صورة لقبة المسجد الأموي في دمشق عام 2010.
صورة لقبة المسجد الأموي في دمشق عام 2010.

بدأ التوسع العربي الإسلامي في الأراضي الشامية في السنة الثانية عشر للهجرة. وسرعان ما تحولت أرض سوريا لتصبح جزءاً مهماً من دولة الخلافة الإسلامية. عرفت سوريا الكثير من الأنظمة السياسية الإسلامية التي تعاقبت على حكمها جيلاً بعد جيل. وبُنيت على أرضها في تلك الفترة المئات من المباني المعمارية التي تشهد على التطور الحضاري والثقافي والعمراني في البلاد. نلقي الضوء في هذا المقال على مجموعة من أهم وأشهر المساجد التي عرفتها سوريا عبر القرون.

 

الجامع الأموي الكبير بدمشق

 

يُعرف هذا الجامع باسم جامع بني أمية، أو الجامع الأموي الكبير بدمشق. ويُعدّ واحداً من أهم المساجد الأثرية التاريخية الإسلامية على الإطلاق.

شهد موقع الجامع الأموي الكبير بدمشق بناء مجموعة من المعابد والأبنية الدينية المتعاقبة على مر القرون. في سنة 1200 ق.م تقريباً شهد هذا المكان بناء معبد الإله "حُدَد" الأرامي، وهو إله الخصب والرعد والأمطار. وفي القرن الأول الميلادي، بنى الرومان عقب دخولهم لدمشق معبد للإله جوبيتر في هذا المكان.

أما في نهايات القرن الرابع الميلادي فقد أمر الإمبراطور ثيودوسيوس الأول بتحويل المعبد إلى كاتدرائية باسم القديس يوحنا المعمدان. وبقيت الكاتدرائية على هذا الوضع حتى وصل الخليفة الأموي الوليد بن عبد الملك إلى السلطة فقام بتحويلها إلى جامع كبير وذلك بعدما اتفق مع المسيحيين الدمشقيين. بموجب ذلك الاتفاق، أخذ الوليد مكان الكاتدرائية وحولها إلى جامع وبالمقابل حصل المسيحيون على أربع كنائس كانت بيد المسلمين.

يحتوي الجامع على عدد من الأضرحة والمشاهد المهمة، ومنها حسب الاعتقاد الشائع ضريح يوحنا المعمدان/النبي يحيى، وقبر النبي هود. وينضاف إليها إلى مدفن السلطان صلاح الدين الأيوبي.

 

جامع خالد بن الوليد بحمص

 

يقع جامع خالد بن الوليد في منطقة الخالدية في الجهة الشمالية الشرقية من مدينة حمص الواقعة على نهر العاصي. بُني هذا الجامع عدة مرات. كانت المرة الأولى عقب دخول المسلمين لمدينة حمص في القرن الأول الهجري. ويُقال إن خالدا بن الوليد مدفون في القبر الموجود بجوار الجامع.

في العصر المملوكي أُعيد بناء الجامع مرة أخرى. وفي سنة 664ه، مر السلطان الظاهر بيبرس بحمص أثناء مسيره لخوض الحرب ضد مملكة أرمينيا. عندما شاهد بيبرس أطلال المسجد أمر بإعادة بنائه مرة أخرى، وسُجّل ذلك على بعض الكتابات الموجودة بالمسجد.

يعود البناء الحالي للجامع إلى العصر العثماني، ويُقال إن المعماريين أرادوا أن يبنوا الجامع بحيث يصبح نسخة طبق الأصل من جامع السلطان أحمد في إسطنبول. تعرض الجامع لأضرار بالغة في سنة 2013، بعد اندلاع أحداث الثورة السورية. وفي سنة 2015، انطلقت عملية لترميم الجامع بتمويل من الرئيس الشيشاني رمضان قديروف، وأعيد افتتاحه في فبراير سنة 2019 بحضور مفتي جمهورية الشيشان.

 

مسجد المنصور بالرقة

 

يُعدّ هذا المسجد واحداً من أقدم المساجد الأثرية الموجودة في سوريا. في سنة 155ه، قام الخليفة العباسي الثاني أبو جعفر المنصور ببناء مدينة الرافقة -والتي تُعرف حالياً باسم الرقة- وبنى فيها هذا المسجد. وكان يُعرف باسم المسجد العتيق أو مسجد المنصور.

