صورة جوية لمدينة هيبوس على هضبة الجولان.
صورة جوية لمدينة هيبوس على هضبة الجولان (المصدر: Liorca/Wikipedia)

كانت مدينة هيبوس، أو سوسيا في المصادر العربية، والتي تقع إلى الشرق من بحيرة طبريا في هضبة الجولان، واحدة من المدن الغامضة التي حار الرحالة وعلماء الآثار طوال قرنين من الزمان في تحديد موقعها، بناء على المعطيات التاريخية الرومانية والبيزنطية التي تتحدث عنها بوصفها مدينة جميلة من مدن الديكابوليس، أي المدن العشرة الشهيرة في التاريخ الروماني.

تصفها المصادر التاريخية بأنها كانت ذات صروح عظيمة، وأسوار حصينة، وكنائس فخمة يفوق عددها حاجة سكان المدينة، ما يعني أنها كانت مكاناً للزيارة والحج خلال الحقبة البيزنطية. وتذكر المصادر الإسلامية عنها أيضا مقاومتها لجيش شرحبيل بن حسنة في العام 634م إلى أن فتحت صلحاً مع باقي مدن الشام.

ويمكن اعتبار هيبوس مدينة نموذجية لدراسة تأثير الزلازل على الحواضر في العصور القديمة، حيث اختفت هذه المدينة تحت ركام أعمدتها وجدران أبنيتها في زلزال عام 749م، أي منذ نحو ما يقارب 1300 عام، إلى أن تم اكتشافها عام 2000. وافتتحت مواسم التنقيب فيها من جانب تحالف أكاديمي عالمي يضم عدة مراكز من بولندا، مثل الأكاديمية البولندية للعلوم والمتحف الوطني في وارسو؛ ومن الولايات المتحدة الأميركية مثل جامعة كونكورديا في مينيسوتا، إضافة إلى مركز أبحاث آثار البحر الأبيض المتوسط ​​في جامعة حيفا. وما زالت فرق التنقيب تعمل بها حتى الآن.

وفي كل يوم يظهر اكتشاف جديد يبين طبيعة الحياة في هذه المدينة الهلنستية لعل آخرها قناع الإله اليوناني بان المصنوع من البرونز بحجم يفوق حجم الوجه الإنساني بكثير.

 

مدينة الأحصنة

 

شيدت هيبوس التي يعني اسمها باليونانية الأحصنة، في القرن الثاني قبل الميلاد، في موقع استراتيجي، تتوفر فيه شروط ومقومات الأمن والازدهار. فالموقع محصن طبيعياً، بجروف شديدة الانحدار، في الشمال والغرب والجنوب، ويطل على بحيرة طبريا، التي تتميز بثروتها السمكية، ويتصل شرقاً بسهول الزوية، المعروفة تاريخياً بثرواتها النباتية والحيوانية. ويتحكم الموقع أيضا في عدة طرق تربط مختلف أقاليم بلاد الشام، ويتمتع بمناخ معتدل، ماطر نسبياً.

واسم هيبوس هو المعادل اليوناني لاسمها الآرامي القديم "سوسيا" الذي يعني الأحصنة. وقد أطلق على عموم المنطقة خلال الفترة الهلنستية اسم هيبينة. أما الآن فيسميها الناس قلعة الحصن. ويُعتقد أن المعنى الواحد للتسميات المختلفة يعود إلى ظاهرة جغرافية في المكان، إذ يبدأ الموقع من الزاوية اليمنى كرأس حصان وعنقه، ويلاحظ في الجانب الشرقي للموقع، وجود جرف جبلي، مقوس على شكل سرج الحصان، ويعرف باسم سرج سوسيا، ويشكل حلقة الوصل مع محيطه الشرقي.

تطورت هيبوس لاحقاً، حتى أصبحت إحدى مدن الديكابوليس، (المدن العشرة)، ذات الطبيعة الثقافية الإغريقية، واستمرت في الازدهار، خلال العصرين الروماني والبيزنطي، حيث تحددت هويتها المسيحية ببناء أربع كنائس مميزة. ويرجح أن المدينة اكتسبت قدسيتها بسبب اعتقاد الكثير من المؤمنين بأنها كانت آخر محطة للسيد المسيح في جولته على مدن الديكابوليس.

