهاية خدمته العسكرية في الفوج الإيطوري الثاني، العامل في بانونيا (المجر والنمسا الحاليتين) وغيرها من المواقع مثل مصر وإسبانيا، وأدى المهمات التي كلف بها بشكل مشرف وقد صدرت نسخة منها في روما على أن تعلق على حائط معبد مينيرفا، كما يرد في نص الديبلوما التي عثر عليها في دمشق عام 1968، وهي من الآثار المنقولة من هضبة الجولان على الأرجح، علماً أن الكثير من الإيطوريين حملوا أسماء يونانية، نظراً لأنهم تبنوا الثقافة الهلنستية بشكل كبير.

 

مدينة هلنستية

 

كشفت عمليات التنقيب في الموقع عن آثار تؤكد مكانة المدينة، ومدى تطورها، وازدهارها، منها ساحة مركزية، مرصوفة بأحجار بازلتية، وتحيط بها أعمدة، نصبت على قواعد رخامية، وحملت تيجاناً رخامية، وفيها قاعدة، يبدو أنها مخصصة لحمل تمثال لشخصية مميزة، وتعد أول قاعدة من هذا النوع، يتم العثور عليها في الجولان.

وعثر أيضا على مجموعة كبيرة من النقود التي تعود لمختلف العصور الهيلينية والرومانية والبيزنطية والأموية، أقدمها قطعة تم سكها عام 285 قبل الميلاد في صور، وأحدثها قطعة مسكوكة في العهد الأموي في طبريا عام 734 ميلادية. 

وتبدو في الموقع آثار شارع رئيسي تتفرع عنه كل شوارع المدينة، وهو ما يعبر عن مكانة سوسيا وتقدمها العمراني، وتم الكشف أيضاً عن البوابة الشرقية للمدينة، وهي بوابة من الصخور البازلتية المنحوتة. وهناك آثار هيكلين وثنيين، يحملان طابع الهندسة المعمارية الهلنستية. الأول يوناني، يعود إلى القرن الثاني قبل الميلاد، والثاني روماني، يعود إلى القرن الأول الميلادي. وعثر في الموقع على بقايا أربع كنائس، بنيت في العصر البيزنطي، تقع إحداها في الجزء الشمالي الغربي من المدينة، والأخرى في الجانب الشمالي الشرقي.

 

الكنيسة الشمالية الغربية

 

كشفت التنقيبات عن ساحة الصلاة في هذه الكنيسة، كما كشفت في هذه الساحة، عن تابوت رخامي صغير، يضم عظاماً بشرية، قد تعود لقديس لم يعرف اسمه. وكذلك عثر في هذه الساحة على جرة من البرونز، تعود إلى العصر الأموي، مما يؤكد أن الكنيسة واصلت دورها حتى هذا العصر. ويشير بناء الكنيسةِ الشمالية الغربيةِ إلى درجة القداسة العالية التي يحظى بها هذا المكان، حيث أقيمت في مركز المدينة، شمال الساحة العامة، وضمن منطقة الحي الهيليني، إذ أراد بناة الكنيسةَ إقامتها على بقايا معبد وثني. ويظهر مخطط الكنيسة تماماً بشكل واضح على سطح الأرض حتى قبل التنقيب الذي قام به فريق من جامعة وارسو البولندية.

بنيت الكنيسة ورصفت بالحجارة البازلتية المستطيلة بعناية فائقة، وفيها أربعة من الأروقة لكل رواق ستة من الأعمدة التي تعلوها تيجان أيونية. وعلى الأرضية الفسيفسائية في الممر الجنوبي نقشان باللغة اليونانية يخلدان أسماء المتبرعين والمبالغ التي تبرعوا بها، وهم من أهالي المدينة على ما يبدو. واسم أحد المتبرعين كان هيليودورا، والثاني كان اسمه بطرس.