تم ترميم المسجد في عهد الخليفة العباسي هارون الرشيد، لكنه تصدع على مر القرون لأنه كان مبنياً من الطوب اللبن. لم يبق من المسجد حالياً إلا السور الخارجي وواجهة الحرم والمئذنة التي بُنيت في عهد الدولة الزنكية في القرن السادس الهجري. بشكل عام، يُعتبر هذا المسجد "المدرسة المعمارية الأولى في العصر الذهبي للعرب خلال الفترة العباسية الأولى، وقد انتشر النمط المعماري الفني لهذا المسجد الفريد في أنحاء مختلفة من العالمين العربي والإسلامي آنذاك".

 

المسجد العمري بدرعا

 

يقع المسجد العمري وسط البلدة القديمة بمدينة درعا الواقعة في جنوبي سوريا. يُنسب المسجد إلى الخليفة الثاني عمر بن الخطاب. وتذكر المصادر التاريخية أن الخليفة أمر ببناء المسجد عندما زار المدينة في سنة 14ه. يُقال أيضاً أن بعض الصحابة أشرفوا على عملية البناء ومنهم كل من أبي عبيدة بن الجراح ومعاذ بن جبل.

تمت إعادة بناء المسجد لأكثر من مرة على مر القرون. وأصبح المسجد في صورته الحالية نسخة مصغرة عن الجامع الأموي بدمشق. من الجدير بالذكر أن للمسجد العمري رمزية كبيرة في الوجدان السوري المعاصر، انطلقت منه أولى المظاهرات ضد النظام السوري في أوائل مارس من سنة 2011. تعرض المسجد بعدها للقصف مراراً أثناء أحداث الثورة. الأمر الذي تسبب في انهيار مئذنته سنة 2013.

 

المسجد الكبير في قلعة حلب

 

يُعدّ المسجد الكبير واحداً من أهم المعالم الأثرية الموجود في قلعة حلب، ويقع بجوار سور القلعة الشمالي.

بُني هذا المسجد في زمن الملك الغازي الأيوبي سنة 610ه. ويوضح الأمين الأسبق للمتحف الوطني في حلب، شوقي شعث، في كتابه "قلعة حلب"، الأهمية التي حظي بها المسجد في العصور القديمة. يقول: "يُظن أنّ المسجد كان يضم مدرسةً ينهل الطلاب من معين مشايخها ويقيمون في الغرف الموجودة خلف الرواق، وتشير إلى ذلك كتابة موجودة على واجهة المدخل الرئيسي للمسجد إلى يسار الساكف -وهو الجزء المستعرض الذي يعلو الباب- وتعود إلى العصر المملوكي 865 -866 هجرية".

 

الجامع الكبير في معرة النعمان

 

يقع الجامع الكبير في معرة النعمان في ريف إدلب الجنوبي، ويُعدّ واحدا من أقدم المساجد التاريخية في سوريا. بُني هذا الجامع على يد الصحابي أبي عبيدة بن الجراح وذلك عقب دخول الجيش الإسلامي إلى المدينة في السنة السابعة عشر من الهجرة. تذكر المصادر التاريخية أن المكان الذي يوجد فيه الجامع كان معبداً وثنياً في العصور السحيقة. بعد انتشار المسيحية، تم تحويل المعبد إلى كاتدرائية كبيرة، ثم تم تحويلها إلى جامع بعد دخول المسلمين.

يتألف الجامع حالياً من مجموعة من الأقسام المتمايزة والتي يرجع كل منها إلى حقبة تاريخية مختلفة. "أولاً مئذنة الجامع الكبير وتعود إلى العهد الأيوبي، ثم صحن المسجد الذي يضم "الميضأة" و"المزولة" اللتين تعودان إلى الفترة المملوكية، كما يوجد في الصحن بئر قديم كان يُستخرج منه الماء للشرب، وفي المسجد حَرمان يطلان على الصحن هما الحرم القبلي والحرم الشمالي، ويعودان إلى الفترة المملوكية أيضاً".