 

في كتب الفتوح

 

ذكرها المؤرخ المسلم البلاذري باسم سوسيا في كتابه "فتوح البلدان"، حيث حدد موقعها ضمن جند الأردن، وبالتالي كانت ضمن المدن والحصون التي فتحها شرحبيل بن حسنة صلحاً وأمن أهلها على أنفسهم وأموالهم وأولادهم وكنائسهم ومنازلهم.

أما ابن خرداذبة، أحد أهم جغرافيي مطلع العصر العباسي، فيؤكد أنها كورة، أي إقليم بالمعنى المعاصر، وهي إشارة واضحة إلى أن سوسيا كانت مركزاً لإقليم يأخذ اسمه منها. وقد حافظت هيبوس، أو سوسيا، على مكانتها وطابعها المسيحي في العصر الأموي، إلى أن ضربها زلزال عام 749 ميلادي المدمر والذي أسفر عن تدميرها وخرابها. ويقدر بعضهم أن عدد سكانها بلغ في ذروة ازدهارها نحو 20 ألف نسمة.

 

جندي إيطوري

 

يبدو أن تركيبة المدينة السكانية كانت متنوعة، ولكن لدينا شاهد أثري مهم يؤكد أن سكان المدينة، أو على الأقل جزء منهم، كانوا من الإيطوريين، وهم شعب عربي – آرامي كان يستوطن لبنان والجليل والجولان، ومذكور بكثافة في المصادر الرومانية.

هذا الدليل هو دبلوما رومانية بمثابة وسام تتضمن منح المواطنة الرومانية للجندي الإيطوري ماركو سبيديو ماركي من مدينة هيبوس، ولزوجته ولذريته من بعده محفورة على رقاقة برونزية، قدمها له الامبراطور الروماني الشهير تراجان (53 -117م) في نهاية خدمته العسكرية في الفوج الإيطوري الثاني، العامل في بانونيا (المجر والنمسا الحاليتين) وغيرها من المواقع مثل مصر وإسبانيا، وأدى المهمات التي كلف بها بشكل مشرف وقد صدرت نسخة منها في روما على أن تعلق على حائط معبد مينيرفا، كما يرد في نص الديبلوما التي عثر عليها في دمشق عام 1968، وهي من الآثار المنقولة من هضبة الجولان على الأرجح، علماً أن الكثير من الإيطوريين حملوا أسماء يونانية، نظراً لأنهم تبنوا الثقافة الهلنستية بشكل كبير.

 

مدينة هلنستية

 

كشفت عمليات التنقيب في الموقع عن آثار تؤكد مكانة المدينة، ومدى تطورها، وازدهارها، منها ساحة مركزية، مرصوفة بأحجار بازلتية، وتحيط بها أعمدة، نصبت على قواعد رخامية، وحملت تيجاناً رخامية، وفيها قاعدة، يبدو أنها مخصصة لحمل تمثال لشخصية مميزة، وتعد أول قاعدة من هذا النوع، يتم العثور عليها في الجولان.

وعثر أيضا على مجموعة كبيرة من النقود التي تعود لمختلف العصور الهيلينية والرومانية والبيزنطية والأموية، أقدمها قطعة تم سكها عام 285 قبل الميلاد في صور، وأحدثها قطعة مسكوكة في العهد الأموي في طبريا عام 734 ميلادية. 

وتبدو في الموقع آثار شارع رئيسي تتفرع عنه كل شوارع المدينة، وهو ما يعبر عن مكانة سوسيا وتقدمها العمراني، وتم الكشف أيضاً عن البوابة الشرقية للمدينة، وهي بوابة من الصخور البازلتية المنحوتة. وهناك آثار هيكلين وثنيين، يحملان طابع الهندسة المعمارية الهلنستية. الأول يوناني، يعود إلى القرن الثاني قبل الميلاد، والثاني روماني، يعود إلى القرن الأول الميلادي. وعثر في الموقع على بقايا أربع كنائس، بنيت في العصر البيزنطي، تقع إحداها في الجزء الشمالي الغربي من المدينة، والأخرى في الجانب الشمالي الشرقي.