إن التحليل المعماري للكنيسة يظهر أنها بنيت على مراحل مختلفة والفسيفساء رصفت على الأغلب في نهاية القرن الرابع أو بداية القرن الخامس. أما تجديد الفسيفساء قرب المذبح الرخامي فيبدو أنه تم في القرن السادس الميلادي، حيث بدت مماثلة لفسيفساء الكنيسة الجنوبية الشرقية من المدينة، وهذه الأخيرة مؤرخة في السنة 591 م، وتشبه أيضاً فسيفساء كنيسة الكرسي القريبة منها والتي أَرّختْ في سنة 585م.

 

الكنيسة الشمالية الشرقية

 

تقع الكنيسة الشمالية الشرقية على مسافة 50 متراً إلى الشرق من الكنيسةِ الشمالية الغربية. وبدأ التنقيب فيها عام 2002 من قبل جامعة كونكورديا في ولاية مينيسوتا الأميركية برئاسة الدكتور مارك شولر. وهي مثل جارتها الغربية كانت مرئية على سطح الأرض قبل التنقيب. تتجه الكنيسة الشمالية الشرقية شرق غرب، كما هو الحال في الكنيسة الشمالية الغربية، ويظهر المخطط العام للكنيسة أنها مربعة الشكل 12 × 12 متراً، بنيت من البازلت المنحوت، أما كسوتها الداخلية فقد صنعت من الرخام، يقسمها صفان من الأعمدة أربعة في كلّ صف.

وما يلفت النظر في هذه الكنيسة أنها الوحيدة، من الكنائس العائدة للفترة البيزنطية في الجولان خصوصاً وبلاد الشام عموماً، التي تحوي منصة حجرية خارجية. وقد عثر قرب مذبحها على قبرين، وهو أمر مفاجئ، لأن وجود مدفن في الكنيسة أمر نادر جداً، وربما يعبر وجود القبور، بهذا القرب من المذبح، عن مكانة الأشخاص المدفونين فيها.

 

الكنيسة الملكية

 

وجدت في جنوب شرق المدينة كنيسة من الطراز الملكي، يفصل صفان من الأعمدة الداخلية الجناحين الجانبيين من ساحة الكنيسة، ويلاحظ هنا أن جزءاً من الكنيسة على شكل نصف دائري. إن كنائس هيبوس عموماً تشبه الكنائس البيزنطية الأخرى في الجولان، ولكنها تتميز عنها بمنصة رخامية داخلية نصف دائرية.

وقد أظهرت التنقيبات أن المدينة عانت في البداية من مشكلة نقص الماء، واعتمدت على أحواض تخزين، في توفير الماء اللازم، فقد عثر في الجزء الغربي من المدينة على بركة كبيرة، وأخرى صغيرة، مجصصة، ويعتقد بعضهم أن النافورة المعقدة التصميم، كانت في هذا المكان. وقد حلت المدينة مشكلة الماء لاحقاً، بتقنية تنم عن معرفة دقيقة بطبوغرافية الأرض، والقدرة على توظيف المواد المحلية، في نقل الماء، فقد جلب الماء إلى المدينة، من أعالي وادي العال، وعلى امتداد 25 كم، عن طريق نحت قناة في الصخور، في بعض الأجزاء، وتركيب حجارة بازلتية مجوفة، قابلة للوصل، في أجزاء أخرى، ورفعت الحجارة المجوفة على أعمدة، في بعض الأماكن المقعرة. وفتحت فتحات دائرة في القناة، من أجل التهوية، وتخفيف الضغط على الماء الجاري، وتسهيل عملية تنظيف القناة، ويلاحظ أن القناة كانت تمتد داخل المدينة، تحت الأرصفة المرصوفة، وتملأ أحواض التخزين.

 

أعمدة وأرضيات فسيفسائية

 

في الموقع أيضا بقايا خندق مائي وسور، تقع خارجه تلال تضم كهف دفن من العصر الروماني، ويشار إلى أن المدينة تطل غرباً على تل، نحتت الرياح والمياه فيه تشكيلات لافتة للنظر، وأوحت بتسميته بتل خلية النحل، وتل الدمى أو اللعب.