يتحدث الباحث عبد الرحيم المصري في كتابه "نبذ من أوابد المعرة" عن أهم الملامح المميزة للجامع فيقول: "أهم ما في الجامع منارته المربعة، وهي أجمل أثر عمراني أبقاه الزمان في "المعرة" وأنفس ذخيرة حفظتها الأيام لتكون مثلاً يدل على مبلغ الفن العمراني في ذلك العهد، وهي- والحق يقال- بديعة الرواء محكمة البناء لا تدانيها في أحكام الصنع ودقة الوضع إلا منارة الجامع الكبير في حلب".

 

الجامع النوري الكبير بحمص

 

يقع الجامع النوري في وسط مدينة حمص القديمة. وكان في بدايته معبداً لإله الشمس إيل جبل، وبعد انتشار المسيحية تحول المعبد إلى كنيسة في زمن الإمبراطور البيزنطي ثيودوسيوس الأول.

بعد دخول المسلمين إلى مدينة حمص، تم تحويل الكنيسة إلى مسجد، وبُني هذا المسجد على النمط المعماري الشائع في شتى المدن السورية في تلك الفترة.

تعرض الجامع للتخريب والهدم في القرن الثاني عشر الميلادي بسبب الزلزال الكبير الذي وقع في بلاد الشام، وبعدها بعقود قام نور الدين محمود بن عماد الدين زنكي بترميمه، ولذلك نُسب إليه المسجد فيما بعد فعُرف باسم الجامع النوري.

 

المسجد الأعلى بحماة

 

يقع المسجد الأعلى في غربي قلعة حماة. ويعود بناؤه الأول إلى أصول وثنية. كان معبداً مكرساً لعبادة الإله الروماني جوبيتر. في بدايات القرن الرابع الميلادي، أمر الإمبراطور البيزنطي قسطنطين الأول بتحويل المعبد إلى كنيسة. تحولت الكنيسة فيما بعد إلى مسجد عقب دخول المسلمين إلى المدينة.

يحظى المسجد بشهرة واسعة في سوريا. وقد قام الخليفة المهدي العباسي بزيادة بناء الجامع في القرن الثاني الهجري. وكذلك قام نور الدين محمود بترميم بعض أبنيته في القرن السادس الهجري.

 

الجامع الأموي في حلب

 

يقع الجامع الأموي في حي الجلوم قرب سوق مدينة حلب القديمة، ويُعرف بعدة أسماء منها الجامع الكبير، وجامع بني أمية، ومسجد النبي زكريا وذلك بسبب الاعتقاد الشائع بأن جزء من جثمان النبي زكريا قد دُفن داخل الجامع.

تم البدء في بناء هذا الجامع في عهد الخليفة الأموي الوليد بن عبد الملك بن مروان. واكتمل بناؤه بعد سنتين في زمن الخليفة سليمان بن عبد الملك. تعرض الجامع للتخريب على يد البيزنطيين الذين دخلوا حلب في القرن العاشر الميلادي، كما خُرب مرة أخرى على يد المغول في سنة 1260م. على الجانب الآخر، حاول بعض الحكام ترميم الجامع في الكثير من الفترات التاريخية. من أهم تلك المحاولات المحاولة التي قام بها سيف الدولة الحمداني في القرن الرابع الهجري، والمحاولة التي قام بها نور الدين زنكي في القرن السادس الهجري.

أسهب المؤرخون والرحالة في وصف الجامع الأموي بحلب في مؤلفاتهم. على سبيل المثال يقول الرحالة الأندلسي ابن جبير في رحلته: "إنه -أي الجامع الأموي- من أحسن الجوامع وأجملها في كافة البلاد الإسلامية، قد أطاف بصحنه الواسع بلاط كبير متسع مفتح، كله أبواب قصرية الحسن إلى الصحن، عددها ينيف على الخمسين، والبلاط القبلي الحرم لا مقصورة فيه فجاء ظاهر الاتساع".

في السياق نفسه، وصف ابن جبير منبر الجامع فقال: "ما أرى في بلدٍ من البلاد منبراً على شكله وغرابة صنعته، واتصلت الصنعة الخشبية منه إلى المحراب فتجللت صفحاته كلها خشباً على تلك الصنعة الغريبة وارتفع كالتاج العظيم على المحراب، وعلا حتى اتصل بسُمك السقف وقد قوّس أعلاه، وهو مرصع كله بالعاج والأبنوس".

