معزون شيعة خلال مراسيم إحياء ذكرى عاشوراء في إسطنبول في 26 ديسمبر 2009.
معزون شيعة خلال مراسيم إحياء ذكرى عاشوراء في إسطنبول في 26 ديسمبر 2009.

عرف التاريخ الإسلامي صراعاً مذهبياً طويلاً بين السنة والشيعة. اعتاد كل مذهب، غالبا، أن ينظر للمذهب الآخر بصفته الخصم الذي يجب أن يخوض ضده حرباً لا هوادة فيها. رغم ذلك، ظهرت بعض النماذج المتسامحة إلى حد بعيد، والتي بينت إمكانية إقامة علاقة ودية بين المذهبين. ما هي تلك النماذج؟ وما قصصها؟ وكيف تناولتها المصادر التاريخية السنية والشيعية؟ وهل يمكن أن تسهم تلك النماذج في تهدئة الصراع السني- الشيعي المعاصر؟

 

في طلب العلم وتأييد الثورة.. أبو حنيفة والأئمة

 

على الرغم من الخلاف الكبير الواقع بين المذاهب الفقهية السنية والمذهب الشيعي الجعفري، فإننا سنجد أن "الإمام الأعظم" أبا حنيفة النعمان قد تتلمذ على يد بعض أئمة آل البيت لدى الشيعة. تذكر المصادر التاريخية أن النعمان درس على يد كل من محمد بن علي الباقر، وابنه جعفر الصادق، وهما على الترتيب، الإمامان الخامس والسادس بحسب المعتقد الشيعي الاثني عشري.

تتحدث المصادر التاريخية عن اعتراف أبي حنيفة بأهمية الفترة التي قضاها في صحبة الباقر والصادق. وفي هذا السياق، شاعت المقولة المنسوبة لأبي حنيفة: "لولا السنتان لهلك النعمان". ويُقصد بالسنتين هنا الفترة الزمنية التي تتلمذ فيها على يد الإمامين. أيضاً نُسب لأبي حنيفة في موضع آخر قوله: "ما رأيت أحداً أفقه من جعفر بن محمد -يقصد جعفر الصادق"، وذلك بحسب ما يذكر الحافظ المزي في كتابه "تهذيب الكمال في أسماء الرجال".

العلاقة الودية بين النعمان والأئمة الشيعة لم تقتصر على المدارسة العلمية والفقهية فحسب. بل امتدت لنجد أبا حنيفة يؤيد زيدا بن علي في ثورته على الخليفة الأموي هشام بن عبد الملك سنة 122ه. يذكر محمد بيومي مهران في كتابه "الإمامة وأهل البيت" أن أبا حنيفة قال لمّا بلغه خروج زيد وثورته: "ضاهى خروجه خروج رسول الله يوم بدر".

وذكر الزمخشري في كتابه "الكشاف" أن أبا حنيفة كان "يفتي سراً بوجوب نصرة زيد بن علي، وحمل المال إليه، والخروج معه". تأييد أبي حنيفة للأئمة الشيعة ظل قائماً بعد سقوط الدولة الأموية ووصول بني العباس إلى سُدة الحكم. يذكر ابن عنبة في كتابه "عمدة الطالب في أنساب آل أبي طالب"، أن النعمان ساند ثورة محمد النفس الزكية سنة 145ه. أرسل أبو حنيفة للنفس الزكية بالأموال ليساعده في حشد الرجال. ولمّا بلغته أخبار مقتل النفس الزكية، أرسل النعمان برسالة تأييد إلى أخيه إبراهيم بن عبد الله، وقال فيها: "إني جهزت إليك أربعة آلاف درهم، ولم يكن عندي غيرها، ولولا أمانات للناس عندي للحقت بك".

 

في رواية الحديث.. الإمام الرضا والمحدّث أبي زرعة الرازي

 

من المواقف المهمة التي تعكس العلاقات الودية التي ربطت بين الشيعة والسنة قديماً. موقف المحدّث السني الشهير أبي زرعة الرازي عندما لقي الإمام الثامن لدى الشيعة الاثني عشرية علي الرضا بن موسى الكاظم في نيسابور في مطلع القرن الثالث الهجري.