 

الكنيسة الشمالية الغربية

 

كشفت التنقيبات عن ساحة الصلاة في هذه الكنيسة، كما كشفت في هذه الساحة، عن تابوت رخامي صغير، يضم عظاماً بشرية، قد تعود لقديس لم يعرف اسمه. وكذلك عثر في هذه الساحة على جرة من البرونز، تعود إلى العصر الأموي، مما يؤكد أن الكنيسة واصلت دورها حتى هذا العصر. ويشير بناء الكنيسةِ الشمالية الغربيةِ إلى درجة القداسة العالية التي يحظى بها هذا المكان، حيث أقيمت في مركز المدينة، شمال الساحة العامة، وضمن منطقة الحي الهيليني، إذ أراد بناة الكنيسةَ إقامتها على بقايا معبد وثني. ويظهر مخطط الكنيسة تماماً بشكل واضح على سطح الأرض حتى قبل التنقيب الذي قام به فريق من جامعة وارسو البولندية.

بنيت الكنيسة ورصفت بالحجارة البازلتية المستطيلة بعناية فائقة، وفيها أربعة من الأروقة لكل رواق ستة من الأعمدة التي تعلوها تيجان أيونية. وعلى الأرضية الفسيفسائية في الممر الجنوبي نقشان باللغة اليونانية يخلدان أسماء المتبرعين والمبالغ التي تبرعوا بها، وهم من أهالي المدينة على ما يبدو. واسم أحد المتبرعين كان هيليودورا، والثاني كان اسمه بطرس.

إن التحليل المعماري للكنيسة يظهر أنها بنيت على مراحل مختلفة والفسيفساء رصفت على الأغلب في نهاية القرن الرابع أو بداية القرن الخامس. أما تجديد الفسيفساء قرب المذبح الرخامي فيبدو أنه تم في القرن السادس الميلادي، حيث بدت مماثلة لفسيفساء الكنيسة الجنوبية الشرقية من المدينة، وهذه الأخيرة مؤرخة في السنة 591 م، وتشبه أيضاً فسيفساء كنيسة الكرسي القريبة منها والتي أَرّختْ في سنة 585م.

 

الكنيسة الشمالية الشرقية

 

تقع الكنيسة الشمالية الشرقية على مسافة 50 متراً إلى الشرق من الكنيسةِ الشمالية الغربية. وبدأ التنقيب فيها عام 2002 من قبل جامعة كونكورديا في ولاية مينيسوتا الأميركية برئاسة الدكتور مارك شولر. وهي مثل جارتها الغربية كانت مرئية على سطح الأرض قبل التنقيب. تتجه الكنيسة الشمالية الشرقية شرق غرب، كما هو الحال في الكنيسة الشمالية الغربية، ويظهر المخطط العام للكنيسة أنها مربعة الشكل 12 × 12 متراً، بنيت من البازلت المنحوت، أما كسوتها الداخلية فقد صنعت من الرخام، يقسمها صفان من الأعمدة أربعة في كلّ صف.

وما يلفت النظر في هذه الكنيسة أنها الوحيدة، من الكنائس العائدة للفترة البيزنطية في الجولان خصوصاً وبلاد الشام عموماً، التي تحوي منصة حجرية خارجية. وقد عثر قرب مذبحها على قبرين، وهو أمر مفاجئ، لأن وجود مدفن في الكنيسة أمر نادر جداً، وربما يعبر وجود القبور، بهذا القرب من المذبح، عن مكانة الأشخاص المدفونين فيها.

 

الكنيسة الملكية

 

وجدت في جنوب شرق المدينة كنيسة من الطراز الملكي، يفصل صفان من الأعمدة الداخلية الجناحين الجانبيين من ساحة الكنيسة، ويلاحظ هنا أن جزءاً من الكنيسة على شكل نصف دائري. إن كنائس هيبوس عموماً تشبه الكنائس البيزنطية الأخرى في الجولان، ولكنها تتميز عنها بمنصة رخامية داخلية نصف دائرية.