وتنتشر في الموقع أعمدة غرانيتية، ملقاة على الأرض، وفق زوايا متماثلة، سقطت نتيجة الزلزال المدمر الذي قضى على الحياة فيها، وهناك بقايا أرضية من المرمر والفسيفساء، ومبان عامة كبيرة، شيدت بأحجار البازلت المحلية، وبحجارة جيرية، أحضرت من مناطق بعيدة، وقد زينت المباني بأنواع مختلفة من الرخام، جلبت من مناطق مختلفة، في حوض البحر الأبيض المتوسط، وكانت المدينة تزخر بتماثيل الأسود.

وتوضح البقايا في الموقع أن المدينة بنيت وفق مخطط هندسي جيد، ويؤكد استخدام الرخام والغرانيت المستوردين، أن المدينة شهدت ازدهاراً اقتصادياً، وعلاقات تجارية متشعبة مع المراكز الحضارية التي عاصرتها، كما تؤكد عملية نقل الماء من مسافات بعيدة تطوراً علمياً، ولاسيما في مجال الطبوغرافية والهندسة المائية، وكذلك تؤكد كثرة المعالم الروحية و الثقافية في الموقع المكانة الثقافية التي احتلتها هذه المدينة.

مواضيع ذات صلة:

نساء كرديات سوريات يرتدين الزي التقليدي خلال الاحتفال بـ"يوم اللباس الكردي" في مدينة القامشلي ذات الأغلبية الكردية في محافظة الحسكة شمال شرق سوريا.
نساء كرديات سوريات يرتدين الزي التقليدي خلال الاحتفال بـ"يوم اللباس الكردي" في مدينة القامشلي ذات الأغلبية الكردية في محافظة الحسكة شمال شرق سوريا.

تعرف المجتمعات العربية تنوعاً عرقياً ودينياً فريداً من نوعه، إذ تعيش في المنطقة مجموعات متباينة من العرب والأكراد والتركمان والأمازيغ فضلاً عن طوائف متنوعة من الزرادشتيين والمندائيين والأيزيديين والمسيحيين واليهود الذين يعيشون بجانب المسلمين السنة والشيعة. تميزت تلك المجموعات بأزياء وملابس شعبية متوارثة على مر القرون، حتى دخلت في تشكيل هويتها الجمعية.

ما هي أهم الملابس والأزياء التقليدية المعروفة في المنطقة العربية؟ وكيف ارتبطت تلك الأزياء بالهوية والذاكرة؟

 

العراق والخليج

توجد العديد من الملابس التي ارتبطت ببعض المجموعات العرقية المعروفة في العراق. فعلى سبيل المثال يُعدّ العنصر الكردي أحد المكونات الرئيسة في التركيبة السكانية العراقية، ويتميز الأكراد ببعض الأزياء القومية التي يحرصون على ارتدائها في المناسبات الخاصة.

يمكن تقسيم الزي الذي يلبسه الرجل الكردي إلى نوعين: الأول ويطلق عليه "بشم وبركير" وهو منتشر بشكل واسع بين الكرد في كل من تركيا وسوريا وأجزاء من العراق، ويتألف من قطعتين من اللون ذاته، الجاكيت والسروال، ويكونان فضفاضين، ويُستعمل معهما قماش يُلف على الوسط ويُطلق عليه "شوتك" وغطاء للرأس يسمى "جمداني". تُصنع تلك الأزياء من صوف الخراف والماعز، بشكل عام. وتُلون بالأسود، والأبيض، والأزرق، والبني، والرمادي.

أما النوع الثاني فيُطلق عليه اسم "كورتك وشروال"، ويتكون هو الآخر من قطعتين: جاكيت وسروال، وحزام للوسط مع غطاء للرأس، وهو يستعمل الأقمشة المستعملة في صناعة الملابس الغربية.