استدعى الخليفة العباسي المأمون علي الرضا إلى عاصمة حكمه في مرو ببلاد فارس ليعهد إليه بولاية العهد من بعده. في الطريق إلى مرو، مر الرضا بمدينة نيسابور وكان أبو زرعة الرازي ممن وقف منتظراً وصول حفيد النبي.

يحكي الحاكم النيسابوري قصة ذلك اللقاء في كتابه "تاريخ نيسابور" فيقول واصفاً: "إن الإمام علي الرضا لما دخل نيسابور، وشق شوارعها، وعليه مظلة، لا يرى من ورائها، تعرض له الحافظان أبو زرعة الرازي ومحمد بن أسلم الطوسي ومعهما من طلبة العلم والحديث ما لا يحصى، فتضرعا إليه أن يريهم وجهه، ويروي لهم حديثاً عن آبائه. فاستوقف الإمام البغلة، وأمر غلمانه بكشف المظلة، وأقر عيون تلك الخلائق برؤية طلعته المباركة فكانت له ذؤابتان معلقتان على عاتقه، والناس بين صارخ وباك، ومتمرغ في التراب، ومقبل لحافر بغلته، فصاحت العلماء: يا معشر الناس أنصتوا، فأنصتوا، واستملى منه الحافظان -أبو زرعة الرازي ومحمد بن أسلم الطوسي-. قال الإمام الرضا: حدثني أبي موسى الكاظم عن أبيه جعفر الصادق عن أبيه محمد الباقر عن أبيه زين العابدين عن أبيه الحسين بن علي عن أبيه علي بن أبي طالب، قال: حدثني حبيبي وقرة عيني رسول الله قال: حدثني جبريل، قال: سمعت رب العزة يقول: "لا إله إلا الله حصني، فمن قالها دخل حصني، ومن دخل حصني، آمن من عذابي"، ثم أرخى الستر وسار، فعد أهل المحابر والدوى الذين كانوا يكتبون، فأنافوا على عشرين ألفاً"! عُرف هذا الحديث باسم حديث السلسلة الذهبية. وورد في كتب السنة والشيعة على حد سواء. وتحدثت الكثير من المصادر التاريخية عن تصديق محدثي السنة له وتأكيدهم عليه، حتى نُقل عن أحمد بن حنبل قوله: "لو قرأت هذه الإسناد على مجنون، لبرئ من جنته!".

 

بين السلطان والقاضي.. الماوردي وجلال الدولة البويهي

 

تقاسم السنة والشيعة السلطة في العالم الإسلامي في عصر الدولة البويهية. كان الخليفة عربيا عباسيا سنيا، بينما كان السلطان فارسيا بويهيا شيعيا. لم يمنع اقتسام السلطة من حدوث التقارب بين بعض سلاطين الشيعة من جهة وعدد من فقهاء وقضاة السنة من جهة أخرى. تُعدّ قصة القاضي الماوردي مع السلطان جلال الدولة البويهي شاهداً مهماً على ذلك التقارب.

يحكي ابن كثير في كتابه "البداية والنهاية" أن السلطان جلال الدولة طلب من الخليفة أن يسميه بلقب "شاهنشاه" والتي تعني ملك الملوك. رضخ الخليفة للأمر الواقع وقبل طلب السلطان. وسارع العديد من فقهاء السنة لشرعنة تسمية السلطان بذلك اللقب. رفض أبو الحسن الماوردي ذلك لأنه كان يرى أن الله وحده هو ملك الملوك، وأنه لا يمكن لإنسان أن يُلقب بهذا اللقب. اعتزل الماوردي السلطان لفترة. فلمّا طال غياب القاضي عن مجلس جلال الدولة أرسل السلطان في طلبه. وبمجرد أن رآه قال له: "قد علمت أنه إنما منعك من موافقة الذين جوزوا ذلك، مع صحبتك إياي ووجاهتك عندي، دينك واتباعك الحق، ولو حابيت أحداً من الناس لحابيتني، وقد زادك ذلك عندي محبة مكانة". تعبر تلك القصة عن الاحترام المتبادل بين السلطان والقاضي، وكيف أن الخلاف المذهبي لم يقطع أواصر المحبة والود.