لكن المنبر والمحراب الذين وصفهما ابن جبير في المسجد الأموي بحلب لم يبقيا هناك، بل نُقلا إلى المسجد الأقصى؛ فقد صنع نور الدين زنكي المحراب والمنبر وأراد أن يضعهما في المسجد الأقصى بعد استعادة بيت المقدس. لكنه لم يتمكن من ذلك في حياته، وبقي المحراب والمنبر في الجامع الكبير حتى استطاع صلاح الدين الأيوبي طرد الصليبيين، وعندها نقلهما إلى المسجد الأقصى. وقد رآهما ابن جبير خلال زيارته لحلب في عهد صلاح الدين، قبل نقلهما.

 

التكية السليمانية بدمشق

 

تقع التكية السليمانية غربي دمشق. وترتبط قصة بنائها بقصة عجيبة. يذكر نجم الدين الغزي في كتابه "الكواكب السائرة في أعين المائة العاشرة" أن السلطان العثماني الأشهر سليمان القانوني حلم بأنه يقف في مكان التكية، وأن النبي وقف أمامه. صحا القانوني من منامه وقرر أن يبني تكية عظيمة في تلك البقعة، وأمر أن يُقام المحراب في الموضع الذي وقف فيه النبي (كذا)!

تذكر المصادر التاريخية أن سليمان القانوني أمر المعماري العثماني الشهير معمار سنان بوضع التصميمات اللازمة لبناء تلك التكية. وفي سنة 960ه بدأ مئات العمال في تشييد ذلك المبنى، واستغرق البناء مدة 6 سنوات كاملة. يذكر عبد القادر الريحاوي في كتابه "العمارة في الحضارة العربية الإسلامية" عظمة هذه التكية وأهميتها الكبرى كواحدة من أهم الآثار الدينية الإسلامية في سوريا، فيقول: "هي مجموعة عمرانية فخمة تخلب الألباب بقبابها المنتظمة كالعقد حول قبة رئيسية كبيرة، يحيط بها مئذنتان ممشوقتان، وتتخللها حدائق وأشجار باسقة يمتزج جمالها بمحاسن العمارة فيجعل من هذه البقعة في دمشق من أجمل البقع وأكثرها جمالاً".

مواضيع ذات صلة:

يتوجه ملايين الزوار الشيعة من شتى أنحاء العالم صوب كربلاء في شهر صفر من كل عام لإحياء أربعينية الحسين بن علي بن أبي طالب.
يتوجه ملايين الزوار الشيعة من شتى أنحاء العالم صوب كربلاء في شهر صفر من كل عام لإحياء أربعينية الحسين بن علي بن أبي طالب.

يتوجه ملايين الشيعة من شتى أنحاء العراق وإيران والبحرين والكويت ولبنان وباكستان صوب كربلاء في شهر صفر من كل عام. تقصد تلك الحشود المدينة العراقية المقدسة لإحياء أربعينية الإمام الحسين بن علي بن أبي طالب، الذي قُتل في موقعة عاشوراء في العاشر من محرم سنة 61 هـ.

تُعرف تلك المسيرة باسم "الـمَشَّايَة" لأن الملايين من زوار الحسين يمشون فيها على أقدامهم، ويقطعون مسافات كبيرة للوصول إلى كربلاء. ما هي تلك المسيرة؟ ماذا عن جذورها التاريخية؟ وما هي مكانتها في طقوس الأربعين؟ وكيف ارتبطت ببعض الأحداث السياسية؟

 

 الجذور التاريخية لزيارة الحسين

 

تذكر المصادر الروائية الشيعية أن السيدة زينب بنت علي وابن أخيها علي زين العابدين (الإمام الرابع) توجها إلى كربلاء بعد أربعين يوماً من مقتل الحسين، وقابلا هناك الصحابي جابر بن عبد الله فزاروا جميعاً قبر الحسين. واستنوا بذلك السنة التي ستظل قائمة حتى اليوم.