وقد أظهرت التنقيبات أن المدينة عانت في البداية من مشكلة نقص الماء، واعتمدت على أحواض تخزين، في توفير الماء اللازم، فقد عثر في الجزء الغربي من المدينة على بركة كبيرة، وأخرى صغيرة، مجصصة، ويعتقد بعضهم أن النافورة المعقدة التصميم، كانت في هذا المكان. وقد حلت المدينة مشكلة الماء لاحقاً، بتقنية تنم عن معرفة دقيقة بطبوغرافية الأرض، والقدرة على توظيف المواد المحلية، في نقل الماء، فقد جلب الماء إلى المدينة، من أعالي وادي العال، وعلى امتداد 25 كم، عن طريق نحت قناة في الصخور، في بعض الأجزاء، وتركيب حجارة بازلتية مجوفة، قابلة للوصل، في أجزاء أخرى، ورفعت الحجارة المجوفة على أعمدة، في بعض الأماكن المقعرة. وفتحت فتحات دائرة في القناة، من أجل التهوية، وتخفيف الضغط على الماء الجاري، وتسهيل عملية تنظيف القناة، ويلاحظ أن القناة كانت تمتد داخل المدينة، تحت الأرصفة المرصوفة، وتملأ أحواض التخزين.

 

أعمدة وأرضيات فسيفسائية

 

في الموقع أيضا بقايا خندق مائي وسور، تقع خارجه تلال تضم كهف دفن من العصر الروماني، ويشار إلى أن المدينة تطل غرباً على تل، نحتت الرياح والمياه فيه تشكيلات لافتة للنظر، وأوحت بتسميته بتل خلية النحل، وتل الدمى أو اللعب.

وتنتشر في الموقع أعمدة غرانيتية، ملقاة على الأرض، وفق زوايا متماثلة، سقطت نتيجة الزلزال المدمر الذي قضى على الحياة فيها، وهناك بقايا أرضية من المرمر والفسيفساء، ومبان عامة كبيرة، شيدت بأحجار البازلت المحلية، وبحجارة جيرية، أحضرت من مناطق بعيدة، وقد زينت المباني بأنواع مختلفة من الرخام، جلبت من مناطق مختلفة، في حوض البحر الأبيض المتوسط، وكانت المدينة تزخر بتماثيل الأسود.

وتوضح البقايا في الموقع أن المدينة بنيت وفق مخطط هندسي جيد، ويؤكد استخدام الرخام والغرانيت المستوردين، أن المدينة شهدت ازدهاراً اقتصادياً، وعلاقات تجارية متشعبة مع المراكز الحضارية التي عاصرتها، كما تؤكد عملية نقل الماء من مسافات بعيدة تطوراً علمياً، ولاسيما في مجال الطبوغرافية والهندسة المائية، وكذلك تؤكد كثرة المعالم الروحية و الثقافية في الموقع المكانة الثقافية التي احتلتها هذه المدينة.

مواضيع ذات صلة:

ث
أرشيفية من لحظة تتويج الرباع العراقي عبد الواحد عزيز بالبرونزية في أولمبياد روما 1960

مع انطلاق أولمبياد باريس يستذكر العراقيون الرباع عبد الواحد عزيز، صاحب الميدالية البرونزية الوحيدة، وأحد الأبطال الذين لقبّوا بـ"قاهري الحديد" في البصرة.

ولد عبد الواحد عزيز عام 1931 في مدينة البصرة الغنية بالنفط والمطلة على الخليج العربي متعددة الأعراق والثقافات. وبحسب السيرة الذاتية التي نشرت على موقع نقابة الرياضيين العراقيين فإن عزيز كان مولعاً بالرياضة، إذ مارس كرة القدم والسلة والطائرة بالإضافة للسباحة قبل أن يستقر على رياضة رفع الأثقال أوائل الخمسينيات في نادي الاتحاد الرياضي.

انتقل للتدريب في نادي الشروق بمنطقة العشار، وهناك تعرف عليه الرباع ورئيس اتحاد الأثقال في البصرة والحكم الدولي السابق عبد الباقي ياسين التميمي الذي تحدث لـ "ارفع صوتك" عن تلك المرحلة الذهبية في حياة الرياضيين العراقيين وطموح الرباعين أن يحصد العراق وساماً ملوناً في رياضة رفع الأثقال.

يروي التميمي: "كانت الرياضة هواية يمارسها أبناء المجتمع البصري بشكل فطري ودون أن تكون هناك رعاية من الدولة لتطوير هذه الألعاب. فكان فعلاً مجتمعياً قائماً على حب الرياضيين لهواياتهم بالدرجة الأولى".