 

علاقة الصداقة.. نصير الدين الطوسي وابن الفوطي الحنبلي

 

دخل المغول بغداد سنة 656ه. كان العالم الشيعي نصير الدين الطوسي مصاحباً لهولاكو قائد المغول. وتذكر المصادر التاريخية إنه بذل ما في وسعه وقتها لحقن دماء الكثير من الأبرياء والعامة. كان واحدا من هؤلاء الأبرياء الذين أنقذهم الطوسي هو عبد الرزاق بن الفوطي الحنبلي السني. يذكر علي الكوراني العاملي في كتابه "كيف رد الشيعة غزو المغول" ملابسات تلك الحادثة، فيقول: "عندما سقطت بغداد ودخلها المغول وعاثوا فيها نهباً، أخذوا فيما أخذوا صبياً في نحو العاشرة من عمره، هو عبد الرزاق بن الفوطي. وفي سنة 660ه، رآه نصير الدين الطوسي في مراغة فتوسم فيه النبوغ فخلصه من عبودية المغول، واتخذه تلميذاً ومساعداً، ثم جعله أميناً على مكتبة المرصد، فصار خبيراً بالكتب ومؤلفيها...". لم يمنع الخلاف المذهبي بين الرجلين من عقد صداقة وطيدة بينهما. رغم كونه حنبلياً سنياً، أقبل ابن الفوطي على التتلمذ على يد نصير الدين الطوسي. ونهل من معارفه الواسعة في الفلك والفلسفة والرياضيات.

 

في الجدال العلمي.. بين ابن تيمية وابن المطهر الحلي

 

وقع العداء بين دولة المماليك في مصر والشام ودولة المغول الإيليخانيين في العراق وإيران في القرن الثامن الهجري. كان المماليك مسلمين على المذهب السني. أما الإيليخانيين فاعتنقوا الإسلام وفق المذهب الشيعي الإثني عشري.

في سياق ذلك العداء السياسي، اندلع النقاش والجدل العلمي بين علماء السنة وعلماء الشيعة. كتب ابن المطهر الحلي الشيعي كتابه المشهور "منهاج الكرامة في إثبات الكرامة". فرد عليه ابن تيمية السني بكتابه "منهاج السنة النبوية في الرد على الشيعة القدرية".

رغم العداء المعروف بين الرجلين، ذكرت بعض الروايات التاريخية أن الصدفة جمعت بينهما ذات مرة، فألفت بينهما وأذهبت الوحشة والجفوة والخصام. يذكر شمس الدين السخاوي في حاشيته على كتاب أستاذه ابن حجر العسقلاني "الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة" أن ابن المطهر الحلي "لمّا حج اجتمع هو وابن تيمية وتذاكرا، وأعجب ابن تيمية كلامه، فقال له: من تكون يا هذا؟ فقال: الذي تسميه ابن المنجس، فحصل بينهما أنس ومباسطة". رغم ضعف تلك الرواية من الناحية التاريخية إلا أنها تواترت وشاعت بين الناس. وربما كان السبب في ذلك أن العامة قد عز عليهم أن يموت الرجلان وكل منهما ساخط على صاحبه، فرغبوا أن يصلحوا بين أهم علماء السنة والشيعة في ذلك الزمان.