وبحسب ما يذكر ابن طاووس الحلي في كتابه "اللهوف في قتلى الطفوف" فإن الخليفة الأموي يزيد بن معاوية بن أبي سفيان أمر برد السبايا والأسارى من الشام إلى المدينة في الحجاز، ومعهم رأس الحسين بن علي. لمّا بلغ الركب أرض العراق قالت السيدة زينب للدليل: مر بنا على طريق كربلاء، فمضى بهم حتّى أشرفوا على مكان المعركة. وكان الصحابي جابر بن عبد الله الأنصاري، وجماعة من بني هاشم، قد وردوا العراق لزيارة قبر الحسين. فالتقى هؤلاء جميعاً مع بعضهم البعض وزاروا قبر الحسين بعد أربعين يوماً من مقتله. صادف هذا اليوم العشرين من شهر صفر. وسُمي في الثقافة العراقية باسم يوم "مرد الرأس" لاعتقاد الشيعة برجوع رأس الحسين بن علي من الشام إلى العراق ودفنه مع الجسد في كربلاء.

بحسب ما يذكر محمد علي الطباطبائي في كتابه "رجوع الركب بعد الكرب"، فإن الشيعة منذ ذلك التاريخ قاموا بتنظيم الزيارة لضريح الحسين بشكل فردي طوال زمني الدولة الأموية والدولة العباسية. وفي القرن الرابع الهجري، تحولت الزيارة إلى طقس جماعي مُعترف به من قِبل الدولة في العصر البويهي. يفسر مهدي شمس الدين أسباب هذا التغيير في كتابه "واقعة كربلاء في الوجدان الشعبي"، فيقول: "كان البويهيون الشيعة قد سيطروا على العراق وإيران، مجرِّدين الخليفة العبّاسي تدريجياً من كلّ سلطانٍ فعليّ. وقد أتاح ذلك لموطن المأتم الحسيني الأُمّ أن ينعم بحرّية طالما فقدها في ممارسة الشعائر الحسينيّة. وهكذا تطوّر المأتم الحسيني شكلاً ونوعاً في العراق وإيران تطوّراً كبيراً".

في العصور اللاحقة، ترسخت الزيارة الأربعينية إلى كربلاء ولا سيما في الفترات التي حُكمت فيها إيران من قِبل دول شيعية، ومنها كل من الدولة المغولية الإيليخانية في القرن الثامن الهجري والدولة الصفوية في القرن الحادي عشر الهجري. قام حكام تلك الدول بتعمير ضريح الحسين وأضرحة كبار الشخصيات الشيعية في كربلاء، وأنفقوا الأموال الضخمة في سبيل تسهيل مهمة السفر إليها. وبذلك صارت أربعينية الحسين حدثاً مهماً ينتظره الشيعة في كل سنة.

في القرن التاسع عشر الميلادي، قام رجل الدين الشيعي ميرزا حسين نوري بإحياء مراسم المشي لزيارة ضريح الحسين في كربلاء. ولاقى هذا التقليد تجاوباً كبيراً من جانب الشيعة في كل من العراق وإيران. مع مرور الوقت، صار من المعتاد أن يجتمع الزوار العراقيون في منطقة "رأس البيشة" الحدودية الواقعة إلى الجنوب من محافظة البصرة قبل انطلاقهم في المسير نحو كربلاء. بالنسبة للزوار القادمين من دول أخرى، فإن أغلبهم يجتمعون في مدينة النجف لزيارة ضريح الإمام علي بن أبي طالب، ثم ينطلقون بعدها قاصدين كربلاء سيراً على الأقدام.

يتوجه ملايين الزوار الشيعة من شتى أنحاء العالم صوب كربلاء في شهر صفر من كل عام لإحياء أربعينية الحسين بن علي بن أبي طالب.
من المصريين القدامى إلى أربعينية الحسين.. ما سر الرقم أربعين في كل الديانات؟
في مصر القديمة، كان الفراعنة يحنطون موتاهم 40 يوما. وفي اليهودية، صام موسى 40 يوما ليستلم الشريعة فوق جبل الطور. وفي المسيحية قضى المسيح 40 يوما بين قيامته من الموت وصعوده إلى السماء، وفي الإسلام، بعث النبي محمد وهو ابن 40 سنة. فما قصة هذا الرقم المميز؟