في تلك الفترة برز العديد من الرباعين في البصرة وكان يطلق عليهم اسم "قاهري الحديد" بالإضافة إلى العديد  من الرياضات الفردية، فضهر العديد من الأبطال ونال كثير منهم الألقاب على مستوى العراق والعالم العربي وبطولات آسيا.

ميدالية يتيمة منذ 1960.. ما حظوظ العراق في أولمبياد باريس؟
خوض غمار أولمبياد باريس 2024 لا يختلف عن المشاركات السابقة للعراق والعامل المشترك هو غياب ‏التفاؤل عن بلد ما زال يبحث عن مكان مفقود له في هذه الألعاب التي أحرز فيها ميدالية يتيمة خلال تاريخه، وكانت ‏باللون البرونزي عبر الربّاع الراحل عبد الواحد عزيز في روما 1960.‏

الطريق إلى الأولمبياد

أقيمت أول بطولة نظامية في رفع الاثقال عام 1944 في العاصمة بغداد، وأُسس أول اتحاد لرفع الأثقال رسمياً في 1950، وبعدها بعامين أصبح العراق عضواً في الاتحاد الدولي لرفع الأثقال.

كان للرباع عزيز "مساهمة كبيرة في إبراز رياضة رفع الاثقال التي تفرغ لها كلياً عام 1951"، بحسب التميمي، موضحاً "بدأت داخلياً عندما شارك عزيز بأول بطولة وطنية له في العام ذاته واحتل المركز الثاني في وزن الديك (56 كغم)، وهو الإنجاز الذي كرره في العام التالي. بعدها بعامين ظهر لأول مرة دولياً في دورة الألعاب العربية التي أقيمت في الإسكندرية بمصر عام 1953، بوزن الريشة (60 كغم) آنذاك، وحصل على الميدالية الفضية".

"ومن هناك بدأ عزيز يشق طريقه نحو الأولمبياد التي تُعقد مرة واحدة كل أربعة سنوات، فكان مخلصاً في التدريب تحت إشراف المدرب جميل بطرس وهو واحد من أهم مدربي رياضة رفع الأثقال في البصرة آنذاك"، يتابع التميمي.

كان جميل بطرس موظفاً في مصلحة الموانئ العراقية، فيما كان عزيز موظفاً في دائرة الكهرباء، يصفهما التميمي بقوله "كلاهما كانا مواظبين على التدريب بعد الانتهاء من عملهما في دوائرهما الرسمية، كما كانا يتدربان أيضا في منزلهما المزود بمتطلبات بسيطة للتدريب على رفع الأثقال".

خلال تلك المدة كان التدريب يتكون من ثلاث فقرات وهو الضغط والنتر والخطف، أما حالياً فتم إلغاء الضغط.

ويشرح التميمي الطريقة التي كان يتدرب بها عزيز: "كان مخلصاً في تدريبه لا يتركه ولو ليوم واحد"، معللاً ذلك بأن "رياضة رفع الأثقال قاسية تحتاج إلى تدريب مستمر ونظام غذائي صارم حتى لا يتأثر بارتفاع وانخفاض الوزن خلال المنافسات العربية والدولية". 

ونتيجة لكل ذلك التدريب بدأ عزيز بحصد الميداليات الواحدة تلو الأخرى، بدأت من دورة الألعاب العربية الثانية التي أقيمت في بيروت عام 1957 حيث تمكن عزيز من نيل المركز الأول والميدالية الذهبية في فعالية وزن المتوسط (75 كغم).

وفي العام نفسه أقيمت في طهران بطولة آسيا برفع الأثقال والمتداخلة مع بطولة العالم، شارك فيها بفعالية الوزن الخفيف (67.5 كغم) حيث حصد المركز الأول بمجموع رفعات بلغ (362.5 كغم)، ليكون الرباع الوحيد في آسيا والشرق الأوسط الذي عبر حاجز الـ(360 كغم) ضمن فئة الخفيف.

أما مشاركته الثانية وهي الأبرز فجاءت في العاصمة البولندية وارسو عام 1959 ونال بها المركز الثالث بعد أن قلل من وزنه إلى الوزن الخفيف. حصل على الميدالية البرونزية في بطولة العالم عام 1959 وهو ما جعله منافساً في أولمبياد روما عام 1960.