 

في الحرب.. القاضي الخشاب ونجم الدين إيليغازي

 

تعرضت مدينة حلب لتهديد خطير من الصليبيين في بدايات القرن السادس الهجري. ولم يكن هناك حاكم قوي يستطيع أن يحمي المدينة من الخطر. يذكر المؤرخ ابن العديم في كتابه "بغية الطلب في تاريخ حلب" أن الفقيه الشيعي أبا الفضل بن الخشاب الحلبي لمّا شعر بالتهديد الصليبي، تجاوز الخلافات المذهبية القائمة بين السنة والشيعة. وأرسل إلى أمير ماردين السنّي نجم الدين إيليغازي، صاحب دولة الأراتقة التركمان، والتي حكمت مساحات واسعة من جنوب تركيا وشمال سوريا، وعرض عليه حكم حلب. استجاب إيليغازي لدعوة ابن الخشاب، وتحركت قواته لحلب، لتتحالف مع قوات ابن الخشاب الشيعية. بعدها خاض المسلمون -سنة وشيعة- الحرب ضد القوات الصليبية في معركة سرمدا سنة 513هـ.

 لعب ابن الخشاب دوراً مؤثراً في تلك المعركة، وبث الحماس في نفوس المسلمين جميعاً. يتحدث ابن العديم عن هذا الدور فيقول: "أقبل القاضي أبو الفضل بن الخشاب، يحرّض الناس على القتال، وهو راكب على حمار وبيده رمح، فرآه بعض العسكر فازدراه، وقال: إنما جئنا من بلادنا تبعاً لهذا المعمم! فأقبل على الناس، وخطبهم خطبة بليغة استنهض فيها عزائمهم واسترهف هممهم بين الصفين، فأبكى الناس وعظُم في عينهم". انتهت تلك المعركة بانتصار المسلمين، فكانت سرمدا هي المعركة الكبيرة الأولى التي يُهزم فيها الصليبيون في بلاد الشام، كما كانت شاهداً على إمكانية تحقيق الوحدة بين السنة والشيعة.

 

في التاريخ.. ابن أبي طيء والمقريزي

 

تمكن بعض المؤرخين المسلمين من تجاوز انتماءاتهم المذهبية ليشهدوا بموضوعية وبتسامح في حق المخالفين لهم في المذهب. من أبرز النماذج على ذلك كل من المؤرخ الشيعي ابن أبي طيء والمؤرخ السني تقي الدين المقريزي.

عُرف يحيى بن أبي طيء الحلبي المتوفى 630ه بشهادته الموضوعية في حق السلطان السني صلاح الدين الأيوبي مؤسس الدولة الأيوبية في مصر والشام. تحدث الباحث محمد بن المختار الشنقيطي في كتابه "أثر الحروب الصليبية على العلاقات السنية الشيعية" عن ذلك الأمر، فقال: "كان يحيى بن أبي طيء الحلبي مؤرخاً شيعياً إمامياً معاصراً لصلاح الدين الأيوبي، وقد كان معجباً بصلاح الدين إعجاباً عميقاً... كان يقدر ما اتسم به صلاح الدين من نبل الروح، والقدرة على ضبط النفس عند الغضب، ورحابة الصدر في التعامل مع صغار النفوس من الأمراء الأنانيين في الشام والعراق... وقد مدح صلاح الدين بأنه نشر علم العدل والإحسان، وعفى آثار الظلم والعدوان. ولم ينحصر ولاء هذا المؤرخ الشيعي للأيوبيين على شخص صلاح الدين، بل تجاوز ذلك إلى كل الأسرة الأيوبية. فقد كتب يمدح والد صلاح الدين، نجم الدين، وعمه أسد الدين شيركوه، وأخويه، طوران شاه وفروخ شاه".