 أما المرأة الكردية فيتكون زيها التقليدي من دشداشة طويلة، ذات كمين طويلين يرتبطان بذيلين مخروطيين طويلين أيضاً يسميان في اللغة الكردية بـ"فقيانة". وفي الغالب تخاط هذه الدشداشة من قماش شفاف ذي خيوط حريرية ناعمة الملمس ومطرزة بأنواع مختلفة من المنمنمات. تحت هذه الدشداشة ترتدي المرأة الكردية قميصاً داخلياً رقيقاً وحريرياً، لكنه ذو لون داكن وغير شفاف ليصبح بمثابة خلفية عاكسة للدشداشة الشفافة، أما الجزء العلوي من هذا الزي فإنه مؤلف من سترة قصيرة جداً بلا أكمام.

تعرف بلاد الرافدين أيضاً مجموعة من الأزياء التقليدية التي ارتبطت ببعض المناطق والأقاليم. في كتابه "الملابس الشعبية في العراق"، يسلط الباحث وليد الجادر الضوء على ذلك النوع من الملابس.

يصف الجادر ملابس البدو وسكان الأرياف بالبسيطة. وتتألف في العادة من السروال والدشداشة، ويُرتدى فوقهما العباءة المنسوجة من الوبر، والتي تكون -في أغلب الأحيان- باللونين الأبيض والأسود، بالإضافة إلى الكوفية والعقال المصنوع من الوبر، أما نساء البدو فيرتدين العباءة الصوفية، وفي وسطها حزام صوفي خشن عريض، ويزين نهايته بأهداب أو شراشيب.

يختلف الحال في مناطق البصرة وجنوبي العراق وبعض أنحاء الخليج. ترتدي النساء في تلك الأنحاء "الزي الهاشمي"، وهو عبارة عن ثوب من قماش رقيق جداً وواسع الأكمام والأطراف، يُلون عادة باللون الأسود. ويُحلى بأشكال مرسومة من خيوط الذهب. ويُرتدى في مناسبات الأعياد والاحتفالات، كذلك ترتدي المرأة البصرية العباءة، وكانت تُعرف قديماً بالجزية أو المبرد، وهي تغطي الجسم من الكتف، وتصاحبها "الشيلة" وهي غطاء للشعر ترتديه النساء تحت العباءة.

أيضاً، تُعدّ "الصاية" من الأزياء الشعبية العراقية المشهورة، وتتكون الصاية من ثوب طويل مفتوح من الأمام، وغالباً يكون دون أكمام وهو عبارة عن صدرين وظهر. يلتف صدر الثوب الأيمن على الصدر الأيسر.

في دراسته "الأكسية والألبسة الشعبية في مدينة سامراء خلال القرن العشرين"، يوضح الباحث بكر عبد المجيد محمد بعض الأزياء الفلكلورية التي عُرفت في مناطق وسط العراق، ومنها "الدميري"، وهو لباس خاص بكبار الرجال، يشبه السترة إلا ان ردنيه عريضتان، وفي نهاية كل ردن فتحة بمقدار خمسة عشر سنتمترا. وهو على نوعين: المطرز والعادي بلا تطريز. أما "الزخمة" فهو لباس يشبه السترة إلا إنه من غير أكمام، وفي مقدمته ستة أزرار تكون أشكالها حسب الطلب، فضلاً عن "السروال"، وهو من الملابس الشعبية، ويشبه البنطلون، والعامة من سكان سامراء يسمونه "شروال".

 

مصر

تذكر الباحثة علا الطوخي إسماعيل في دراستها "الأزياء فى الثقافة الشعبية" أن هناك علاقة وطيدة بين الأزياء الشعبية المصرية من جهة، والعادات والتقاليد المتوارثة التي عرفتها حضارة وادي النيل من جهة أخرى.

من هنا، فإن الأزياء الشعبية المصرية صارت أحد العلامات الفارقة في الفلكلور المصري المتوارث على مر القرون.

بشكل عام، تُعرف "الجلابية" باعتبارها الزي المصري التقليدي للرجال في المناطق الريفية في الدلتا والصعيد، وهي عبارة عن رداء طويل وفضفاض له أكمام طويلة، وهي دون ياقة ولها فتحة رقبة مستديرة، وبشق طويل من الأمام بدون أزرار، وتلبس فوقها الشيلان البيضاء والملونة.