يقول التميمي إن وصول عزيز للأولمبياد "كان حدثاً عظيماً أثر في جميع اللاعبين وانتظرناه بفارغ الصبر".

هل يحرز العراق الذهب في أولمبياد باريس؟
وتتألف بعثة العراق في أولمبياد باريس 2024 المقرر إجراؤها بين 26 يوليو الجاري و11 أغسطس المقبل، بحسب بيان للجنة الأولمبية العراقية، من 26 رياضياً في ألعاب كرة القدم ورفع الأثقال وألعاب القوى والجودو والسباحة إضافة إلى الإداريين والمدربين والأطباء والمعالجين.

برونزية روما

وصل عبد الواحد عزيز برفقة مدربه جميل بطرس إلى روما، وهناك تمكن من التنافس وكان مرشحاً قوي للحصول على المركز الأول أو الثاني بسبب الأرقام التي حققها برفعه مجموعة قدرها (380 كغم) وهو رقم متساو مع ما حققه اللاعب السنغافوري تان هو ليوانغ، فيما تقدم عليهما السوفيتي يوشو بيف بـ(397.5 كغم).

"بعد التعادل، تقرر بحسب أنظمة ولوائح الأولمبياد في حال التساوي يتم الأخذ بنظر الاعتبار أوزان المتسابقين لتحديد الفائز. لتفصل 400 غرام زيادة في وزن عزيز عن الفضية، فاحتل المركز الثالث وحصل على الميدالية البرونزية.

منذ ذلك الحين، لم يتمكن أي رياضي عراقي من تحقيق ما يوازي هذا الإنجاز، لذلك صار لقب ميداليته "اليتيمة"، وفق عبد الباقي ياسين التميمي.

وعن الجو العام في العراق، يتذكر "كنتُ وبقية الرياضيين خصوصاً الرباعين نتابع  أخبار الأولمبياد عبر الصحف والإذاعة، فلم يكن ممكناً حينها رؤية النقل المباشر للألعاب الرياضية، ورأينا لحظة فوزه في نسخة مسجلة عبر التلفاز".

"كانت فرحة لا يمكن وصفها"، يضيف التميمي، مكملاً "عندما عاد عزيز إلى العراق تم تكريمه باحتفالين متواضعين الأول في بغداد والثاني في محافظة البصرة".

بععد عودته، أعرب عزيز عن دهشته بحجم التطور الرياضي الذي رآه في الألولمبياد وحجم الإمكانيات المتوفرة للاعبين من قبل بلادهم، وكيف أنه ذهب برفقة مدربه فقط، مقارنة بغيره من اللاعبين الذين وصلوا روما برفقة العديد من الأشخاص والمدربين لتهيئتهم من أجل المسابقات.

كان أكثر ما تمناه عزيز للعراقيين، يقول التميمي "توفير الإمكانيات التي توفرها دول العالم المتقدم للاعبيهم في المنافسات" وهو الأمر الذي لم يتحقق.

يوضح "تراجعت رياضة رفع الأثقال كثيراً خصوصاً في البصرة، لظروف كثيرة منها الحروب والأوضاع الأمنية وعدم توفير الدعم".

كذلك، لم يستمر عزيز بعد الأولمبياد في رفع الأثقال فقد عانى من مشاكل صحية لم تسمح له بالبقاء طويلاً في اللعبة، كونها من الألعاب الشاقة. 

توفي عزيز بعمر صغير أوائل الثمانينيات، يقول التميمي، مردفاً "خسرنا بطلاً عراقياً كان يمكن أن تكون له إنجازات كبيرة في عالم التدريب كما كان صاحب الإنجاز الوحيد للعراق في الأولمبياد".

ورغم التراجع الذي تواجهه الرياضات الفردية بشكل عام، إلا أن التميمي يبدو متفائلاً، بقوله "أنظر بأمل كبير إلى رياضة رفع الأثقال لتكون من جديد الرافد الأساسي لميدالية أولمبية جديدة في أولمبياد باريس الحالية، نظراً للأرقام التي حققها المتأهل إلى الأولمبياد الرباع علي عمار، وألا تبقى الميدالية العراقية الوحيدة في الأولمبياد يتيمة".