على الجانب المقابل، تناول المؤرخ السني تقي الدين المقريزي المتوفى 845ه تاريخ الدولة الفاطمية الشيعية في مصر بقدر كبير من الإنصاف والتجرد والموضوعية. على سبيل المثال سار المقريزي، عكس التيار السني، عندما صحح نسبة الفاطميين إلى البيت العلوي الفاطمي. تناول ذلك الموضوع في كتابه "اتعاظ الحنفاء بأخبار الأئمة الفاطميين الخلفاء" فقال شارحاً إياه: "ووجد بنو العباس السبيل إلى الغض منهم (يعنى الفاطميين) لما مكنوا من البغض فيهم وقاسوه من الألم بأخذهم ما كان بأيديهم من ممالك القيروان وديار مصر والشام والحجاز واليمن وبغداد أيضاً، فنفوهم عن الانتساب إلى علي بن ابى طالب، بل قالو إنما هم من أولاد اليهود، وتناولت الألسنة ذلك، فملأوا به كتب الأخبار... فتفطّن - رحمك الله - إلى أسرار الوجود، وميّز الأخبار كتمييزك الجيد من النقود... ومما يدلّك على كثرة الحمل عليهم أن الأخبار الشنيعة -لا سيّما التي فيها إخراجهم من ملّة الإسلام- لا تكاد تجدها إلّا في كتب المشارقة من البغداديين والشاميين... فحكّم العقل، واهزم جيوش الهوى، وأعطِ كلّ ذي حقٍّ حقّه".

مواضيع ذات صلة:

صورة تعبيرية لجامع النوري في الموصل شمال العراق
صورة تعبيرية لجامع النوري في الموصل شمال العراق

تحلُّ في منتصف الشهر الحالي ذكرى "المولد النبوي" الذي اعتبرته الحكومة العراقية إجازة رسمية لموافقته يوم 12 ربيع أول، وهو التاريخ الذي رجّحت المرويات التاريخية أنه شهد ميلاد الرسول محمد، استنادًا لمقولة ابن عباس "وُلد رسول الله عام الفيل، يوم الاثنين، الثاني عشر من شهر ربيع الأول".

بحسب الترتيب الزمني الذي أورده دكتور صلاح الدين بن محمد في دراسته "الإلزامات الواردة على بدعة الاحتفال بالمولد النبوي"، فإن أول من احتفل بالمولد النبوي هم الفاطميون سنة 362 هجرية بالقاهرة، وهي الاحتفالات التي استمرت في مصر حتى ألغاها أمير الجيوش الأفضل شاهنشاه بن بدر الجمالي وزير المستعلي بالله سنة 490 هـ.

بعد سنوات من هذا الإلغاء سيكون للعراق الفضل في إعادة إحيائها مُجدداً لتنتشر بعدها في أصقاع العالم الإسلامي حتى اليوم، فما قصتها؟

 

البداية من الموصل

عاد الاحتفال بالمولد النبوي للظهور مُجدداً على يدي الفقيه عُمر بن محمد الموصلي، الذي تمتّع بمكانة اجتماعية كبيرة في الموصل شمال العراق بسبب فقهه وزُهده، فحاز شهرة كبيرة في العالم الإسلامي حتى تُوفي سنة 570 هـ.

بحسب كتاب "الروضتين في أخبار الدولتين النورية والصلاحية" لأبي شامة المقدسي، فإن "زاوية الشيخ عمر" كانت محلاً لزيارة العلماء والفقهاء والملوك والأمراء. 

وامتلك الشيخ عُمر علاقة وطيدة بنور الدين زنكي صاحب حلب، إذ اعتاد الأخير مراسلة الشيخ عُمر لـ"استشارته في الأمور العِظام"،كما كان يزوره كل سنة في شهر رمضان لتناول الإفطار معه.

تعززت هذه المكانة حين خضعت الموصل لسُلطان نور الدين زينكي عام 566 هـ فأوصى وُلاته عليها بأن يستشيروا الشيخ عُمر في كل كبيرة وصغيرة، حتى نال لقب "المولى".

بحسب أبي شامة المقدسي فإن الشيخ عُمر هو الذي أشار على نور الدين بشراء قطعة أرض خراب في وسط الموصل وحوّلها إلى مسجد أنفق على بنائه أموالاً كثيرة، هو "جامع النوري" الذي لا يزال قائماً حتى اليوم.