في السياق نفسه، يتكون الزي التقليدي للمرأة المصرية من 3 طبقات يسمونه بـ "التزييرة". عرفت الطبقة الأولى باسم "السبلة"، وهي جلابية واسعة وأكمامها طويلة تلبسها المرأة فوق ملابس المنزل كي تغطيها تماماً، والطبقة الثانية قطعة قماش تغطي بها رأسها وأكتافها اسمها "الحبرة". أما القطعة الثالثة فهي "اليشمك"، وكانت تستخدم في إخفاء الوجه، ويغلب الظن أن المصريين استعاروا اليشمك من العثمانيين.

ومن الملاحظات المهمة أن أشكال الأزياء الشعبية المصرية اختلفت من منطقة لأخرى. ففي سيناء تأثرت الملابس بروح البداوة والترحال، ولذلك اعتمد الرجل في ملابسه على الأزياء العربية التقليدية مثل الغترة، والعقال، والبشت، والعباءة، بينما اعتادت المرأة ارتداء ثوب أسود فضفاض طويل محاط بحزام مطرز يحكم منطقة الوسط ويعلو رأسها وشاح أسود أيضاً يغطي جسدها بالكامل مع وجود برقع على الوجه مزين بالحلي.

في محافظة مطروح تأثرت الأزياء الشعبية بنمط الملابس المنتشر في شرقي ليبيا. في هذا السياق، اعتاد الرجال على ارتداء "المَلِف" ويتكون من قطعتين من الصوف المطرز يدوياً، وهو عبارة عن "سدرية"، وهي صدرية بلا أكمام وبلا أزرار وسروال واسع يرتدى تحت الثوب. يختلف الوضع في الإسكندرية والمدن الساحلية في شمالي مصر.

وكان من الشائع أن يرتدي الرجال ملابس الصيادين المكونة من السروال الأسود الفضفاض والقميص الأبيض، فيما اعتادت النساء  ارتداء الجلباب والملاية اللف التي لا تزال تُباع حتى الآن في أسواق بعض الأحياء الشعبية في الإسكندرية.

 

سوريا

يلقي الباحث عبد العزيز حميد صالح الضوء على الملابس التقليدية السورية في كتابه "الأزياء عند العرب عبر العصور المتعاقبة"، فيقول: "يمكن القول إن الأزياء الشعبية التراثية التقليدية في سوريا كانت خلال القرون الثلاثة أو الأربعة الأخيرة منوعة أكثر مما كانت عليه في أي إقليم عربي آخر، فكانت لكل مدينة كبيرة في هذه البلاد ملابسها المتميزة ببعض الخصائص التي قلما نجدها في المدن السورية الأخرى".

بحسب صالح، تتألف الملابس التقليدية السورية الرجالية من القميص والصدرية والسروال فضلاً عن مجموعة مختلفة من أغطية الرأس التي تتباين أشكالها من مدينة إلى أخرى، وفي العادة، يُلون القميص باللون الأبيض، ويكون قصيراً، وبكمين طويلين يصلان إلى مفرق الرسغ. أما السروال فيكون فضفاضاً في الأعلى وضيقاً في الأسفل، فيما تتألف الصدرية من رداء قصير مفتوح من جهته الأمامية، يغطي الصدر والظهر فقط، وغالباً ما تُصنع الصدرية من قماش قطني أو من الحرير في موسم الصيف، ومن الجوخ الأسود أو الأزرق في موسم الشتاء بالنسبة للأغنياء.

من جهة أخرى، تتنوع الملابس الفلكلورية النسائية في سوريا وتتباين من منطقة لأخرى من حيث الألوان،وطرق الزخرفة والتطريز.