وتحظى شعيرة المشي لزيارة ضريح الحسين في كربلاء بمكانة دينية مقدسة بحسب التقليد الديني الشيعي المتوارث. في كتابه "السَير على الأقدام الى كربلاء المقدسة.. أهدَافه- مَشروعيته- آدَابَه"، جمع محمود المقدس الغريفي العديد من النصوص الدينية التي تؤكد على أهمية هذه الشعيرة. من ذلك ما نُقل عن الإمام الحادي عشر الحسن العسكري من قوله: "علامات المؤمن خمسة: التختم باليمين، وتعفير الجبين، وصلوات إحدى وخمسين، وزيارة الأربعين، والجهر ببسم الله الرحمن الرحيم". وروي عن الإمام الخامس محمد الباقر: "مرو شيعتنا بزيارة الحسين بن علي عليهما السلام؛ فإن زيارته تدفع الهدم والغرق والحرق وأكل السبع، وزيارته مفترضة على من أقر للحسين عليه السلام بالإمامة".

 

"المشاية".. البعد السياسي والاجتماعي

 

ارتبطت شعيرة المشي لزيارة الحسين بالعديد من الأبعاد السياسية والاجتماعية. في القرن السادس عشر الميلادي، تنافس الصفويون والعثمانيون على حكم العراق. وطيلة وقوع كربلاء تحت الحكم العثماني، حاول الصفويون استبدال شعيرة المشي إلى كربلاء بالمشي إلى مدينة مشهد في إيران، حيث دُفن الإمام الثامن علي الرضا. في هذا السياق، تذكر العديد من المصادر التاريخية أن الشاه عباس الصفوي سافر سيراً على الأقدام من أصفهان إلى مشهد، وقطع في هذه الرحلة ما يزيد عن 1200 كيلومتر على مدار 28 يوماً. وكان يريد بذلك مضاهاة مسيرة الأربعين الحسينية.

في العصر الحديث، ارتبطت مسيرة الأربعين بالصراع مع النظام البعثي في العراق. عمل صدام حسين بشتى الوسائل من أجل إجهاض أي مسيرات في أربعينية الحسين. وتسبب ذلك في وقوع العديد من المصادمات بين السلطة وجماهير الشيعة. كانت أحداث صفر في الرابع من فبراير عام 1977م أشهر تلك المصادمات على الإطلاق.

من جهة أخرى، تميزت المشاية الحسينية بالعديد من السمات المجتمعية البارزة، خصوصاً وأنها واحدة من أكبر التجمعات البشرية الموثقة حول العالم. في سنة 2014م، شهد الطريق الرابط بين محافظتي كربلاء والنجف، إقامة أكبر صلاة جماعة امتدت لنحو 30 كيلومترا بمشاركة آلاف المصلين والزائرين المتجهين الى كربلاء. وفي سنة 2023م، أعلنت العتبة العباسية بكربلاء أن العدد الكلي للزائرين الذين قصدوا مدينة كربلاء لأداء مراسم زيارة أربعينية الإمام الحسين بلغ أكثر من 22 مليون زائر. في سنة 2019، أدرجت منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو) عنصر الضيافة وتوفير الخدمات خلال زيارة الأربعين في القائمة التمثيلية للتراث الثقافي غير المادي للبشرية.

في السياق نفسه، يُعد توزيع الطعام على زائري الأربعين من المعالم المميزة لزيارة صفر. يقوم الكثير من المتطوعين بطبخ كميات كبيرة من الطعام. وتوزع تلك الأطعمة على الزوار دون مقابل. من أشهر أنواع الطعام التي توزع في تلك المناسبة "كعك العباس" والذي يُحضّر من الطحين والسكر واليانسون والزيت. وهناك أيضا "خبز العباس" وهو عبارة عن رغيف من الخبز المحشو باللحوم والتوابل والملفوف بالخضروات المتنوعة والسلطات، ويُقدم في أحيان كثيرة مع اللبن. كذلك، تُعد أكلة "القيمة النجفية" واحدة من أشهر الأكلات التراثية التي توزع على زوار كربلاء في أربعينية الحسين. يعود أصل كلمة القيمة على الأرجح إلى جذور فارسية قديمة بمعنى المرق. وتُنسب تلك الأكلة في الغالب لمدينة النجف (القيمة النجفية)، كما تُسمى أحياناً باسم القيمة الحسينية، وذلك بسبب ارتباطها بمناسبتي عاشوراء وزيارة الأربعين.