لم يكن "جامع النوري" هو أكبر إنجازات الفقيه الموصلي إنما إعادة إحياء الاحتفال بـ"المولد النبي"، أيضاً. وبحسب كتاب "خدمات الأوقاف في الحضارة الإسلامية إلى نهاية القرن العاشر الهجري"، كان الشيخ عُمر كان يقيم في كل سنة داخل زاويته احتفالاً بميلاد الرسول محمد، يوجّه فيه الدعوة لحاكم الموصل وكبار رجال الدولة للحضور إلى الزاوية حيث تُقدّم لهم الأطعمة والمشروبات ويستمعون للشعراء الذين حضروا هذه الاحتفالية للتنافس على إنشاد قصائد المدح النبوي.

تزامن هذا الاحتفال مع الاهتمام الجماعي الذي أبداه أهل الموصل طيلة العهد الأتابكي بمناسبة "المولد النبوي"، فكانوا يعتادون تزيين الدور والأسواق ويتجمهرون في المساجد.

في كتاب "رسائل في حُكم الاحتفال بالمولد النبوي"، لم يستبعد مؤلّفوه أن يكون الشيخ عُمر وغيره من أهل الموصل مالوا لإقامة هذه الاحتفالات كأحد أشكال تأثرهم بالفاطميين، الذين أقاموا صلات مباشرة بحكام الموصل على مدار سنوات طويلة، في إطار مساعيهم لإسقاط دولة الخلافة العباسية في العراق.

وذكر كتاب "تاريخ الموصل" لسعيد الديوه جي، أن أبرز حكام الموصل الذين رحبوا بهذا التقارب، هم  أمراء الدولة العقيلية الشيعية مثل حسام الدولة المقلد العقيلي (386 هـ- 391 هـ) وولده معتمد الدولة قرواش، اللذين حافظا على علاقات جيدة مع خلفاء مصر حتى أن قرواش أعلن تبعيته للخليفة الفاطمي الحاكم بأمر الله في 401 هـ، وهي خطوة لم تدم كثيراً بعدما تراجع عنها سريعاً بسبب تهديدات الخليفة القادر العباسي له بالحرب.

ووفق كتاب "الإعلام بفتاوى أئمة الإسلام حول مولده عليه الصلاة والسلام" لمحمد بن علوي الحسني، فإن الشيخ عُمر بعدما بات أول مَن احتفى بالمولد النبوي في العراق اقتدى به صاحب أربيل الملك المظفر كوكبري بن زين الدين بن بكتكين الحليف المخلص لصلاح الدين الأيوبي سُلطان مصر.

أربيل: مهرجان ديني حاشد

عمل زين الدين والد الملك المظفر الدين كوكبري والياً على الموصل، فحقّق نجاحاً كبيراً حتى أنه عندما مات سنة 563 هـ كان عدد من المدن الكبرى في العراق خاضعاً لحُكمه مثل: أربيل، شهرزور، تكريت، سنجار، حرّان وغيرها.

بعدما توفي زين الدين ورث ابنه مظفر الدين كوكبري حُكم أربيل، ولكن لصِغر سنه تولّى شؤون الإمارة أحد مماليك والده الذي خلع كوكبري عن الحُكم ونصّب بدلاً منه أخوه، هنا استعان كوكبري بصلاح الدين الأيوبي الذي أعاده أميراً على أربيل في 586 هـ.

يحكي عبد الحق التركماني في كتابه "ابن دحية الكلبي وكتابه (التنوير في مولد السراج المنير والبشير النذير)": "أخذ كوكبري عن الشيخ عُمر هذه البدعة وطوّرها وتفنن في إقامتها وبذل أموالاً عظيمة في ذلك".

وأورد كتاب "إمارة أربل في العصر العباسي" للدكتور سامي الصقار، أن كوكبري بدءاً من سنة 604 هـ "أولى اهتماماً بإقامة مهرجان ضخم للاحتفال بمولد النبي يتضمن العديد من الفعاليات التي لفتت انتباه الكثيرين من مختلف أنحاء العالم".