من الملاحظات المهمة أيضاً، أن الأزياء النسائية عبرت عن بعض الأوضاع الاجتماعية والحضارية، فعلى سبيل المثال، اعتادت المرأة المتزوجة في دمشق  ارتداء غطاء للرأس يعرف بـ "البخنق" وهو عبارة عن قطعة قماش سوداء رقيقة تغطي بها المرأة عنقها وصدرها، في حين اعتادت النساء الريفيات ارتداء غطاء رأس مختلف يعرف بـ "البرقع".

وفي السنوات السابقة، حظيت الملابس التقليدية بسوريا بقدر وافر من الاهتمام. في يوليو 2008، أُقيم معرض للأزياء الشعبية في إدلب.

وفي يوليو 2019، تم تنظيم المهرجان السنوي الأول للأزياء الفلكلورية في الحسكة شمال شرقي سوريا، عُرضت فيه نماذج متباينة من الأزياء التقليدية التي تنتمي للكرد والعرب والسريان والشركس.

 

الدول المغاربية

تعرف الدول العربية المغاربية تنوعاً كبيراً في أزيائها التقليدية. ففي تونس، توجد "الجبة"، وهي عبارة عن سترة طويلة دون أكمام يتم ارتداؤها فوق قميص وسترة وبنطال فضفاض. و"البرنس" ويشبه العباءة الطويلة والفضفاضة ولكنه دون أكمام.

و"الملية أو الحِرام" وهو الزي الشعبي الذي ترتديه العرائس في الجنوب الشرقي التونسي، و"السفساري" وهو عباءة بيضاء اللون، بشكل عام، تحتفي تونس بأزيائها الفلكلورية، وتخصص الدولة السادس عشر من مارس فى كل عام لإحياء اليوم الوطني للملابس التقليدية.

على الجانب الآخر، تشترك كل من الجزائر والمغرب في العديد من الأزياء التقليدية المعروفة. منها على سبيل المثال، "الكندورة"، وهو لباس فضفاض وقصير، بأكمام قصيرة، يرتديه الرجال في فصل الصيف عادة، و"القفطان" الذي تعود أصوله إلى القرن الثاني عشر ميلادي. ويتميز بالتطريز اليدوي كالرباطي نسبة إلى مدينة الرباط أو الفاسي نسبة إلى فاس في المغرب، كما أنه ينتشر في الجزائر أيضا.

هذا، فضلاً عن "الملحفة" التي ترتديها النساء في المنطقة الصحراوية في البلدين، وهي عبارة عن ثوب واحد طويل. وتلتف حول الجسد بعد أن يتم ربطها عند الكتفين، وتتباين أشكالها من حيث الألوان والزركشة.

بشكل عام، ارتبطت العديد من الأزياء التقليدية المغاربية بإثارة الجدل. ومنها لباس "الحايك" الذي يرجع إلى أصول أندلسية قديمة، وينتشر في مناطق مختلفة من المغرب والجزائر.

في الحقبة الاستعمارية، ارتبط الحايك برمزية وطنية، وقد  كانت النساء تخبئن تحته الأسلحة لتوصيلها للمقاومين. وفي مارس 2023، تسبب الحايك في إثارة الجدل بين المغرب والجزائر على مواقع التواصل الاجتماعي، ووقع ذلك عندما تجولت مجموعة من النساء المغربيات في مدينة طنجة وهن يرتدين الحايك للاحتفال بعيد المرأة، وأثار ذلك غضب الجزائريين، الذين رأوا أن "وسائل الإعلام المغربية نسبت ثوب الحايك للمغرب"، وهو برأيهم "ليس منها".

في السياق نفسه، تسبب "القفطان" في إثارة مشكلة إعلامية كبيرة بين المغرب والجزائر، وذلك بعدما صرح وزير الثقافة الجزائري الأسبق، عز الدين ميهوبي، بأن الجزائر ستتقدم بملف لمنظمة اليونسكو لإدراج القفطان لباسا تقليديا جزائريا محضا، ما أثار غضب المغرب التي تعتبر أن لها أيضاً دورا في إخراج زي القفطان إلى العالمية.