ووصف إحياء المناسبة: "في شهر محرم من كل عام هجري يبدأ توافد عوام المسلمين من بغداد والجزيرة ونصيبين وغيرها من البلاد على أربيل، بالإضافة إلى جماعات من الفقهاء والصوفية والشعراء، ومع بداية شهر ربيع الأول يأمر كوكبري بنصب قباب من الخشب المُزين تُخصص كل منها لاستضافة عروض رجال الأغاني والخيالة وأصحاب الملاهي، وكان الناس يزدحمون حول خيامهم لمشاهدة عروضهم".

قبل الاحتفال بيومين كان منظمو المهرجان يطلقون مسيرة ضخمة تتكوّن من مئات الإبل والبقر والغنم التي تزفّها الطبول إلى ميدان كبير تُنحر فيه وتُطبخ ثم يوُزع لحمها على الحضور، كما ذكر الكتاب.

في اليوم الأول للمهرجان كان كوكبري يحضر الاحتفال بصحبة الأعيان والفقهاء وعوام الناس لمشاهدة عروضٍ عسكرية يقوم بها بعض جنود الجيش، بعدها تُقام موائد طعام ضخمة للحضور، 

وقدر حسام الدين قِزغلي (حفيد ابن الجوزي) في كتابه "مرآة الزمان في تواريخ الأعيان"، أن أسبطة الطعام كانت تضم "100 فرس مشوية منزوعة العظام، و5 آلاف رأس غنم و10 آلاف دجاجة و30 ألف صحن حلوى".

بعد الانتهاء من الطعام، كان كوكبري يكرّم عدداً من الأعيان والفقهاء وكبار الضيوف ويوزّع عليهم الأموال. ووفق تقديرات المؤرخين فإن هذه الاحتفالات الضخمة كانت تكلف ما يزيد عن 300 ألف دينار (عملة تلك الفترة).

كيف يحتفل المسلمون بالمولد النبوي في البلدان العربية؟
يعبّر المسلمون -في كل مكان- عن حبهم للنبي من خلال مجموعة من الطقوس والشعائر الفلكلورية الشعبية المتوارثة، والتي تتنوع وتتباين باختلاف الثقافة والمكان. نرصد في هذا التقرير أهم المظاهر الاحتفالية بالمولد النبوي في مجموعة من الدول العربية.

يقول الصقار "رغم ما اشتهرت به احتفالات الخلفاء الفاطميين بالمولد النبوي من بذخٍ شديد فإنها على فخامتها تُعدُّ متواضعة إذا ما قُورنت باحتفالات أربيل، إذ كانت الحفلات الفاطمية تقتصر على ليلة واحدة تُقدم فيها الحلوى والأطعمة ثم يرتّل القرآن وتُنشد القصائد في حضرة الخليفة الفاطمي، بعكس احتفالات أربيل التي كانت تستغرق عدة أيام".

هذا الاحتفاء المهيب استدعى إشادة شهاب الدين أبو شامة في كتابه "الباعث على إنكار البدع والحوادث"، حيث قال "من أحسن ما ابتدع في زماننا ما يُفعل في مدينة أربيل في اليوم الموافق ليوم ميلاد النبي من الصدقات وإظهار الزينة والسرور".

أحد أشهر حضور هذا "المهرجان النبوي" كان المؤرّخ عمر بن الحسن حفيد الصحابي دِحية الكلبي الذي شاهد الاحتفالات 625 هـ وألّف عنها كتاباً بعنوان "التنوير في مولد السراج المنير" قرأه بنفسه على حضرة الملك فأجازه وكافأه بألف دينار.

وفيه تحدّث عن شهادته على ليلة المولد في "إربل المحروسة" وعن لقائه بـ"أفضل الملوك والسلاطين"، حسبما ذكر دكتور أنس وكاك في بحثه "قبسٌ من (التنوير في مولد السراج المنير) للحافظ أبي الخطاب بن دحية الأندلسي".